مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 444 نيسان 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

قراءة قصص العدد 442 لشهر شباط عام 2008 ـــ محمَّــد قرانيـا

ضمّ العدد (442) من مجلة الموقف الأدبي، لشهر شباط عام 2008 عشر قصصٍ، مرتبةً حسب ما يأتي:‏

أولاً: الصرخة. قصة: عدنان كنفاني.‏

ثانياً: قمر وحيد مثلي. قصة: هيفاء بيطار.‏

ثالثاً: النيروز. قصة: حسين علام.‏

رابعاً: المشتبه به. قصة: عمر الحمود.‏

خامساً: المغارة. قصة: بهجت درسون. العراق.‏

سادساً: حلم. قصة: عبد الحفيظ حافظ.‏

سابعاً: شجرة الظهيرة. قصة: أنور عبد العزيز. العراق.‏

ثامناً: شارع الغوطة. قصة: عبد الكريم أديب بدرخان.‏

تاسعاً: صيف ندي. قصة: نبيه اسكندر الحسن.‏

عاشراً: في الزوايا المعتمة. قصة: ضياء قصبجي.‏

أولاً: الصرخة. قصة: عدنان كنفاني.‏

تضع قصة "الصرخة" قارئها في أجواء كابوسيةٍ من العبارة الأولى وحتى الأخيرة، وهي تسرد قصة (رجل غزال) يتعذّب لأنه يجد نفسه مضيّقاً عليه، تُحسب عليه أنفاسه، محاصراً في أرضه، مشلول الإرادة، ثم تجري له عملية غسل دماغٍ بمعرفة الرجل الأشقر، ينحرف بعدها الرجل الغزال عن ثوابته وأهله وحياته، وينخرط في عالمٍ جديدٍ قوامه الملذّات التي تتكثّف في (شهوتي البطن والجنس) حيث استطاع الآخرون الذين يدور في فلكهم أن يزلزلوا في نفسه قِيم الغزلان الخيّرة، التي ترعرع عليها، حين قدّموا له أطيب الأطعمة، فلما شبع، وجد نفسه أمام أنثى مغريةٍ، تحلّب لها ريقه: "في أمسية لن أنساها، أدخلني [الرجل الأشقر] غرفةً قال إنها مكان للاغتسال، رأيت فيها لأول مرة في حياتي أنثى من جنسي، عاريةً مثلي، اجتاحتني رائحةٌ غريبة، لكنها جميلة ومنعشة، فاستسلمت لها، أدركت أنها مثل تلك الأنثى التي تطلق روائح رغبتها تحت أقدام أبي، سيد القطيع، بدأت تداعبني، تلمس أطرافي برقة، تتحسس بأصابعها وجهي، وترسل فحيح أنفاسها الدافئة على جلدي، وحين تجرأت ولمست بأصابعي تلك التفاصيل المثيرة في جسدها، غمرني شعور لم أعرفه من قبل، أحسست رغبةً عارمة في التسلّق على ظهرها كما كان يفعل أبي."..‏

إن انسلاخ الرجل من إنسانيته، وتحوّله إلى حيوانٍ بعد مرحلة تعذيبٍ وإرهابٍ كفيلٌ بأن يجعله ينقاد وراء شهواته بسهولةٍ، فقد كان الآخر الذي يستغلّه ذكياً متقناً أساليب التعامل مع أمثاله، مدركاً لمتطلّباته، وهو ما إن وجده قد استطاب الحياة الجديدة حتى بدأ يستغلّه لخدمة أغراضه، فيبسط له طبيعة وظيفته الجديدة، إذ يشير إليه بأن يعود إلى موطنه وجماعته، قطيع الغزلان، ويأتي له كل مرّةٍ بمجموعةٍ منها، لتنعم مثله، وتعيش حياةً رغيدةً، يملؤون بطونهم، ويُشبعون شهواتهم..‏

اندفع الرجل الغزال إلى جماعته راضياً، وقد اعتقد أنه يقدّم لها خدماتٍ جليلةً، فأغرى كثيراً من أبناء جلدته، وساقها إلى ولي نعمته الرجل الأشقر، ذي العينين الزرقاوين، حتى وصل به الأمر في النهاية إلى أن يسوق أمه إليه، وعلى مرأى أبيه ومسمعه، وفاءً لها، وبراً بها، ولم يفهم معنى اعتراضات أبيه حين حاول منع أمه من الذهاب، كما لم يفهم معنى صرخات ما تبقى من القطيع، وما إن اقترب مع أمه التي يتبعها أبوه من بيته الجديد، حتى شاهدت الأم والابن معاً هياكلَ عظامٍ، ما لبثا أن عرفا فيها أشباح أفراد القطيع الذين ساقهم الرجل الغزال إلى ولي نعمته من قبلُ.‏

وهنا تتوقّف الأم، وتطلق صرختها المدوية محتجةً ، ثم ترتدّ إلى الوراء، تعدو بكل ما أوتيت من قوةٍ، يتبعها زوجها، عائدين إلى مرعاها.‏

وما إن وقف الرجل الغزال على الحقيقة، حتى أدرك حجم الخديعة، فأخذ يصرخ معترضاً أمام الرجل الآخر، لكن صرخته كانت في وادٍ، من دون جدوى، وهذا ما دفع الآخر للعودة لممارسة أساليب تعذيبه.‏

القصة لوحةٌ ترميزيةٌ لجانبٍ من جوانب القضية الفلسطينية، استطاع الكاتب أن يجريها على شخصياتٍ (إنسانيةٍ مُتَحَيْوِنَةٍ) جمعت بين الإنسان والغزال، ويرسم طرفاً من حياتها في مرعاها، و(الحيونةُ) هنا تقابل (الأنسنة) وقد كان رمزها مطابقاً للدور المنحطّ الذي تقوم به الشخصية المخدوعة ، والذي يدلّ على الغباء, وقد أسقط حدث القصة على المستعمر المحتلّ، الذي مثّل له بالرجل الأشقر ذي العينين الزرقاوين، وما يتّبعه من وسائل، للتنكيل بالشعب الفلسطيني الذي يعاني من الحصار، ويتشبث بتراب أرضه ممثّلاً بالأبوين، ويتعرّض لإغراءات الرجل الأشقر، الذي يمتلك السلطة وأدواتها من مالٍ وجنسٍ وزبانية تعذيبٍ، فيستجيب لها بعضهم مخدوعين في البداية، حتى إذا ما علموا بنتيجة انجرافهم تراجعوا عما اقترفت أيديهم، ولكن بعد فوات الأوان، وقد كانت شخصية الرجل الغزال مكتملة الأبعاد فنياً، تضعف وتنحرف وتشتهي وتنصاع لرغبات جسدها، فتصحو وتحتجّ، ومن ثم ترتضي بالتعذيب وتفضّله على الإيقاع بأفراد جنسها، كما كانت صورة الصهيوني الرمزية واضحة الملامح، يقول السارد: "رأيت في زحمة السراب ذلك الأشقر يبحث عن فتيان سقطوا من أرحامٍ مجهولةٍ بين خرائب الغابات، لم يتذوقوا بعد طعم اللحم.." في القصة إشارة إلى تشرّد اليهود في أنحاء العالم، ووحشيتهم فوق الأرض العربية، وقد أحسن الكاتب حين جعل الشخصية الرئيسية المخدوعة تجترّ الندم وتأنيب الضمير، في تعبيراتٍ حادّةٍ، ولكنها قليلةٌ، تعيد إلى الأذهان رائعة "يوسف إدريس" القصصية المطوّلة "العسكري الأسود".‏

