|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
ترويض التماسيح ـــ روضة محمد حسني أعترفُ أنّي زججْتُ رأسي في قمقمٍ لا يتَّسعُ لإبهامِ كفّي. بدوْتُ أمامَ مرآةِ نفسي ساذجاً.. بليداً، وأنا أملأُ جوفَ اللَّيلِ بقهقهاتٍ هستيريةٍ لم أتوقَّفْ حتى شعرْتُ بتصلّبٍ في الفكّين. فالوقْتُ بدأَ يُداهِمُني. لا تظنّوا بيَ السوءَ.. فلمْ أكنْ مخموراً ولا أبله.. بل مقاتلاً جسوراً، يمضي إلى معركةٍ مصيريةٍ لكنْ – بدون سلاحٍ – كنملةٍ تحتَ قدمِ فيلٍ ، أثارَ ذلك ضَحكي الممزوجَ بسخريةٍ قاتمةٍ، فتجربةُ البروفيسور ماركو كانَتْ تقتضي إمكانيةَ التعايشِ مع التماسيحِ مدةً زمنيةً لا تتجاوزُ الشَّهرَ الواحدَ، في جوٍّ من التّسامحِ والأُلفةِ منقطعيِ النظيرِ، بحيث لا أقْتُلْ ولا أُقْتَلْ. لذا وحفاظاً على حياةِ التماسيحِ، لم أُزوَّدْ بأيِّ سلاحٍ خشيةَ أنْ تراودَني نفسي فأقومَ بأيِّ عملٍ إجراميٍّ ضدَّهَا. ومن شروطِ التجربةِ أيضاً أنْ أرفعَ الرايةَ السَّوداءَ إنْ أردْتُ الاستسلامَ، والبيضاءَ إذا تعرَّضْتُ لأيِّ اعتداءٍ، أمّا الحمراءُ فيرفعُها البروفيسور عند انتهاءِ المدّةِ الزمنيةِ المحدَّدةِ. أدركْتُ حينئذٍ أنَّ الموازينَ اختلَّتْ، والمفاهيمَ الأساسيةَ تغيَّرَتْ، بتبدلِ ألوانِ الراياتِ عن الأعرافِ السائدةِ لها. لكنَّ هذا الأمرَ لمْ يجعلْني أنأى عن قراري. عندَ بوابةِ العبورِ إلى مستنقعِ التماسيحِ أُخضعْتُ لتفتيشٍ كاملٍ ودقيقٍ، جُرِّدْتُ خلالَهُ حتى من صورةِ حبيبتي.. لطالما أشعلَتْ الظروفُ في دربينا الحرائقَ، دسْتُ وإياها – أيْ حبيبتي – حفاةً فوقَ جمرِ استعارِ الطَّوائفِ، سكبْتُ ظلّي في هسيسِ الوقتِ، لنصلَ إلى زمنٍ يؤرِّخُنَا بين درفتَيْهِ ولكنْ..!! أحصيْتُ الرمشَ والنبضَ وملَّكْتُها ما بينهُمَا.. لكنْ!! كتَبَتْني في مقلةِ حُلْمِهَا، فارساً كنْتُ لها.. كبا حصاني.. واندحرَ حلمُها.. حُلُمي، حين غدرَتْ بي.. بها رصاصةُ اختلافِ الطّوائفِ على أبوابِ الحلمِ. جرَّدوني من صورتِهَا، فرأيُ البروفيسور والرَّأيُ كما يرتئيهِ أنَّ القلبَ مجرَّدُ مضخةٍ تضخُّ الدّماءَ إلى الشرايينِ لنبقى على قيدِ الحياةِ، والحياةُ مجرَّدُ حيوانٍ رخويٍّ عليَّ أنْ أدهسَهُ منتعلاً حتى لا يطالَني سمُّه. هذا آخرُ ما سمعْتُه منْهُ. أما آخرُ شيءٍ وقعَ عليه بصري عقاربِ الساعةِ عندَ السادسةِ تماماً قبلَ انتزاعِهَا من معصَمِي. إذاً حضرةَ الإعلاميينَ.. والمصوّرينَ.. والصحفيينَ.. والكتّابَ.. وأنتم.. هيّئوا أنفسَكُمْ لترصُدوا تجربةَ البروفيسور فقدْ بدأَتْ. أطلقتُ سهمَ بصري، في كلِّ الاتجاهاتِ لأمسحَ بعينيْ الرّؤى المكانَ المحيطَ بي، كانَتْ الأشجارُ الصغيرَةُ والعملاقةُ منتشرةً بشكلٍ كثيفٍ أخّاذٍ تدفعُهَا رغبةٌ ملحّةٌ في النّموِ. الحيوانات ترتادُ النهرَ الذي من الصَّعبِ رؤيتُهُ بوضوحٍ، فالأشجارُ تنحني فوقَهُ كالأقواسِ، شيءٌ وحيدٌ يعكِّرُ صفوَ النهرِ.. وجودُ التماسيحِ هناكَ. تكسَّرَ سهمُ بصري عندَما وقعَ عليها.. أغمضْتُهُمَا بسرعةٍ كي لا يحتلَّني الهلعُ من الوهلةِ الأولى. مدخلُ الكهفِ كان هادئاً، لا توجد أيَّةُ دلائلَ تنمُّ عن أمرٍ غيرِ عاديٍّ. على الرغمِ مِنْ هذا الهدوءِ كنت دائماً أنهضُ عندَ إطلالةِ الفجرِ أتحسَّسُ جسدي.. أمسكُ بعضي ببعضي.. أُطلقُ زفرةً طويلةً.. لتٌعْلِمَنِي أنّي مازلْتُ على قيدِ الحياةِ. عدساتُ المصورينَ تلاحقُ حركاتي وحديثي معكم من بدايةِ الفجرِ.. إلى سطوعِ فجرٍ آخر.. باستثناءِ أوقاتِ النومِ فتلك اللحظاتُ كانَ يرصدُها البروفيسورُ شخصياً. الليلُ والنهارُ هنا يتعاقبانِ ببطءٍ، أتناولُ طعامي، أفتحُ وجبةً إثرَ أخرى منَ الطعامِ المتساقطِ من المروحيةِ.. أنْحَتُ بعضَ الأدواتِ لتعينَني في معيشتي، وأرسمُ على جدارِ الكهفِ وجهَ الحريةِ. الخوفُ كان يرتديني أكثرَ فأكثرَ، بَعْدَ أنْ سجَّلَتْ هذه التجربةُ أوَّلَ اعتداءٍ لصغارِ التماسيحِ التي اقتحمَتْ مسكَنِي ليلةَ أمسٍ.. صرخْتُ مذعوراً ووقعُ الحدثِ يشلُّ حركتي، يعقدُ لساني، قذفْتُ حذائي في وجهِهَا ولُذْتُ بالفرارِ بعيداً منتعلاً أسفل قدمي. بعدَ هذا الاعتداءِ المباغتِ لم أعدْ آمَنُ على نفسي داخلَ الكهفِ، فشرعْتُ أسدُّ مدخلَهُ بصخورٍ دأبْتُ على جمعِهَا. بدا ما فعلْتُهُ منطقياً بالنسبةِ لي وربَّما لكُمْ، لكن البروفيسور لـهُ وجهةُ نظرٍ أخرى أفهَمَنِي إيّاها بأنْ قطعَ عني إمداداتِ الطعامِ. أدركْتُ حينئذٍ أنَّ عليَّ البحثَ عن طعامي بنفسي، قطفْتُ بعضَ الثمارِ ثم مكثْتُ أتناولُها وأرقبُ التماسيحَ وتراقبُني عن بعدٍ كافٍ لأكونَ محمياً منها ومحميةً مني، ربما عليَّ أن أدرسَ طباعَهَا، وأعتادَ شكلَهَا... وافتراسَهَا.. ومنظرَ الدّماءِ الطافيةِ على وجهِ الماءِ.. وأصُمَّ آذاني عن نحيبِ الظبيةِ على ريمِها، و بكاءِ بعضِ الحيواناتِ على قتل قُرَنائِها.. لآمنَ شرَّها. مضَتْ الآنَ عدّةُ ليالٍ ليسَ بإمكاني إحصاؤها، بدأَ كلُّ شيءٍ يؤرقني.. مخالبُ اللَّيلِ المغروزةُ في نفسي، غولُ الوحدةِ الذي بدأ ينهَشُ من صبري، يأكلُ معي من طبقي، ويحتسي آخرَ الليلِ فنجاني الوحيدَ، فالوقتُ هنا سلحفاةٌ يجثمُ فوقَ قوقعَتِهَا طائرٌ ضخمٌ يعوقُ حركتَها. حتى التماسيحُ بدت تثيرُ غضبي وجنوني باعتداءاتِهَا المتكررةِ، كانَتْ تهاجمُني في أيِّ وقتٍ، وأنا أبدو كنعجةٍ هاربةٍ من ذئابِ الليلِ.. تبعثرُ طعامي ولا تأكلُهُ، تولّدُ في نفسي الرعبَ. كنْتُ أقفزُ من مكاني، أرمي اللقمةَ من فمي عندما أسمعُ حركاتِهَا الافتراسيةَ أو دنوَّها مني.. تكرَّرَتْ حالاتُ الهلعِ لديّ وأنا الأعزلُ. كانَ هجومُها المتواصلُ يذكِّرُني بمقولةِ المفكرِ الفرنسيِّ (سيدني لو): "إنَّ سلوكَ الغربِ في الشَّرقِ الأوسطِ هو سلوكُ رجالِ العصاباتِ وقطّاعِ الطرقِ الذين يغيرْونَ على مزارعينَ سذَّجٍ عزَّلٍ من السّلاحِ". فتعاودُني مجدداً حالةُ الضّحكِ الهستيريةِ، يعودُ إليَّ الصدى مكرراً كلامي الممزوجَ وضحِكي.. ما الذي أتى بكَ إلى هنا أيُّها الأحمق؟.. أضربُ الأرضَ بيديَّ.. فيتناثرُ الغبارُ، يُعمي بصري، وتصرخُ في وجهي الحقيقةُ: كفى، كنتَ مرغماً يا هذا..!! صمتَتْ الحقيقةُ، بل أخرسْتُها. كانَ حلمي أن أسافرَ إلى الغربِ، فهناك في الغربِ – حسبَ رأي الشرقيين – العلومُ تمسكُ بمهمازِ الحضارةِ، أمَّا نحنُ فالحضارةُ تُمسِكُ بمهمازِ علومِنَا. في الغربِ لا يُسمَحُ لأمثالي بالعودةِ إلى أوطانِهِمْ قبلَ أن يحوِّلوهُمْ إلى مجانينَ.. أو جثثٍ هامدةٍ.. فالعلومُ علومُهُمْ.. وكلُّ الابتكاراتِ – باعتقادِهِمْ – مُلْكٌ لهم. جوَّفُوا رأسي ليسكُبوا في التجويفِ عقلاً مبرمجاً وفْقَ متطلَّباتِهِمْ واضعينَ على جوازِ عودَتِي يمنعُ من المغادرةِ. إذاً لم يبقَ أمامي إلا تجربةُ البروفيسور ماركو والانصياعُ إلى شروطِهِ إنْ أردْتُ العودةَ إلى وطني سالماً..! قذفْتُ أفكاري هذهِ بعيداً، فالفجرُ أطلَّ، وعليَّ أن أبدأَ بالاصطيادِ، أشعلُ النارَ كالبدائيينَ الأوائلِ، ثم أتناولُ طعامي.. كان هذا الأمرُ يثيرُ غضبَ البروفيسور والتماسيحِ، في رأي التماسيحِ أني اعتديْتُ على حصَّتِهَا من الغذاءِ، أما البروفيسور فبقي صامتاً مستهجناً.. فهو يدركُ أنَّهُ مَنْ أوقفَ إمداداتِ الطعامِ لي.. ويعلمُ أيضاً أنَّهُ الآن أصبحَ بحوزتي نوعٌ من أنواعِ الأسلحةِ.. حتى الآنَ يبدو التعايُشُ مع التماسيحِ ممكناً لولا عدةُ أسبابٍ: بالأمسِ يا حضرةَ البروفيسور اقتحمَت التماسيحُ الجحرَ الماكثَ فيه، جابَتْ المكانَ كلَّهُ بديناميكيةٍ خارقةٍ، خرَّبَتْ.. حطَّمَتْ.. دمَّرَتْ.. انتهكَتْ.. استباحَتْ كل شيء... اقتلعَتْ قلبي من جذورِهِ، مسجّلةً أبشعَ المفاهيمِ عمّا يسمّى بحقوقِ الإنسانِ. ثم استقرَّتْ عندَ فتحةِ الكهفِ لتضعَ الأنثى بيوضَها هناكَ.. ألم تجدْ مكاناً غيرَ مقرّي يا حضرةَ البروفيسورِ..!؟ تماسيحُكَ اخترقَتْ كلَّ القوانينِ، لقناعَتِهَا أنَّهُ لا توجدُ عدسةٌ واحدةٌ جريئةٌ قادرةٌ على التقاطِ أيَّةِ صورةٍ لها إلا بإذنٍ خطيٍّ منكَ تحديداً.. لأجلِ هذا، ولأنَّ المدَّةَ الزمنيةَ انتهَتْ ولم تُرفعْ حتى الآن الرايةُ الحمراءُ.. سأُنْهي أنا هذه التجربةَ.. جدارُ ذاكَ الكهفِ يشهدُ بانتهاءِ المدةِ.. فصوّرُوا تَعدادَ الخطوطِ.. أو عذراً لن تستطيعُوا ذلك فأنثى التمساحِ رابضةٌ عندَ مدخلِهِ. إذاً.. لَنْ أحتاجَ الانتظارَ لتصوِّروا أو تتداولوا.. سأرفعُ الآن الرايتينِ، السوداءَ والبيضاءَ معاً.. أيقنْتُ وأنا أرفعُ الرايتينِ معاً أنَّ اللونَ تحولَ رمادياً، والرماديُّ كانَ خارجَ الاتفاقِ... أنا لا أستطيعُ حتى الهربِ، فالسياجُ المكهربُ يخدِّرُ تفكيري.. بدأتُ التعايشَ مع الأمرِ بعينٍ معلقةٍ في الأفقِ علَّ الرايةَ الحمراءَ ترفعُ.. والعينُ الأخرى ترصدُ السماءَ والأرضَ باحثةً عن الطعامِ الذي بدا يتضاءَلُ رويداً رويداً في هذه البقعةِ المحدودةِ. لم يبقَ إلاَّ القليلُ.. القليلُ وبعدَها سأُرْغَمُ على أكلِ أوراقِ الشجرِ، أو صغارِ التماسيحِ، فإنْ فعلْتُ الثانيةَ خرقت القوانين، وإن فعلْتُ الأولى لن تقبلَ التماسيحُ بتعديلِ الاتفاقيةِ وأكلِ لحاءِ الشجرِ. "إن مبدأ أهميسا-أيّ اللا تعاون-ليسَ حالةً سلبيةً لعدمِ الإيذاءِ، بل إنَّهُ حالةٌ إيجابيةٌ للمحبّةِ وفعلِ الخيرِ حتى مع الأشرارِ، تتطلَّبُ منكَ أن تقاومَ المخطِئ بأنْ تفصُمَ عرا ما بينَك وبينَه، حتى ولو أدّى ذلك إلى إغضابهِ أو إيذائِهِ جسمانياً". أنا لا أذكّرُكُمْ الآن بمقولةِ غاندي لأستجرَّ منكم مبرراً لاعتداءاتي التي ستبدأُ الآن، فكلُّ ما سأفعلُهُ هو ردٌّ على ما آلَتْ إليه حالتي دونَ أن يكترثَ بذلك أحدٌ. لحيتي طالَتْ كثيراً، وشَعْرِي بدا أشعثَ مغبراً، وحجرتيّ الحدقتينِ تدورانِ في رَحى العينينِ دونَ هدفٍ.. الأصدافُ بدأَتْ تغزُو جلديَ المتعفنَ، فمنذُ زمنٍ لم أستطعْ لمسَ الماءِ إلا للشربِ خُلسةً من النهرِ. تجرَّدْتُ مرغماً من إنسانيَّتي، بل جرَّدُوني منها.. وأدركْتُ أخيراً أن - الحياةَ حيوانٌ رخويٌّ عليَّ أن أدهسَهُ - . انتزعْتُ ثيابي، لمْ أُبقِ حتى على قطعة صغيرةٍ تسترُ عَورتي، الليلُ الآن والوَحدةُ، ذئابٌ سرقَتْ قميصي لتسلمَهُ للريحِ والضبابِ، والتماسيحُ وحوشٌ تنتهكُ كلَّ الأنظمةِ، تأكلُ ولا تشبعُ، تبتلعُ فريسَتَهَا المقيدةَ بالأنظمةِ.. والبروتوكولاتِ.. والاستنكاراتِ الصماءِ البكماءِ، تلتهمُها أمامَ العدساتِ.. والإعلاميينَ.. وضمائرُنا الميتةُ.. تنقُلها على كلِّ الشاشاتِ العملاقةِ، والعالمُ يضعُ في كفِّهِ جهازَ التحكمِ لينتقلَ إلى محطةٍ ترفيهيةٍ أكثرَ حضارةً وأرقى ديمقراطيةً. صوِّرُوا إذاً.. توحّشَ الإنسانِ، الرخوياتُ بدأَتْ تطالُ حتى الضميرَ في وجداني، كنتُ أتحوّلُ إلى وحشٍ أكثرَ فأكثرَ كلَّما حاصرَني الموتُ، أهاجمُ أعشاشَ الطيورِ، البيوضَ والصغارَ، كأفعى كنتُ ألتوي بين إنسانيَّتي والبقاءِ، انتزعْتُ قلبي من صدرِي، وضعْتُهُ بين فكيَّ وبدأْتُ أضغطُ.. أضغطُ.. حتى ماتَ فيَّ أدنى إحساس، عندَها استطعْتُ دفنَ حبيبتي في قرارةِ نفسي في نعشٍ لا يحملُ اسمَهَا.. ولا تاريخَهَا.. ولا ميلادَهَا، وسلَّمْتُ للريحِ أوراقَ نَعْوَتِهَا.. المقبرةُ كانَتْ أنا.. صوِّرُوا، صوِّرُوا إذاً كيفَ تروَّضُ التماسيحُ. شحذْتُ سلاحي الذي صنعْتُهُ بنفسي من الحجارةِ وأغصانِ النباتاتِ، اللَّظى كانَ يتطايرُ مِنْ عينيَّ.. والدماءُ ترتسمُ صوراً في ذاكرتي، تصطكُ أسناني، يغلي دمي.. وضعْتُ عصبةً على رأسي وخرجْتُ لقتلِ صغارِ التماسيحِ، أسلخُهَا لينتعلَ العالمُ أحذيةً تصنعُ من جلدِهَا. بدأْتُ بالقتلِ.. لكنَّ صوتاً استوقَفَني، اعتقدْتُ في البدايةِ أنَّه آتٍ من المنظماتِ التي تسعى لحمايةِ الحيوانات المسالمةِ الرفقِ بها، ومنظماتِ حقوقِ التماسيحِ، أو ربَّما المنظماتُ المكافحةُ للإرهابِ، لذلكَ لمْ أكترثْ للأمرِ.. وأنا أتابعُ بقوةٍ أكثرَ، الصوتُ كانَ رصاصةً اخترقَتْ وجداني، ثقبَتْهُ ومضَتْ، فذاكَ هو صوت أمي، أحضرَهَا إلى هنا ماركو لتكونَ الشعرةَ التي تقصِمُ ظهري. لكنّي لن أتوقَّفَ - فالقلبُ مجرَّدُ مضخَّةٍ تضخُّ الدماءَ إلى الشرايينِ لنبقَى على قيدِ الحياةِ، والحياةُ -.. هل تُدينُونَنِي لأنّي كنْتُ أنا وأمي كبشي فداءٍ؟!.. إني أستشفُّ الإدانةَ من وجوهِكُم.. لكنْ لنْ يراودَني أيُّ إحساسٍ بالخُزْيِ والعارِ، ولنْ أُسقِطَ نفسي في حمأةِ الضميرِ.. ولنْ آسىَ لعمرٍ توارَى في جوفِ التمساحِ.. فعلامَ ينهمرُ الزمانُ؟ ويصبُّ العالمُ جحيمَهُ فوقَ رأسي؟ تَعُبُّ الأرضُ الحقيقةَ، ويصدحُ البروفيسورُ وقاداته بمبرراتٍ واهيةٍ لإطباقِ الحصارِ على الأرضِ الواقعةِ خلفَ السياجِ المكهربِ، رافعينَ الرايةَ الحمراءَ المطرزَ عليها شعارُ.. (من أجلِ مكافحةِ الإرهابِ المنظَّمِ) وبرفعِ تلكَ الرايةِ الحمراءِ – حسبَ الاتفاقِ – تكونُ الفترةُ الزمنيةُ المحددةُ لإنهاءِ التجربةِ قدْ انتهَتْ الآن... وانتهَى تفكيري بالموافقةِ على اقتراحِ البروفيسورِ أو رفضِه.. فكلُّ ما ذكرْتُهُ لكمْ آنفاً هو تصوُّرٌ لِمَ ستؤولُ إليهِ الأمورُ لو أني قبلْتُ بتجربةِ البروفيسور ماركو.. وأقسمُ إني لستُ بواهمٍ في كلِّ تصوّراتي التي حدَّثْتُكُمْ عنها، فالتجاربُ القديمةُ والتاريخُ والواقعُ، والأحداثُ التي مررْنا بها ونمرُّ بها تؤكِّدُ تصوُّراتي. وإني أرفض التجاربَ كلَّها وإن عدّتُ بنعشٍ أحملُ به.. خيرٌ من أن يُحْمَلَ وطني في نعشي، ولن أُبرِمَ أيَّ اتفاقٍ من هذا القبيلِ مَا لَمْ تُرَوَّضُ التماسيحُ. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |