مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 444 نيسان 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

ماري عجمي 1988-1965 ـــ عيسى فتوح

حينما أردت أن أكتب عن ماري عجمي، لاح لخاطري شريط طويل مما كتبت عن هذه الأديبة الرائدة المناضلة يوم كنت أول من دعا للكتابة عنها، بعدما ظن الكثيرون أنها فارقت الحياة، في حين أنها كانت لا تزال تعيش في منزلها في حي "باب توما" بدمشق، بعيدة عن الناس والأضواء والصحافة والأدب، مع أختها إيلين، عازفة البيانو الشهيرة، لا تفتح بابها لإنسان إلا للأخوات "عويشق" اللواتي كن جارات لها.

كنت عام 1956 طالباً في صف البكالوريا، في ثانوية (الآسية) الأرثوذكسية.بدمشق  وفي يوم كنت عائداً إلى البيت، فلمحت في واجهة مكتبة "جورية" الصغيرة كتاباً يحمل هذا العنوان "ماري عجمي ـ في مختارات من الشعر والنثر" وعلى غلافه هذان البيتان للعلامة فارس الخوري:

يا أهيلَ العبقريهْ

 

 

سجلوا هذي الشهادهْ

إن ماري العجميّهْ

 

 

هي ميٌّ وزيادهْ

ولما سألت صاحب المكتبة عن سعره قال: "خمس ليرات سورية فقط" مع أن عدد صفحاته هو 104 صفحات، فترددت في شرائه، لأن ثمنه باهظ جداً بالنسبة لطالب لم يكن مصروفه الشهري يتجاوز خمس ليرات، ولما رآني صاحب المكتبة ذو الوجه الأسمر النحيل، راغباً في الكتاب قال: "خذه وادفع ما تشاء" فدفعت له نصف ليرة كانت كل ما في جيبي، وعدت إلى البيت فرحاً مغتبطاً بهذه المختارات، أقرؤها بنهم لا يرتوي وجوع لا يشبع أحملها في حقيبتي المدرسية يومياً، أطالعها في الفرص بين الدروس، إذ أنتحي زاوية مهملة، لا يصل إليها شغب المشاغبين أو صراخ المتشيطنين من أولئك العفاريت الذين كان همهم الركض والقفز وإثارة الفوضى!.

لقد وقع حب تلك الأديبة في نفسي منذ ذلك اليوم، وكم فرحت عندما عرفت أن منزلها لم يكن يبعد عن المدرسة غير بضعة أمتار، ولما حدثت صديقاً لي عن رغبتي في التعرف إليها قال: تعال نقرع بابها، فإما أن تستقبلنا، وإما أن تعتذر، فنعود أدراجنا. وفعلاً تمّ لنا ما أردنا، إلا أننا عدنا بخفي حنين، دون أن نعرف سبباً للرفض، واعتقدنا أنه ربما يعود إلى كوننا حديثي السن، فكيف تستقبل أديبة في السبعين من عمرها طالبين ناهضين، ليسن لهما باع طويلة في الأدب! لكن يكفيني على كل حال، أنني نفذت رغبتي المكتومة، واسترحت مما كان يؤرقني.

وبعد أن تخرجت من الجامعة عام 1961 وعُينتت في مدينة إدلب القريبة من حلب، شاءت الظروف أن أتعرف بالأديب الكبير سامي الكيالي (1898-1972)، وبينما كنا نتحدث ذات يوم عن أدب المرأة السورية، دفع إلي بالعدد الجديد من مجلة "العربي" الكويتية، لأقرأ ما كتبه عن أديبتين سوريتين هما: مريانا مراش وماري عجمي، وأكد لي في حديثه أن الثانية قد توفيت من زمان، فاستغربت الأمر وقلت له: أعتقد جازماً بأنها ما تزال على قيد الحياة، فأجاب: إذا كان ما تقوله صحيحاً فأنت مكلف منذ الآن بالاتصال بها وتقديم محاضرة عنها في حلب ـ وكان الكيالي يومئذ مديراً لمركزها الثقافي ـ ولما عدت إلى دمشق في أول عطلة مدرسية، سعيت للاتصال بالأسرة لأجمع المعلومات اللازمة وأطلع على مجلتها "العروس" وأهيّئ من خلالها محاضرتي، ولحسن الحظ وفقت في مهمتي... فقد فتح لي الباب المقفل هذه المرة، واستقبلتني أختها "إيلين" لما عرفت اسمي وقصدي من الزيارة، وبعد أن استأنست بي قدمت لي أحد عشر مجلداً من مجلة "العروس" التي كانت تصدرها أختها، ونسخة من رواية "المجدلية الحسناء" التي ترجمتها عن الإنكليزية وأهدتها إلى مشتركي مجلتها، واستطعت بهذه المناسبة أن أحصل على عدد من الصور التذكارية المعلقة على جدران منزلها، وأصور في الوقت نفسه هذا المنزل الأثري العريق الذي كنت أتمنى أن يصبح في يوم من الأيام متحفاً يضم تراث ماري عجمي وأشياءها، وهو دار دمشقية واسعة، في صحنها بركة ماء، وأشجار نارنج وكبّاد، وأزاهير شتى، ومرايا و...

وقد ألقيت عدة محاضرات عن ماري عجمي وكتبت عنها مقالات كثيرة  في مجلات: الأديب والمعارف ودنيا المرأة في بيروت ومجلتي المعلم العربي، والفتوة، وجريدة الثورة، وكان آخر ما كتبت عنها في عدد تموز 1974 من مجلة المرأة العربية وقصرت المقال على مجلتها "العروس" فقط.

أما اليوم فإنني أعود للكتابة عن المجلة وصاحبتها بشيء من الإسهاب، لأغني الجوانب التي أوجزتها هناك، ولأضيف أشياء أخرى كنت قد أغفلتها، أو اكتفيت بالإشارة إليها، مبيناً من خلال ذلك الدور المهم والفعال الذي لعبته إبان الاستعمارين التركي والفرنسي، فكانت بحق مثال المرأة الطليعية المناضلة..

كانت توقع مقالاتها الخطيرة باسم (ليلى)، وتحت عنوان "حديث ذو شجون"، وفي ذلك يقول الشاعر نبيه عبده:

لَرَشْفُ السحرِ من ثغرِ "العروس"

 

 

أحبُّ إليَّ من رشفِ الكؤوسِ

بها دررُ المعاني قد تجلتْ

 

 

شموساً دونها حسنُ الشموسِ

فأبدت من سنا (ليلى) جمالاً

 

 

يقدمه البخيلُ على الفلوسِ

وبالإضافة إلى باب "حديث ذو شجون"، الذي كانت تكتبه من حين لآخر، تتحدث فيه شهرياً عن انطباعاتها، وتضمنه أبرز آرائها وأفكارها ومطالعاتها في المجلات الأجنبية... هنالك أبواب أخرى هي: باب المباحث النفسية، وكان لها ولع فيه، وباب الفنون الجميلة، وباب الرواية، وباب تدبير المنزل، وباب الاجتماع، ثم زاوية للأخبار الأدبية والأخبار الخاصة المتفرقة، وكانت تزين الصفحة الأولى من كل عدد بصور المشاهير العرب والأجانب، كهلن كيلر، والكونتيس دي نواي، وميخائيل نعيمة، وأحمد شاكر الكرمي، والدكتورة أنس بركات باز، وجون رسكن، وعارف النكدي، وصفية حرم سعد زغلول، والشاعرة اليونانية سافو وسواهم...

كان من كتاب المجلة آنذاك عدد كبير من رجال الفكر والأدب في الوطن العربي والمهاجر، معظمهم من الرجال لأن عدد النساء الكاتبات كان يعد على الأصابع، فمن النساء العربيات: روز شحفة، والدكتورة أنس بركات ـ زوجة نصير المرأة جرجي نقولا باز الذي كتب سيَر العشرات من النساء اللامعات، وألّف كتابه المشهور "إكليل غار لرأس المرأة" وزينب فواز، وأديل عجمي، وسلمى كساب، وسلمى جنبلاط وفاطمة اليشرطية، ونازك العابد، وسوزي كحيل... وكانت تترجم لعدد من الكاتبات الأميركيات والإنكليزيات مثل دوروثي دوكس، وليزا آلكوت، وألن روبنصون، وهرييت ستانسون... أما الكتّاب والشعراء فنذكر منهم على سبيل المثال أولئك المداومين على الكتابة في العروس مثل أديب فرحات، وأحمد شاكر الكرمي وسليم حمدان، وعبد المجيد رمضان، وجورج قصاص، وإيليا أبو ماضي، ومحبوب الشرتوني، والرصافي، والزهاوي، وعبد الله النجار، والدكتور خالد الخطيب، وقسطنطين تيودوري، وجورج ميداني، وميخائيل الله ويردي، وبدوي الجبل، وبشارة الخوري (الأخطل الصغير) الذي قال في حفلة يوبيل العروس الفضي:

خمسٌ وعشرونَ جهادٌ كلُّها

 

 

ملء عيونِ الفجرِ تلك العبقريهْ

(قال) خذوا لغتكم عن أعجمي

 

 

فهل ترى أضمر هذي "العجميهْ"

ماري والاستعمار:

لقد ارتبط كفاح الآنسة ماري عجمي، بالدرجة الأولى، بشهداء السادس من أيار، فزارت السجون غير مرّة، ووصفت أحوالها وأحوال من فيها من السجناء السياسيين، ورأت بأمّ عينها الأوضاع السيئة التي كانوا يعانون منها، وألوان العذاب والاضطهاد التي تحملوها بصبر الجبال، ووصفت جمال باشا بأنه شر طاغية ابتليت به البلاد، غير خائفة من عقابه، ولا متهيّبة مشانقه وجواسيسه، فقد كان الشهداء أولئك الذين قتلوا حباً بالاستقلال، بعد أن جعلهم جمال باشا بمنزلة الواشين المجرمين على حد تعبيرها.

تقول: "لقد كنت أسمع أنين أولئك الشهداء، وأبصر مواكبهم المزمعة على الرحيل، وأرى المشانق المنصوبة كأنها مواقف مناطيد المجد المحلقة إلى السماء...".

وكان رد فعل العرب على جريمة إعدام شهداء أيار قيام الثورة العربية بقيادة الشريف حسين، فانضم إليها العرب، كل العرب ثم دخلت الجيوش العربية سورية، ظافرة منتصرة، بعد أن هزمت فلول الأتراك، وقام الحكم الوطني إلا أن الفرحة لم تطل كثيراً، إذا أعلنت فرنسا حربها على سورية، المستقلة، واقتحمت حدودها في معركة ميسلون عام 1920 وبعد أن تم الاحتلال الذي لم ينقلنا إلا من تحت الدلف ـ دلف الاستعمار التركي ـ إلى تحت المزراب ـ مزراب الاستعمار الفرنسي ـ على حد تعبيرها، راح الفرنسيون يراودونها، ويحاولون إقناعها بالكف عن مهاجمتهم في مجلة العروس وسواها، مقابل مبالغ ضخمة من المال تدفع لها، لكنها رفضت أيما رفض، وزادتها المحاولة عناداً وتصلباً، وحدة في المهاجمة... وعندما أقضت مضاجع الفرنسيين بمقالاتها الثورية اللاهبة ردوا عليها بتعطيل المجلة نهائياً، تقول:

"بعد أيام قليلة انقضت على استيلاء فرنسا على دمشق، جاءني شرطي برقعة يدعوني فيها رئيس الوزراء إلى اجتماع أراد عقده، فخططت عليها كلمة "تبلغت" وأبيت أن ألبّي الدعوة. وبعد انعقاد الاجتماع، سألت عن القصد منه، فقيل لي إن مدير إدارة المطبوعات الفرنسية خطب في الحضور، وهم الكتّاب وعلّمهم (كيف يكتبون) ووزع عليهم ورقاً بلا ثمن، ووعدهم بالمساعدة..".

لا أعتقد أن مجلة نسائية عربية تحملت من الأعباء، مثلما تحملته "العروس" وقليلات هن اللواتي خرجن إلى ميدان العمل السياسي، ومعارك النضال المشرّف كماري عجمي، فقد حاضرت وخطبت في الجماهير، وتنقلت بين سورية ولبنان وفلسطين ومصر والعراق، تارة تنشر آراءها الثورية عن طريق إلقاء الدروس في المدارس، وتارة عن طريق الكتابة، توزع مقالاتها على الصحف والمجلات التي كانت تحثها على المزيد، وظلت هكذا حتى شهدت جلاء آخر جندي فرنسي عن أرض الوطن في السابع عشر من نيسان عام 1946 ونعمت سورية بالاستقلال والحرية في ظل الحكم الوطني.

نشاطات أخرى:

قلنا أن ماري عجمي درست فن التمريض في الجامعة الأمريكية سنة 1905 لكنها لم تكمل الدراسة بسبب انحراف صحتها، فاتجهت في البداية إلى التعليم، وعينت معلمة أولى في المدرسة الروسية بدمشق عام 1906، ثم راحت بعد ذلك التاريخ تراسل كبريات الصحف والمجلات كـ"المقتبس" في دمشق، و"المهذب" في زحلة، و"الإخاء" في حماه" والحسناء ولسان الحال في بيروت مدة سنتين.

ثم انتقلت إلى الإسكندرية عام 1909 حيث عيّنت ناظرة لمدرسة الأقباط، فقضت سنة واحدة ثم عادت إلى دمشق لتنشئ مجلة العروس في كانون الأول عام 1910.

أسسّت النادي الأدبي النسائي في حي القصاع بدمشق، ثم جمعية نور الفيحاء وناديها، ومدرسة بنات الشهداء بالاشتراك مع نازك العابد عام 1920، وانتخبت عضواً في لجنة النقد الأدبي في جمعية الرابطة الأدبية عام 1921، وأسهمت في تحرير مجلة الرابطة المذكورة التي لم تعش أكثر من عام واحد، وكانت المرأة الوحيدة في تلك الرابطة.

عربت عن الإنكليزية، بالإضافة إلى روايتها "المجدلية الحسناء" التي صدرت عام 1913 كتاب "أمجد الغايات" سنة 1927 للكاتب باسيل ماسيوز، وقد أهدت الرواية إلى فليكس فارس قائلة: " إلى الكاتب الرقيق الروح والقلم، والقائد الذي بث بي روح الشجاعة الأدبية، والأخ الذي رفع ستار الشقاء وأراني سبيل الواجب، ودعاني إلى الجهر بما في جسد الاجتماع البائس من السوس الناخر، أهدي روايتي هذه عربون شكر وولاء".

درّست الأدب العربي في مدرسة الفرنسيسكان (دار السلام) مدة أربع سنوات في مطلع الثلاثينات وسافرت إلى بغداد بقصد التدريس أيضاً عام 1940، لكنها لم تمكث هناك أكثر من سنة، عادت بعدها لتنصرف إلى النشاطات الأدبية والاجتماعية فانتخبت عضواً في جمعية حلقة الزهراء لسيدات ورجال الأدب عام 1944.

احتفلت بها الأوساط الأدبية فأقيمت لها حفلة يوبيل فضي. في بيروت سنة 1926 بمناسبة مرور خمس وعشرين سنة على كفاحها وعملها في ميادين الخطابة والكتابة والصحافة... ولقيت مثل ذلك التكريم في حفلتين أقيمتا لها في حيفا ويافا سنة 1928، كما كرمها النادي الأرثوذكسي بدمشق عام 1929. وفازت بجائزتين من الإذاعة البريطانية عامي 1946 و1947 إحداهما عن قصيدتها "الفلاح" الذي تقول فيه:

هو الزارع الفلاحُ لولا جهادُهُ

 

 

لما شِمْتَ بالريحانِ حسنَ المخايلِ

نبيٌّ فقد أوحى إلى القفرِ بالشذا

 

 

وعلَّقَ أقراطَ الغصونِ الحواملِ..

توفيت ماري عجمي في 25 كانون الأول عام 1965 عن سبعة وسبعين عاماً، فأقام لها اتحاد الجمعيات النسائية في سورية حفلة تأبين على مدرج جامعة دمشق في 25 نيسان 1966 تكلّم فيها كلّ من: فؤاد الشايب، رئيف خوري، جان كميد، وداد سكاكيني، الدكتور كاظم الداغستاني، عفيفة صعب، أمين نخلة، والدكتور جدعون محاسب نيابة عن أسرة الفقيدة.

ثم طبعت لها وزارة الثقافة والإرشاد القومي عام 1969 كتاب مختارات من الشعر والنثر تحت عنوان "دوحة الذكرى". وما يزال قسم كبير من مقالاتها ومخطوطاتها غير منشور، وموزع في بطون الصحف والمجلات التي كانت تكتب فيها.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244