ثانياً: قمر وحيد مثلي. قصة: هيفاء بيطار.‏

العلاقة الملتبسة بين الذكورة والأنوثة، والتركيبة المتداخلة بينهما، تشكَّلان على الدوام مثار رؤىً متباينةٍ، وتفتح الباب لسوق الذرائع والمسوّغات التي تسوّغ إقامة العلاقة، والإغراق في أجواء ذاتيةٍ خاصةٍ، تعبّر عن نفسيتي الطرفين، سلباً وإيجاباً.‏

يعبر الفن القصصي عن حقيقةٍ اجتماعيةٍ، أو فرديةٍ عاطفيةٍ، والكاتبة تعبّر في هذه القصة عن المشاعر العاطفية التي تشعر بها فتاةٌ في مرحلة الخطوبة، تجاه خطيبها الذي أوهمت نفسها أنها تعلّقت به، ثم ما تلبث أن تنقلب عليه وعلى نفسها، لأنها سرعان ما تكتشف زيف وهمها، فتتخلّى عنه قائلةً له "ما في نصيب" وكأن الحبّ صوتٌ لغياب الوعي، وذلك حينما التقت مصادفةً شاباً وسيماً باغتها فجأةً من دون سابق إنذارٍ، فتعلّقت به، وقد ملك عليها أحاسيسها ومشاعرها. ثم تعدّ نفسها للقائه لاعتقادها بأنه يبادلها المشاعر، فتترك بلدتها البعيدة وتتجه إليه في مكتبه الفخم في المدينة، وهناك تشعر بصدمةٍ ساحقةٍ، لأنه طلب إليها بوساطة (السكرتيرة) الانتظار في صالة المكتب، ريثما ينهي مكالمةً هاتفيةً. فانتابتها مشاعر متباينةٌ وساورها الشك، فقد كانت تأمل أن يأخذها على صدره متلهفاً.. وبعد لأيٍ كأنه دهرٌ، استقبلها في غمرة أشغاله، وحين أعلنت عن رغبتها في لقائه على مائدة غداء في مكانٍ عامّ قريبٍ من البحر، تجده يتهرّب من دعوتها، متعللاً بكثرة الشغل، ولكنه أمام رغبتها العارمة في لقائه، يلين قليلاً، فتحظى منه ببصيص أمل في احتمال اللقاء.‏

تتكثّف رؤى الفتاة الشابة في الوصول إلى من تحبّ، وهي في لحظات انتظارها المريرة قُبيل الموعد المحدّد تبدو قلقةً ترتعش، قلبها يخفق بشدّةٍ، كعصفورٍ في قفصٍ.. لكنها سرعان ما تنسى قلقها حين تلمحه، ليس بصورته التي عهدتها وإنما "جاء بصورة قمر ساحر أطل على ليلها فأنار كل زاوية فيه".‏

استطاعت الكاتبة أن تنقل ببراعةٍ الحالات النفسية للفتاة في لحظات حبّها وتوقها، ولحظات انكسارها وخيبتها، فضلاً عن لحظات اللقاء. وهي في عجالةٍ قصصيةٍ تمكّنت أن ترسم ملامح الفتاة العاشقة بالأبيض والأسود وبالألوان، فحين كانت في طريقها إليه في السيارة الصغيرة كانت تعدّ إشارات المرور الحمر، وتستطيل الطريق، وترسم لِلّقاء في خيالها ألف شكلٍ ولونٍ.‏

أما حين طلبت إليها (السكرتيرة) الانتظار فقد غامت الصور الملونة، وحلّت مكانها صورٌ قاتمةٌ، وشعرت بإرهاقٍ ثقيلٍ، فأخذت تقرّع نفسها، وتعبّر عما يعتريها من ندمٍ قائلة: "أغمضت عيني وأنا أحس أن الخواء يغمر الدنيا، رغبت أن أتحرر من عطري وأناقتي وثيابي، وأندس في فراش وحدتي العطوف. هناك في مدينتي المخذولة مثلي..".‏

والصورة العاطفية الثالثة لحالة الفتاة النفسية، تجسّدت في اللقاء (الحار/ البارد) في المكتب، فقد كانت لهفتها إليه أحرّ من لهفته إليها، وتضاربت المشاعر في نفسها، وهي تراه محاصراً بهواتفه، فلا تملك سوى إمعان النظر إليه: "كنت أتأمله بوله وهو يتكلم، حسدت سماعة الهاتف، لأن يده تطبق عليها بإصرار وحنان.. صفحة وجهه النقية، التجاعيد الخفيفة حول عينيه والتي زادته بنظري وسامةً، قميصه الأزرق الأنيق الذي يضفي على وجهه صفاءً وشفافية، شفتاه المكتنزتان الشاحبتان قليلاً، ماذا لو انتفضت من مكاني وباغته بقبلة حارة على شفتيه، ورميت سماعة الهاتف جانباً؟!...".‏

إن مجموع هذه الحالات من الاندفاع والصدّ والإعراض والإقبال والإدبار تشكّل الصورة العامة لشخصية الفتاة، والكاتبة على الرغم من اشتغالها على عاطفة الرغبة التي تجمع بين الذكورة والأنوثة، إلاّ أنها تثير مسألة انجذاب الأنثى إلى الوسامة على حساب الوعي، والانجذاب إلى المركز والمنصب على حساب العقل، فالساردة لم تلتق الشاب المترف سوى مرتين، ثم تراها ضحت بخطيبها اندفاعاً منها وراء شابّ لا تربطها به أيّ رابطةٍ، ولا تعلم من شأن وضعه العائلي شيئاً، أهو متزوجٌ أم عزب؟. فضلاً عن ارتباطاته الكثيرة بكبار رجال الدولة، فحين طلبت إليه اللقاء على مائدة طعام، ووجدته يروغ منها، فاستصغرت نفسها، تقول: "دست على كرامتي وسألته: هل نلتقي مساء؟" تسمعه يرد بجفاف: "سأعمل جهدي" وحينما ألحّت عليه "ربّت على خدها مؤاسياً من باب المجاملة والعطف" ويقول: "سأعمل جهدي أن أوافيك إلى هناك، لكن في حال عدم تمكني من ذلك، أرجوك اعذريني فمشاغلي..".‏

