مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 444 نيسان 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

ســتائر ـــ وجدان يوسف أبو محمود

المساء عندي يعني الشرفة، يعني أن أهرع إليها حاملاً طقوسي: ورق أبيض، قهوة، أقلام. لا أعرف متى سمحت لها أن تصبح فضائي الداخلي إلا أني فعلت وانتهى الأمر، فأنا لا أغلق بابها حتى في أثناء نومي أو غيابي، كما أنَّ منفضة السجائر والكراسي الإضافية تضاريس توهمني دوماً أني بانتظار ضيف.‏

تبدو المدينة هذا اليوم فاتنة أكثر، ربّما لأن الخريف بدأ يعرّيها ليلبسها دفأه، أو لأن الأنوار تتفتّح على منصّفات الشوارع بهدوءٍ مبهر، على كلٍّ فهي لا تحتاج إلى كلِّ هذا الإغراء لتقنع شاعراً عجوزا مثلي بالغزل. عندما سكبت قهوتي الساخنة خلت أنَّ رائحتها قد ملأت الحي في حين لم يملأني الحي إلا وحدةً كعادته، فالسيارات القليلة العابرة كانت كل ما يحرّك المشهد، قد تشاركها في ذلك بنتٌ تتمشّى مع أخريات تحت إغواء الطقس، أما الجزء الأكبر من الصورة فتشغله هذه الفيلا التي طالما أسميتها (بيت الموتى) فمع أنّ أصحابها قد سكنوها منذ أيام إلا أنّه باستثناء الضوء فلا أثر للحياة فيها. تتسابق إلى أذنيّ أصوات الأطفال سعيدةً، محمومة، ناعمة كبتلات الورد، وحين لا أراهم أفهم أنّهم يلعبون في الساحة القريبة، أتذكّر ما فعلته أصابعهم باللافتة الحديدية النصف صدئة، مكتوبٌ عليها: السويداء ترحّب بـ... أما بقية الجملة فقد ضاعت تحت الطباشير والألوان لتمنعني حتى وأنا أرتدي نظارتي من معرفة الذين ترحّب بهم، وبرغم ذلك أغفر لهم ليس لأن مدينتي بارعة في الترحيب بل لأني أحبّهم، حباً جعلني أتمنّى لو يكون لأصحاب الفيلا أولاد صغار علّهم يتقافزون بشقاوة على الشرفة المقابلة، وقد أكتفي بصبّي يمدّ لي لسانه، وبنتٌ حلوة تذكّرني بابنتيّ، وتعوّدني مع الوقت على شراء الحلوى. أحدهم فاجأ حدسي البارحة بما لم يتنبأ به، أخبرني أنّ الجيران الجدد لم يرزقوا بأبناء، فأخمدت خيبتي، وأشعلت أمنيةً جديدة مع منزلٍ آخر. انزلقت ضحكات الأطفال ثانية إليّ، حلّقت داخل رأسي تاركةً خلفها ذيلاً من التأثير، فكّرت أن أشاطرهم الفرح، لكني عدلت عن ذلك لحظة تذكرت أن الضحك ترفٌ لا أقدر عليه. كانت الأوراق لا تزال تنتظر مزاجي الشعري، فأنا كرجل تحوّل من أستاذ جامعي برأس موبوء بالأرقام إلى شاعر أدرك أن ما أصبحته يتطلّب أكثر من إتقان الشعر وهذا الأكثر هو ما كان يؤرّقني. لا أعرف لما بلغت قابليتي الحبرية كلّ ذاك السوء، ولكني لاحظت بالمقابل بأيّ حسنٍ جاءني الليل، فإذا بي قد أمسيت تحت سماء مرشوشةٍ بحبّات ذهب، كثَّفَت كلَّ لمعانها في قمرٍ مطليٍّ بماء. ربما كان لذلك الجمال يدّ في ضيقي إذ صعب عليَّ أن أشربه وحدي دون أحد يشاركني فيه. وددت ساعتها لو أكلّم إحدى ابنتيّ، وأداعب أحفادي ولو على الهاتف، إلا أنَّ فارق التوقيت بيننا منعني، فكلٌّ منهما كانت في دولةٍ مختلفة.‏

لم أتبيّن أيّ نسيمٍ حملها إليّ، هل هو ذاته الذي صافحني، أم كان الذي أربك أوراقي، أن الذي نشّف البنَّ على جدران فنجاني. يشقيني أن أفترض بعد كلّ هذا العمر أني تعافيت منها، في حين أنّها لم تحتج يوما إلى ما يحملها لطالما أنّها محمولة في هذا الصدر. يبدو أنّه من المستحيل نسيان فتاة يذكّر بياض السحاب، وبياض الورق، وبياض الحجارة السوداء ببياض عينيها، بياضٌ يعادل بقوّته ألوان الدنيا لعينين كشمسين تراجعتا لحظة المغيب وعاودتا الإشراق. عوّدني طيفها حين يأتيني أن يدفعني نحو التزاماتي... تناول الدواء، سقاية الحبق، مسح صورة زوجتي، عوّدني أن يبعدني عنه ولو بعرض شعرة خوفاً عليّ ومنّي. خلسةً يولد الألم أما هي فتدخلني بعنف كأنّما خلقت مسكناً، أتعقّب ابتسامتها، أحسّ بأنها ستذوّب سمارها المريح المربك وتحقنني به فأشفى، غير أنّها تتلاشى لتتركني كما دوماً في نشوةٍ وذهول...‏

في لقائنا الأخير لم أكن بعد قد جرّبت ربطات العنق، كان بنطالي مكويّاً بحدّة ليموّه على مرور الإبرة فيه، وشعري الذي كان غزيراً قد أفسده المطر، كانت بمفردها على الرصيف المبلّل، أو لربما أنا الذي لم أرَ سواها، انتظرت أن تبتسم كعادتها، لكنّها لم تفعل، بدت كمن نسي فجأة كلمة السر، لقد كانت محترفة في إثارة الذعر حتى أنّي لم أشكّ مذ افتقدت ضحكتها في أنّها تواطأت مع القدر. أذكر أني كذبت عليها حين قلت: سنشبع الخبز، أحسست أنّها تمنّت تصديقي، كاَبرَت كثيراً قبل أن تفلت كلماتها: حتى الكلاب تشبع، قالتها بمرارة، لم تطعنّي الجملة بقدر ما فعلت حرقتها، معها حق فهي التي ربّاها كما ربّاني الخوف كان لابدَّ لها من إنقاذ أمانها، إذ لا مكان للمشاعر خارج دائرة الأمان، الدائرة الضيقة التي لا تتجاوز مساحة قطعة نقود معدنيّة. وبدلاً من أن أكفكف آلامها سمحت لها بالمضي نحو ملاذٍ آخر، يومئذٍ عرفت أن شيئاً ما فيَّ قد تضرّر، لكني لم أحسب أبداً أنّه سيستحيل إلى عاهة، قالوا إنَّ طاقة السّعد قد فتحت لها، وأنّها تزوجت ثرياً وسيماً و(ابن ناس)، وإنّ الله شاء لها بعد صبرٍ السعادة، اختبأت حينها خلف وجاهة الصمت وكأنّ أمراً لا يعنيني، علّمت نفسي كيف أتعلّق وحيداً بقاطرة أحلامي، لم أكن أعرف أنّ الأحلام إذا تحقّقت كلها ستوقف القاطرة وتتلفها، لم أدرك أني سأصبح يوماً رجلاً محشوّاً بخردة.‏

في الوقت الذي أسدلت عليها الستارة، كنت ألفّق لنفسي حياةً جديدة، أردت أن أصير مهماً جداً في مدينة لا تحتمل المهمّين، ربما لأن لا أحد فيها يطيق الاعتراف بأنّه أقلُّ من أحد، لدرجة أنّه يصعب عليك أن تقول لآذن: (افعل كذا) دون أن تستدرك فوراً بـ(لو سمحت).‏

حققت أشياء عظيمة لكنّي لم أشعر قط بلذّة النصر ربما لأنها لم ترني وأنا أرمي بنطالي العتيق في أقرب مزبلة، ولا وأنا أجول في قاعة المحاضرات بأناقة ولباقة وكأنني طوال عمري (ابن نعمة)، على كلّ حال فقد واصلت إنزال الستائر خلفي على أمل أن أثبت أنّها انتهت. حاولت أن أنتزعها مني لكنها لم تكن مجرد مستأجرة تشغل الذاكرة إلى حين يحل البديل، وكأن عقد المحبة بيننا كان قديماً فاستغلّته لتبقَ للأبد، لذلك بدأت أجرّب معها حيلة النسيان. قاومتها، تماسكت، أكلت وشربت ونجحت وتزوجت وأنجبت. ظنّوا أنّي زوجٌ وفيّ وأبٌ صالح وأستاذٌ عبقريّ مع أني في الحقيقة لم أكن أكثر من ممثلٍ بارع، ممثّل يقدر أن يصدق معهم كلّهم ويكذب على نفسه، ربما لأنني كنت إذا ابتهج الجميع أو بكى الجميع أصطدمُ بي، أقف أمامي مفتقداً شيئاً فيَّ، فأن تفقد ذات عمرٍ من تعتقده أنت مستحيل من دون أن تتشوّه. الآن وبعد كلّ هذا الوقت الذي ترهّل وتساقطت عقاربه لم تعد ذكراها تمثلها بقدر ما هي مفيدة للصحّة، فاستحضار ابتسامتها مثلاً ضروريٌّ لتركيب السعادة، ونقاؤها الطاهر مهمٌّ لاستيعاب الحياة بطريقة أرحب، حتى أنَّ ذكراها عندما ماتت زوجتي ارتدت معي ثياب الحداد، لتثبت لي أن ذكرى الذين نحب مثلهم تحزن وتفرح وتتعاطف، لقد اكتشفت مؤخراً أنّها لم تعد امرأة بقدر ما أصبحت وسيلة إنعاشٍ جميلة. ربما لهذا تذكرتها اليوم، فهي دوماً تتولّى إسعاف وحدتي وحزني وضيقي، وهاهي قد نجَحَت، ملأتني طاقةً، نفخت في الحيّ رقّتها حتى بدا لي أكثر حيوية، بدأت مسجلات الصوت تخلط صوت فيروز بأصوات أخريات ذوات فحيحٍ أو ثغاء، وصارت أحاديث الجيران واضحة عندما خرجوا للسهرة على شرفاتهم. بدأت أستمتع فعلاً وكدت ألوّث الورقة بالكلمة الأولى قبل أن يحدث ما حدث... فتح فجأة باب الشرفة المقابلة، فامتزج فضولي بالترقّب، وازددت تلهفاً لأرى شكل أصحابها، تساءلت إن كانوا يشبهون بعض من أعرف من المغتربين الذي ركَلَهم الفقر إلى آخر الدنيا، فمسح آخر الدنيا بهم الأرض، وامتصّ كرامتهم ودفأهم وشبابهم، ثم أعادهم إلينا على عكّازات ليبنوا بكلّ ما جمعوه قصوراً باذخة الفخامة، ويشتروا من السيارات ما استطاعوا ليزيّنوا بها مداخلهم، وكأن في ذلك إثبات لنا بأنهم عادوا كباراً. لحظة ظهر تدفعه زوجته على كرسيّ مدولب انقبض جسدي كما لو أن الكهرباء عبرتني، لم أعثر على سبب لذلك، إلا أنني لم أزحزح عنه مقلتيّ.. تماماً وكأننا نتعارف، فأنا أؤمن أنّ ثمة إيحاءات تفضح عنوة هوية المرء. ملامحه المريحة لم تخفِ غصّاته، كان يتحرك بخفةٍ وكأنه يعايش الشلل منذ أمدٍ بعيد، بدا شديد التودّد لزوجته كما لو أنّه يدين لها بما عانته معه أو منه. وفيما أنا أنقّب فيه تعثّر بصري بها، وجدتني في غفلةٍ منّي أراقب انزلاق الشّال عن شعرها، أدقّق في أسلوب يدها في رفع خصلة الشعر عن وجهها، لوهلةٍ كدت أصرخ: (هِيَ)، غير أنّي بحثت عن إثباتٍ آخر. عندما التفتت من دون قصد، شعّت عيناها، ابتلعتاني وكأني قد وقعت في حقلهما المغناطيسي... من بياضهما عرفتها. أذهلني كيف يطلق الله معجزةً في مصادفة، لم أتمالك نفسي، استسلمت للخدر، وبدأ قلبي ينبض في كل أعضائي، انتابتني رغبة ملحّة لأن أجهش باكياً مثل طفلٍ عثر على أمّه ولم يتعلّم بعد كيف يناديها (ماما)، شعرت بخجل وجنتيّ، وضبطت يدي وهي تمتدُّ إلى ياقة القميص لتصلح هيئتي، لم أتمكّن من الحراك للحظات، كما لو أنَّ الشلل انتقل إليّ بعدوى الحسّ. الغريب أني مذ تعرّفت إليها لم أجرؤ على معاودة النظر، حين تمالكت نفسي أفلتُّ من أعصابي وحدّقت بها، وفي هذه المحاولة اكتشفتها للمرة الثانية، بدت لي فجأة مختلفة، ليس لأن شعرها قد غدا أشقر قصيراً ولا لأنها أمست بدينة قليلاً ولا لأن السنّ قد ترك على وجهها آثار عجلاته وإنما لسببٍ بعيد أجهله. لم تكترث لي، كانت باردة جداً، وكنت في أمسّ الحاجة لأعرف إن هي حقاً لم تتذكرني أم أنها تتظاهر لذلك. خفت على ذكراها منها، خشيت إن أنا أطلت النظر إليها أن تفقد فيَّ بريقها، خشيت أن أفقدها. عندما اقتلعت جثّتي عن المقعد ولملمت أشيائي المحترقة كان زوجها يمسح دمعةً عن خدّها. دخلت، أغلقت الباب ورائي، أسدلت الستائر، ربما لأمسح صورة زوجتي أو لأكتب شيئاً ما...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244