مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 444 نيسان 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

المرأة والريادة ـــ أ.د.حسين جمعة

هذا هو الكتاب الثالث الذي يحتفي بدمشق عاصمة للثقافة العربية من سلسلة كتاب الجيب الشهري، بعد الكتاب الأول المخصص للمبدع الباحث والشاعر (مدحة عكاش) والثاني الذي عني برواية (وداعاً يا دمشق) للباحثة الأديبة (إلفة الإدلبي).‏

وها نحن من جديد نحتفي بالمرأة السورية عامة والدمشقية خاصة؛ إذ اتجهنا إلى تقديم عدد من النساء اللواتي افترعن الريادة بذكاء وفطنة، و تميّزن على الرجال، في وقت كاد الإبداع يكون حكراً عليهم...‏

ولعل هذا التوجه يفرض علينا أن نمدَّ الرؤية إلى فكرة شراكة المرأة للرجل ـ منذ الأزل ـ في مختلف أنماط النشاط الإنساني؛ مادياً وفكرياً، وفي قيادة المجتمع وتربية أبنائه إلى ما فيه صلاحه.. فالمرأة زرعت الأرض، ورعَت الماشية، وصنعت الثياب والرماح، والسيوف، وداوت الجرحى، وعلَّمت الصغار والكبار، وأقامت الزوايا والمدارس والمساجد... فشبَّ الأطفال على وصاياها ونصائحها التي نسجتها في حلو الكلام، ولهفة العاطفة...‏

ولو أراد المرء أن يستعرض الرموز النسائية في بلاد الشام لما وسعه الجهد والوقت، علماً أن هناك رموزاً نسائية كثيرة قَلَّ أن عرفن قديماً وحديثاً.‏

وتعدُّ ملكة تدمر العربية (زنوبيا) واحدة من أعظم نساء العالم القديم وأشهرهن؛ وواحدة من النساء اللواتي نسجت حولها الأساطير الكثيرة في إدارة شؤون دولة تدمر إثر اغتيال روما لزوجها (أُذَينة) في حمص... وهي التي ابتكرت لنفسها لقب (ملكة الشرق) قولاً وفعلاً إذ طفقت تضم إلى مملكتها آسيا الصغرى ومصر، وسكَّت العملة النقدية باسمها، وألغت رسم رأس الإمبراطور الروماني (أورليانوس)...‏

ولسنا الآن في معرض الحديث عنها، وعن مقتلها إثر أسرها من قبل الإمبراطور الروماني (أورليانوس) نفسه، ولكننا في معرض الإشارة إلى ريادتها وعبقريتها التي تؤكد أن الفعل الخلاَّق ليس حكراً على الرجال، وأن الكرامة والعزة من صفات المرأة الحرة، فلما أُسرت آلمها ما آلت إليه فتجرعت السم كبرياءً وعظمة...‏

فتاريخها أو تاريخ أي امرأة عظيمة من ديار العرب والإسلام شاهد على مكانة المرأة وأثرها الواضح في صناعة الحضارة الإنسانية في لحظة تاريخية يتداولها الناس إلى قيام الساعة.‏

ومن ثم فالمرأة العظيمة تحيا لذاتها ولمجتمعها ولأمتها لتعيش جوهر كينونة الوجود الحضاري بعد أن أعطت الوجود نفسه روح الاستمرار بأبنائها الذين أنجبتهم جيلاً إثر جيل.‏

وفي إطار ذلك كلّه تعيش حياة ثالثة تستمر في ذاكرة الأجيال وقد أدَّت عدة رسائل في آن معاً... ومن هنا يمكن أن نتناول شيئاً من إنجازات المرأة الدمشقية التي استطاعت أن تحتل مكان الريادة في عصر النهضة، وكانت من قبل تحتل مواقع متميزة وتقوم بأعمال عظيمة من أجل خدمة وطنها... فقدَّمت رسالتها بين يدي التاريخ بكل مهارة واقتدار... فإذا كان الإنسان يمتاز بقدرته على تغيير الواقع فإن المرأة باعتبارها العاطفي والاجتماعي والثقافي والإنساني تمثل مرتبة عالية في مستوى تلك القدرة على الفعل منذ أن غزلت بمغزلها خيوط الصوف إلى أن غزلت الأفكار في الذواكر الاجتماعية... وربَّت النفس البشرية على نبل العاطفة وسموها، وهي تبث فيها مفاهيم الانتماء الحر، والتطلع إلى النهوض المستمر... فإذا كانت دمشق قد اختزلت عظمتها في تاريخها، ورهبتها في قلاعها وأوابدها التاريخية، وهيبتها المقدسة في مساجدها وكنائسها، وشفيف عمارتها الجميلة في أبنيتها وبيوتاتها وأسواقها وأبوابها و... فإن المرأة الدمشقية كانت حاضرة في ذلك كله، كانت حاضرة بدفئها وعاطفتها ومحبتها، وإبداعها... ولما تزينت دمشق بجمال وردتها الحمراء فإن المرأة الدمشقية كانت تذوب خجلاً على رقة مشاعرها، ونبل كرامتها التي تتراشق فرحاً على بياض زهر الياسمين والقرنفل... ومن ثم فالمرأة الدمشقية حملت سر ياسمين دمشق وقرنفلها؛ وحاكت كل قصيدة جميلة تغنى فيها نزار قباني، ودبجت فيها إلفة الإدلبي (بسمة الحزن)... إنها عبق الماضي القادم مدرسة هنا أو هناك أصرت فيه المرأة أن تقدمها هدية للمعرفة، وطالبة العلم، كما نراه في المدرسة (الحافظية) التي شيدتها الخاتون (أرغون) العادلية في القرن الثاني عشر الميلادي وما زالت قائمة في منطقة ركن الدين (الميسات) ـ وصارت حاملة اليوم لعنوان (مقر الجمعية الجغرافية السورية)...‏

وما من باحث يتعرض للمرأة الدمشقية ودورها الريادي إلا وجد أمراً مدهشاً في كل ما قدمته... ولا شيء أدل على هذا من الآثار الكثيرة المعروفة في دمشق. فلو سأل عن بُناتها لتبين له أن الفضل يعود فيها إلى نساء مشهورات في تاريخ الحضارة العربية، مثل المدرسة (الشامية) في حي (العُقيبة ـ محلة: العوينة)، وهي اليوم مقر (جمعية الإسعاف الخيرية، وكانت الخاتون (ست الشام: زمرد بنت الملك الأفضل: نجم الدين أيوب) قد بنتها في العهد الأيوبي سنة (583هـ/ الموافق 1176م). أما المدرسة (الماردينية) والمعروفة في دمشق منطقة الجسر الأبيض باسم (جامع الماردينية) فقد بنتها (عزيزة الدين أخشا خاتون بنت الملك قُطب الدين؛ صاحب مردين) سنة (610هـ/ 1213م).‏

ولو وجه المرء نظره إلى مدرسة (الصالحية) والتي تُسمى أيضاً (الحنبلية) ـ ولا يزال بناؤها قائماً في (حارة رأس العلية ـ من حي الصالحية) ـ لتبين له أن (ربيعة؛ أخت الخاتون ست الشام) السابق ذكرها، قد بنتها في العهد الأيوبي نفسه...‏

ولا يمكن للإنسان أن يغفل ذكر مدرسة (الأتابكة) ـ وهي اليوم مُصَلَّى الأتابكية في الصالحية ـ وقد بنتها الخاتون (تركان بنت الملك عز الدين مسعود بن زنكي)...‏

ونختم الحديث في هذا الجانب المهم من تاريخ الريادة العمرانية الثقافية التربوية عن مدرسة (العالمة) التي يطل بناؤها ـ حتى الساعة ـ على جادة (العفيف) بشارع (الرشيد ـ شرق جامع الأخرم)... وقد بنتها (العالمة الحافظة أمَة اللطيف بنت الشيخ الناصح الحنبلي الشيرازي) سنة (640هـ/ 1242م).‏

وهناك مدارس أخرى عرض لها صاحب كتاب (شذرات الذهب) وصاحب كتاب (خطط الشام)، يمكن الرجوع إليهما...‏

وما ذكرنا شيئاً من هذه الإنجازات التاريخية الكبرى إلا لنثبت أن المرأة السورية عامة والدمشقية خاصة كانت تعيش لحظة سعادة كبرى، وتطلعاً إيمانياً صافياً حين شيَّدت مثل تلك المعالم التربوية والفكرية... كانت ـ ولا تزال ـ تعيش عالم الملكوت الأكبر في رؤية عرفانية معرفية تتخطى الوجود الموصوف بالمظاهر المادية إلى الحقيقة المعرفية المطلقة التي لا تحدّ بزمان ولا مكان...‏

لهذا كانت أنماط العمارة لتلك المدارس والزوايا والخانات والأبواب تؤكد الحس التذوقي الجمالي للمشرف على البناء،ولمن هندس نظامه المعماري... كان كلّ منهما ينغمس عشقاً في الحجر الذي يحكي جمال الفن، وتطلع الآمر بتشييده... إن كل آبدة تاريخية تتحدث عن حكاية خيالية تحمل كثافة التعبير الجميل والمجازي لمن أسهم في عمارته والحفاظ عليه حتى أيامنا هذه...‏

إن ما تركته المرأة السورية ولاسيما الدمشقية من أوابد تاريخية تؤكد الريادة الحرة الممزوجة بالكلمة الراقية والفكر الوقّاد، والعطاء اللامحدود، والذي انبثق من لطافة الفكرة التي حملتها أولئك النسوة المتميزات وهن يغزلن الأحلام في هدوء وسط رهافة المشاعر؛ وتدفق الحقائق، وهي تتجسد في مظاهر الفن الراقي في معالم دمشق السياحية...‏

فالمرأة الدمشقية تركت بصماتها واضحة في تفاصيل الحياة الدمشقية اليومية، فكانت الأثير الذي طبع نسماته العليلة في كل وجه من وجوه الحياة؛ بل كانت الرقة الوادعة التي امتزجت بعذوبة دمشق وصفائها وقد انسابت شعراً بديعاً على شفتي أحمد شوقي والأخطل الصغير وسعيد عقل والشاعر القروي (رشيد سليم الخوري) وعمر أبو ريشة، وخليل مردم بك، ومحمد البزم، وعبد المعين الملوحي، وعبد السلام العجيلي، وأحمد الصافي النجفي وغيرهم...‏

وبناء على ما تقدم كان من حقّ المرأة الدمشقية علينا أن نكون أوفياء لها مُقَدّرين إبداعها، وكان واجباً علينا أن نضع بين يدي القارئ عدداً من الأسماء اللامعة التي برزت كواكب في سماء دمشق، ولاسيما أن دمشق تزدهي اليوم بالاحتفاء بها عاصمة للثقافة العربية...‏

ولهذا فإننا نقدم كتاباً جديداً للأديبة (ماري عجمي) المولودة في دمشق (14/5/1988م) والمتوفاة في (25/12/1965م) اختارته وأصدرته الرابطة الثقافية النسائية في دمشق عام 1944م تحت عنوان (ماري عجمي في مختارات من الشعر والنثر) وها نحن اليوم نعيد طباعته بالاسم نفسه... وهو يؤكد أن صاحبته قد سجَّلت اسمها بمداد من نور في ذاكرة الأدباء خاصة وذاكرة السوريين والعرب عامة... فقد كانت واحدة من الأديبات المتميزات في حركة الفكر والأدب منذ مطلع القرن العشرين... وهي التي أنشأت مجلة (العروس) سنة (1910م) وجعلتها وسيلة لنشر أفكارها التي أيقظت الهمم والنفوس، وبثت الوعي الاجتماعي بشكل ملموس في كل ما كتبته... فضلاً عن أنها أسَّست مدرسة خاصة أسمتها (بنات الشهداء)، كما أطلقت في الحياة العامة نادياً أدبياً نسائياً عملت في الإشراف عليه مع زميلتها الأديبة (نازك العابد) المولودة في دمشق عام (1887م) والمتوفاة سنة (1959م) والملقبة (جان دارك الشرق).‏

كانت ماري عجمي باحثة وأديبة قصصية، خلدت اسمها في ريادة القصة السورية منذ وقت مبكر، في الوقت الذي كانت فيه قادرة على العطاء والبذل غير المحدود...‏

لهذا كان لزاماً علينا أن نضع مختاراتها بين يدي القارئ العزيز وفاءً لها ولدمشق الخالدة... وعسى ينتفع بها.‏

والله من وراء القصد‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244