مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 444 نيسان 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

غريبان ـــ غسان حنا

غريبان.. هذا الوجودُ.. أنا‏

يُقيمان في منزل واحدٍ.. ووحيدٍ‏

هو الكون‏

له مَدْخلٌ واحدٌ.. هو العشقُ‏

ذاكرةٌ من وعاءِ التفاصيل.. كالوقتِ‏

لكنَّه مُتْرعٌ بالكُوى والشقوقِ‏

فطَوْراً يُؤَاكلني النملُ قَمْحَ حنيني‏

وطَوْراً تؤرّخُ بعضُ العناكب شَرْنَقَتي‏

في زوايا السديمِ‏

وصفصافةٌ للسَّماء تُظلّلهُ من علٍ.. وتدلّى‏

تكادُ تُلامِسُ سقفي الخفيضَ‏

أُحاوِلُ قَدْرَ انتصابٍ‏

لأرفعَ رأسي إلى ضَرْعِها‏

فيصدِمُ قنطرةَ..كنْتُ طفلاً‏

أمدُّ شُعاعاً لأرتادَها‏

فأسقط عن صَهْوةٍ لجنوني‏

صهيلٌ بعيدٌ يُخامرني كالغمامةِ‏

أفتحُ كفَّ جفافي‏

أُدوّنُ خاطرةً للرياحِ‏

وأشكلها بالرعودِ وأنتظر الغيث‏

تمضي الفصولُ‏

وينقطع العابرونَ‏

ولا ثَمَّ من زائرٍ يعتريني‏

يُداهِمني كالنعاس.. الهلاكُ‏

فألتمسُ الموتَ أن يتأنّى‏

يراجعَ جردتَهُ الموسميّةَ‏

يمضغَ قاتاً‏

يفوزَ ببعض الضحايا الرخيصةِ‏

يُمهلَني لسداد ديوني‏

غريبانِ.. هذا الوجود.. أنا‏

وقد كنتُ لامرأةٍ وحّدتني لها‏

لكي تطمئنَّ إلى طيشها.. ووفائي‏

فخاصمْتُ أُمّي‏

مسحْتُ عن الأرضَ أقدامَها‏

ومن البيتِ أنفاسَها‏

رميْتُ حوائجَها خارجاً‏

وأطفأتُ قنديلها في العيون‏

غريبان.. هذا الوجود.. أنا‏

أُسائِلُ عنّي دخان القوافلِ‏

عُثْ الرفوفِ القديمةِ‏

سَهْوَ الغبار على حائطِ الشرقِ‏

جَمْرَ التعاويذ في كفّ ساحرةٍ.. بصَّرَتْني غزالاً‏

تدلَّهَ بالجَرْي خلفَ السرابِ‏

ليمتحَ من مَوْرِدِ الهذيانِ‏

وفي رملِ عينيه دَمْعُ الصحارى‏

وفي رأسه ينهبُ الفاتِكانِ‏

يدوسُ لصوصُ الهواءِ على سطحِ روحي‏

فأندسُّ رُعْباً بتابوت نومي‏

على أنَّ كلبي الأمينَ يخاف عليَّ‏

فيعوي على الآخر المستكينِ بعمري‏

فأخرجُ أستطلعُ الطارئينَ بهذا الظلام البهيمِ‏

فأعلمُ أنَّ النُباحَ.. عناني‏

فأخجلُ‏

نِصْفي يعودُ إلى هُوَّة في السرير الضريحِ‏

ونِصْفي طريدُ النُباح.. جفاني‏

كأنّي تمرّسْتُ في مسرحٍ عَدَميٍّ‏

وقد هُزِمَ النصُّ.. والبطلانِ.‏

كأنّي تمنّيْتُ‏

لو أنَّ أرضي على الفِطْرةِ الأزليّةِ تبقى‏

وأبقى كخمّارةٍ للزمانِ‏

أقولُ..‏

أقولُ لمن قَدْ يراني على باب مقهىً عتيقٍ‏

بسوق الظلالِ‏

لمن قد يراني.. على باب عاشقةٍ‏

ما تزالُ لعقدين من إثمها تغتسلْ‏

لمن قد يراني‏

شقيّاً بكلّ الطيور البريئةِ في دَبَقِ الروحِ‏

مَنْ قد يراني‏

أدسُّ هَوَائيَ ما بين ثغرينِ مُلْتهبينِ‏

ومَنْ قد يراني‏

أطارحُ عازفةَ النهوندِ‏

لأدخُلَ من عَزْفها في الكمانِ:‏

أنا كلُّ طفلٍ‏

ويا ليتهمْ يقبلون اعتذاريَ إذْ:‏

خنتُهُمْ وكبرتُ‏

وفارقتُهم وانحسرتُ‏

وضعفي وإعجازُهُمْ.. أرهقاني‏

وإنّي‏

ومنذُ سقوطي الأخيرِ.. أفتّشُ عنِّي‏

وأرجو ضياعَ الدليل‏

لأبقى ابتزاز الضحيّةِ في المهرجانِ‏

وإنّي‏

ولجْتُ إلى الخمرةِ البُنْيَويّةِ‏

من فجوةٍ فتَحتْها المياهُ الرقيقةُ والمستديمةُ‏

في حائط الجسد البشريِّ.. وسُورِ الغرائزِ‏

عُدْتُ إلى رحمِ الأرضِ في نُطَفِ الكائناتْ‏

دخلْتُ مخاضَ التَصوّفِ‏

نَخْباً ونَخْباً أعُدُّ ندامايَ مُنْتثِرينَ‏

على دَوْحِ سَجَّادةٍ من حناني‏

وغَوْصاً وغَوْصاً‏

تجلَّتْ ليَ الآلهاتُ اللواتي استحلْنَ بعِصيْانِنا كالدُّخانِ‏

رقصْنَا بحريّةٍ وكأنّا‏

على كثرةِ أرواحِنا.. قدمانِ‏

رقصنا وما عاد في قدمٍ لمكانِ‏

طرِبْنا رُؤَىً.. وابتهلْنا‏

وقَد أبدعَتْ خمرَها الشفتانِ‏

سكرنا.. عُلىً.. فَعَدَلْنا‏

قسمنا الأنامَ على الكونِ‏

أضحى لكلٍّ بها وطنٌ‏

وهواءٌ‏

وماءٌ‏

وشمسٌ‏

وساقيةٌ‏

وغيومٌ‏

وكرمٌ‏

وقيثارةٌ‏

ووليدٌ‏

وبيتٌ وعاشقةٌ وحصانٌ‏

ومنّا إلى قبرنا.. خُطوتانِ‏

ولمّا صَحَوْنا..‏

صَحَوْنا بمعتقل الأرضِ‏

والشمسُ سُلَّمُ فجرٍ كسيحٍ‏

وأضحى‏

لكلِّ هوىً‏

خائنانِ‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244