مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 444 نيسان 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

صَفْنان بن صافن ـــ نجيب كيالي

كلَّ يوم تقريباً يقوم( صفنان) بطلُ هذه القصة بأمر غريب.. يفك رأسه، يهزه، ويدقه على الأرض لينظفه مما فيه من أشياء مزعجة.. هموم من العيار الثقيل، مخاوف جهنمية، وشيش، أزيز، صفير، نقّ من الزوجة والأولاد، براغيث تدخل إليه مع الهواء الملوث، ونشرات الأخبار، وداخلَ الرأس يجد صفنان أشياءَ أخرى لا اسمَ لها، فيصيح: يا ألطاف الله!‏

عملية النفض هذه غايتها إراحة الرأس قليلاً، وتخفيفُ حالة الصَّفْن شبه المزمنة عند صفنان.. تلك التي تذهب به نحو آلامٍ أو أحلامٍ عجيبة غريبة، ورغم النفض المتكرر الذي يقوم به صفنان لرأسه إلا أنه يعود سريعاً كما كان، فيبدو بطلنا سارحاً في الملكوت، بؤبؤاه متسمران في وسط عينيه أو ساحلان إلى الأسفل، فمه مفتوح إلى المنتصف، وكأنه باب سيارة معطوب، ولا يمكن إغلاقه، إذا حاكيتَه من الشرق يرد عليك من غرب الغرب، والمهم أنه يتعرض لمواقف صعبة، وإليكم ما جرى معه أخيراً:‏

قالت له زوجته ذات عصر: الحمَّام ساخن، ادخلْ إليه، وأعطني ثيابك لأضعها في الغسالة.‏

عقل صفنان في تلك اللحظة كان يتجه إلى مجرى بعيد جداً، فهو يفكر كيف تم تزوير انتخابات النقابة في المؤسسة التي يعمل فيها رغم مئات العيون المفتوحة، والآذان المنتبه، وكان متوقفاً بالضبط أمام جملة قالها أحد البسطاء: الصناديق مثل ضمائرنا يا شباب يلزمها ليفة وحمام.‏

قال صفنان لزوجته التي تداخل كلامها بما يفكر فيه: طيِّب، طيب.. نليِّف الصناديق يا ستي كما تأمرين، ونضعها في الحمام.. في الغسالة.‏

فتحت الزوجة فمها الذي يتسع لبطيخة بالعرض، ولم تستطع إغلاقه لمدة نصف دقيقة!‏

في اليوم الثاني جرى له ما هو أسوأ: استدعاه مدير المؤسسة، قال وكأنه مذيع يعلن عن حرب وشيكة:‏

- كبير المفتشين سيكون عندنا بعد ساعة. استعد يا صفنان، أصغر غلط معه يخرب بيوتنا. السجلات مهمة، لكنَّ الأهم منها بكثير أن تنحني أمامه، وتذكر بعد اسمه ألقابه السبعة التي يعتز بها جداً..جداً.‏

وحرصاً على مسألة الألقاب قامت المؤسسة بأمرٍ من المدير بطبعها على الكمبيوتر، وتوزيعها على جميع الموظفين والموظفات ليحفظوها عن ظهر قلب. دخل صفنان إلى غرفته، قام بعملية نفضٍ سريعة لرأسه، وراح يردد الألقاب كما يفعل أطفال الروضة بأناشيدهم: النزيه، المهاب، رفيع الجناب، صاحب التاريخ الطويل، الخبير، البارز، أبو الأوسمة والجوائز.‏

من الغرف الأخرى كانت تصله أصوات الترديد، فينمطُّ وجهه كأنه علامة تعجب طويلة، ثم يضحك ضحكة بلهاء، ويعود إلى ترديده الخاص.‏

دخل المفتش إلى المؤسسة بين صفين من سلالم الورد، بجانبه المدير معلِّقاً على وجهه ابتسامةً أكبرَ من لحاف، وخلفهما يتراكض الموظفون والموظفات كأكياس نايلون يدفعها الهواء، أما صفنان فمرَّت تحت عينيه وردة حمراء عَلِقتْ فيهما:(غداً عيد الحب. لو كانت له هذه الوردة، فلمن يعطيها؟ للزوجة؟ أعوذ بالله. إنها تفضِّل شيئاً يخص المعدة! للحبيبة؟ من أين يا حسرة؟ ليس عنده حبيبة. إذن سيقف على الطريق، وإذا مرَّ عاشقان، فسيمد ذراعه إلى أقصاها غارساً عودَ الوردة بين السبابة والوسطى ليقطفها أحدهما. قد لا يشكرانه، وقد لا ينتبهان إلى وجوده، وقد يظنان أنها وردة نابتة في الهواء، المهم أنهما سيفرحان، وهو بهذه الطريقة سيشارك في عيد الحب).‏

طلبَ المفتشُ أن يحضر صفنان إليه بعد أن التقى بعدد من الموظفين، انحنى صفنان قليلاً، ثم بدأ يذكر الألقاب: النزيه، المهاب، رفيع الجناب، وقبل اللقب الرابع:( صاحب التاريخ الطويل)، انتبه إلى شيء عجيب: رأس المفتش ملتصق مباشرةً بصدره! أين الرقبة؟! رقبة المفتش يا ناس!! هل خَبَطه أحد على رأسه، فغارتْ بين ضلوعه؟ أم أنَّ قاعدتها عند أعلى صدره فيها رخاوة، فانزلقتْ تدريجياً بين كتفيه؟ كما يحدث للأعمدة التي يسرق المتعهدون الحديدَ والإسمنت من قواعدها! رقصتْ فوق خواطر صفنان المتلاحقة ضحكة عابثة، فتساءل: إذا كانت قاعدة الرقبة رخوة مثل الحلاوة.. ألا يعني ذلك أن رأس المفتش سيلحق برقبته إلى تحت! رفَّ صفنان بعينيه، فوجد المفتش بلا رأس! معقول؟ نعم..إنه بلا رأس!‏

والأغرب أن نافذةً انفتحت فجأة في صدر المفتش ذي الجسم السمين تحت ياقة قميصه، وظهر الرأس فيها، ومن هناك راح يرشق صفنان بنظراتٍ كاوية!‏

سأل صفنان نفسه لماذا هو غاضبٌ هذا المحترم؟ هل غلطتُ سهواً في حقه؟ أيكون فمي مثلاً ضحك منه ضحكة استهزاء دون أن يشاورني؟ أم بدلاً من أن أقول: (صاحب التاريخ الطويل)، قلتُ:( صاحب العنق القصير)! حاول صفنان أن يكمل سرد الألقاب ليرضيه، ولكنْ آه .. فـ(الخبير) قاله:(البير)، و(البارز) قاله:(المخاوز)!!‏

نزل صوت المدير في أذنيه كطلقات رشاش: بغل،أهبل، مسطول!‏

انتفض، قرر أن يعيد الألقاب من الأول، هيَّأ لسانه، فتش في ذاكرته، فلم يجد فيها شيئاً، وكأن مكنسة مرَّت على محتوياتها ! ماذا يفعل؟ أخرج الورقة المطبوعة التي استخدمها في الحفظ، فتحها داخل كفه، وأخذ يقرأ بطرف عينه حتى لا ينتبه المفتش والمدير إليه، لكنَّ غضبهما زاد، أعادها مرة ثانية بصوت أعلى، غناها، رقص بها، غير أن وجهيهما ظلا يقطران سماً، بل إنه سمع أحدَهما يزعق به: بره!‏

*‏

صفنان مستلقٍ على ظهره في مكان ما.. سريره؟ سرير هواجسه؟ الله أعلم. رأسه رغم كل ما جرى، وخلافاً للمعتاد في حالة ممتازة! إنه يتذكر كل شيء، ويعرف أن شيئاً سيئاً ينتظره، فيضحك في داخله ضحكة تعادل جملة:(شي بيهوِّي)! قد يحققون معه لأنه أهان المفتش، وقد، قد... لكنه مستعد حتى لو نصبوا له محكمة:‏

- اسمك؟‏

- صفنان ابن صافن، ورثتُ الصَّفْن عن أبي، وسأورِّثه لابني.‏

- كيف تجرأتَ على إهانة المفتش؟!‏

- أنا لم أدر كيف وقع الأمر؟ لعل عقلي تصرَّف دون أن يأخذ رأيي.‏

- هل أنت اثنان؟!‏

- أنا يا سيدي اثنان ، ثلاثة، عشرة. علمها عند ربي.‏

يغضب القاضي، فيضحك صفنان ضحكته التي تعادل جملة( شي بيهوِّي)، وتأخذه بعيداً نسمةٌ تكرج في صدره كرجةَ طفل، تُوصِله إلى عيد الحب، فيجد نفسه على الطريق يبسط ذراعه بوردة حمراء غارساً عودها بين السبابة والوسطى، منتظراً عاشقين يقتربان ليقطفها أحدهما.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244