|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
غبش الروح ـــ د. جرجس حوراني مساء وجدَتْ زوجتي الحلّ... كانت قد عانَت الكثير معي قبل أن تعلنَ لي أنّ حلّ مشكلتي التي بدّلتْ حياتي وحياتها، يختبئُ خلف ذلك الجبل، هناك في ضيعتها. وراحتْ تحكي لي عن ذلك الرجل الذي لم تفارقه الابتسامة يوماً ما، حتى أنَّ الجميع يقولون: إنه أسعدُ رجلٍ في هذا العالم. والبعضُ يبالغ في وصفه فيسميه: أبو فرح. متناسين أسماء أولاده الأربعة. لم أنم تلك الليلة، فبعد أن عشتُ ليلة حبّ جميلة مع زوجتي التي قالت لي: كدتُ أنسى... الحمد لله أنكَ ذكرتني أنّ هناك قبلاً وتنهداتٍ بين الزوجين. ونامتْ تاركةً لي السهر. كنتُ أرسم صورةَ هذا الرجل الذي تجاوز السبعين من عمره ولم يفارقه الفرح، وكما قالت زوجتي: الكلُّ يعرفه من ابتسامته التي تسبقه. أسأل نفسي: كيف استطاع أن يوطدَ صحبته بتلك الابتسامة طوال تلك السنين؟ إذن خروفي الضال يرعى في حدائقه. كنت قد جربتُ كل الوسائل الممكنة التي من شأنها أن تعيدَ إليَّ الفرح وتزيلَ هذه الغيوم الملبدة في قلبي. لقد وقعتُ فريسة الحزن والكآبة ودخلتْ الروح في غبشٍ ممتدٍ بلا نهاية دون سبب واضح منذ ثلاثة أشهر. قلت لزوجتي وقتها: فقدتُ القدرة على الضحك يا امرأة. ابتسمتْ ولم تبالِ. لذلك فتشت بين الأصدقاء عن حلّ. البعض نصحني بشرب نوع من الأعشاب. فعلتُ ذلك وكاد الشراب الذي كرهتْ زوجتي رائحته، يفتك بالكليتين دون أن يعيد لي ولو بارقة من فرح. جربتُ الرياضة طويلاً لكنها أعادت لعضلاتي قوتها دون أن تعيد لقلبي فرحه. ذهبت كثيراً إلى ذلك المقهى الذي يزدحم عنده الناس مثل مباراة كرة قدم يستمعون إلى رجل يسمّونه أبو الليل يحكي لهم المضحك في حياته وحياة من يعرف إضافة إلى الكثير من النكات. كان المقهى يتحول بعد أقل من عشر دقائق إلى بركان من الضحك، لكن هذا البركان لم يجرفني بسيله. النادل القصير ذو الشامة المميزة على خذه الأيسر، قال لي: إذا لم تضحك هنا، لن تضحك أبداً. وتركني وهو يكاد يغمى عليه من شدة الضحك. قبل أن تشرق الشمس بقليل كنت قد سألت نفسي لماذا هرب مني الفرح؟ ورحتُ أبحث عن أي سبب يمكن أن أتهمه: 1 ــ زوجتي هذه النائمة قربي تشبه ياسمين الشام. 2 ــ ابني الكبير أنهى دراسته الجامعية، وهو الآن يكمل مشواره في بريطانيا بنجاح. 3 ــ ابنتي تعيش مع زوجها حياة هانئة. 4 ــ ابني الصغير نجم في ملاعب كرة القدم. 5 ــ أملك من المال ما يمكنّني من شراء مدينة بأكملها. ما الأمر إذن؟. ليس هناك أية ثغرة مادية أو عاطفية أو اجتماعية. هل هي عين قد أصابتني. صباحاً أيقظتني زوجتي. كان النعاس قد هجم عليّ في ساعات الصباح الباكر وغلبني. قالتْ لي: هيا أيها الكسول. لتناول طعام الإفطار وننطلق في رحلة نحو البهجة الحقيقة. نظرتُ إليها، كانت شهية كعادتها. قلتُ لها: لننطلق فوراً. عندما ابتلعتنا السيارة شعرتُ أنني ذاهب إلى أجمل الأمكنة، ورسمت خلال ثوان صورةً لأبي فرح. قلتُ لها: ماذا سنأخذ له. ضحكتْ: ألا يكفي أنك ذاهب إليه، سوف يعتبرُ ذلك أجمل أيام حياته. المستشارُ قادمٌ إليه، ذلك بمثابة حلم عنده. قلتُ لها: رجل مثله لا أعتقد أنه يدخن، لذلك لا ينفع أن نقدم له نرجيلة. وقفتُ بالقرب من إحدى البقاليات، واشتريت كمية كبيرة من العسل، والمربيات. قالت: إنه من أشهر النحّالين في المنطقة، يقولون: إنه صديق النحل، لا يلبس أي شيء عندما يتجول بينهم، يحومون حوله مثل العاشقين. ــ لماذا لم تقولي لي ذلك قبل أن نشتري العسل. ــ وهل سألتني. وقفتُ بالقرب من بقالية أخرى، وهممتُ أن أشتري صناديق من الفواكه والخضار المنوعة. عندما أتاني صوتها ضاحكاً: يبدو أننا لن نصل قبل مغيب الشمس. ــ ليس لائقاً أن ندخل ويدنا فارغة. ــ لكنه يتميز بأنه أفضل الفلاحين. كل أشجار الفواكه مزروعة في أرضه، وكذلك الخضار. ضحكتْ: إنه يربي دجاجاً ليأكل لحمه وبيضه، ويربي أغناماً من أجل الحليب ومشتقاته. ماذا تريد بعد؟. ــ لقد حيرتني. ماذا أقدم له إذن؟ ــ قف هنا. نزلتْ هي، واشترتْ له قماشاً وألبسة داخلية، وزجاجاتِ عطر، وأدوات حلاقة. قالت لي: هذه أشياء كثيرة الاستهلاك... قلتُ لها: هذا لا يكفي ما رأيكِ بجهازِ للرياضة؟. ضحكت: إنه يعيش الرياضة في أرضه وبين طيوره وأشجاره كل يوم. ********* لاحَظَتْ أنَّهُ مهموم. سألتهُ: ما بك؟ قالَ لها: يجب أن أقدم له هدية. لا يمكنني أن أقابل رجلاً سيملأ قلبي بالفرح بيدين فارغتين. أنتِ لا تعرفين قيمة ما سيقدمه هذا الرجل. ضحكتْ: كيف لا أعرف. لقد أصابني حزنك وكاد أن يحطم حياتي. أنا من سيقدّم له الهدية. سألها: ما رأيك بلوحات فنية؟ أودّ أن أشتري له السوق بأكمله. ــ لعلك تمزح، إنه يعتبر أرضه وتلك الجبال التي تحيط به أعظم لوحة فنية. هيا لننطلق لقد اشتقت لرؤية الابتسامة على فمك العذب. نظر إليها، تمنى أن يرد على كلامها الجميل بابتسامة لكنه عجز. أعطى لمحرك السيارة المزيد من البنزين، وقال لها: لقد كنت معي أجمل رفيقة. دائماً كنتُ أسأل نفسي ما هو الحب؟ الآن أستطيع أن أعرفه لك بدقة. الحبُ هو أنتِ. كانت السيارة تمضي مسرعة وكان صوت فيروز يمزق صمت المكان الكئيب. قالتْ: ها قد وصلنا. قالَ لها: عرفت، أعلمني قلبي بتسرعه المفاجئ. سوفَ أتقيّد بكل الخطوات التي سيرسمها لي كي أصل شاطئ الفرح. راحت السيارة تتباطأ، مدَّ رأسه وسألَ أحد المارة: بيت أبو فرح، من فضلك؟. هزَّ الرجل رأسه بأسى وقال: لقد انتحر المسكين. جاء الخبر مثل الصاعقة. رددا: انتحر. نعم، قال الرجل: لقد نهره ابنه، على ثرثرته، فكبر عليه ذلك، فقتل نفسه في يوم ماطر، اعتقاداً منه بأن المطر يغفر الخطايا. لم يصدقا. تابعا المشوار. وقفا قرب رجل آخر. ــ إذا سمحت. بين أبو فرح. ــ المسكين. صار بيته فوق. في السماء. لقد انتحر. ــ انتحر. ــ استيقظ ذات يوم، وجد أشجار حقل الزيتون مقطوعة كلها. لم يحتمل. فقرب شجرة الرمان الصغيرة طمر نفسه في الثلج، لاعتقاده أن الثلج يغسل الخطايا. نظر إلى زوجته التي بدأت دموعها تعلن الهزيمة، سألها: ما رأيك؟. حاولت أن تبتسم وقالت له: لا أصدق دعنا نسأل أيضاً. توقف بالقرب من مختار القرية: كيف نصل إلى أبي فرح؟ هزّ الرجل رأسه: الأفضل ألا تصلا إليه. فالجحيم منزل المنتحرين. قال لنا إنه سينتحر غداً فما صدقنا، ولكنه فعلها مخالفاً تعاليم الرب، وقطع شريان يده اليسرى وراح يتفرج على دمه النافر على شجرة رمّان صغيرة، راسماً عليها خرائط بخطوط حمراء. دفنوه بلا جنّاز، والخوري اليوم عند المطران يسأله إن كانت الصلاة تشفع للمنتحرين... لا أظن... لكن ألستِ مدام مادلين... لم ترد؛ لأن السيارة كانت قد أقلعت بسرعة، ومع ذلك سمعا صوته: لم يحضر أولاده حتى الآن، ولكن تفضلا. التعزية في منزولي، منزول المخترة. غيّر اتجاه السيارة. ــ ما بك؟ ــ ألم تسمعي. لقد انتحر أبو فرح. هيا لنعد. هل يكون سعيداً من ينتحر؟ عادا إلى البيت. كان الحزن يفتك بهما. قالت له: سأفتش عن جديد، لابد من وجود حل. نظر إليها، شعرَ أنها تعامله مثلما كانت تتصرف مع ابنها الصغير. قال لها: لا مكان للفرح على ما يبدو. في الطريق رأتْ أخته الكبيرة، كانت تجلس على الشرفة تحدق بعيداً تبحث عن شيء ما. قالت له: مازالت على حالتها. ليتها تزوجت. نظر إليها بأسى، وتذكر أنه منعها من الزواج بمن تحب منذ أن كانت في العشرين من عمرها، ثم حال دون خطوبتها ثلاث مرات حرصاً على الثروة. وفجأة شعر أن كآبته تنبع من هنا. قال لزوجته: ليتها تزوجت. ــ لا تندم. ــ وماذا يفيد الندم الآن بعد نصف قرن؟ صمت قليلاً ثم طلب من زوجته أن تجهّز له النارجيلة العثمانية النفيسة مع علب التنباك الفاخر. ابتسمت زوجته ونظرت إليه فانفرجت شفتاه عن ابتسامة حزينة فأعلمها بأنه سينضم غداً إلى أخته في الشرفة. دهشت الزوجة، فقال لها: غداً أشاركها. ــ تشاركها ماذا؟ ــ أشاركها التأمل في الغبش. ــ التأمل! ــ حتى لا أغتال صمتها ولا أبعثر رماد قلبها. ــ لا تيأس. سوف تعثر على خروفك الضال. ــ كبّري عقلك. إنه يرعى في عالم آخر. جاء الربيع أخيراً، وصار للكتابة طعم مختلف. لماذا نحبّ الربيع ونشتاق إليه، يا أستاذي؟ ربما لأنه يجلب لنا الحب.. وربما لأنه يحمل في جعبته تلك الطيور الساحرة.. وربما لأنه يذكرنا بأشخاص مثلك.. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |