رثاء شوقي([1])
هزوا الغصونَ لعله نائم
سكران في عشّ الهوى حالم
فالخلد فوق رياضه حائم
الروضُ خلوٌ والفضا قفرُ
لا شدو شاد هاجه العطرُ
الريش في أعشاشه نثر
والعين لا نور ولا جمر
ورقاء نوحاً فالأسى غمر
مات الهوى والحب والشعر
كانت أغان، وقْعها السحر
حسب الأغاني تندب الناظم
قم وارثِ نفسك لن ترى شاعر
يرثيك عفو القلب والخاطر
وضح النهار بيانك الساحر
***
من ذا يناجي بعدك النجما
ويذيع طيب الزهر ما نما
كنت الرسول الكاشف الظلما
بين الخوافق ما شكت هما
نفحاته إن زدتها شما
خلت الروائع بعدها إثما
لا تعذليه إنه سلمى
ثمل بنشوة حبه هائم
ورق الغصون النضر أوراقه
ومطالع الأنوار آفاقه
فلئن صبا هاجتك أشواقه
غرر زهت والشعر يا صاح
نار بأحشاء وأرواح
وكأنها نشوى من الراح
تختال في حزن وأفراح
فتراود السكران والصاحي
وتؤجج الأشواق في اللاحي
أو ميض برق بين ادواح
أم شعر شوقي في الدجى الفاحم
من للحزين إذا نأى الركب
أو للطروب إذا صبا القلب
أو للقوافي شفها العتبُ؟
ما في الربى غصن ولا ظلُ
إلا انحنى والدمع منهل
هل في الرياض لشاعر أهل
غمر الرياضَ الحزن والمحل
هذا صدى ألحانه يتلو
ان الخفوق لقلبه شغل
يا ذا الجناح أشاقك الرمل
أم قد تجهم جوك الباسم
صبُّ تحطم كأسه الباقي
فمضى بلا راح ولا ساق
متزوداً عبرات مشتاق
هو في الكروم يجدد العهدا
هو في الخلود يعانق المجدا
هو في الجنان يسامر الوردا
هو في النشيد يصوغه عقدا
هامت عرائسُ شعره وجدا
يبكين فيه الشاعر الفردا
وجرى النسيم بذكره ندا
إن النسيم بذكره غانم
غنى لنا دهراً فأصبانا
وبكى على الماضي فأبكانا
هل للهبا المنثور ما كانا
قمْ واسقنا من خمرة الحب
واعزفْ على قيثارة الصب
هذي بقاياها على الترب
طرحت بلا روح ولا قلب
والهفةَ الفصحى على القطب
وعلى هدير الجدول العذب
أُمعلل الأحباب بالقرب
إن الحبيب من النوى واجم
شعر الأمير أجارك الصبر
لا أنت مؤنساً ولا الذكر
لأرى الأسى أضناك يا شعر
أرض الكنانة من يعزيها
من بعد ما أصفت نواديها
فلقد مررت على مغانيها
فرأيت دمعاً في مآقيها
كان النخيل يظل شاديها
واليوم جرداء روابيها
سكن الحنين بسفح واديها
فعلى الحنين تحية الراحم
([1] ) توفي عام 1932.