|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
القصة القصيرة في محافظة طرطوس علامات ومواقف ـــ د. ياسين فاعور دراسة متواضعة، تتسع لأربع عشرة مجموعة قصصية، لأربعة عشر قاصاً وقاصة، صدرت ما بين عامي "1995 ــ 2004"، أقدمها "جمجمة الوقت" 1995 للقاص د. أحمد. م. أحمد، وأحدثها "مأوى البوم" 2004 للقاص يونس محمود يونس. والمجموعات القصصية جميعها تلتقي في طبعتها الأولى، وكان لي شرف دراستين منها دراسة نقدية، نشرت في مجلة تشرين وصحيفة تشرين، وأرجو أن أوفق في دراسة المجموعات الأخرى في مستقبل الأيام. اشتملت المجموعات القصصية على مئة وسبعين قصة قصيرة متفاوتة في عدد صفحاتها، ومتنوعة في أشكال السرد وتقنياته، وعلى ثلاثين قصة قصيرة جداً. حملت كلُّ مجموعة قصصية عنوان إحدى قصصها، ما عدا المجموعتين "جمجمة الوقت" للقاص أحمد. م. أحمد، و"ضوء أبيض من بعيد" للقاصة دعد إبراهيم، فقد حملت كلٌّ منهما عنوان مستقلاً جامعاً، تتمحور حوله موضوعات القصص، وأهديت كلُّ مجموعة من المجموعات التالية: جمجمة الوقت إلى ذات الكاتب، والهزيمة الأولى للعتابا لها ذات الوجه الوضاء والشعر الأشقر، والمتمردة، وعلى مقام العشق للوالدين، وغداً يبدأ العيد إلى من يحبهم، وجمرات الشوق إلى من أحاطوه بالدفء، والهجرة إلى الماء المالح للذكرى، ومشاهد من هذا الزمن للزوجة، والعائذ إلى قارئ مهتم. وجاءت المجموعات التالية: "مأوى البوم ــ يوم في حياة مجنون ــ نخلة بلا ظل ــ ضوء أبيض من بعيد ــ أجراس الوقت" دون إهداء. وانفردت مجموعة "حبة شجاعة" للقاص مالك صقور بمقدمة تضمنت ثلاثة أقوال للكاتب كازنتزاكي. وقد تمحورت موضوعات قصص المجموعات حول الإنسان في علاقاته مع نفسه ومع الآخرين وتميزت كلُّ مجموعة بموضوع أو موضوعات معينة تمس هذا الإنسان وكانت كالتالي: 1 ــ مجموعة "جمجمة الوقت" 1995 للقاص أحمد. م. أحمد، عالجت تراجيديا وجود الإنسان وما يعانيه من ظلم، وما تداعبه من أحلام، وبين المعاناة والخلاص يعيش الموات والتمرد والحياة. 2 ــ مجموعة "ضوء أبيض من بعيد" 1998 نقد ساخر للحياة وما فيها من تطورات، الحب والوفاء والبكاء لا يعيد الأرض، ووقفة الزوجة إلى جانب زوجها في محنته ــ الغربة والحاجة والخطيئة مسؤولية المرأة والرجل ــ ضريبة المبادئ، الحب والزواج ومشكلة الحمل، مأساة الضيعة، مشكلة الزواج والأولاد ــ التمرد على الذات والواقع ــ الفتاة وقيود المجتمع ــ رؤية فلسفية للحياة والمجتمع والأقنعة المزيفة. 3 ــ مجموعة "حبة شجاعة 1998" للقاص مالك صقور، لقطات اجتماعية ناقدة تجسد اليانصيب وأحلام اليقظة ــ خيبات الأمل ــ الحياة والعلاقات الاجتماعية، والفدائي والتضحية في سبيل الوطن. 