مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 444 نيسان 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

لمريمَ وطنٌ من ياسمين ـــ عبير كامل إسماعيل

بادرَتْها الجارةُ قائلةً:‏

منذ متى وضعْتِ الغطاء على رأسك؟‏

أجابَتْ بهدوء:‏

منذ أشهر.‏

مبارك، لكن بصراحة كان شعرك الأجعد رائعاً، بلونه الأشقر الدّاكن، كنّا نتنافس لنجعل شعرنا يشبهه في لونه وتماوجه.‏

بحزنٍ ابتسمت: "يا إلهي، كأنّهم ينتظرون حتى نفقد الأشياء الجميلة ليقولوا لنا كم كانت جميلةً لا للمديح، بل ليزيدوا تحسّرنا على ما ذهب".‏

لكنّكِ لم تقولي لي يوماً أنّ شعري يعجبك!‏

ردّتْ برشاقةٍ:‏

كهن نسوان.‏

التفتَتْ أمّها إلى الجارة وبادرَتْها شاكيةً:‏

إنّها لا تعتني بصحّتِها، انظري إلى شحوبها وضعفِها كأنّها تُصرُّ أن تخفي أيَّ مظهرٍ من جمالها، إنّها لا تخلع الحجاب حتى أمامنا.‏

بادرتْها مريم بعتبٍ:‏

أميّ... لم أعدْ أعتني بشَعري مُذْ وضعْتُ الغطاء، لا أريد أن تروه مشوّشاً.‏

استأذنَتْ متذرّعةً بضرورة الذَّهاب إلى المنزل حيث الزّوجُ ينتظر.‏

عانقَتْها أمُّها عند الباب، فدفَنَتْ رأسَها في صدرِها، شدَّتْها إليها بقوّةٍ. برعبٍ نظرتْ إليها الأمّ:‏

مريم أتعانين من شيء؟!‏

أحبُّكِ أمّي.‏

قالتها بسرعةٍ، وانقذفَتْ في الشّارع، مرّتْ بجانب الحديقة القريبة من منزل أهلها، تذكّرتْ أنّها رأتْهُ منذ أيامٍ في هذا المكان ذاتِهِ، سدُّ الحنينِ انفجرَ طوفاناً في قلبها، عادتْ إلى ذهنِها كلّ لهفةٍ وبسمةٍ ودمعةٍ عرفتْها معه، عاد إليها بريقُ عينيه، تذكَّرتْ لقاءهما الأخير قبل سنواتٍ، قال لها:‏

مريم... لا تتركي يسوعَك يبرد.‏

إنّهم لا يريدون... الجميع لا يريدُك.‏

وأنتِ؟!‏

صمتَتْ يومها، تذكّرت أمَّها، أباها، إخوتها "الجميع لا يريدونه وأنا أدينُ لهؤلاء جميعاً بحياتي كلّها، كيف أخذلهم، وأتنكّر لهم، كيف أتحدّاهم؟!".‏

جاءها صوته ثانيةً:‏

مريم، بين الشَّجاعة والجُبْن قيد شعرة، تجاوزيها...‏

تلك الشَّعرةُ كانت حاجزاً لا يُطال، وكانت قامةُ مريمَ أقصر من أن تعبرها.‏

بصمتٍ وبرود أطفأتْ لهيبَ وجدِهِ:‏

أحبُّكَ إلاّ أنه....‏

في الحبِّ لا استثناءات، كوني أنت، ما فائدة أن تنصري العالم وتخذلي نفسك.‏

أحسَّتْ ساعتَها بأنّها مجرّدُ دودةِ قَزٍّ تقتاتُ على توتِ الحبّ، تتشرنقُ به وتتوقُ أن ينبُتَ لها جناحان يصلان بها إلى أمداءِ السّماءِ، لكنّهمْ ألقوا بها في قدورِ العاداتِ والواجبات، وأشعلوا تحتها نار الرّياءِ ليصنعوا مناديلَ يغطّون بها الدّمامةَ والنفاقَ، لذلك لم تشترِ مريم يوماً منديلَ حرير لأنها كانتْ تشمُّ منه رائحة الألم.‏

