مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 444 نيسان 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

أديبة الشام ـــ بقلم الأديبة السيدة وداد سكاكيني

كان الفرزدق إذا سمع شعراً للخنساء قال: تلك أنثى غلبت الفحول... وفي زماننا هذا لو يُسأل فحول الأدب عن " ماري عجمي" لأعادوا قول الفرزدق في الخنساء.‏

عرفت أديبة الشام وأنا طالبة أتشوّف إلى مطالع الأدب النسوي المعاصر، فتمثلت من خلال آثارها روحاً جبارة نفذت إلى دقائق الحياة فتحسستها في حقائقها، وتلمستها من مظانها، وخيل إليَّ أن وراء آثار الأديبة عبقرية طلعت قبل الأوان، وفي بلد لم يتعهد مغارس الفكر والبيان، وحين جمعني إلى الأنسة ماري عجمي وداد ووفاء وجدت أن الخيال الذي كنت أراها من خلاله غاب عني خجلاً لقصوره في تصويرها، فلقد رأيت منها ما وراء النظر وسمعت ما فوق الكلام.‏

نجمت أديبة الفيحاء من أسرة عريقة متنورة، وكانت المواهب الرفيعة قسماً موزعاً في هذا البيت الكريم، على أن الآنسة ماري تنفست الأدب في غرارتها وحداثتها، وتنسمت أوجه المعطار منذ تفتح صباها للخير والطموح، لقد نفث الأدب من سحره في روحها، فهامت به وهام بها وشغفها حباً " وحين وقفت بباب العمر الكامل أصابها كل ما يصيب العشاق من ذهول وإطراق وشحوب ووجيب، وسعت إليه بكد إن لم يضارع كد النملة فبشوق يضاهي شوقها إلى ما تسعى.‏

ولقد عرفت "ماري" الكتاب في سن صغيرة، لاتستهويها غير الدمية والأرجوحة، غير أنها لم تكن كلداتها، فأحبت الكتاب وأكبت عليه تقلب النظر فيه وتناغي حروفه، وما لبثت أن حملت القلم مزهوة بخطها فيه وحظها منه، ولم تكن تدري أنه سيتحول في يدها عصا سحرية تجود بالآيات البينات، وحين اتصلت بالمجتمع وتغلغلت في شؤونه وشجونه جعلت تدمغ بالحجة البالغة ما يفترى على المرأة ظلماً وكيداً، داعية قومها إلى تحريرها وتبصيرها، وإلى رفع مستواها بالتعليم والتقويم، لكي تكمل الرجل ويتعاونا معاً على بناء الأسرة والمجتمع.‏

ومشت مع الزمن تأخذ بثقافة من العربية عريقة مكينة، وثقافة من الإنكليزية واسعة رزينة، حتى إذا نضج طبعها بالبيان طلعت على منبتها دمشق كزهرة فواحة العبير في عهد لم يكن بالشام امرأة تحسن الإملاء والإنشاء بله حمل القلم، وقد عز على ماري أن ترى بنات قومها أميات وأنصاف متعلمات، فمارست التدريس والتثقيف تارة في الوطن وتارة متنقلة حيث تدعو الحاجة ويطيب المقام.‏

ولما احتدمت الحرب العالمية الأولى، ودهمت سورية نكبات البغي والاستبداد لم تقف "ماري" مكتوفة اليدين، معتزلة وجلة، لاسيما حين وقعت طائفة من أحرار البلاد في قبضة الظلم والطغيان بل تشفعت لهم، وزارتهم في سجونهم الرهيبة وواست منهم كل مشرد وطريد، حتى وضعت الحرب أوزارها فجعلت الآنسة ماري تحقق بعض أمانيها بالكتابة والخطابة، وإذا بمجلتها "العروس" تتهادى بحلة الفن والأدب، داعية إلى التحرر والخلاص من نير الغاشمين، والمتزعمين، غير عابئة بدس المبطلين، وقد فاتها ما كان يجري يومذاك من فيض الإغراء والعطاء على كثير من الصحافيين والكاتبين الذي سخروا أقلامهم للمضي في ركب الأيام، ولكن قلم "ماري" تأبى وانقبض، فعاشت صاحبته منطوية على نفسها، قانعة بعزتها وكرامتها، وقال ناس فاتها الكثير، وقال الأدباء فيها: نالت الكثير...‏

وبقيت ماري عجمي الصحافية الحصيفة تزف إلى قرائها وقارئاتها "عروسها" التي بقيت ي جلوتها، ولم تتبدل نضارتها، حاملة في كل شهر طاقة ندية عطرة في أزهار شعرها ونثرها، ناقلة بقلمها أطيب ثمرات الفكر الغربي، وقد قامت "ماري" بتكاليف المجلة سنين طوالاً، فأصدرت منها أحد عشر مجلداً، وكانت تحمل وحدها عبء المجلة الذي ينوء بمثله جماعة من الرجال وخاصة في دمشق، وكم نشروا مجلة أو جريدة لم تعش أكثر من عام أو بضعة أعوام.‏

ويدور الزمان بالناس، فإذا الآنسة ماري عجمي أستاذة الأدب العربي في معهد الفرنسيسكان تعلم الطالبات الشابات أدب العربية على أحكم دراسة وأقوم طريقة، ولو أنك سمعتها تحاضر تلميذاتها عن المعري أو الجاحظ، وضرب بينك وبينها بحجاب لقلت: ثمة أستاذ كبير يحسن الخوض في تاريخ الأدب ويرد صدور البحث إلى أعجازه، ويجيد المقارنة والموازنة بين الشعراء أو بين الخطباء والباحثين وقد يهزك العجب والإعجاب لندرة الأساتيذ الذين أوتوا مواهب الأدباء، وأحاطوا علماً بمذاهب النقد الحديثة ومناهج البحث والتحليل، ولئن زحزح عنك الستار أو الحجاب، ورأيت المحاضر أو المدرس من بنات حواء لشدهت ودهشت، وظننت في التناسخ الظنون، ولا بدع إن أخذك العجب فإن تدريس الأدب العربي ما يزال في شرقنا العزيز وقفاً على الرجال، وقليل ما هن اللواتي اضطلعن بهذه المهمة الكبرى، فتعمقن بالعربية وألمَمْنَ بلغة غربية كما أوتين المزايا والمواهب المنشودة في معلم الأدب.‏

وأتيح للآنسة ماري أن تذوق حلاوة الأدب السكسوني بلغة شكسبير، فاطَّعلت على كثير من ألوانه وأفانينه، وكانت تبتسم وتهمهم كلما رأت أشباح الأدباء الإنكليز حوامة على آثار بعض المفكرين والمشهورين من كتاب الشرق الذين يتخذون من تلك الأشباح أرواحاً لأدبهم السليب.‏

وإن أدبنا النسائي المعاصر ليزهو بشعر "ليلى" وما ليلى هذه إلا ماري عجمي التي أعادت إلى الخواطر ذكرى شاعراتنا العربيات في عصور الجاهلية والإسلام على تفاوت بالفكر والمزاج والاتجاه، وإن شعرها الرقيق ليفيض من حسّها الدقيق، يوحيه إليها ملاك لا شيطان، فالشيطان للشعراء من الرجال، وكم ذا يرق شعورها، ويروق تعبيرها وتصويرها، حين تعتصر الآلام قلبها، أو حين يستخفها الطرب ويستهويها الرضى والجمال.‏

لقد عرفت ماري نفسها، فصانتها عن الهوان، وضنت بها على التكلف والرياء، واتخذت لذاتها وحياتها أسلوباً في الكتابة والحديث شاع في آثارها وكلامها، وهو أسلوب التهكم الذي كانت تثيب بلمحاته الخاطفة ما لا يصيب غيرها بالنقد والتعبير، والحديث المكرور، فإذا استمعت ماري لرأي عاجلته ببديهتها، وطبعته بالنكتة التي هي طوع خاطرها وشعورها.‏

ولعل أبرز ما عرفت به أديبتنا الجليلة هو صراحتها التي لا تصطنع فيها مداراة ولا مداورة، وقد جافاها من جرائها كثير ممن كانت حفية بهم وفية لهم في الحل والترحال، ولئن تجنى عليها من تجنى فإنها لم تعدم من أهل الأدب والوفاء من يقدرها قدرها ويذكر فضلها، وما كان هذا الكتاب الذي تقدمه جمعية الرابطة الثقافية النسائية في دمشق لقراء العربية وقارئاتها إلا أثراً من آثار الوفاء، ومن هو أجدر منها بالمحمدة والثناء إذ أنها جمعت هذا السفر الجميل، وسعت إلى نشره، تقديراً لصاحبته وإيماناً بأدبها وفضلها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244