4 ــ مجموعة "العائذ 2000" للقاص غسان كامل ونوس، تتمحور حول الإنسان في هذه الحياة من زاوية معينة، تكثف عليه الضوء في علاقته مع نفسه، وعلاقته مع الآخرين في صمته وخلوته، وفي بوحه ونطقه وتعامله مع الآخرين، وصرخة المرأة من الجنس الآخر. وجاءت قصص المجموعة على شكل قصة المقاطع المرمزة في سبع قصص، والمرقمة في قصتين، وتميزت قصة "عدو حيوي" بترميز داخلي، إذ قُسِّم القسم الثاني إلى ستة مقاطع مرمزة بأحرف الهجاء ((أ ــ ب ــ ج ــ د ــ هــ ــ و))، ولم يكن هذا التقسيم عفوياً، وإنما كان وفق خطة مرسومة، أعدَّها القاص لخَّص فيها كُلُّ مقطع أحداثاً، واختزل حياة ومشاعر، محافظاً في الوقت نفسه على طرافة السرد وتنامي الحدث وفق المشاعر والأحاسيس. 5 ــ مجموعة "أجراس الوقت 2000" تتمحور حول الوقت وقيمته في حياة الفرد والمجتمع من خلال رؤية فلسفية للوقت ورؤية الإنسان له منعكساً على حياة الأجيال ومن خلال ذلك تعالج حرية المرأة والشائعات والفتاة وحياتها الأسرية، والوقت مع تطور الحياة والسن، والحلم الكبير وربط الزمن في الوصول إليه، والحلم والواقع وإسقاط ما في كلٍّ منها على الآخر، والحلم بين التحقيق والضياع والأنثى والحلم والبحث عن الذات والحب وحلم الفتاة وقيود الأسرة، والعري لا تستره الأمور المصطنعة. 6 ــ مجموعة "يوم في حياة مجنون 2000" للقاص د. محمد الحاج صالح، ذاكرة تنبش الماضي وتقدِّم صوراً من هذا الماضي، وتكاد أن تكون هذه الصور أقرب إلى السيرة الذاتية ثم هزيمة الظالم مهما طال الزمن، وسبر أغوار المجنون والتعبير عن مشاعره وتصرفاته، وصوراً من حرب تشرين. وقصصه القصيرة نقد للواقع متجلياً في "النوم والظلم والانعتاق". 7 ــ مجموعة "نخلة بلا ظل 2001" للقاصة بلسم محمد، وتعالج موضوعات اجتماعية تتناول الوطن والاغتراب، والقهر وخيبة الأمل والإحباط، وكبرياء العاشقة، وعمل الزوج في الخليج، وقلق الامتحان والقلق على مستقبل الأولاد، وإنسانية المرأة وحقوقها، والمرأة وصرخة الحياة، وعندما تخذل الشجاعة صاحبها. وتنفرد قصة "ترميم" بأنَّها رمزية تستلهم الماضي لعلاج الحاضر، ومعالجة اجتماعية للمخلوق "القزم"، وعمل المرأة السكرتيرة، وفساد المجتمع والهروب من تحمل المسؤولية. 8 ــ مجموعة "مشاهد من هذا الزمن 2001" للقاص محمود حسن، ثالث أطول المجموعات القصصية في عدد صفحاتها "134" صفحة، تتناول الواقع العربي والصحوة لإنقاذ الواقع، وإنسانية الإنسان والحصار المادي والمعنوي، وانعدام الوفاء، وهمسات الجنس عند الأرملة، وزمن المكر والخداع، والفقر يقتل الحب، وتنفرد قصة "مشاهد من هذا الزمن في تجسيد ظاهرتي الباطل يزهد الحق، وانقلاب القيم والمفاهيم إلى أضدادها، والظلم والاضطهاد في القرية. 9 ــ مجموعة "غداً يبدأ العيد 2001" للقاص يوسف محمد سلمان. مونولوج في شكوى الحياة والحاجة والمرض بأسلوب شاعري، ونقد للواقع والحياة وصور من الذاكرة، ونقد لهجرة العقول إلى خارج الوطن. وتنفرد هذه المجموعة بأسلوبها الشعري والصور المستمدة من الذاكرة عن الطفولة وقسوة الحياة، ومعاناة الأستاذ في عمله والفقير والعيد والعلم كأقصر طريق للنجاح في الحياة. 10 ــ مجموعة "على مقام العشق 2001" للقاص عدنان محمود محمد، تعالج موضوع الحب والعلاقات المدروسة في الحب والحياة الزوجية، وانقلاب الحب إلى كراهية، وإرادة الحياة وانتقام المرأة. وتنفرد قصة "إعدام" بأنها قصيدة شعرية في مقام العشق، كما تنفرد قصة "سؤالات" بأنها قصة مركبة من عدة لوحات تنقد الحياة والمجتمع. 11 ــ مجموعة "الهجرة إلى الماء المالح 2002" للقاص د. عدنان رمضان. ذاكرة اختزلت الماضي، وعكسته أقاصيص تصور لقطات اجتماعية، دار العجزة ــ أرملة الشهيد نهاية عاشقين وهمسات الحب التي تنعش قلوب المحبين، وكل ذلك بعبارة شاعرية وأسلوب جميل. 12 ــ مجموعة "جمرات الشوق 2003" للقاص حسن إبراهيم الناصر. ثاني أطول المجموعات القصصية في عدد صفحاتها "148" صفحة، وأغزرها في عدد القصص "28" قصة، تكاد أن تكون متقاربة في عدد صفحاتها ما بين "3 ــ 9" صفحات، وأنها تأخذ الشكل الكلاسيكي للقصة القصيرة "مقدمة وحبكة وخاتمة" والراوي في القصص جميعها يروي بضمير الغائب. تتمحور قصص المجموعة حول المرأة بين الماضي والحاضر، والحب ووفاء المرأة وتضحيتها وبوح المرأة بمشاعرها، والمرأة الأم ومعاناتها. ومعاناة الفلاح والأسرة الريفية وخيبة الأمل وانكسار الأحلام وإنسانية الإنسان، وتصوير مشاعر الرجل في مرحلتي الأربعين والستين من العمر. وذاكرة القاص تختزل صوراً جميلة للماضي القريب والبعيد ولا تغفل أحلام المستقبل متمثلة بأحلام اليقظة. 13 ــ مجموعة "الهزيمة الأولى للعتابا 2003" للقاص علي ديبه، تنفرد بأنها وصفت بالساخرة تبرز صوراً غير مقبولة في الحياة والمجتمع كالجشع والبخل ولباس الشباب وتصرفاتهم في تقليد الغرب والعلاقات الاجتماعية، وموقف الناس من الثقافة وعلاقات الحب بالإكراه والسلوك الإنساني غير الملتزم، والثقة والخيانة، ويكتفي القاص بوضع الإصبع على موطن الداء دون أن يثير فينا الضحك أو يسمعنا ضحكة الآخرين من هذه الظاهرة. 14 ــ مجموعة "مأوى البوم 2004" للقاص يونس محمود يونس، تنفرد بشكل قصصها الكلاسيكي "مقدمة وحبكة وخاتمة"، وتتمحور موضوعاتها حول الإنسان ومعاناته في حياته وسجنه، وفيها نقد للمجتمع بأسلوب رمزي يكتفي بالإشارة إلى موطن الداء، وذاكرة القاص تختزل صوراً من الماضي تقدمها لنا قصصاً معبرة ينقد فيها الممارسات السلبية، ويختم مجموعته بقصة عن الفداء "ليتهم يعرفون" جاءت قصص المجموعات في شكلين متميزين: شكل القصة الكلاسيكية "مقدمة وحبكة وخاتمة"، ونجد ذلك في المجموعات: "الهزيمة الأولى للعتابا ــ مأوى البوم ــ جمرات الشوق ــ الهجرة إلى الماء المالح" للمبدعين: "علي ديبه ــ يونس محمود يونس ــ حسن إبراهيم الناصر ــ د. عدنان رمضان". وجمعت المجموعات القصصية التالية بين شكل القصة الكلاسيكية وقصة المقاطع ونلحظ ذلك في المجموعات: جمجمة الموت (5 ــ 3)، على مقام العشق (2 ــ 4)، غداً يبداً العيد (13 ــ 1)، يوم في حياة مجنون (3 ــ 6)، حبة شجاعة (2 ــ 6)، نخلة بلا ظل (13 ــ 2) ضوء أبيض من بعيد (3 ــ 8)، أجراس الوقت (11 ــ 3). وجمعت مجموعة "مشاهد من هذا الزمن" بين شكل القصة الكلاسيكية وقصة المشاهد بينما جاءت قصص مجموعة "العائذ" كلها على شكل قصة المقاطع المرمزة. وجاءت قصة المقاطع بدورها في ثلاثة أشكال: ــ مقاطع مرقمة، ونلحظها في المجموعات "جمجمة الوقت (3) قصص، وعلى مقام العشق (1) قصة، ونخلة بلا ظل (2) قصة، وضوء أبيض من بعيد (8) قصة، وأجراس الوقت (3) قصة. ــ ومقاطع مرمزة ومرقمة، ونجدها في مجموعة على مقام العشق (1) قصة. ــ ومقاطع مرمزة، ونجدها في مجموعة مقام العشق (2) قصة، ومجموعة غداً يبدأ العيد (1) قصة، ومجموعة يوم في حياة مجنون (3) قصة، ومجموعة حبة شجاعة (6) قصة، ومجموعة أجراس الوقت (1) قصة. وجاءت قصة ((الثقب)) من مجموعة (جمجمة الوقت) على شكل يوميات (خمسة أيام) كما جاءت قصة ((صور من الذاكرة)) من مجموعة (يوم في حياة مجنون) أقرب إلى السيرة الذاتية وجاءت ((مشاهد من حياة قرية)) من المجموعة التي تحمل العنوان نفسه في ثلاثة مشاهد وقصة ((شاهد من حياة قرية)) من المجموعة نفسها في خمسة مشاهد. وجاءت قصة "المسبار" من مجموعة (يوم في حياة مجنون) على شكل لوحات من الداخل من قصص الخيال العلمي في تعمق نفوس الآخرين لسبر أغوارها مصحوبة بمونولوج داخلي يعبر عنها. وبدت قصة "طيف" من مجموعة (غداً يبدأ العيد) وكأنها قصيدة شعرية وبوح داخلي ينطلق كما يقولون من القلب ليحط في القلب. وجاءت قصة "امرأة غالبها الشوق" من مجموعة جمرات الشوق على شكل مقدمة ورسائل وكلام وحالة داخلية تشكل بنية القصة يرويها راوٍ بضمير الغائب. اتبع كتاب القصة تقنيات سرد متعددة، جمعت ما بين السرد بواسطة راوٍ عارف يروي بضمير الغائب في القصص وبضمير المتكلم في بعضها الآخر وقد تتعدد الأصوات كما نلحظ ذلك في المجموعات "جمجمة الوقت ــ ضوء أبيض من بعيد ــ حبة شجاعة ــ أجراس الوقت ــ غداً يبدأ العيد ــ على مقام العشق ــ الهجرة إلى الماء المالح ــ العائذ"، واتبع بعضهم أسلوبي المونولوج والديالوج في التعبير عن مكنون النفس والحوار مع الآخرين وجاءت قصة "أجراس الوقت" متميزة في أسلوب السرد، وجاءت مقاطعها معنونة (قال ــ قالت ــ هي ــ سأل ــ أجابت ــ همست ــ سألها) جامعة بين أساليب السرد المختلفة. وكانت قصة "الثآليل" من المجموعة ذاتها متميزة في الشكل (11) أرشيف بينما استلهمت قصة ذات الرداء الأحمر من المجموعة ذاتها أيضاً أسلوب القصص الشعبي "كان ياما كان". وفي قصة "الخروج" من مجموعة "على مقام العشق" راوٍ بضمير المتكلم الأنثى تروي وتتعدد الأصوات في إطار المتوقع وذكر الاحتمالات ليكتمل القص، ويشرك القارئ في الخاتمة المتوقعة. وتتميز مجموعة (الهزيمة الأولى للعتابا) بأن قصصها جميعها جاءت على لسان راوٍ عارف بضمير المتكلم. تقودنا الجولة التحليلية التي قدمناها في مدونة القصة في محافظة طرطوس إلى استخلاص النتائج الآتية: 1 ــ المجموعات القصصية المدروسة تتناول بيئة محافظة طرطوس خلال الفترة التي كتبت فيها المجموعات، وتبرزها بأشكال متعددة، كما تتناول إنسان هذه البيئة بعلاقته مع نفسه، وعلاقته مع الآخرين، وعلاقته مع الطبيعة والبيئة مقيماً فيها، ومرتحلاً عنها، وإن خرجت بعض هذه القصص عن هذا الإطار، فإنّ ذلك يعود