كان آخر ما قاله لها:‏

من لا يدافعُ عن الحبِّ لا يستحقُّهُ، اخرجي منّي.‏

ومنذ أيامٍ عندما التقتْه، سلَّم عليها بحرارةٍ، وبابتسامةٍ مرّةٍ قال لها:‏

مريم، وطني الحبيب، منذ سنين ويسوعُك بلا وطن، لم أبتسمْ أو أفرح منذ زمنٍ، أترين كيف أبتسم؟ وحدك من بين النّساء قادرةٌ على إنجاب طفلٍ يبتسم.‏

ساعتها تمنَّت لو أنّ عقاربَ السّاعة تدور إلى الوراء، تعطيها فسحةً في ذلك اليوم لتُسْمِعَ العالمَ دقَّات قلبها ولتصرخَ بصوتها الذي يتجوهرُ باسمه قائلةً:‏

أقايضُ العمرَ بلحظةِ حبٍّ صادقةٍ.‏

سحبَتْ يدها من يدهِ، همسَتْ وهي تغادره:‏

ومريم مُذْ صلبوا ابنها، صَلَبَتْ هي نفسَهَا على أخشاب النَّدم والحزن.‏

أسرعَتْ قبل أن ينهالَ عليها بسيل الأسئلة من عينيهِا المندهشتين اللّتين ترقبانها.‏

"لقد تغيَّرْتُ كثيراً، لم أعد جميلةً كما كنْـتُ، ليتَهُ لم يرني".‏

تُرى هل يحتملُ العمر إضاعة الفرص؟! وصلَتْ إلى المنزل، أفاقتْ من ذكرياتها على ابتسامة زوجها:‏

ما الذي أخّركِ؟! قلقْـتُ عليك.‏

أجابَتْ بنزقٍ:‏

لا داعي للقلق، مازلْـتُ حيَّةً.‏

دخلتْ غرفةَ نومها، ارتدتْ ثوباً فضفاضاً، وخرجتْ لتعدّ الغداء، اعترضَها زوجَها، نظر إلى عينيها مطوّلاً، سألها بعتب:‏

إلى متى سيبقى هذا على رأسك؟‏

فاجأها السّؤال، صمتَـتْ، مدّ يدَهُ يريد أن يزيحَ الغطاءَ، أمسكَـتْ رسغَهُ، كانتْ غصّةٌ قد سبقتْ صوتَها إلى حلقِها، وبنظرةٍ دامعةٍ قالتْ:‏

لا تفعلْ...‏

لم يستطعْ أن يجيبَها، قطّبَ حاجبيهِ رافضاً الانصياعَ لرغبتها، خلّصَ يده من يدها، نزع الغطاءَ، كان رأسُها النّاصعُ الخالي من أيّ شعرةٍ يلتمعُ تحتَ ضوء المصباح الخافتِ، سقطَتْ دمعتان مُحرقتان على وجنتيها، سألتْهُ بصوتٍ مبحوح:‏

لماذا؟! ماذا تريد أن ترى؟! هل يعجبُك منظري؟!‏

قبّل رأسَها وهو يعانقُها:‏

لا يعني نزعُ التّاج عن رأس الأميرة أنّها لم تعدْ أميرةً، لازلتِ صاحبةَ السّموّ، ولازلتِ أميرةَ قلبي، لن تضعي الغطاء في المنزل بعد الآن، أحبّكِ كما أنت.‏

منذ أشهرٍ وعندما بدأت تخضع للعلاج الكيماويّ، وتلاحظ سقوط خصلات شعرها, وضعت الغطاء على رأسها وحرّمتْ على أحدٍ رؤيته، على أهلها حتى لا يعلموا بمرضِها فتؤلمهم أوجاعُها وينقلبُ الحبُّ إلى شفقة، وعلى زوجها حتى لا يراها بدون شعرها الذي طالما تغزل به.‏

كان الوحيد الذي يرافقُها إلى تلك الجلسات، يعاني الانتظار، تبكي فيحسّ بسخونةِ الدّمعِ في حلقه، تتوجَّع فيشعر بطعنة الألم في جسده.‏

أكثر ما كان يؤلمها، إحساسُها بأنّ حبّه بدأ يظهر بشكلٍ سافرٍ ورقيق بعد إعلان مرضها، وكأنّ القلبَ لا يمتلك مبرّراتِ إشهار مشاعره إلاّ عند الحالات المستعصية.‏

عند الغداء فاجأها:‏

علينا إخلاءُ المنزل قبل نهاية الأسبوع، عقدُ الإيجار انتهى.‏

ضحكت بسخريةٍ:‏

ها قد انتهى العمر ونحن نحمل أمتعتَنا من بيتٍ إلى بيت، لا نحسّ بحميميّةٍ إلى مكانٍ أو إلى ذكريات، أليس هو البيت السّابعُ الذي ننتقل إليه خلال خمس سنوات..‏

احمدي الله أننا نستطيع دفع الإيجار.‏

آه، نسيت أنّي لسْتُ موظّفة.‏

على فكرة، غداً ستصدرُ نتائج المسابقة الأخيرة التي تقدَّمتِ لها.‏

حقّاً؟! وهل إذا نجحتُ سينتظرني الزّمنُ والمرض لأقبض راتبي الأوّل؟!‏

بغضبٍ ردّ عليها:‏

كفّي عن هذا، ستعيشين، وستربّين أولادك في بيتٍ هو مُلكٌ لكِ، وستعودين من الوظيفة منهكةً وعندها لن أساعدك، احلمي دائماً بذلك، هيّا، ابتسمي.‏

ابتسمَتْ وهي تتذكّر مئات البيوت الفارغة التي تراها في أبنيةٍ فارهةٍ أينما يمَّمَتْ وجهها في المدينة:‏

لمن يعمرون هذه البيوت، إذا كان الآلاف لا يحلمون بأكثر من أعشاشٍ في مناطق المخالفات، أو غرفةٍ على سطح بنايةٍ قديمةٍ، أو قبوٍ رطبٍ في حارةٍ نائيّة؟!‏

تُرى هل كانت على حقّ عندما رفضتْ أن تنجبَ أطفالاً في بداية زواجها؟! كان زوجها رجلاً غريباً بالنّسبة لها، لم تدرِ فيما إذا كانتْ ستستمرّ معه أم لا، وكانت البيوت التي أقامَتْ فيها كلّها مؤقَّتة، وها قد ضاعَ حلم الأمومة منها.. صاحتْ في أعماقها:‏

"ربّاه، هل كُتِبَ عليّ أن يكونَ عمري، عمرَ الفرص الضّائعة".‏

كانت تنعصر كلّما سمعتْ نداء (ماما) يخرج من فم طفلٍ صغيرٍ، ثم تهدأ عندما تدرك أنّها لن تترك وراءَها روحاً تتجلَّد في صقيع الحياة بعيداً عن دفء قلب الأم.‏

على الرّغم من ذلك فتح الألم الذي سيطر عليها منذ معرفتها بالمرض قلبها وعينيها على أشياء لم تكن تعيرها اهتماماً من قبل: الشّمس والهواء، زقزقة العصافير، صراخ الأطفال صباحاً وهم يغادرون إلى مدارسهم، صدرُ أمّها، مَزَحاتُ أختها، نزقُ أبيها الدائم، ثرثرة الجيران، التبصير بفنجان القهوة الصّباحيّ، الغسيل المنشور على الحبال والذي يوحي بالحياة في البيوت، الآذان الذي يصدح من جوامع المدينة هنا وهناك....‏

كلّها تفاصيل ستغيبُ عن عينيها بعد فترةٍ وجيزةٍ، كان زوجها يمازحُها بأنّ هذا المرض هو مرض العظماء ليخفّف من ألمها، لم يكن يعلم أنّه يزيد من غرس السّكين في جنبها، (فالعظماء يولدون حين يموتون) أمّا هي فبعد أشهرٍ لن يجد أحدٌ الوقت للحزن عليها أو تذكّرها إلاّ بعض المقرّبين منها، فبصماتُها أصغر بكثيرٍ من أن تترك أثرها على جبين الزمن.‏

عندما بدؤوا بنقل الأمتعة والأثاث بعد عدّة أيام، أحسّت بأنّها تنخلع من جديد لتنزرع في مكانٍ جديد، صاحت بيأس مخاطبةً زوجها:‏

تعبْتُ وأنا أبحث عن وطنٍ أستقرّ فيه، تعبْتُ وأنا أحلم ببيتٍ أرتِّبه بيديَّ، وأزرع الياسمين على شرفاتِه، وأموتُ على سريرٍ دافئٍ فيه.‏

كانت مريمُ تريد أن تموت دون أن تزعج أحداً، كثيراً ما ناقشها زوجُها في حقّها أن تخفي عن أهلها حقيقة المرض فلا يجدي النّقاش، وكثيراً ما كانتْ تعتذر له بعد كلّ موجةِ يأسٍ تصيبُها فتجعلها تنطق بما يؤلمه، كانَتْ تريد أن تغادر بهدوءٍ كما عاشت بهدوء.‏

سمعت مريم أنّ المصابين بهذا المرض إمّا أن يغرقوا في الملذّات أو يختاروا بحر الحزن، لم تختر أيّهما، اختارَتْ أن تعيش حياتها كما كانَتْ، تستيقظ في الصباح، تقرأ الجرائد بحثاً عن إعلانٍ لمسابقة توظيفٍ جديدة، وتنزل لتشتري الخضار وتحضّر الطّعام، تزور الأصدقاء والأهل، تستمع إلى الأخبار، تضحك وتبكي كالأطفال، لا شيء تغيّر سوى أنّ المرض بدأ يغزو جسدها بسرعةٍ حتى لم تعد تستطيع مغادرة الفراش، ولم تعد تستطيع احتمال الألم إلاّ بحقن المخدّر، ولا النّوم إلاّ على صوت زوجها يغنّي وهي تحثّه ألاّ يتوقّف لتحسَّ بالحياة فتمسك بيده التي يحرص على تحريكها لتدركَ أنّها لا تزال في عداد الأحياء.‏

في يومها الأخير... قرأت الجريدة باحثةً – كالعادة – عن إعلان مسابقةٍ للوظيفة، نادتْ زوجها بسرعةٍ، بادرَتْهُ بصوتٍ مُرْهَقٍ لا يكاد يُسْمَعُ:‏

أقرأْتَ هذا المقال؟!‏

وقبل أن يجيب أخذتْ تقرأ بعينين نصف منطبقتين آخر سطور المقال:‏

"وقد كانت نهاية الشاعر فخري البارودي أن توفي في مأوى العجزة بعد أن لم يجد مسكناً له في وطنه الذي تغزّل به:‏

بــــلاد العُـــــرب أوطانـــــي مــــــن الشّـــــام لبغدانـــــي"‏

أرأيتْ.. لسْتُ وحدي التي سأرحل دون منزل.‏

أغمضتْ عينيها.‏

رأتْ يسوعَها مشرّداً بعد أن حطّموا منزلَه – قلبَها – الذي كان يعيش فيه.‏

رأتْ نفسَها بلا مأوى بعد أن أغمضَ يسوعُها – عينيه المتعبتين – آخر وطنٍ لها.‏

رأتْ نفسَها تتأبّط ذراعَ زوجها يهيمان باحثين عن بيتٍ يكتبون من أجلِه عقد شراءٍ لا عقد إيجار...‏

في مكانٍ هادئٍ كانوا يهيّئون لها بيتاً جميلاً صغيراً، على بابه يكتبون اسمها بخطٍّ رائعٍ وفي هذه المرّة لم يستأجروه، بل أحاطوه بزهرِ الياسمين الذي حلمتْ يوماً أن يعرّشَ على شرفةِ منزِلها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244