|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
نظرة شبه بانورامية في مجموعة في العالم السفلي لغادة اليوسف ـــ عبد الكريم الناعم بداية، وتحوّطا، لا أريد أن يتسرّب إلى الأذهان أن ثمة عودة، أو نكوصاً إلى (الواقعية) التي طرحت نقدياً منذ خمسينات القرن الماضي، مقرونة بشيء من التشدد الأيديولوجي، وأرجو ألا يعتبر قولي هذا موقفاً مضادّاً، فرغم ما أحمله من تحفّظات وملاحظات فأنا من الذين ما زالوا يؤمنون أن العدالة الاجتماعية هي الأساس الذي يضمن أن يكون للناس، جميع الناس، إحساس عال بالشعور بتوافر الكرامة في اللقمة، وفي الانتماء الوطني، وفي الحرية الملتزمة بتطلعّات الشعب ونزوعه الخيّر، لا أن تصبح خيرات الوطن، وخلاصة أرباحه ملك شرائح كل همّها أن تزيد في تلك الأرباح، لا شك أن الواقع، بداخليته وخارجيته هو ما يمتاح منه الأديب، ووحدة المصدر هذه لا تعني وحدة الأدبية، فدودة القزّ تتغذى بورقة التوت لتصنع منه حريراً، ويتناوله الجدي فيتحوّل إلى داخله إلى تستّق و... بعر، في النص الأدبي الأصيل يترك المبدع بصمته... شيئاً من ملامح روحه، بهذا القدر أو ذاك، التفاعلات الداخلية: الخيال، الحساسية، النزوع الرهافة، .. مواد العالم الخارجي: الحدث، الطبيعة، التبدّلات، التشققات، الانهيارات، ...هذه كلها هي المادة التي يتعامل معها المبدع، وهي المادة التي تتقطر من أنبيقها الخمر، في علاقة جدلية توحدية تبادلية بين الداخل والخارج، فالداخل، بحسب مقتضيات تلك المعادلة وصياغتها.. يصبح خارجاً، والخارج داخلاً، ليتشكل نسيج تلك الخيمة، بتطريزاته، وألوانه، وخفايا القطب فيه. بعد هذا المدخل الذي يشدّني وكاد يغريني بالاستسلام للتنظير الذي نشكو منه ومن سطوة حضوره... أتوقف عند الحجارة والمداميك الواقعية التي شادت منها غادة اليوسف عمارة من اثني عشر طابقاً هو عدد قصص هذه المجموعة. لا أدري ما إذا كان العدد اثنى عشر قد جاء مصادفة أو تسرّبا عن غير قصد، وهذا ما أرجّحه، وهو من الأعداد اللافتة لدى الذين يقيمون جسوراً عرفانية، وإشارية بين الأرقام ودلالاتها، ورموزها. من يقرأ قصص غادة اليوسف يطالع فيها واقعاً نوعيّاً، فهي ابنة الانتماء الطبقي، والعذاب، ورفض الظلم، والقمع،.. هذا بصورة عامة، وهي تأخذ مفردات الواقع، وأحداثه، وتركبها، أو أنها تبتكر أحداثاً، وترسم واقعاً له هوية الواقع الذي نعيش فيه... ولكن بنكهة من يضع في الطعام من نفسه ومن المطيّبات ما يجعل الوجبة تنسب لمن أعدّها وطهاها. غادة اليوسف تغترف فيما تغترف من حياتها جاء في قصة "فوق جثة الأقنعة" ــ ص 18 "ولكن... ماذا سألبس في زيارة النكد هذه؟ لكم سمنت، حمل، بل ثقل ينضاف إلى أحمال كثيرة تراكمت فوق أيامي... لو أن أم وفاء سبقت ميتتها شهرين.. لكان بنطالي الجينز والوحيد.. مع أي بلوزة وفى بالغرض.. أما الآن فجميع البلوزات أقصر من أن تغطي سحاب الجينز الأزرق الذي يتعذر إغلاقه على بطن في الشهر السابع". هذا المأزق، بمفرداته، بوصف حالته، يمكن أن يكون تركيب خيال قصصي... بيد أن ثمة شيئاً تفوح منه رائحة أنه حقيقي، والحقيقي ليس قيمة في حد ذاته إلا بمقدار ما يحمل، أو يساعد على حمل السوية التعبيرية الأدبية في النص. في ص 42 من القصة المذكورة، وبعد أن يعتقل زوجها وهو فلسطيني يساري، وهي، ولادة، وبطاقة شخصية ليست فلسطينية، أحبته وعبرت حدوداً يدفع الإنسان ثمناً غالياً من أجل عبورها، ...جاء في الصفحة المذكورة آنفاً: (ـــ ها... وبعدك نايمة؟ وهزّتها بعنف من كتف ذراعها المعطوب.." قومي.. لا قيلك شي واحد من تلاك يشوف لنا في أي فرع هو؟ قومي" ـــ يا خالتي تعرفين أن لا أحد يجرؤ على ذكر اسمي في البيت فكيف تريدين أن أطلب منهم ذلك؟ رشقتها بعينين تورّمتا من بكاء بائت: ـــ "اعملي أي شيء.. من قليل انتو حاكمين البلد؟ الله يستر ما تكوني أنتِ من دزّ عليه، مشيرة إلى يدها المعطوبة ـــ لا حول ولا قوة إلا بالله على هذا الحمّام الصباحي.. يا خالة ألا تعرفين أصدقاءه؟ نعم تعرفينهم جميعاً، وتعرفين أن مقابل كل واحد منكم يعتقل منا عشرة... فلماذا هذا الكلام؟ على كل حال أنت معذورة... إن شاء الله سأجد طريقة ما. أن يمتح الإنسان من حياته فذلك ليس سلباً ولا إيجاباً بحد ذاته، المهم في الأمر توظيف ما يلتقطه القاص، وطريقة معالجته. هنا قد يكون من المهم ذكر أن اللهجة الفلسطينية، وملاحظتها وظفت في أكثر من موضع في هذه المجموعة، وهذا أيضاً ملمح ذاتي، واقعي في آن واحد، وكما تعلمون فإن في اللهجات الشعبية المتداولة من الشحنات اللفظية التعبيرية ما يدفع بعض الكتاب لإيثارها على الفصيح الذي قد لا يحمل الروح ذاتها. اللهجة الفلسطينية ظلت حاضرة في أكثر من قصة حيث انغمست الكاتبة في هذا الوسط زمناً له عمقه الخاص، وهذا ملمح قد يكون من المفيد أخذه بعين الاعتبار وخاصة حين نأخذ التجربة القصصية ببعدها الروحي، وبما نتج عنها من تكشّفات، هنا قد يكون من المهم ذكر أن التقاط اللهجة التي لا نتكلمها يحسنه البعض، بقدرات خاصة، الأمر الذي قد يكون عسيراً على الآخرين: ــ "واحدة جوزها محبوس والها نفس تحط المشط بشعرها غير القـ...؟ يا ويلي عليك يا ولدي.. هوّ من يوم ما جيتِ ها لبيت وما في غير المصايب بتهل علينا، معلوم خيتا، ايش همك؟ هو محبوس، الله عليه قلبي... وانت دايرة، وتشير بأصابعها البليغة إلى... (عودوا إلى ص 22) خيتا لويش قاعدة؟ قومي حطي اصبعك بـ (اعتذر عن ذكر اللفظة) ولوقي برّة.. ها ظا البيت على كيفك تتكرر العامية في ص/ 39 / 56/ 57/ 58، هذا الحضور الخاص للعامية لا يمكن شطبه بسهولة، وقد يكون الحل بينها وبين الفصحى، في مثل هذه المواضع في العامية الفصيحة، ورغم ذلك فستظل مناطق كتابية ليست بالقليلة لا يعبر عنها بحيوية وإيحاء إلا بالعامية وذلك بحكم التداول الحي المستمر، وأكتفي هنا بمثال واحد. يقول البطل (الثورجي) المنفوخ: (شوف ولاك احنا أقل من ديكتاتورية البوليتاريا ما بتوفي معنا) ـــ 79 لا أظن أن لغة غير هذه اللغة، بلهجتها العامية قادرة على تقديم قول خشبي، باتر/ حازم؛ جازم مثير للسخرية المرة. الواقع كتابة، عند غادة اليوسف يتحوّل إلى واقع فني جاذب يضج بالمعاني المحمولة مباشرة، وبمعان أخرى هي ما نسميه بين السطور، وأحياناً المسكوت عنه. جاء في ص 50 قصة "من العالم السفلي": "تحملق في العينين اللامعتين المتسائلتين.. يبادلها النظرات فتستدير بعكس الفتحة.. تقابله وجهاً لوجه فينتابها خجل أنثوي فطري