القصة بصورةٍ عامةٍ، تلملم فكرتها وتجمعها في شخصية فتاةٍ، تمثّل قيم جيلٍ جديدٍ منفتحٍ على الحرية، هدفها وغايتها يتكثّفان في لقاء شابٍّ يحمل مواصفاتٍ معيّنةً، تكاد تكون نادرةً بين الشباب في مثل هذه السنّ، بمعنى؛ أن الفتاة لا تعيش أبعاد الواقع الاجتماعي العام، وإنما تعيش في واقع له خصوصيته، وهذا من حقّ الكاتبة، ولها أن ترسم حدث قصتها وشخصياتها كما يحلو لها، ودعماً لفكرتها فقد وشّت السرد بمجموعةٍ من الصور الجميلة التي تتواءم مع الحالة العاطفية للساردة، ولكن هذه الصور الفنية للسرد لم يكن بعضها مكتمل الأبعاد، كأن تقول الفتاة: "فكرت وأنا أرشف آخر قطرة من خيبتي التي لها طعم القهوة المرة" فطعم القهوة المرّة مستساغٌ يستعذبه الناس إلاّ أن تشبيه الخيبة به، كان مجافياً للصورة السلبية التي أرادت أن تعبّر عن حالة الشخصية المحبطة. كما أنها في تصوير لهفتها للقائه تقول: "كنت أعد إشارات المرور الحمراء بغيظ وفقدان صبر، وأدركت مدى اشتياقي له من التعرق الخفيف لراحة يدي، وتلك علامة انفعالي الأعظمي.." ولو أن الكاتبة امتنعت عن كتابة الجملة الأخيرة، لكان أفضل، لأنها لم تترك للقارئ شيئاً يستخلصه بنفسه، إذْ لا لزوم لشرح سبب التعرّق الخفيف، كما أنها تقول: "كنت أتأمله بوله وهو يتكلم، حسدت سماعة الهاتف.." ولو استخدمت كلمة "غبطت" بدل "حسدت" لكانت أوفى في الدلالة والتعبير عن حالة الرغبة.‏

وقد تسرّبت إلى النصّ عدّة هناتٍ لغويةٌ، لا تقلّل من جمالية النصّ، يعيد إلى الأذهان صفاء الديباجة التي سُردت بها القصة الرومانسية السورية في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. وبلهفة الأنثى المنفتحة على الحياة، التي تجسّدت في كتابات "كوليت خوري" و"غادة السمان" و"جورجيت حنوش" و"أم عصام" و"أنعام المسالمة" و"هيام نويلاتي"..‏

ثالثاً: النيروز. قصة: حسين علام.‏

قصةٌ طويلةٌ تصف لقاء الرجل " يوسف" المرأةَ "بايه" في زمنٍ شتويّ، وفي مكانٍ بعيدٍ عامّ متعدّدٍ، ينتقلان منه فوق أرض الجزائر من جسرٍ إلى جامع إلى مقام وليّ، يسترجع الرجل في أثناء الطريق ذكرياتٍ عصفت به، فيتذكّر شتاء البيوت الفقيرة، واجتماع أفراد الأسرة حول المدافئ، ويستعيد بقايا حكايات الجدّات، ثم يعقد مقارنةً بين زمنٍ مضى وأيامٍ راهنةٍ، ليفاضل بين زمنين: "ذلك زمنٌ مضى.. كنت تعرف تحلم. أما اليوم فكل شيءٍ قد تغيّر, كانت الجدّات تزدن نار الكوانين اشتعالاً بحكاياتهن عن "لونجة" بنت الغول، والفتى الذي صعد إلى قلبها من شعرها الغزير. عندما كانت الحكايات تتقافز حقيقة كالشرر في المخيلة".‏

النصّ غنيّ بصور الطفولة الجزائرية، وأزيائها، وثقافة نسائها التي تعتقد ببركات الأولياء فينذرن النذور بغية تحقيق أمنيةٍ واستجابة رغبةٍ.‏

وقد وقف النصّ عند اختلاف الثقافة بين الرجل والمرأة، فـ "يوسف" رجلٌ عملي بينما" بايه" امرأةٌ ذات ثقافةٍ شعبيةٍ، كانت تريد أن "تضع شمعة في الجامع، لتفيَ بنذرٍ، فكّرت فيه، منذ لقائها بـ"يوسف" وكان يهزأ منها، ومن سذاجتها، لأنها تخلط، إذ إنها لم تكتشف المدينة بعد..". بمعنى أن الرجل ميالٌ بطبعه إلى الجدّية، بينما المرأة عاطفية، رقيقة المشاعر.‏

كما اغتنى النصّ بالصور الخيالية حتى بات في بعض تعبيراته أقرب إلى الشعر منه إلى النثر، أو هو النثر الفني يُكتب بالصور، كقول الكاتب: "كانت المدينة لا تزال تحلّ ضفائرها.." و"ماتت المحطات.."و"البيوت تنكمش على نفسها" لكن الكتابة بالصور الخيالية التي سيطرت على النصّ الحقيقي جاءت على حساب الحدث الذي تكثّف في الانتظار واللقاء وسير المرأة والرجل جنباً إلى جنب، من دون أن تركّز القصة على حدثٍٍ ذي أبعادٍ واضحةٍ، ولعل أجمل ما في القصة، تلك الخاتمة التي انتهت إلى الخواء، حيث انقلب الحال، فاشتعل قلب الرجل بالروحانية، وقام بما كان يأخذه على المرأة، ودخل المسجد، ليوقد شمعةً، فلما خرج، لم يجد أثراً لرفيقته "بايه" التي تنظره، وكأن الحياة حلمٌ، أو أن الحياة امرأةٌ، ما إن يعثر عليها الذكر حتى تتسرّب من بين يديه، كما يتسرّب الماء من بين الأصابع.‏

استغرق النصّ في توصيف الجزئيات الجمالية للأبواب والجوامع والمنحدر والجبل والمنعطفات، وقد أضفت التفاصيل المسهبة على النصّ ما يشبه التوثيق للمكان الواقعي بجمالياته القديمة، كقول الكاتب: "باب الجامع الجوفي الضخم المصفد بالنحاس المسوَدّ من القدم. كان موارباً. واجهته عالية مسقوفة بالقرميد الأخضر المسنن. وسفاسف من الكتابات على طول صدرها. ذلك الباب القوي كان نحاساً كلّه، منقوشاً ومخرماً دقيقاً، فيه تعريشات وأشكال عديدة، محاطاً بحاشية من الخوخات النحاسية المسننة. تلك التعاشيق مبذولة بكثير من اللهفة والدقة بحيث تبدو عليها واضحة أنفاس الصانع القديم الذي لابدّ أنه كان عطشاً جداً ، محتاجاً لأي شربة ماء، أثناء ظهيرة عتيقة قاسية."‏

هذا الإسهاب في الوصف، وإن كان يخدم الجو العام للقصة، إلاّ أنه يشغل القارئ عن الحدث الذي تراجع أمام جماليات التوصيف.‏

رابعاً: المشتبه به. قصة: عمر الحمود.‏

تقدّم القصة تصويراً واقعياً لعمل رجل الأمن العالمي، الذي يلتزم بحرفية الأوامر، فيلاحق الناس من دون تمحيصٍ، غايته استخلاص المعلومة عن الشخص المراقب، ولكي يصل إلى غايته يتصل بالقريب والصديق الذي يتحرّك المشتبه به بينهما، كي يصل إلى أدقّ التفاصيل عن الضحية...‏

إن رجل الأمن يقوم بعمله على أكمل وجهٍ، ولكنه حدث ما لم يكن بالحسبان، فما إن يقترب ذات مرّةٍ من المشتبه به، ويقف على سلوكه ومعتقده وثقافته حتى يتوقّف، ويراجع حساباته، فالرجل الملاحق سويٌّ، محبٌّ للسلام، لا غبار على سلوكه، ولا يشكّل خطراً على السلم المحلي أو العالمي، لذلك يتعاطف رجل الأمن معه، وينقلب على نفسه، ومن ثم، يعتنق معتقده.‏

تعتمد القصة على المحاكمة العقلية لرجل الأمن، الذي يقارن بين ما تريده وكالات المخابرات العالمية من المواطن العربي المسلم، وبين ما هو عليه، وشتان ما بين ما هو كائن وما يُراد له أن يكون.. فالمواطن العربي مؤمنٌ بعقيدته وحرية وطنه، ولا يهمّه أن تُحَرّف ثقافته أو سلوكه في تقريرٍ أمنيّ كيديٍّ، لأن إيمانه يجنّبه الزلل، فالملكان على كتفيه، اليمين والشمال، يراقبان تصرّفاته، وهو يعلم أنه قد يُسجن، أو يوصف بالعنصرية والتطرّف ومعاداة السامية، أو يُقتل كما قُتل غيره من أبناء شعبه في المنافي والاغتراب، ولكنه لا يتزحزح عن ثوابته.‏

تؤكّد القصة قيمة العقيدة، في النفس العربية، وأن صاحبها إنسان مبادئ، صامدٌ في موقفه العادل، لذلك" لن يحبط، فكلمة الحق مقامٌ يصلي لأجله".‏

إن الإيمان بالمبدأ من أولى صفات الرجل المشتبه به، وهذا الإيمان هو الذي جعل رجل الأمن الغريب يضرب عرض الحائط بتعاليم المؤسسة الأمنية التي يعمل لصالحها، بعد أن توصل إلى الحقيقة: "شقت عليه هذه المعرفة، هدته، وبركت هواجس على صدره، تسعرت، وأصابته في مقتل، فغيّر مجرى حياته، كفر بالأوامر التي كان يعبدها، واعتنق معتقد المشتبه به..".‏

إن ما يلاحظ على القصة أنها تجاري المعطيات العالمية التي عصفت بالمنطقة وبالمواطن، وقد تناولها عددٌ كبيرٌ من كتّاب الوطن العربي؛ من مغربه إلى مشرقه، والكاتب هنا يدلي بدلوه، وقد مدّت مهنة المحاماة رأسها، بميزان العدل، ليوثق هذه الصورة التي رسّختها المتغيّرات، ولكن من دون أن يقدّم جديداً، وقد كانت الخاتمة تقريريةً مباشرةً: "كفر بالأوامر التي كان يعبدها، واعتنق معتقد المشتبه به" وهو بذلك لم يغن رسم الحالة النفسية لرجل المخابرات العالمي الذي كان بإمكان الكاتب أن يجعل تأثّره بضحيته عفوياً من خلال سلوك الضحية، ويدع له مجالاً لصراع النفس بين الواجب وردّة الفعل، أو بين الباطل والحق. كأن تختفي الضحية، ومن ثم، يجدّ في البحث عنها، لا للقبض عليها، وإنما ليكون رجل الأمن عوناً، ومسانداً لقضية المشتبه به، ومعتنقاً لعقيدته السمحة. وقد كان "عبد الرحمن منيف" في رواية "شرق المتوسط" و"نجيب محفوظ" في رواية "الكرنك" قد أغنيا هذه الشخصية بصورةٍ فنيةٍ وافية.‏

خامساً: المغارة. قصة: بهجت درسون. العراق.‏

القصة أشبه بقصص المغامرين الفتيان، حيث يلتقي ثلاثةٌ، ولدوا في أسبوعٍ واحدٍ، هما ابنا عمّ وصديقهما "إيليا" وقد أثارتهم مغارةٌ صعبة المسالك، عند أسفل الجبل، تتراءى لهم من بعيدٍ، وقد قرّر الثلاثة الوصول إليها، ودخولها، تدفعهم رغبة التحدّي والمغامرة، على الرغم مما يشاع حولها من أقاويل.‏

ثم بعد جهدٍ كبيرٍ، واجتياز طريقٍ شبه عجائبي، يدخل الثلاثة المغارة، فتصدم أنوفهم رائحةٌ حادّةٌ أدمعت عيونهم، ثم يصل أحدهم إلى دهليزٍ، ما إن يدخله، حتى تندّ عنه صرخةٌ مدويةٌ هزّت أركان المغارة. إذ شاهد "جثةً مرميةً على الأرض بملابس غريبة، لم نألفها من قبل، ملابس سود، وطاقيةٌ صغيرةٌ سوداء.."‏

وما إن وقع عليها نظر الصديق "إيليا" حتى قال:‏

"إنها ملابس كهنةٍ من أولئك الذين أنزلوا المسيح عن الصليب.".‏

القصة تمزج بين الواقع والرمز والتاريخ، وقد كشفت عبارة "إيليا" عن ترميزها، وبعدها الديني والتاريخي، وعمل الكاتب على تعزيز ذلك، حين جعل الجثة تمسك بيدها ورقةً تفصح عن حقيقة صاحبها، وجماعته الغرباء، الذين نزلوا الأرض المقدّسة في ترميزٍ إلى فلسطين، والتي يستشفّ القارئ منها، أن الجماعة قتلت صاحب الجثة، وألقته في المغارة المسكونة بالموت، لأنه توصل إلى الحقيقة، ورغب في عودة الجميع من حيث أتوا، وترك الأرض لأصحابها الشرعيين، وأن الغرباء ليسوا سوى حثالةٍ تعيث في الأرض فساداً، وهم لا يتوانون عن تصفية أبنائهم عندما لا يستجيبون لتنفيذ تعاليمهم.‏

لقد لخّصت الورقة تاريخ اليهود، وأساليب عيشهم، وتشرّدهم، واعتداءهم على الآمنين، وعدم انصياعهم للحق، ونكرانهم للحقيقة: "غرباء نحن. أتينا إلى هنا منذ زمن. كل الأدلة التي لدينا تشير إلى أن هذه البقعة مقدّسة. بدأنا نعيش النهار في المغارة، وفي الليل نسطو على القرية. نأخذ ما نستطيع أخذه، اختلفت مع الآخرين. طلبت أن نرحل إلى مكاننا. عنفوني. لعنوني. قلت لهم: بأننا ندنس هذه البقعة الطاهرة. فها هي رائحة كريهة تنتشر في أرجاء المكان منذ وصولنا. وها هي أحلامي تسطع بهذا الأمل.. أمل الرحيل والانسحاب... ضحكوا.... وبدأت هستريا الضحك تنتابهم. أحسست بمؤامرة تحاك.. ذهبوا ليجلبوا أبناء عمومتنا.. في عيونهم رأيت المؤامرة تحاك.. بدأت أكتب.. كي أطهر ذمتي.. ولكن..".‏

القصة تؤكّد على حقيقة الصهيونية الزائفة، من خلال وثيقةٍ، كُتبت بيد أبنائها، تشير إلى أكثر أخطاء الدنيا قبحاً وإساءة للروح الإنسانية، وقد استطاع الكاتب أن يدعم ذلك، من خلال الشخص الثالث/الصديق في الرحلة، وكان لاسمه دلالته الأثنية، وجميلٌ من الكاتب أنْ جعل هذه الشخصية–وليس غيرها- تبوح بالحقيقة، على مبدأ: (وشهد شاهد من أهله) لتؤكّد القصة أن التاريخ مهما جرى على حقائقه من تزويرٍ وتزييف، فلابدّ أن تظهر الحقيقة. وهذا ما اشتغلت عليه القصة التي نهضت على إحياء الذاكرة، التي تلوّنت بالارتجاع الفني.‏

سادساً: حلم. قصة: عبد الحفيظ حافظ.‏

لو أنصف الكاتب لعدل عن عنوان قصته "حلم" إلى الـ"كابوس" وبخاصةٍ أنه مهّد لها بعتبةٍ مقتبسةٍ من الشاعر "محمود درويش" جاء فيها:"هل كان علينا أن نسقط من علو شاهق ونرى دمنا على أيدينا لندرك أننا لسنا ملائكة.. كما تظن؟..".‏

هذه العتبة النصية القصيرة التي يبوح فيها شاعرٌ فلسطينيّ كبيرٌ جسّدت المأساة بما حملته من ألفاظٍ مخيفةٍ، فيها السقوط من علو شاهق، وفيها الدم على الأيدي، وفيها اليقظة من الحلم إلى الواقع، وسوى ذلك من الإيحاءات والظلال.‏

ولعل كلمات الشاعر ساقت الكاتب إلى الشعرية، فتمادى في شعرية قصته، التي غطّت على الحدث، الذي كان أشبه بظلالٍ وتهويماتٍ عامةٍ تكثّفت فيها قضايا العرب المصيرية، بدءاً من قضيته فلسطين، وانتهاء بدموية الاحتلال الجاثم على صدر الأهل في العراق.‏

بسطت الشعرية الجميلة ضفائرها منذ العبارة الأولى: "حلمت، وكانت الأنثى هي الأخرى تشاركني ذاك الحلم، حلمنا ونحن في ظلال صفصافةٍ تستريح على ضفاف النهر، يجري غير عابئ بنا..".‏

توقفت عدسة (كاميرا) السارد حول مخيم اللاجئين، فالتقطت صورةً مأساويةً لقاطنيه، وقد تمطى وتمدّد على مدى ستين عاماً، وفاحت منه روائح المأكولات لضيق أزقته: "في مخيم النهر" تختلط عليك الرؤيا كلما تعثّر بك الحلم، وامتزجت ألوانه بثنايا المخيم الذي تنتصب فيه أبنية مركبة فوق بعضها، كأنها تخشى السقوط، تفصل بينها أزقة عريضة، لا تلبث أن تقترب حتى تكاد تتلاصق، فتوحي إليك بالألفة، وبأناس يأوون إليها، تقتلهم الغربة والحنين إلى بيوتهم هناك خلف الجدار الطويل، ولا تستطيع أن تفرق بينهم.."‏

هذه الحميمية التي يجسدها المخيم كانت صدى لتلك الغارات الصهيونية والأمريكية التي تفتك بأهل فلسطين والعراق، لذلك صار ديدنهم (ممارسة الجنس) للتكاثر والإنجاب بغية تعويض خساراتهم في الشهداء الذين يتساقطون كل يوم: "ولو سألت أنثى أن تكف عن الإنجاب لابتسمت ودارت بعضاً من حياء قائلة:‏

- ماذا تريد أن نفعل؟ لم يبق لنا من سعادةٍ في هذه الدنيا الظالمة إلاّ هذا.‏

ثم تتحدث بجدية:‏

- أما ترى كم يحصد الموت منا في كل يوم، فرحاه بدأت تطحن الأطفال؟!..‏

لقد أطلق الكاتب على المخيم اسم (مخيم النهر) وفي ذلك حالةٌ شموليةٌ لما يحدث للاجئين، فثمة مأساة (نهر البارد) ومأساة (نهر الأردن) وأخيراً مأساة (نهر المسيّب).. والنهر جارٍ، في ترميزٍ لاستمرارية المأساة.‏

النص جميلٌ كسردٍ يفيض بجمالياته الأسلوبية، فعبارة "حلمنا ونحن في ظلال صفصافةٍ تستريح على ضفاف النهر، يجري غير عابئ بنا.."–على سبيل المثال- استطاعت أن تبعث أوجاع المأساة حيةً في النفس، وقد مهّدت لما ورد إثرها من منغصّات تحيق باللاجئ العربي، من داخل المخيمات وخارجها، وقد أشار إلى ضرورة كثرة النسل، لمجابهة الأعداء.. لكن هذه الصورة، وسواها من الصور الشعرية والشاعرية الرائعة، لا تعوّض القارئ عن وجود حدثٍ رئيسي، وشخصياتٍ لها خصوصيتها، وحركتها في الحدث، كما أن توصيف حالة اللاجئين، بالرمز والإيحاء، لا تجدي شيئاً، ما دامت جميع الشخصيات تحلم، وأنهار الدم جاريةٌ، وليس بينها شخصيةٌ واحدة إيجابيةٌ تصحو، وتهمّ بفعل شيءٍ يبعث الأمل في النفس، أملاً في تغيير حالة الحلم الراكدة، أو حجرٍ في مجرى النهر، تعبيراً عن رفض الواقع المرير.‏

ومع ذلك، يبقى النصّ على الرغم من حلميته السردية غارقاً في كابوسيةٍ تطلّ من خلف السطور، تصفع الواقع العربي الذي تدينه القصة بصورةٍ غير مباشرة.‏

سابعاً: شجرة الظهيرة. قصة: أنور عبد العزيز. العراق.‏

القصة صورةٌ قاتمةٌ مرسومةٌ بالفحم، أو بالقار لمجتمع المدينة وجوّها الخانق، الذي يتجسّد من خلال سفرٍ بالحافلة، في ظهيرةٍ حزيرانيةٍ، يسافر فيها السارد الراكب واقفاً من شدّة الزحام مدةً طويلةً، غدا داخلها أشبه بالمشنوق، يده تتمسّك بحديد السقف، اللاذع بحرارته، والسيارة غير مستورة النوافذ تهزّ جسمه، فتكاد أنفاسه تُكتم في صدره..‏

وفوق كل ذلك، ابتُلي المسافر براكبٍ طاعنٍ في السن، يجلس مع ولديه وزوجته على مقاعد بجانبه، وما إن عرفه الرجل، حتى سلقه بأسئلةٍ فضوليةٍ لم تنته طول الرحلة، كان وقعها أشدّ لذعاً عليه من حرّ حديد السيارة: "ومع كل أسئلته الملحاحة الفارغة والمحرجة لي في منغمر كومة من ناس الباص صاروا كلهم آذاناً مرهفةً حسّاسةً تنتظر الفيض والمزيد من أخبار العجوز الهرم المعلّق، ومن فوهة ذلك الفم واللسان الغليظ، وهو يتلاعب بأخبار العجوز، وتاريخه العلني والسري..".‏

ولكي تكتمل اللوحة، فقد صورت القصة اختناق الشارع، وشرطي المرور الذي لا يستطيع تخفيف المعاناة عن المارة والسيارات، ثم ننتقل منها إلى تصوير حالة ضيق أحد الركاب الذي أخذ يتوسّل للسائق أن يدعه ينـزل ليجلس في ظل شجرةٍ، ويهتف ضارعاً، ثم يصرخ: "اتركوني، أبغي النوم في فيء شجرة".‏

ثم يلتفت الكاتب التفاتةً معاكسةً، فيسلط الضوء على حالة الإنسان المختنق بمضايقات المدينة، من خلال استرجاعه جماليات الحياة الفطرية في الريف، فالراكب شبه المختنق في السيارة بات يحسّ أنه يُشوى في فرنٍ، لذلك أخذ يهذي ويهلوس باحثاً عن شجرة توتٍ في كل مكانٍ من أمكنة المدينة الملوّثة، فيشعر بغربته فيها، ويحن للغابة والنهر والهدوء، ويستعيد صرخة الرجل الذي ترجّل من السيارة ليستظلّ تحت شجرة توت، ويهتف: "وأنا يا أخ أشتهي أن تكرمني ولو بغفوةٍ قصيرةٍ تحت شجرة التوت، أو تينٍ، أو رمان، أو عريشة عنب، أو أية شجرةٍ وديعةٍ تكرمني بظلّ باردٍ، وشيءٍ من نسمات وسكينة الروح، عندها سأمسح من ذاكرتي سخرية السفهاء الذين نطق بعضهم بصوتٍ عالٍ بأن القروي قد دهمته نوبة حادّة من جنونٍ مفاجئٍ، أو خرف الكبار.. يا أخ لنسترح معاً حتى لو لعلع الجميع: (هذا مجنون آخر يبحث عن شجرة توت).".‏

تحمل القصة ترميزها الاجتماعي والسياسي، وتدين الحياة المزدحمة في المدينة، التي غدت الحياة فيها أشبه بحال المسافر داخل السيارة الملتهبة في قيظ الصيف، وهي تنتحي للبراءة التي افتقدناها في معظم مرافق الحياة المدنية، ولعل الكاتب يراها لا تزال موجودةً في الريف.‏

شخصيات القصة ثابتةٌ تتناسب والدور المرسوم لها، لتعبّر عن جفاف الحياة الراهنة، ولكنها تفتقر إلى حدثٍ يبعث فيها الحركة، ويخفّف من زخم السرد المتلاحق، المتدفّق والغزير.‏

ثامناً: شارع الغوطة. قصة: عبد الكريم أديب بدرخان.‏

يحمل العنوان خصوصيته الدلالية، الذي ينعكس على مضمون القصة، فـ "شارع الغوطة" يعني لأهل الشام الخضرة والماء والوجه الحسن، وفطرية الحياة، فإذا ما ذُكرت الغوطة، بعثت في النفس الراحة والمتعة والرحابة والحب، وهل هناك ما ينعش الجسد كنسيم الغوطة، وجمال ريفها، وعذوبة الحياة في رحابها، وإذا كان هذا شعور الناس عامةً، فكيف يكون عليه الحال لدى ساردٍ شابٍّ عاشقٍ، وحبيبته تبادله الحبّ، قبل أن تحول بينهما الحواجز والموانع، كالعادة في الحارة العربية المنذورة للحشمة والسمعة؟!.‏

إنها العادات التي تحكم معايير العلاقة بين الشاب والفتاة، تلك المعايير الأزلية التي حالت فوق الرمال العربية بين لقاء قيس وليلى، وقيس ولبنى، وكثيّر وعزة.. إنها رومانسية العلاقة وشفافيتها، في مرحلة المراهقة والصبا، فهل يمكن أن تزول تلك الحواجز..‏

القصة تقول إنها لن تزول، فإذا ما زالت، فقدَ المجتمع العربي خصوصيته، وفقدت القصة بريقها ورومانسيتها وعذريتها، ولذلك، ستظلّ الحواجز التي تستمدّ أسباب بقائها من ثقافةٍ شرقيةٍ راسخةٍ، وسيظلّ العاشق والمعشوق، والعذول بينهما، وهنا في شارع الغوطة، وُجد الحبّ، واختُلست اللقاءات بين الحبيبين في غفلةٍ من الآخرين، وفي هدأة مساءٍ دمشقيّ عذبٍ، أُغلق الباب بهدوءٍ على اثنين، كان الحبّ ثالثهما، فعزفت موسيقا خافتةٌ، وضمّت الأريكة اثنين، وسافر شَعر الحبيبة في كل الدنيا، حسب تعبير "نزار قباني" وصوتِ "عبد الحليم حافظ" وتلوّى الجسد الأنثوي كزهرةٍ على رابيةٍ، فكان لابدّ من تحرّك المارد في قمقمه، وانطلاق الحمم من داخل البركان...‏

العلاقة التي توطّدت، وعاش طرفاها أجمل الأوقات وأمتعها، بُنيت عليها آمال عريضةٌ، ولكن الحبّ والمتعة لم يدوما، ولم يصلا إلى الغاية أو النهاية السعيدة التي يصبو إليها كل شابّ وفتاةٍ في مقتبل العمر، بسبب العادات والتقاليد الاجتماعية التي تمنع الفتاة من لقاء من تحبّ بحريةٍ وعلى عين الشمس، وقد جسّدت الأم دور العذول، التي تكسر جسر العبور، لتمثّل علامة فصلٍ بين القلبين، فتحبس ابنتها إلى جانبها، حرصاً على سمعتها، على الرغم من أن البنت درست وتربّت في المدرسة الأمريكية، وإمعاناً في الحرص، فقد عملت الأم على الانتقال بها إلى كندا لتنأى بها عمن لا ترغب الأم باقتران ابنتها به، ضاربةً مشاعرها عرض الحائط..‏

فكرة القصة مطروقةٌ بكثرةٍ، ولكن الجميل في "شارع الغوطة" أمران:‏

الأول: أن شارع الغوطة ترميزٌ للشام، بمعنى أن بلاد الشام ستظلّ تحرص على عاداتها المترسّخة في نفوس أهلها، خوفاً من الأهل على سمعة الفتاة.‏

والثاني: أن جيل الآباء سيظلّ محتفظاً بحقّ الولاية والوصاية على جيل الأبناء، على الرغم من انتشار الثقافة الجديدة.‏

والثالث: أن القصة كُتبت بشاعريةٍ مرهفةٍ، موشّاةٍ بصورٍ خياليةٍ ليست كالشعر، وإنما هي الشعر ذاته، كقول الكاتب: "كان عطرك يغزو الغرفة، يحتل المكان.." و"قبل أن ألمح قطرات الندى ترشح من ياسمين العنق، وتلمع بانة الظهر.."‏

ولو أن القصة تجاوزت الاسترجاع والذكريات، واغتنت بحادثةٍ معيّنةٍ، أو صورةٍ محدّدةٍ من صور العلاقة العاطفية، لتجاوزت القصة جماليتها الشعرية إلى الجمالية الحكائية، ولعبّرت الشخصيات عن ثقافة جيلها، ولما بقيت أسيرة العادات، تستكين وتنصاع- وهي على جانبٍ من الثقافة- لتصرّفات الأم، من دون احتجاجٍ، أو تمرّدٍ، أو مجرّد إبداء رأيٍ، أو حتى تساؤلٍ من أحد طرفي العلاقة العشقية.‏

تاسعاً: صيف ندي. قصة: نبيه اسكندر الحسن.‏

تحاول القصة أن تقف على الفارق الكبير بين الأمس الممثّل في وسائط النقل القديمة، التي كانت سائدةً في الستينيات من القرن الماضي، وما بات يُطلق عليه اليوم (سيارات الهوب هوب) وبين الحاضر ممثلاً بالقطار، رمزاً للتضخّم والتطاول والسرعة، ودخول الأنفاق، وقد حكت القصة ذلك من خلال رحلة السارد مع صديقه، من الريف إلى المدينة، فكان أن استقلا القطار، الذي ما لبث أن دخل نفقاً، أثار مخيّلة الشابّ الذي أخذ يسترجع ذكرياتٍ عذبةً عن والده، وحكايات جدّته، التي حدّثته عن بشرٍ من الجنّ يعيشون في جوف الأرض بسلامٍ، مفعمون بالحبّ، ولكنهم يخافون من بني البشر، لذلك تسلّحوا بسلاحٍ سريّ يبطل المكائد..‏

وتستمرّ الرحلة، ويستمرّ تدفّق الذكريات، حتى إذا ما داعب النعاس جفني الرجل، أتته في الحلم غادةٌ جميلةٌ تحثّه على النهوض، وتبعث في نفسه الشجاعة، وتحثّه على التعاون مع رفاقه، وتوصيه "ألاّ يُسقط الراية"..‏

تندرج القصة التي مزجت الواقع بالحلم ضمن إطارٍ من التثوير، الذي يحاول أن يبعث الأمل في النفوس الساكنة، ويواصل دفع حركة التاريخ إلى الأمام، فالمعالم التي بدت لعيني الرجل في المحطّة والمدينة، جعلته يضحك، بل بادلته الضحكات: "وراح ينظر إلى خطين متوازيين من فولاذٍ، لعله تذكّر الرجال وهم يرتدون بزاتٍ بلون السماء، حلّق بخياله بعيداً، يجوب آفاق الإنسانية.. كل شيءٍ جديد، كل شيءٍ تغيّر، المحطة، الرصيف والمظلات، فالبناء لم ينته بعدُ، القاعة لم تزل قيد البناء.."‏

القصة بواقعيتها وحلمها وترميزها، تمثّل بتقاطعاتها وتداخلاتها الدرامية نسيجاً من الصور العابرة المتجانسة في تمفصلها السياقي الموحي بحدّة الانفصام الذي طبع جيلاً بأكمله، ومرحلةً برمّتها، أهم ميزاتهما ضياع الذاكرة، وفقدان القدرة على الاستشراف، وإعاقة الطموح . لذلك نلاحظ أن فكرة التثوير في القصة لم تأتِ من حدثٍ خارجيّ يطرأ على الرحلة الرتيبة، وإنما أتت كصحوةٍ من الداخل النفسي الذي يغذّيه الشعور بضرورة التغيير، وقد اعتمد الكاتب في ذلك على تقنية الحلم، التي استعاد بها جانباً من منجزات الماضي القريب، ومن ثم التفت إلى المشاهد البصرية التي تقف على الواقع الراهن، وهذا ما دفع الرجل للتفكير بمواصلة العمل على تكملة البناء، لأن "البناء لم ينته بعدُ، القاعة لم تزل قيد البناء.." بمعنى أن المرحلة السابقة، أوجدت الثوابت، وأن الآباء بدؤوا البناء، وعلى الأبناء النهوض به، لذلك أنهى القصة بإشارةٍ ثوريةٍ إلى إضراب العمال والمعلمين في الستينيات من القرن الماضي، الذين شاركوا في إسقاط الانفصال، وقيام الثورة، ولكن من خلال صيغةٍ جاهزةٍ مباشرةٍ: "نعم إنها دماء أكفّ العمال السوريين، أكفّ الشهداء، والصراخ الذي يطالعك من وراء الأيام، صاغ ألوانها عن الإضراب الستيني، حين علّق الرفاق البنود بلون الورد على أعمدة الهواتف.. إيه الماضي شيءٌ رائعٌ يدفعنا لأن نجدّد كل شيءٍ حتى الكلمة..".‏

عاشراً: في الزوايا المعتمة. قصة: ضياء قصبجي.‏

تعود القصة إلى إثارة الأسئلة الأزلية التي تدور–في الشرق- حول العلاقة بين الرجل والمرأة، وتتركّز في ماضي كل منهما، ومدى تأثير هذا الماضي على العلاقة الزوجية..‏

تؤكّد القصة أن ما من شابٍّ أو صبيةٍ، إلاّ له في مراهقته وشبابه علاقةٌ مع الآخر، بصورةٍ من الصور، بوصف الرغبة حاجةً إنسانيةً سويةً، لا يمكن تجاهلها، وهي–في مراحل العمر الفتية– لابدّ أن تتأثّر، بصداقةٍٍ أو تتعاطف مع إنسانٍ، فتنشأ المودّة والإلفة وتبادل مشاعر الإعجاب. وهذه مسألةٌ طبيعيةٌ لدى كل إنسانٍ سوي.‏

تصوّر الكاتبة هذه العلاقة من منظورٍ واقعي، متناهٍ في البساطة والمنطق، فالزوج الذي ابتعدت عنه زوجته للعمل، بعد سنةٍ من الزواج، يجلس وحيداً، يستعيد في ساعات وحدته لحظاته الجميلة معها، كما يسترجع طرفاً من ماضيه، وعلاقات الحبّ التي أقامها مع عددٍ من الفتيات..‏

لقد تركت زوجته فراغاً دفعه لاستحضار صورتها، وهي الزوجة الرقيقة ذات الميول الأدبية، لذلك "هرع إلى غرفة النوم يبحث عن (ألبوم الصور) قال في نفسه: كم هي جذّابة؟..‏

.. شيءٌ غريبٌ وغير مركّزٍ دفعه لأن يبحث عن مفتاح خزانتها الخاصة، عثر عليه، فتح الخزانة، وصلت لأنفه رائحة عطرها، أحسّ بنشوةٍ، لمس أثوابها، حرّك المشاجب، أخرج ثوب الزفاف الأبيض المزركش..".‏

هذه المقدّمة الجميلة تضع القارئ أمام الحالة العاطفية للزوج الذي يحتفظ بصورةٍ زاهيةٍ لزوجته البعيدة، عرفت الكاتبة كيف تعبّر عنها بخبرة قلمٍ متمرّسٍ، إذْ هيّأت القارئ لأن يتوقع مفاجأةً ما، فتلجأ إلى عنصر الإثارة النفسية، وتصدم الزوج والقارئ–من بعدُ- وذلك بالكشف عن صندوقٍ وقع في يد الزوج، ما لبث أن فتحه وقلبُه يخفق بعنفٍ، وأخرج منه دفتر مذكّرات تعترف فيها زوجته بخطّ يدها، بأنها كانت على علاقة حبّ مع غيره، ولا تزال تملك عليها مشاعرها، وأنها لا تميل إلى زوجها: "اليوم كنت بكامل أناقتي، أتأبّط يد زوجي، ونسير عبر الليل، النسمات الرطبة تصافحني، والقمر يرسل نوره السحري، فتظهر أوراق الشجر الرقيقة على أنغام الريح، وثمة غيومٌ رقيقةٌ تتجوّل حول القمر.. حتى هذه اللحظات الشاعرية لم تقرّبني من زوجي، بل ذكّرتني بمشاويري الليلية مع من أحبّ.".‏

لقد استطاعت الكاتبة أن تشعل قلب الزوج بالشك والغيرة، وهو الذي كان يعتقد أن زوجته تخلص له وتحبّه كما يحبّها ويخلص لها، لذلك صُدم، و"لم يكمل قراءة المذكّرات، بل أمسك جبينه، وأحسّ بالعذاب، كل أمرٍ تحوّل إلى نقيضه، حتى نقاط الماء التي يريد أن يشربها بدت له سماً قاتلاً.."‏

وأمام هذه اللمسة الفنية الجميلة المرهفة، تتابع القصة سبر هذه العلاقة الأزلية، التي تثير تساؤلاتٍ لا يبيحها المجتمع الشرقي، ومؤدّاها:‏

- من الذي سمح للشابّ بإقامة علاقاتٍ عاطفيةٍ، وأكسبها صفة الحقّ المباح، في الوقت الذي حرّمها على الفتاة؟..‏

- ولماذا نحاسب المرأة على ماضيها ولا نحاسب الرجل بالمعايير ذاتها؟.‏

- ولماذا تبقى علاقة الحبّ في ماضي المرأة لطخةً سوداء على جبينها، بينما العلاقة في ماضي الرجل تُمحى بممحاةٍ اجتماعيةٍ بأيدي الذكورة والأنوثة على السواء؟!.‏

هذه التساؤلات وأمثالها تدين المجتمع البطريركي الساكن الذي رسّخه المنظور التقليدي للمرأة العربية في علاقتها مع الرجل، فالمرأة تنشد التحرّر، أما الرجل فلا يستجيب إلا لرواسبه، ولكن هذه التساؤلات نفسها هي التي جعلت الزوج في القصة، يحاكم المسألة بجديةٍ، فبعد عودة زوجته من اغترابها، كان صدى المذكّرات يفعل فعله في نفسه، لذلك استقبلها استقبالاً فاتراً، بعد أن تمزّقت الصورة الجميلة لها، وفكّر في الطلاق والهرب.. ومن ثم، بدأت الصورة تتبدّل شيئاً فشيئاً، حين ساءل نفسه في منولوجٍ هادئٍ: "الماضي ملك الإنسان ذاته، أنا مثلاً لو كنت أكتب مذكّراتٍ وقرأتْها هي، ماذا كانت تفعل..؟‏

أو لو أنها لم تكتب هذه المذكّرات، أو لم يصادف أنني قرأتها..؟ آه.".‏

حين استقبلها إثر عودتها من مغتربها، أحسّ أنها بعيدةٌ كل البعد عنه، فتركها تجترّ صمتها، وخرج إلى المقهى، وهناك قلّب المسألة على وجوهها المختلفة، ولكنه بعد لأيٍ قرّر تجاهل الأمر، وعاد يعيش معها، وتعمّد أن يفسح لها المجال للخروج من البيت، كي تتاح له متابعة قراءة بقية المذكّرات، وإذْ به يقتنع– وهو يقرأ يوميةً بعد أخرى- بأن المرأة كأيّ رجلٍ، لها أحلامها وعواطفها ورغباتها وماضيها، وهي تعترف في المذكّرات بأن الماضي–في الآونة الأخيرة- قد أدار لها ظهره، فاتجهت إلى زوجها الذي بدأ يقترب من قلبها: "أجل إنه إنسانٌ لطيفٌ، بل ولمَ لا أقول إنني أحببته، منذ اللحظة التي عرفتُ فيها أنني أحمل ابنه..".‏

ثم حين قرأ الزوجُ اليوميةَ الأخيرة: "أحبك، قلتها اليوم لزوجي، لا زيف فيها ولا تزوير، ولا طيف ذكرى، أصبحت الذكرى لا حرارة فيها ولا لون ولا طعم.." هذه اليومية التي تعزف على الوتر الحسّاس، جعلت الزوج يراجع حساباته من جديدٍ، ويتراجع عن موقفه الأول، ويقبل بالواقع، مقتنعاً بمبدأ المصارحة والمساواة، لذلك: "اقترب من زوجته، وقبّلها، وقدّم لها هديةً، وضع يده على بطنها، سألها بعتابٍ:‏

- ألا تريدين أن أشاركك فرحك بالجنين..؟‏

- كيف عرفت؟‏

- من قراءة مذكّراتك.".‏

لقد اشتغلت الكاتبة ببراعةٍ في تصوير هذه العلاقة المسألة ومعالجتها بأسلوبٍ بسيطٍ، أسّست عليه لعبة (الوجه والقناع) أو (المرايا المتحرّكة) مما يشي بالمعالجة الحداثية في الخطاب القصصي للعلاقة الزوجية، نقلت فيه للقارئ المشاعر المتضاربة في نفس الزوج، ففي حيّزٍ سرديّ قصيرٍ، استطاعت أن تفجّر مشاعر الحيرة والشك والكره، ومن ثم تعدل عنها إلى تصوير مشاعر الرضا والإلفة والحبّ، وعقد مصالحةٍ منطقيةٍ شفّافةٍ مع الواقع والحقيقة، وكانت المرأة/ الزوجة في القصة شخصيةً من لحمٍ ودمٍ وعواطف، وككل شخصيةٍ إنسانيةٍ سويةٍ، لا تثبت على حالٍ واحدةٍ، وهذا ما جعل الكاتبة تكسر جاهزية الشخصية الساكنة ونمطيتها القصصية، لتنتهيَ القصةُ نهايةً تعيد العلاقة إلى مجراها الطبيعي، التي تَبرز من خلالها ضرورة المساواة في تطبيق المعايير الاجتماعية والخلقية على العلاقة العاطفية البكر التي لا يبرأ منها شابٌّ أو فتاةٌ في مقتبل العمر.‏

ما بين المرأة وزوجها، نسجت الكاتبة حبكةً قصصيةً ممتازةً، حشدت فيها عناصر التشويق الدرامي، لتخلق لأطروحتها الخاصة أكبر صدىً ممكنٍ، مسقطةً على الرجل صورةً حداثيةً. جعلته ينسلخ عن دوره الفحلي، ويتقمّص دوراً معاصراً يحترم خصوصيات الأنثى، فيبدي منتهى التسامح حيال ماضيها، مادام هو يحمل تبعات ماضيه مثلها تماماً، إذا لم يزد عليها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244