لغاية في نفس القاص المبدع، وإن كانت مجموعة "جمرات الشوق" قد كتبت قصصها في أزمنة متباعدة، أقدمها قصة "أيام لا تنسى" التي كتبت عام 1973، فإنَّ قصصها الأخرى كتبت بين الأعوام "2000 ــ 2003" 2 ــ المجموعات القصصية التي درسناها صدرت بين عامي 1995 ــ 2004 في طبعتها الأولى ولكنها في مضمون قصصها تتناول فترات زمنية سابقة وأحداثاً اختزلتها ذاكرة المبدعين وقدمتها لنا لقطات اجتماعية بأمانة ودقة وصف ونجد ذلك في المجموعات "الهجرة إلى الماء المالح ــ جثة شجاعة ــ ضوء أبيض من بعيد" 3 ــ يكثف المبدعون الضوء على اللقطات الاجتماعية بنقد ساخرٍ ابتداء من الإشارة وغمزة العين إلى التصريح بالعبارة وانتهاء برسم الصورة الكاريكاتورية وتأتي الصورة رسماً بالكلمات تكاد نشاهد حركتها ونسمع صوتها ونجد ذلك بنسب متفاوتة في المجموعات "جمجمة الوقت ــ ضوء أبيض من بعيد ـ حبة شجاعة ــ يوم في حياة مجنون ــ مشاهد من هذا الزمن ــ غداً يبدأ العيد ــ الهزيمة الأولى للعتابا" وتبدو الصور الكاريكاتورية واضحة المعالم في المجموعات: "جمجمة الوقت ــ حبة شجاعة ــ مشاهد من هذا الزمن ــ الهجرة إلى الماء المالح ـ مأوى البوم" وتبقى صورة الريف والمنطقة سهلاً وشاطئاً وجبلاً واضحة المعالم. في قصص المجموعات، وعلامة مميزة تهب القصص هوية خاصة، ولا نبالغ إذا قلنا: إننا نتعرف على طبيعة محافظة طرطوس من خلالها، كما نطالع فترات تاريخية من حياتها وحياة شعبها، ونشتم عبير الأرض في خيرها وعطائها، وشجرها ونبتها وأزهارها، ونتجول في شوارعها وحاراتها، وأزقة قراها ودروبها، نستمع إلى أحاديث أهلها، وحكايات الجدات والنسوة، وهمسات الجيران والحي تتردد في مسامعنا، تطالعنا مسميات الضيعة ودروبها والحاكورة والمصطبة والزوارق وذكريات الأصدقاء وأخبارهم "عبود خرج من القرية صوصاً وعاد إليها طاووساً" (ضوء أبيض من بعيد ص 10)، وتطالعنا صور الحياة فيها، كما نتجول في قراها وسهولها، ونتسلق جبالها، ونسعد لسعادة إنسانها، وإذا ما قلب الصورة إلى ضدها لسبب أو لآخر، من قسوة وشقاء عصرنا نفوسنا ألماً وحزناً لهول ما نرى وما نقرأ وما نسمع، تشارك القاص رؤيته وتتعاطف معه في حلوله. والشخوص التي تقدمها قصص المجموعات، شخوص هذه البيئة، مسكونون فيها، تعيش في ضمائرهم، نعرفهم بأسمائهم وألقابهم، كما نعرفهم بصفاتهم، ونعرفهم بصبرهم وجلدهم، ودأبهم وخبرتهم قبل أن نعرفهم بأسمائهم. ومن هنا كانت القصة في محافظة طرطوس موقفاً تعبِّر عن إنسان البيئة وعلاقته بها، ونظرته للحياة في رحابها. ويشترك المبدعون في اختزال صور الحياة الماضية في قصصهم، وربطها بالحاضر والتعبير عن الحالين بجمل قصيرة، كما يعبرون عنها بالهمس والبوح والنطق والحركة والحواس، ويمزجون لغتهم باللهجة الدارجة والعبارات المتداولة والأمثال الشعبية "مجموعة حبة شجاعة ــ ضوء أبيض من بعيد ــ العائذ ــ يوم في حياة مجنون ــ أجراس الوقت ــ جمجمة الوقت ــ مشاهد من هذا الزمن ــ مأوى البوم". كما يشترك معظمهم بظاهرة التناص، حيث يضمنون عباراتهم أقوالاً مأثورة وعبارات متداولة، وغسان كامل ونوس ولوع في تضمين قصصه بالأمثال الشعبية والعبارات المتداولة لدعم فكرته حيناً، أو لتلخيص حدث معين، وتقدم نتيجة له، وفي أحيان كثيرة يصوغها في صلب النص على سبيل التناص لتكون منطلقاً لحدث، وفي الحالين يطور من لغة هذا المثل أو القول، ويقدمها في نصها اللغوي الفصيح. 4 ــ الصوت النسائي: في مدونة القصة القصيرة في محافظة طرطوس لديَّ ثلاث مبدعات "رباب هلال ــ دعد إبراهيم ــ بلسم محمد"، ومبدعة لم يصلني أي عمل لها "نجلاء علي"، للأولى ثلاث مجموعات، وللثانية مجموعة واحدة وللثالثة ثلاث مجموعات وهذا يعني أن إبداعات المرأة لها حظ واسع والمبدعات في المحافظة قد أثبتن وجودهن في ساحة الإبداع الأدبي، وقد عالجن في مجموعاتهن القصصية موضوعات المرأة فتاة وزوجة وأرملة، قروية تعيش في القرية، وأخرى تعيش في المدينة، تعمقت أحاسيسها ومشاعرها، وعبرت عن حاجاتها ومتطلباتها، نجاحاتها وإحباطاتها، وحق المرأة في الحب والمساواة والحياة، وكلها موضوعات مشروعة، يحاول الصوت النسائي الجهر بها، لتأخذ المرأة النصف الثاني من المجتمع دورها، والمرأة في هذه القصص صابرة، هامة في نشدان العدالة وجاهرة في إثبات الذات. ولم تغفل المبدعات شأن الرجل في إبداعاتهن، بل حرصن على تكامل دور الرجل والمرأة في بناء المجتمع، وحملنه مسؤولية ما يعيق تطور الحياة والمجتمع. والقصة النسوية إن جاز لنا التحدث في ذلك، أو إطلاق هذه التسمية، تحتل حيزاً كبيراً في الإبداع القصصي في المحافظة إذا ما قورنت بأختها في المحافظات الأخرى، وقد بلغت قصص المجموعات المدروسة في المجموعات الثلاث "41" قصة قصيرة من أصل "170" قصة، وإذا ما أضيف إليها إبداع القاصة الرابعة تكون القصة النسوية قد قطعت شوطاً ملحوظاً في رحاب الإبداع القصصي في المحافظة. 5 ــ الشكل القصصي: يلحظ قارئ مدونة القصة القصيرة في المحافظة، موضوع بحثنا أنَّ كتاب القصة كتبوا قصصهم بأشكال متعددة للقصة القصيرة المعروفة، وعبرت عناوين قصصهم عن تكثيف قوي لمضامين قصصهم، فقد استنفروا قدراته لتقدير ما سبق وما كان، وهيؤوه لاستقبال ما سيكون. وإن كانت المجموعات التالية "مأوى البوم ــ جمرات الشوق ــ الهزيمة الأولى للعتابا ــ الهجرة إلى الماء المالح" قد اتخذت شكل القصة الكلاسيكية "مقدمة وحبكة وخاتمة" فإنَّ مجموعة "العائذ" قد اتخذت شكل قصة المقاطع المرمزة، في حين غلبت القصص الكلاسيكية في المجموعات "نخلة بلا ظل ــ أجراس الوقت"، وجمعت المجموعات التالية "جمجمة الوقت ــ نخلة بلا ظل ــ ضوء أبيض من بعيد ــ أجراس الوقت" ما بين شكل القصة الكلاسيكية وقصة المقاطع المرقمة، وجمعت المجموعات "على مقام العشق ــ غداً يبدأ العيد ــ يوم في حياة مجنون ــ حبة شجاعة" ما بين شكل القصة الكلاسيكية وقصة المقاطع المرمزة وانفردت مجموعة "مشاهد من هذا الزمن" بتقديم قصة مقسمة إلى ثلاثة مشاهد ومجموعة على مقام العشق التي قدمت قصة سؤالات على شكل لوحات. كما انفردت هذه المجموعة بمحاكاتها أسلوب مجموعة "كليلة ودمنة" شكلاً ومضموناً. وقد جمع المبدعون "أحمد. م. أحمد ــ د. محمد الحاج صالح ــ يوسف محمد سلمان ــ عدنان محمود محمد يونس محمود يونس" في مجموعاتهم ما بين القصة القصيرة والقصيرة جداً. استلهم عدد من المبدعين التراث الشعبي والمأثورات الشعبية وضمنوها قصصهم، مجموعة "جمرات الشوق ص 5 + 6 ــ ضوء أبيض من بعيد ص 6 + 7 ــ حبة شجاعة ــ أجراس الوقت"، وترجمت بعض القصص مضمون أقوال مأثورة مجموعة "مأوى البوم والعود أحمد"، أو مضمون أغنية مجموعة "جمرات الشوق ــ ورجعت ما أحلى الرجوع إليه" وهذه الأشكال المتعددة التي نلحظها في مدونة القصة القصيرة، تعطي نتيجتين واضحتين: الأولى: أنَّ كتاب القصة القصيرة هؤلاء، قد قطعوا شوطاً يسجَّل لهم في مجال الإبداع القصصي، وهم ينوعون تجاربهم وإبداعاتهم لتحقيق هوية إبداعية ونجاحات على درجة كبيرة من الأهمية، تضع قصصهم في مرحلة متقدمة من مراحل القصة القصيرة السورية والعربية، ومن هنا تكون قصصهم علامات مميزة في طريق القصة السورية، والقصة القصيرة الحديثة. الثانية: أن القصة القصيرة في محافظة طرطوس، والتي تدرسها اليوم، هي ثمرة جهود إبداعية مرَّت في مرحلة التجريب حتى وصلت إلى ما وصلت إليه عند بعض المبدعين، وما زالت في مراحل النمو عند بعضهم الآخر. 6 ــ تقنيات السرد: يشترك كتاب القصة. جميعهم بسمة واحدة، حين يكتبون القصة بلسان راوٍ عارف، يروي ما يشاهد، وما يعرف، سواءً أكان ذلك بضمير الغائب أم بضمير المتكلم، وقد يتماهى المبدع نفسه بشخوص رواته، وأبطال قصصه، وقد تتعدد الأصوات في القصة الواحدة، حين يمزج المبدع أسلوبه السردي بالحوار الداخلي والخارجي، مع الذات ومع الآخرين، أو حين يوظف التداعي، وهذه التقنيات تشير إلى قدرة فنية لدى المبدعين مكنتهم من تطويع أدواتهم ونجاح إبداعاتهم. وقد اعتمد القاص محمود حسن أسلوب المشاهد في قصته "مشاهد من هذا الزمن" واعتمد القاص عدنان محمود محمد أسلوب اللوحات في قصته "سؤالات"، واعتمد القاص مالك صقور أسلوب الحكاية الشعبية في قصته "حديث الجارات" ووظف د. محمد الحاج صالح أسلوب قصة الخيال العلمي. كما اعتمد القاص محمود حسن أسلوب كليلة ودمنة. 7 ــ الزمان والمكان: حفلت قصص المبدعين بالزمان والمكان، وكان لهما حضور مميز في قصصهم، عرفنا من خلالها بيئة طرطوس ومحافظتها بكل ما فيها من حيوات وشخوص وأحداث وعادات وأسماء، وإن وجدنا قصصاً تماهى فيها المكان، إلاَّ أن الزمان والحدث كان لهما دور فاعل في تطور الأحداث وتناميها وهوية القصة في هذه المحافظة. 