تحار كيف تخفي أكثر أجزاء جسدها حميمية عن عينيه فلا تستطيع.. إنه جسدها وتلك عينان حقيقيتان) ـــ الكلام هنا عن جربوع وليس عن إنسان في الصفحة 51 من القصة ذاتها تقول: "سحب حديد النافذة التي أطرت وجها تكون بمزاج هذا المكان.. وجهاً لا ملامح بشرية له.. بفوهة فم مبرمج ليسأل.. لينتزع الاعترافات" لنلاحظ أنها استخدمت مفردة (فوّهة) ولم تقل (فم) لأن مفردة فوّهة التي توحي بفوهة المسدس هي الأكثر مناسبة وصميمية في الأقبية. أعتقد أن قصة من العالم السفلي تحتاج لقراءة نقدية معمّقة، بمستوياتها، وبما فيها من توازيات وصهر وتماه بين شخوصها لم يأت عفو الخاطر بل جاء بعناية وبوعي فني عال، وهنا نشير إلى أن معظم القصص الموجودة في المجموعة، لو أردنا دراستها.. لاحتاجت كل قصة إلى تلخيص، ثم إلى كشف المكامن الفنية، وهذا خارج عن طبيعة هذه البانوراما، بيد أن هذا لا يمنع من الإشارة السريعة العابرة إلى البنيان الفني في قصة "نتقن لغة الزيتون" فبدء من العنوان ثمة قطبة خفية ظاهرة بين العجوز الفلسطينية وزيتون فلسطين الذي انتزعت بعيداً عنه، زيتون البلاد كما تقول، وثمة تواشج لم يجيء بالمصادفة، بل هو مشغول بحساسية عالية بين ربط جذع الزيتونة التي شققتها العاصفة الثلجية، ربطها بالشال الفلسطيني المعروف الذي يوضع حول الرقبة في المناسبات أو يعلق في صدر البيت.. لكي تلتئم الشجرة.. وربط الشال ذاته، المشابه، الذي عقدته صبية على وسطها لكي ترقص، ثمة ربط، وإيحاء، ودلالة، بما لكل مقطع، ولكل نقلة، من موحيات. بعض ذلك البناء يزخرف باللقطة، واللقطة المعبّرة، الموحية.. تنهض في تربة التأمل العميق، وتسقى بأمطار الحساسية العالية، ففي قصة (استعداد) التي أرادت فيها أن ترسم شخصية مديرية مدرسة مستبدة بامتياز قدّمت اللقطات التالية: "ما أن زعقت صافرة المديرة حتى اكتسح حضورها الصارخ المدرسة بمن و(ما) فيها ـــ انتبه لهذه ال (وما) ـــ فقد وصل طغيان هذه المديرة إلى الأشياء لا إلى البشر وحدهم ـــ ساحقاً الجدران والسقوف والنوافذ وممرات الطوابق العلوية ودورات المياه، وآذان التلاميذ، مخترقاً اللقيمات الأخيرة المتبقية من قضوضات اللبنة والزعتر كابحاً القطرات الأخيرة في المثانات.." ص 85، إن التنبّه إلى كبح القطرات في المثانة، خوفاً، ورعباً، يحتاج لحساسية عالية في المراقبة، والتدقيق نحو الخيال. في مكان آخر من القصة ص 86 جاء: "تفرّقوا وهم في المرحلة الأخيرة من رفع السروال"، هذه الالتقاطات المنمنمة.. هي وغيرها من ملامح أخرى هي القناطر الفنية التي زيّنت تلك الأروقة. اعتمدت غادة اليوسف على لغة شاعرية، وامتدت الأناقة اللغوية على فضاء المجموعة حيث يتقبّل السرد ذلك، دون تكلف أو إقحام، واللغة هنا في هذه القصص ليست فذلكة، وليست استعراضاً، بل هي أساس عضوي في النسيج المتكامل، وهذه اللغة تطلّ علينا منذ البداية، في الإهداء الذي حمل هذه الإطلالة: "إلى وجع وهبني نعمة الدموع وسقى جناح التوق فأورق الحلم وغسل عن عينيّ غبار المسافة فانجلى ضوء الطريق... وفرح... مسح رين قلبي فبلسم الروح بحكمة المحبة.. على من كان وجعاً... أو فرحاً اسكب رشفة مما تعتق في دنان الخريف هذه اللغة المسبوكة، المتخيّرة، هي سمة من سمات جوانب القص عند غادة اليوسف تقول في ص 25 "...منذ الأيام الأولى أعمل مقصّه في جناحي الفراشة، إذ وقفت دون خفقانهما جدرانه الصّلدة، وسرعان ما أشهر من جيوب تراثه المخفيّة لجاماً جاهزاً، حين صبا شدوها الغريّد لآفاق حجبتها سماكات جيناته التي حملها منذ البطريق الأول". في ص 101 تقول عن حديقة تقع أمام بيتها: "... بقع من العشب، تجود به أرضها بعد المطر شفقة على من تضيق بهم مساحات المحبة فيلوذون بها، ويفترشون عشبها، ويسترسلون في سمائها، ويبدّدون الوقت الطويل والعمر الخاوي، واحتقانات أرواحهم من قهر الجدران وكآبة الحجب". هذه اللغة المتقنة الصياغة، والتي هي بنت المطالعة وإفراز الحساسية.. هي التي مكنتها من القدرة على وصف حالة جسد بعد حمّام جَلد فقالت: "... يجرّونها كخرقة بالية مبلولة بنزيز الأعضاء الناشجة" الجملة لا تحتاج إلى شرح، ويشعّ بريقها من المفردة، والتركيب، وفي الإيماء الحادّ" ـــ ص 48 ولا يحتاج القارئ لتدقيق كبير ليرى الأثر القرآني في لغة هذه المجموعة، وأكتفي في هذا السياق بتقديم هذا النموذج: شمس تموز، والتي ـــ بالرغم من حرارتها الحارقة ـــ لم تنضج التين، ولا عناقيد الكروم ولا حبّ الحصيد، فالسبع العجاف، والسبع السّمان، تتبادلان المقام في الحقل منذ آخر موسم للمطر، وذلك، قبل أن يغيّب في غيابة الجبّ" ص 7 والأثر القرآني، بشكل ما يذهب بنا، أو تذهب بنا المؤلفة عبره إلى روحانية صوفية، فحين يذهب بطل قصة (بارقة) إلى المقبرة بحثاً عن مكان يتسع له.. يقول له أهل تلك المقبرة: "المكان هنا يتّسع للجميع، ولكنك لا زلت تحمل رائحة الدنيا وكثافتها، تخلص منها، وحرّر ضوءك وتعال" ص 12، هذه الروحية الصوفية بما فيها من نسيمات عرفانية... طريق محطاتها، ومفتاح الوصول إليها هو غربة الروح، وهذه الغربة لدى غادة ذات فوران عال، وسأكتفي بنموذجين من هذا الأفق. تقول في ص 16 "تطحنها عقارب زمن تساوت صباحاته ولياليه في ظلمة الوحدة والوحشة بلا قريب ولا صديق ولا رفيق، بعد أن تناهب الغياب الأصدقاء الجميلين بين المنافي وغياهب السجون، وحتى من بقي منهم فقد غيّبه التخفّي عن عيون تترصّد أنفاسهم، أو غيّبهم التنكّر لما كانوا.." ص16 هنا أستدعي قول سيد البلغاء الأمام (عليّ ـــ ع) "فقد الأحبّة غربة"، في ص 41 جاء: "أطرقت تختلس النظر إلى روحها... سألت نفسها بإحساس المذنب "لم كل هذا الخواء؟، لا حزن.. لا خوف.. ولا.. سوى قليل من القلق..." اختلاس النظر إلى الذات، (اختلاس)، أي مسارقة.. هي حالة موغلة في الاغتراب، والاغتراب عن الذات هو أقسى أنواع الاغتراب الذي عبّر عنه (التوحيدي) بقوله: "أنا غريب في غربتي"، الغربة عن الذات، والخواء، وفقدان الإحساس بالحزن أو بالخوف.. لا بالفرح ولا بالاطمئنان.. مع ذلك القليل من القلق هو حالة بالغة من الاغتراب، هنا تعترضنا نقطتان: الأولى: هل يمكن الجمع بين الانتماء للفقراء والمضطهدين.. والذي هو سمة مركزية من سمات هذه المجموعة القصصية.. و.. الروحانية العرفانية التي لا تنسحب من المجتمع بحثاً عن خلاص شخصي بل تعتبر أن خوضها معركة البناء الاجتماعي العادل الحافظ لكرامات الناس ببعديه المادي والروحي.. يعتبر من أجل الأعمال الجهادية.. هل يمكن الجمع بينهما؟ وهو سؤال قديم جديد، كان طرحه لدى المتطرّفين أيديولوجيا من اليساريين الماركسيين كافياً لإطلاق الاتهامات العالية الموج، وهو في هذا الزمن قد يبدو مقحماً أو غريباً، غير أن الأسئلة الجوهرية تظل ابنة جوهريتها، ابنة المقولة، الفكرة الوضيئة التي تحتفظ بهويتها مهما تراكم الغبار فوقها.. في الإجابة أقول: نعم، والذي قرّ لفترة من الزمن من تنافر أريد له أن يكون مطلقاً بين ما هو روحاني يرى في الخدمة الاجتماعية أفقاً من آفاق تعبّده.. هذا الذي قرّ بين ما هو روحاني إنساني و.. ما هو طبقي منحاز للفقراء، وبرز بقوة وحزم لا يقبلان النقاش، بحكم ظروف أيديولوجي محدد.. هذا كان، كما أرى على درجة من الخطأ، والخلل أصلاً في الأيديولوجيا التي عمّمت رؤيتها وأدبياتها دون أخذ لأي اعتبار واقعي حياتي يدحض هذه الرؤية، ولسنا نحمّلها المسؤولية بإطلاق، فقد جرى استغلال الدين، تاريخياً، وهو منبع الروحانيات عبر رجاله، أسوأ استغلال، فأفتوا بكل ما يخدم السلطات البطاشة، النهّابة، عبر التاريخ، إلا ما رحم ربك، وهو قليل جداً، فكان ما يمكن أن نسميه الكهنوت، في بلادنا، حاملاً استغلالياً ورديفاً، بيد أن هذه ليس اللوحة كلها فثمة متديّنون، وفقهاء متألهون انحازوا إلى رؤية مختلفة جذرياً أخذت بنصوص نبوية واضحة لا لبس فيها: "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع"، كما استنبطت أن المصلحة العامة هي الجوهرية لا مصلحة كانزي الذهب والفضة، وهؤلاء وجدوا في كل الديانات، فمن (عليّ) وأبي ذرّ إلى من انحاز من كهنة أمريكا اللاتينية للفقراء وقضاياهم زمن مدّ النضال الذي سمّيناه ثورياً. إذن لا تناقض، الأصل هو أن تكون مع المظلومين الجياع، المحتاجين فتدافع عن حقهم في الكرامة، وفي احترام إنسانية الإنسان، أما ما أنت عليه في خلواتك، في صلواتك.. فذلك أمر شخصي بينك وبين الله، وهو أحد تجليات الحرية الشخصية في أن تكون متألهاً أو غير متأله، شريطة ألا يكون هذا الموقف أو ذاك محرّضاً لك لتجعل الناس على صورتك ومثالك، وغادة اليوسف، عبر النموذج النسائي الذي تقدّمه المجموعة.. تحمل من الوعي والتمرّد ما يعصمها من الانزلاق إلى التخشّب الأيديولوجي. جاء في ص 17 "منذ أن اختارت طريقها أدركت أن حريتها ليست مجانية بل دونها شوك الطريق، وثمن أقله هذا الهجران الذي ترتجف في صقيعه، وتعلن أن من حقها أن تختار من ملك قلبها وعقلها، وذلك حين كان يسقي في روحها بذرة التمرّد: تحرر المرأة.. كرامة المرأة.. حقوق المرأة.. المساواة.. الحرية.." هذا الذي دعاها إلى هذه الشعارات تبيّن فيما بعد أنه (فروة مقلوبة) كما يقول المثل الشعبي.. بيد أن هذا لا يؤثر على صدق استجابتها وسلامة تفتحها في موقف من المواقف التي تختار فيها المرأة بعامة في شرقنا أن تنضوي تحت جناح الرجل، "..رجل من عود خير من القعود" كما في الموروث.. في مواجهة هذا الموقف تقول بطلة قصة "فوق جثة الأقنعة": "أمّا هي فتتنازعها حبائل أن تكون كما هي، أو كما يريد هو، أو كما لا تقبل أن تكون" ص26 هذا الموقف في رفض الاستسلام، وخاصة حين تتعرّى الادعاءات.. هو محطة وعي وتمرّد، وهو الذي قادها إلى تعرية من كان يبدو نموذجاً في النضال والانتماء والوعي: "لم تكن بحاجة إلى وقت أطول لتدرك أن كل الناس قبل التجربة أبطال، يتشدقون بالقيم التي حفظوها من كتب ذات عناوين برّاقة تتموضع على سطح واعيتهم، يصدّقون أنهم صادقون، وحين تأتي لحظة الامتحان تنزلق تحت انتباجات ذكورة مهانة لم تكن في الحسبان" ص 26 انتبه إلى مفردة (انتباجات) كم تحمل من الإدانة والتعرية والاحتجاج، في ص 27 جاء "حين تعرّى أمامها من ضوئه ومن حصانه بلا حرج، وخلع عنه الغلالة الخادعة.. جبهته بما بشّر به ذات ربيع، سخر منها ومن الموقف (الرفاقي) الذي تحصّنت به وقال بكل هدوء واستهتار: "اسمعي.. أنا مهما قلت أبقى إنساناً شرقياً.. ولا يمكنني التخلص من عباءتي". في ص 78 جاء: "لحية غيفارا تحوّلت إلى لحية طالبانية، والجينز (الكاحت) والفيلد الكوبي الذي كنا نبتهج بجنون حين نحظى بالعثور عليه من البالة، استبدل ببدلة رصينة فاخرة تستر الجسد الذي تكرّش، وسبحة التسع وتسعين حبة تتدلى باستسلام بين السبابة والإبهام. هذا التحوّل المفزع الذي أصاب البطل أحد الأبطال.. هو لمناضل" كان يحب الشعب كثيراً، وخصوصاً الشتائم الشعبية ص 80، وهو الذي كان من أجل ضمان استمرار الثورة، كان بحاجة لاستعادة صفاء ذهن يحتاجه كل ثوري.. كان من الضروري أن يفرغ أكثر من زجاجة ويسكي وتوابعها في جوفه على أنغام سيدة الشرق أم كلثوم التراثية حطيت على القلب إيدي وأنا بودع وحيدي) ص 81... هذا الرجل المناضل المفتضح هو الذي تعبّر عنه وعن عوالم الأحلام المنكسرة فيه، وعندها، حين تقول: "ما راحت إلا علينا: سلوى.. وفادية.. وهيفاء.. ورانية وغيرهن... صبايا كنّ للزمن نيسانه المرهق الفتنة، ممن أحببن الحياة بلهفة شاعر، وهمّة مناضل، ويقين نبي.. بضع مجنونات توهّمن ضوء في عينيه، وراية في ساعديه، وحصاناً أبيض يطير بهن إلى الغد الذي سيغزلانه معاً يداً بيد، وحين عرّت الجميع رياح التجربة أمسى بلا ضوء... بلا حصان.. عارياً من كل شي.. ولم يبق منه سوى هامة منكسة.. يلوب بعين قاصرة.. يبحث عن الخضراء في وحل الدمن" ص 82 غادة اليوسف في المساحات الحارة الجوانية من قصصها تدين القمع والقهر والإخافة وتطالب بالهواء النقي، وبالعدالة الاجتماعية، وتقوم من جهة أخرى بتعرية مدّعي اليسار، حملة رايات الكلام الذي خمّ قبل أن تغيب الشمس وليس بعد صياح الديك، وتفضح ازدواج الشخصية الذي يكاد يكون علامة من علامات مجتمعنا إلا ما رحم ربك، فالبطل الذي أشبع زوجته (المناضلة) نتف شعر، وركلا، وسباباً، وكسر يد.. هو نفسه الذي يجلس في الشقة المجاورة المفتوحة، شقة أهله، ويحاور بحماس وانفعال أهمّ قضايا الثورة العالمية.. أسماء ومصطلحات الجبهة الشعبية.. ديمتروف، تولياتي، تروتسكي، لينين، المثقف العضوي.. غرامشي" ص 37 بينما هي تعطى الحقن المهدّئة بعد ذلك الضرب (الثوري). هذا الكلام قد يطرح تساؤلاً: ترى هل تحمل هذه المجموعة كل هذا القدر من العتم والخيبات والانكسار، وهل ما عدّدناه يعتبر هدفاً من أهدافها؟ إن قصص غادة اليوسف تنتمي لإنسانية الإنسان، تدعو لأن يكون له من الحق ما يحفظ كرامته وعيشه، وهي حين تبسط بين أيدينا بعض عوالم "العالم السفلي"، سواء أكان ذلك العالم في الزنزانات المحفورة في باطن الأرض.. أو المحفورة في نفوس بعض العباد.. فإنها تدعو بشكل مباشر وغير مباشر للذهاب إلى الضوء والحرية وما يثري إنسانية الإنسان، فهي بإيماءات، رقيقة حيناً، وبمباشرة حيناًآخر، في سياق السرد أو عبر نهايات بعض القصص.. تفتح أبواب الآفاق التي تبدو شبه مسدودة فهي في قصة "نتقن لغة الزيتون" تنهي القصة بطريقة معبّرة تحمل الكثير مما لم يقله النص كتابة، غير أنه يشعّ بمعان.. حتى حين تستند إلى الكلام فهي أوسع منه، فبعد أن حرّرت الشال الفلسطيني الذي ربطته على وسطها تلك الفتاة لترقص على أنغام صاخبة.. تأتي هي.. صاحبة البيت/ المؤلفة لتقول عن الشال: "..فصار بين يديّ، نفضته لألقي عنه رائحة المهانة.. ثم علقته في الموزّع، وسط البيت، وعلى مرمى العينين.. بمواجهة عقارب الساعة، على الجدار المتداعي.." ص 64 الشال الذي هو شال/ رمز... تنفض عنه رائحة المهانة، ثم تعلقه في الموزّع.. الذي تنطلق منه أكثر من جهة، وفي (الوسط) بدلالته المكانية الرمزية الإشارية، و(على مرمى العين) بمواجهة عقارب الساعة/ الزمن، وأين؟ على الجدار (المتداعي)، جدار الانكسار العربي الفلسطيني.. لكن.. دون يأس، فالزمن موجود، والشال، برمزيته موجود، والمستقبل قادم دون تصريح. قصص "في العالم السفلي" لا تحمل بشارات شعاراتية خاوية إلا من رنين الصوت، كما لا تثقل نفسها بالتفاؤل المجاني، بل تفرد الواقع لتترك للقارئ أن يختار وينحاز. قصص هذه المجموعة ليست بسوية فنية واحدة، واللغة الواحدة الراقية وحدها لا تشكل حالة تعويض عن الحدث، فقصة "المنديل" مثلاً، وهي من أجمل الحالات الإنسانية الدافئة.. هي غير قصة "في الحديقة" التي هي أقرب ما تكون إلى الريبورتاج الأدبي،ومثلها مواويل عراقية، ولو أن الكاتبة استغنت عما لا يرتفع إلى سوية القصص المميّزة لكان بين أيدينا مجموعة ذات فرادة خاصة في فنيتها وفي تجانسها. النقطة الثانية التي ربما تكون قد بزغت في أذهان البعض هي ما علاقة هذه القصص بالمؤلفة بعد أن أعطى النقد الحديث ما أعطاه من سطوة فيما يتعلق بموت المؤلف وحياة النص، ولست أشك في أن تناول النصوص هو الأقرب إلى الموضوعية الأدبية النقدية بيد أنك حين ترى أن المؤلف يمتاح من حياته، وتعرف أنت ذلك من خلال النص أو من خلال مجريات الحياة أو من كليهما.. فلست أرى ما يمنع من الحديث عن هذا التقاطع الحياتي الفني، وغادة اليوسف مثلها في هذا مثل آخرين ممن ذخرت حياتهم بأحداث صاخبة وعميقة ومعبّرة، لذا سمحت لنفسي أن أنظر من كوّة المماهاة بين المؤلفة وشخصيات بعض القصص أو أحداثها حيث وجدت أن ذلك قد يساعد على كشف الجوانب الفنية، وبذا تصبح شخصية المؤلفة، كما رأيت، جزء من النص لا بؤرته المركزية أو بؤرة فيه، وآمل أن أكون قد وفقت، ولولا أن الكتابة المطلوبة في هذه الندوة عن المجموعة ككل لكنت آثرت دراسة واحدة من تلك القصص دراسة معمّقة، لأن دراسة قصة مفردة يساعد على استقصاء الملامح الفنية والجمالية بأكثر مما تفرضه طبيعة الكتابة التي أنا فيها والتي تتطلب شيئاً من الشمول والإجمال. في العالم السفلي مجموعة قصصيةـ المؤلفة غادة اليوسف ـ صدرت عن دار الينابيع بدمشق ـ ط1 ـ 2006 |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |