مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 444 نيسان 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

قراءة في كتاب اللاجئون الفلسطينيون في العراق (من النكبة إلى مابعد الاحتلال الأمريكي) ـــ علي بدوان / فلسطين

اللاجئون الفلسطينيون في العراق (من النكبة إلى مابعد الاحتلال الأمريكي) عمل جديد من نتاج الكاتب الفلسطيني عز الدين محمد، حيث تقع مادة الكتاب في ثلاثة فصول، مع ملحق بأسماء الشهداء الفلسطينيين في العراق، وملحق وثائقي آخر تضمن مجموعة هامة من الوثائق المتعلقة بأوضاع اللاجئين الفلسطينيين في العراق وغالبيتها وثائق حكومية عراقية.‏

ففي الفصل الأول يتطرق الكاتب بشيء من التفاصيل إلى مسيرة اللجوء الفلسطيني إلى العراق منذ بداياتها الأولى عام النكبة، والمحطات التي شهدها هذا التجمع الفلسطيني على الأصعدة الاجتماعية والسياسية والثقافية وعلى الجانب القانوني المتعلق بأحوالهم المدنية في العراق. ويشير الكاتب إلا أن موجة اللجوء الفلسطيني العام أدت إلى وصول خمسة آلاف لاجيء فلسطيني آنذاك إلى العراق تم نقلهم من قبل قوات الجيش العراقي التي انسحبت من فلسطين، فعمل الجيش العراقي على ترحيلهم من فلسطين، وتحديداً من قرى جنوب شرق مدينة حيفا (عين حوض، جبع، عين غزال، اجزم، الفريديس، أم الزينات، الصرفند، كفرلام، الطنطورة، طيرة حيفا، دالية الروحا، المزار …) باتجاه البصرة جنوب العراق، وحينها لم تكن أعدادهم تزيد عن (5000) مواطن فلسطيني، ارتأت قيادة الجيش العراقي العاملة في فلسطين آنذاك بأمرة الفريق نور الدين محمود، إخراجهم نحو العراق باعتبار أن أبناء القرى المشار إليها كانوا في عداد قوات فوج الكرمل (800 مقاتل فلسطيني) التابع للجيش العراقي. ومن حينها بدأت رحلة المآسي لهذا التجمع من أبناء فلسطين، وأولى المآسي كانت عام 1949 عندما رفضت حكومة نور الدين السعيد لوكالة الأونروا بتسجيل اللاجئين الفلسطينيين في العراق ضمن سجلاتها، وتالياً القيام بدورها الموكل إليها من قبل الأمم المتحدة تحت ذريعة أن العراق " يرفض تحويل قضية اللاجئين الفلسطينيين إلى قضية انسانية، وأن العراق قادر على رعاية هؤلاء الفلسطينيين، وبالمقابل فإن العراق لن يلتزم بأي التزامات ماليه تجاه الأونروا على صعيد الأمم المتحدة ". ويوضح الكاتب بأن العراق هو البلد العربي الوحيد خارج الدول المحيطة بفلسطين الذي استقبل لاجئين فلسطينيين بغض النظر عن قلة عددهم، وبغض النظر عن الدور الرائع والبطولي للجيش العراقي وتضحياته الكبيرة على أرض فلسطين بقيادة الفريق نور الدين محمود واللواء عمرعلي وثباته في المواقع التي دحر العصابات الصهيونية منها، فإن انتقال المواطنين الفلسطينيين من وطنهم إلى العراق بالطريقة التي تمت يثير التساؤل التالي : ما الذي دفع بالقيادة العراقية سنتذاك لنقل هؤلاء المواطنين الفلسطينيين إلى العراق الذي يبعد أكثر من (1000) كيلومتر عن فلسطين ؟ والإجابة على التساؤل إياه نضيف من عندنا السؤال المتعلق بمعرفة الأسباب التي دفعت حكومة نوري السعيد على سحب القوات العراقية من فلسطين في لحظة كانت فيها الأوضاع هناك بأمس الحاجة لبقائها خصوصاً مع انسحابها من مناطق الوسط في اللد والرملة بشكل طوعي، ومن ثم من قرى جنوب شرق مدينة حيفا.‏

كما يتناول الكاتب وبشيء من التفاصيل الهامة رحلة الإقامة الفلسطينية في العراق من معسكر الشعيبة قرب البصرة ومن ثم الانتقال إلى بغداد وباقي المدن العراقية، حيث تم توزيع اللاجئون اللاجئين الفلسطينيين على مناطق عدة، بما في ذلك السكن في ملاجيء مازال بعضها قائماً إلى الآن ويقطن بها أعداد من اللاجئين الفلسطينيين في مناطق مختلفة كالزعفرانية وغيرها، وينتقل للحديث عن الواقع القانوني للفلسطينيين في العراق من حيث الإقامة والعمل والحركة وحقوق التملك وغيرها، حيث تشير مادة الكتاب إلى مدى التخبط الذي لحق بالجوانب القانونية لحياة الفلسطينيين في العراق، فالقرارات المتعلقة بأوضاعهم كانت دوماً عرضة للتغيير والتبديل، كما كانت تخضع دوماً للمناخات السياسية ولطبيعة الجهات المتنفذة التي تغيرت في العراق أكثر من مرة بعد ثورة عام 1958 والانقلاب على الملكية.‏

أما في الفصل الثاني، فيركز الكاتب على تناول أوضاع الفلسطينيين بعد الاحتلال الأمريكي، ويشير بالوقائع والمعطيات إلى التغيرات التي طرأت في الساحة العراقية، وارتفاع حدة الأصوات الموتورة التي اتهمت الفلسطينيين بالعمالة للنظام السابق، وارتكبت العشرات من عمليات القتل التي طالت المواطنين الفلسطينيين، حيث سقط منهم منذ بداية الغزو وحتى منتصف العام 2007 أكثر من (199) شهيداً مع (16) مفقوداً إضافة إلى (11) شهيداً في المخيمات التي لجؤوا إليها في الوليد والتنف والرويشد.‏

ويشير الكاتب أن عمليات القتل والإبادة التي مورست ومازالت بحق الفلسطينيين هناك على يد بعض الميليشيات السوداء، ومن حملات منظمة تديرها أطراف مختلفة، وتفاقم معاناتهم وتدهور أوضاعهم القانونية والأمنية والصحية والتعليمية والاقتصادية نتيجة لحملات التهجير والاعتقالات والخطف، دفعت بأعداد كبيرة للبحث عن طريق الخلاص بالرغم من الظروف المادية الصعبة لغالبية الفلسطينيين في العراق.‏

وعليه، لم يبقَ أمام اللاجئين الفلسطينيين في العراق سوى الهجرة القسرية من جديد خارج حدود العراق بعد عقود من النكبة، ومن الإقامة التي طالت في بلاد الرافدين، حيث بات الواحد منا يسمع أسماء مخيمات وتجمعات فلسطينية جديدة تضاف إلى قائمة مخيمات وتجمعات الشتات الفلسطيني الممتدة في بلدان الطوق المحيط بفلسطين، بل والأحرى من ذلك أن نسمع عن مخيم فلسطيني جديد اسمه " مخيم نيقوسيا " على مقربة من العاصمة القبرصية تقيم فيه بضع عشرات من العائلات الفلسطينية التي هربت من جحيم القتل في العراق، وبتنا نسمع أيضاً عن مخيم اسمه " مخيم نيودلهي " على مقربة من العاصمة الهندية تقيم فيه بحدود (300) عائلة فلسطينية من العائلات الميسورة التي أسعفها حظها في القدوم هناك هرباً من عمليات القتل والتنكيل التي مازالت تمارس على أرض العراق ضد اللاجئين الفلسطينيين المقيمين / كما بتنا نسمع عن هجرات قسرية إلى البرازيل والسويد والصين والسودان وغيرها، حيث ضاقت الأرض العربية على اتساعها ببضع آلا ف من اللاجئين الفلسطينيين الذين لاحقتهم حياة النكبة إلى الآن.‏

ففي مخيمات التنف والوليد والرويشد على الحدود العراقية والسورية الأردنية باتت أعداد اللاجئين الفلسطينيين الهاربين من جحيم القتل في بغداد تتجاوز (1400) نفر، يفترشون الأرض ويتلحفون السماء، فالخيام عادت أمام الفلسطينيين في العراق بعد عقود من النكبة الأولى، عادت لتفترش قطعة من الصحراء في مخيمات التنف والوليد ، الرويشد، والهول الصحراوية … وحتى نيودلهي ونيقوسيا، والبرازيل … الأمر الذي يستحضر ذاكرة اللجوء الفلسطيني في بداياته الموجعة خمسينيات القرن الماضي، ولاندري إن كانت ستقوم الطبيعة الهندية في ضواحي نيودلهي بدورها في إنزال كوارث جديدة باللاجئين الفلسطينيين هناك.‏

إن الأوضاع المأساوية التي تحيط بأبناء فلسطين في التجمعات المشار إليها، لم تعد تحتمل في ظل استمرار المجتمع الدولي تناسي قضية اللاجئين الفلسطينيين وتهميشها بشكل عام، وفي ظل ممارسات مجموعات من الميليشيات المنفلتة على أرض العراق، والتي تقوم باستباحة دماء وكرامة اللاجئين المدنيين الفلسطينيين المقيمين على أرض العراق منذ العام 1948، الذين أمسوا يلاقون أوضاع معيشية صعبة ويرثى لها وتفتقد إلى أدنى متطلبات الحياة سواء في الطعام أم العلاج أم ظروف الحياة اليومية التي يعيشونها.‏

أخيراً وفي الفصل المتعلق بحماية اللاجئين الفلسطينيين يقدم الكاتب مجموعة استخلاصات تتضمن رؤية المنظمات الإنسانية الدولية والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين، ويختم الفصل الأخير بمجموعة هامة من الوثائق الرسمية بعضها حكومية عراقية.‏

وخلاصة القول، في مشهد مأساة اللاجئين الفلسطينيين على أرض العراق، تتلخص مأساة العراق، وينفتح جرح الظلم في عالم بات محكوماً بلغة بعيدة عن الإنسانية، عالم ينضح بالبشاعة، وهو يشجع أو يتغاضى عن عمليات القتل والتهجير التي تتم في العراق من قبل عصابات حاقدة متوالدة بإرادة الاحتلال.‏

والكتاب جاء بالسياق ليشكل مادة موثقة على غاية الأهمية، تشهد على معاناة شعب عظيم تحمل كل المآسي ومازال قابضاً على الجمر، مصمماً على تمسكه بهويته الوطنية حتى لو رمت به الأقدار في البرازيل وغيرها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244