8 ــ اللغة والأسلوب: لغة المبدعين في قصصهم فصيحة سليمة، ممزوجة ببعض الأقوال المأثورة، أو مصدرة بها، مستلهمة التراث، موظفة التناص، أو ممزوجة ببعض الألفاظ الدارجة على سبيل تقريب الحدث من البيئة وربطه بها، وقد ترقى هذه اللغة في بعض القصص إلى اللغة الشاعرية مجموعات "ضوء أبيض من بعيد ــ العائذ ــ أجراس الوقت ــ غداً يبدأ العيد" حيث الكلمة الموحية والعبارة الساخرة ويشترك عدد كبير من المبدعين في ظاهرة الرسم بالكلمات حيث تبدو الصورة مشرقة أحياناً وكاريكاتورية أحياناً أخرى 9 ــ الموضوعات: تتعدد الموضوعات التي يكتب بها المبدعون، وتتعدد معها الصور التي يلتقطونها من المجتمع، وتتلون بألوان زاهية وقاتمة، ويبقى المحور الأساسي الذي تتمحور حوله هو الإنسان، أو ثنائية الحياة (الرجل والمرأة) وعلاقتهما ببعض، أو علاقتهما بالمجتمع، وما يكابده كل منهما، وقد تعكس القصص معاناة الإنسان في مسيرة حياته الطويلة، والقاص في ذلك يكثف الضوء، وينقد، ويغمز وتتفاوت طرائق المبدعين في تناولهم لذلك، وفي قدرتهم على التركيز على المشهد، إنه النقد الساخر الذي يشترك فيه كل من "علي ديبه ــ محمود حسن ــ مالك صقور ــ يونس محمود يونس ــ أحمد. م. أحمد ــ دعد إبراهيم". وإن كان من كلمة تقال في هذه الدراسة المتواضعة، فهي كل الشكر والتقدير، وهمسة عتب ترمي إلى الارتقاء بقصة محافظة طرطوس. وأما الشكر والتقدير، فهو لكل من ساهم في نجاح هذه المحاولة من أصحاب الرأي والمبدعين الذين قدَّموا لي كل عون ممكن. وأما همسة العتب، فأقدمها لكل المبدعين الذين مكنت قصصهم محور هذه الدراسة وتتلخص في مجموعة ملاحظات أتمنى عليهم دراستها والأخذ بما يرونه مساعداً للارتقاء بالقصة شكلاً ومضموناً: 1 ــ كدَّ الذهن، واختيار اللغة المناسبة، وإعادة النظر في القصة أكثر من مرة قبل تقديمها للقارئ، ولا بأس من استشارة ذوي الخبرة، تلافياً للهنات التي يمكن أن يقع فيها المبدع نتيجة السرعة. 2 ــ التدقيق اللغوي في بعض الأساليب والمفردات من حيث الأسلوب واللغة نحواً وصرفاً وإملاء. 3 ــ التدقيق في مطبوعة القصة أو المجموعة قبل تقديمها في طبعتها الأخيرة، وتوظيف علامات الترقيم. 4 ــ تذييل القصة ما أمكن بتاريخ كتابتها، ومكان الكتابة... وشكراً. كتاب القصة في محافظة طرطوس ومجموعاتهم القصصية 1 ــ غسان كامل ونوس العائذ دار إياس ــ طرطوس 2000. 2 ــ رباب هلال أجراس الوقت قصص وروايات عربية ــ وزارة الثقافة 2000. 3 ــ دعد إبراهيم ضوء أبيض من بعيد أرواد للطباعة والنشر ــ طرطوس 1998.. 4 ــ بلسم محمد نخلة بلا ظل اتحاد الكتاب العرب 2001. 5 ــ مالك صقور حبة شجاعة أرواد للنشر ــ طرطوس 1998. 6 ــ محمود حسن مشاهد من هذا الزمن وزارة الثقافة 2001. 7 ــ د. محمد الحاج صالح يوم في حياة مجنون دار الحوار للنشر ــ اللاذقية 2000. 8 ــ حسن إبراهيم الناصر جمرات الشوق اتحاد الكتاب العرب 2003. 9 ــ يونس محمد سلمان غداً يبدأ العيد اتحاد الكتاب العرب 2004. 10 ــ د. عدنان رمضان الهجرة إلى الماء المالح عروة للطباعة ــ طرطوس 2002. 11 ــ يونس محمود يونس مأوى البوم قصص عربية وزارة الثقافة 2004. 12 ــ عدنان محمود محمد على مقام العشق دار إياس ــ طرطوس 2001. 13 ــ علي ديبة الهزيمة الأولى للعتابا مكتبة السائح ــ طرابلس ــ لبنان 2003. 14 ــ د. أحمد. م. أحمد. جمجمة الوقت ــ 1995 |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |