مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 444 نيسان 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

سكرة الموت ـــ زرياف المقداد

جسدي مكّورٌ منذ الأزل في قاع رحمٍ ضامرة.. وأنا وأنتِ وجهان للبحر.. هادئ. وهائج، وطالما تمنيتُ أن أعرف متى أكونكِ لأدرك كنه البحر فيَّ!!‏

صدى صوتي يهمس: أهو الموت يا فاطمة؟‏

همست جواري بصمت مهيب: لا أدري كيف هي الحياة لأقول لك كيف يكون الموت!!‏

هلك العمر في راحة يدي وأنا أنظر إلى وجهها وقد استوت الأرض فيه.‏

عيناها مرآة لجسدها.. تارة تنتشر لحظة زرقاء تشبه بوح الفجر.. وتارة تنكسر كطائر شقيّ. شقي وهو يبحث عن ملاذٍ لأجنحته..‏

ارتعشت وشعرت بخجل مني، وعيناها تنزان دمعاً خلفي يغمرني وأنا ماضٍ في صمتٍ قاهرٍ خارج حدودها.‏

يعجُّ المساء برائحة الكآبة.. وجسدي صهيل خيول تغادر الأمكنة والأزمنة في كلِّ الاتجاهات. أكاد أرسو على شاطئ أستبينه أمسك به ثمّ يفرُّ في الفراغ تاركاً إياي في ذهول مربك..‏

كتفه تجاور كتفي ونزهق سوية ساعات النهار على الأرصفة.‏

ــ ماذا سنسمع الليلة؟‏

ــ هناك محاضرة لسيدة موهوبة ومرغوبة؟‏

ــ أرجوك يا... ما عدت أطيق سماع مثل هذه العبارات..‏

ــ ما بك؟‏

يسألني.. وكأنني أسمع صوتي يسألني.. أجيبه دون مبالاة: لا أدري.‏

تنزلق الشوارع تحت أقدامنا المتعبة ويقودنا الفضول.. وربما شيء آخر إلى قاعة العرض..‏

هتافاتهم تنتهك حرمة الحلم المتيبس انتظاراً في قارعة المدى.‏

مصلوبٌ بيني وبين دمي.. يكاد رأسي يمشي وحيداً خارج أسوار القاعة.‏

يمسكُ صاحبي بكتفي ويدفعني برفق.‏

أجلسُ..‏

تغمرني عبقرية الموسيقى المنبعثة من وراءِ الكواليس توحي للمكان برهبةٍ وربما بدفءٍ دفين..‏

ــ أما قلتُ لك.. سيرافق المحاضرة موسيقى نينوى، وعرض مشاهد من فيلم "سقوط الجمهورية".‏

ــ يجرحني نشيد الموت وهو يهاجر آلاف السنين يقف ببوابة الحاضر وينتحب آلاف المرات.‏

ــ أنظر إلى الشاشة العريضة خلف السيدة المحاضرة والتي كانت تتقن فن الحديث بطلاقة. تذهلني حالة الاستلاب التي نحياها ونتعايش معها برفق..‏

أحدّق في وجه صاحبي، ثمَّ أجولُ ببصري في الحشد المحشو في المقاعد.. وفوق رؤوسنا سيف الجلاد "أقتلك أو تقتلني لا فرق كلانا ميت بحكم الآه وبحكم السلطان"!! أتساءل ترى: هل عبرت بنا الأشياء إلى متن المتاهة حتى نقف مذهولين هكذا؟‏

ــ ما بك؟‏

ــ أجبني ماذا يجري؟ أليست علاقتنا بالعالم هي تلك الشاشة؟‏

يصمت صاحبي.‏

أحدّق بالعرض المبهر لمشاهد آدمية تموت آلاف المرات. تغرقني وجعاً كلما نظرت إليها وأشير إلى مشهد يتكرر كلما نظرت إلى الشاشة (فتاة تخرج جثتها من تحت الأنقاض)‏

صوت صغيري يخربش في الذاكرة ويرهقها وجعاً "يا حرام قصف على المدن"‏

ــ لا عليك كثيرون الذين يموتون بتلك الطريقة الموت أصبح عادة..‏

ــ لا هذه الفتاة تموت بطريقة عجيبة، منذ مدة وأنا أراها تركض خلف عدسة المصور. يدفعها وتصرُّ على المرور أمام عدسته.‏

فجأة وجدوها... شقية ذات شعر أشعث تحكم قبضة الكون على دمية قماشية تشبهها... عيناها تنظران بدهشة إلى عدسة المصور.. وربما هي جنّية جاءت لتلاعب الصغار.. وربما فتاة شاردة عندما وجدوا جثتها لم يعرفوا من هي! وفي غمرة الدفن المستفيض نسوا دفنها على شواطئ دجلة..‏

كان الصغار يتراكضون لمحوا الفراش يطير حول جسدٍ آدمي ممدد، ودمية تقف في وجوههم تضحك وتضحك. يقول التقرير أنَّ الناس صاحوا: "جنّية".‏

وقالت العجوز: بل هي ابنة عبد الله المسعود الذي حفر قبره بنفسه أعلى النهر.‏

جاء الرجال ليدفنوها.. لم يجدوها..‏

ابتسم صاحبي: أنت تحفظ التقرير ماذا بعد؟‏

ــ لم يجدوها بل كانت آثار أقدامها تقودهم إلى أعلى النهر.‏

ــ هل هذه رواية ذهنية؟‏

ــ بل من الواقع. أقسم لك إنَّها من الواقع!!‏

ــ اسمع.. الواقع هنا. يجب أن نعي حقيقة ما يجري حولنا تابع مع السيدة لديها قراءة متأنية للتاريخ.‏

أحمل وطني في كفي، وينهار جدار الصمت فيَّ وأنا أراقب السيدة تتأبط فكرة الاستلاب العقيدي والعقائدي. فتمعن شرحاً وتفصيلاً وتأتي على التاريخ تستشهد بأحداث ماضية.‏

يرهقني الشك في حقيقة الأشياء حولي ويعصف بي هاجس: مَنْ يكتب التاريخ؟‏

أرفع يدي. تتجاهلني السيدة وتتابع حديثها عن المخاطر الأمنية التي تُهددُّ المنطقة، وتنبه إلى مخططات عالمية للنيل من حرية الوطن والمواطن.‏

تزحف ذاكرتي خارج أسوار القاعة:‏

"فاطمة: ما هو الوطن؟‏

تضحك وتقول: "الوطن أن أشرب قهوة أمي" أهكذا علمتني؟‏

تسوّرني قهوةّ بلا رائحة تفترش المساء.‏

تقول السيدة: ربما يحاولون إعادة التاريخ فهناك ما يشير إلى مخططات مستقبلية في محاولة لدمج الدول في قومياتٍ وإبعاد أنظار العالم عن المشكلة الحقيقية في المنطقة؟‏

يهزّني صاحبي: لقد أصابت الحقيقة أليس كذلك؟‏

ــ لا.. جدّي يقول الفقر أساس كل مشاكل الدنيا. اسمع ما يجري الآن هو تقسيم الوطن إلى أوطان؟‏

ــ وما الفرق بين الدولة والوطن؟‏

ــ يا صاحبي للدولة سلطانها.. والوطن كسرة خبز مدهونة بالزيتّ برأيك هل استطاعت أن تصل إلى الفرق بين الاستلاب العقيدي والعقائدي..‏

يضحك صاحبي: لا تحملها أكثر مما تطيق.‏

اصمت مستسلماً. وأدهش من قدرة السيدة على الانتقال الرشيق بين موضوع المحاضرة وعنوان الفيلم ومحاولتها الربط بينهما.‏

يتوسط العرض "مشهد الجنّية" تشير السيدة بيدها: هذه الفتاة ابنة النهر الذي شهد ذات يوم موت آلاف الكتب، وشهد محاولة ردم حضارة إنسانية وبكى الخليفة ــ أظنه هارون الرشيد ــ عليها فسُمِلَتْ عيناه يوم رفض تسليم المدينة!‏

يبتسم صاحبي (خطأ لفظي) ويومي إليَّ أن أصمت ويتنحنج البعض معترضاً بصمت قاهر..‏

ــ أرجوك قم أنا ما عدت أطيق الجلوس.‏

ــ اصبر المشاهد التي تعرض حيّة تهمك في روايتك الجديدة ثم لن يسمحوا لك بالخروج هناك اعتصام خارج القاعة.‏

لون دمي يعبر إلى تقاطيع المدينة الخائرة. أستعيد من ذاكرتي مشاهد من خارج الزمن تمتدُّ المسافات في أرواحنا تبحث عنا، وتلعق خواء وريحاً في قاعِ الجسد، وربما في قاع الروح المنتشرة في الشوارع خارج خارطة الجسد.‏

ينزلق حشو المقعد تحتي، أهوي في قاع صمت رهيب يغمرني، وأنفاس الجالسين صخب جبالٍ تجثم فوق صدري.‏

ــ هل هذا هو المشهد الذي حدثتني عنه؟‏

وأشار بيده إلى الشاشة حيث كانت الجنّية الصغيرة تقبض بيدها ناصية الأرض تلفُّ دميتها كطفلة آدمية، تحاول الابتعاد بها عن أصوات الانفجار همستُ: انظر كيف تلقم صغيرها ثديها.. هذه الفتاة ستعبر النهر.‏

تذكرت جثتها وهي تحت الأنقاض. وجهها كان رغم الموت يمعن النظر في المارة!! فاطمة تزحف مع ذاكرتي خارج أسوار جسدي.. أسألها..‏

ــ فاطمة كيف هي سكرة الموت؟‏

ــ لا أدري!‏

ــ هل رأيت ميتاً عابس الوجه.. كلُّ الموتى يضحكون!‏

ــ أنت تبالغ..‏

ــ بلى هناك ابتسامة تفرُّ من وجوههم.. ربما ابتسامة بلهاء، ولكن لماذا يقولون سكرة الموت؟‏

تفرُّمني ابتسامة بلهاء..‏

"هل تذوقت سكرة الموت في الفجر؟‏

هل وقفت بوابة المدن المهجورة وصحت في الصدى أن لا مدى.. أيقظ روحي وهي نائمة على كتف الانتظار وقم لنهادن الزمن على من يكتبنا، ومن يكتب التاريخ فينا..‏

فاطمة أقول لك أم لهم لا أدري!!‏

ما زال الجدار الواقف فيَّ يهمس. ما زالت الجدران تقف فوقي. أنهادن استلاب أرواحنا حتى العظم؟‏

ما نحن سوى بقايا تلتهم بقايا..‏

صراخ الأكف يعوي فيَّ وهي تضرب وجوه بعضها البعض.‏

صحت: أراها بوضوح جنّية النهر ستأتي.. لوجهها لون الطين، وربما لون القمح، ستأتي حين يفيض النهر. وستكون "آخر قلاع الطين".‏

نحيبٌ يقف في باب القاعة. أهو نحيبُ الشوارعِ منتظرة أقدام المارة أو نحيب الشوارع على أقدام الذين مضوا؟‏

أستيقظ من غفوة عميقة في قاع رحم ضامرة أعود إلى جدران القاعة.. يهزّني صاحبي: اسمع جواب السيدة على سؤالك..‏

تبتسم وهي تنظر إليَّ قائلة: لا يوجد فرق بين الاستلاب العقيدي والعقائدي كلاهما من نفس المصدر..‏

برودة تأكل أطرافي.. أسالها وماذا عن حداقل1؟‏

تقول: لقد وردت كلمة جحافل عندي أكثر من مرة وهي كناية عن قوة الطفلة التي تبدو في قوتها كجيوش جرارة.. شكراً على سؤالك.‏

صوتٌ فيَّ يصرخ: "سقط القناع عن القناع".‏

ما نحن سوى بقايا تلتهم بقايا‏

بُنيَّ: لن تكبر.. لن تشيل حزني على الأرصفة، ولا على المدن النائمة في انتظار غفوة الموت القادم.‏

الآن فقط يمرّ في نحيب نينوى وأسمع صراخ صغيري وبكاء فاطمة عليَّ.‏

الآن فقط أسمع سقوط الجدار الواقف فيَّ فوقي..‏

1 حداقل: الاسم القديم لنهر دجلة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244