مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 444 نيسان 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

انعكاس الضوء ـــ بشرى عبد الحميد البشوات

تفتح زجاجة العطر، تفكر أن تدلقها دفعة واحدة، لكنه رجل بلا رائحة، وهي امرأة دون مسام.‏

الحادث الذي تعرض له، أفقده حاسة الشم، لذلك كانت تراه دون ذاكرة، فهو لن يتذكر رائحتها لن يعرف بأنها كانت هنا للتو، سيمر دون اكتراث، دونما اهتمام.‏

ستضيع بصمات جسدها من المكان وهو لن يدرك ذلك.‏

بكلمة واحدة أرادت أن تقتص منه ومن ماضيه: أرجوك ارتدي ظلك واخرج من حياتي. كان ظله يموت في الزقاق المؤدي إلى نصف الرغبة، وكل الحقيقة التي تخشاها.‏

لقد التقيا هناك، وكان لهما مطلق الحرية ليعبرا جهة الصدفة التي خلقت تعارفهما الأول، أو يكتفيا بهذا القدر من الدهشة التي التفت حولهما.‏

الحكم الصادر بحقهما كان منصفاً. واحد زائد واحد يساوي اثنان، لم يكن مرة ثلاث.‏

هل تعلل ذلك بالوقت وبأن الانتظار هو السبب تقول في مذكراتها: الانتظار خبز الفقراء، تعنون الصفحة بهذه الكلمات.‏

حتى هذا لم يعدني به، إنه الإحساس الكريه ذاته، شعورك بالامتلاء في وقت تتضور فيه جوعاً.. فمن يطعمني..؟!‏

كنا محكومين بالتأجيل. لم نكن يوماً "محكومون" بالأمل" هكذا هي حياتي معه، سلسلة من الأشياء المؤجلة.‏

دائماً كنت أجلس على الطرف المحاذي لفكرته ورغبته المنطلقة دون هوادة جهة أسواري، ارتطم بالسور فأصدر ضجيجاً مربكاً، صوت السيارات والطرقات والاحتكاك، حتى الصمت له صوت. تلك الوشوشات في دواخلنا، حين نظن بإمكانية إخفائها عن الآخرين.. هذا مستحيل..!!‏

إنها المدن، تفضح أسرارنا بالرغم من كل الاتساع فيها.‏

وجهة الأبيض المطلي بالسواد، أطلق صوب قلبي سرب أفكار. كلامه الأخير فتك بالانتظار، وثمة ريح هبت حين طلب إليّ: أن أمضي إلى هناك وأضرب وتداً في رمل الذكريات.‏

أسندت رأسي المحشو بالتعاويذ إلى صدره، وظللنا حبيسين إلى أريكة كانت فيما مضي مرتعاً لمشاغباتنا، تلقى دموعي الهشة براحة كفه، فاستويت لأسوي الأمر.‏

نظرت إلى الخطوط الثلاثة التي توسطت جبهته السمراء العريضة: ماذا بعد..؟‏

لم أحتاج يوماً أن أسأله ماذا بعد..؟‏

كنت أعرف وبعد كل مرة بأننا سنعبر وبسرعة في زقاقنا الضيق، أزرار قميصه المصفوفة إلى اليمين... هاتفه النقال ونهر رسائلي الذي يتدفق باستمرار إلى صندوق الوارد لديه (طبعاً دون اسمي)..‏

لماذا ننسى في غمرة لقاءاتنا المتكررة، وكلنا يفعل ذلك، ننسى أن ننادي أحبتنا بأسمائهم؟ ودون أن ننتبه يكون قد مرّ وقت أكثر من بعيد على آخر مرة ناديناهم فيها، وأنا أحرص وكلما التقيته أن أناديه.‏

رمى بقلقه على عتبة صمتي، لطالما لامني على فترات صمتي الشاحبة، ومع ذلك كان يستفز حضوري ويعرف بأنه يقدر أن يترك أثراً في نفس امرأة أكونها باعتدادي.‏

آخر ما كنت أتوقعه أن أكون طرفاً ثالثاً في علاقة رسمها القدر قبل ظهوري فوق صفحات حياته، لم أكن أنتظر يوماً أن آتيه، كما صرت آتية اليوم.‏

كان قد مرّ عامان على ذلك اللقاء الصباحي المبلول حين قابلته صدفة في مكتب صديقة مشتركة.‏

الغريب بالأمر هو أنني لم أعد أعرف شيئاً عن صديقتي لكنني أعرف كل الأشياء عنه.‏

ذلك الصباح الذي ظفر بيننا جديلة، وأنجب لحظة وغادر.‏

حين صافحني وغادر مودعاً، ثم أردف الوداع بتلويحه، انعكس الضوء القادم من النافذة على أصابعه، وثمة لمعان ارتد إلى عينيّ مباشرة، شيء يشبه الخاتم.‏

غادر... ليتركني كل تلك الفترة أنقب، وأقلب الأشياء. ربما أعثر على مبرر يقنعني بأن تلك اللحظة لم تحضر أصلاً.‏

إنما كانت شلالاً تدفق بخيالي، وضاعت معالمه، لا صار نهراً ولا جدولاً، ولا حتى قطرة تسكب داخلي تنهيدات وزغاريد، لحظة أتتني بآنية من فضة، وكان عليّ أن أنسل بها بعيداً عن العيون، حتى لا يسرقها أحد مني "ربما لأنني سرقتها أصلاً" لكن اللجين فضحني. أطلَّ القمر.. سامره ودعاه هو الآخر للحظة كلحظتنا.‏

أحقاً كان شلالاً هادراً صعباً، "ليتك كنت كذلك، كنت أرحتني"‏

لقد تحوّل بين أصابعي ناياً من قصب، جمعت به قطيع أحلامي، صرنا عصبة وازدادت لحمتنا، وغصنا أكثر في يمٍّ عثرنا على مفتاحه تواً ودلفنا: لماذا لم تغلق الباب في وجهي؟‏

كان الأمر أشبه بالسير إلى المقصلة، بعينين مفتوحتين، وكنت معنيّة أكثر منه بالخروج من هذه المتاهة.‏

وبالرغم من كوني لا أحب، ولا أجيد العمليات الحسابية، لكنني كنت أعي أن واحد زائد واحد لا يساوي ثلاث بل يساوي اثنان.‏

كان قد مرّ عامان على ذلك اللقاء الصباحي المبلول، واليوم وبنفس تاريخ ذلك الصباح، ارتد الضوء القادم من النافذة على أصابعي، وثمة لمعان انعكس إلى عيني الرجل الواقف قبالتي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244