|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
ـ حَوْل اليوبيل(1) طلب مني بعض الأصدقاء أن أصف يوبيل العروس لقرائها الذين لم يشهدوه فبادرت إلى ذلك لأضع قليلاً من عصير الليمون فوق محلول السكر كي لا يتخم قراء العروس من ضخامة ما اضطرت لنشره من ذلك التفخيم. دخلت الحديقة الأمريكية فإذا الأنوار تسطع فيها سطوعها في قصور الأغنياء الذين يشعلونها لأنفسهم. وكانت مشعلتها حلا معلوف ذلك الصوت الصارخ الذي تدهشك منه الجرأة والصراحة والإخلاص فقلت لأختي هذه أنوار حلا... وما تخطينا الباب حتى استقبلنا رهط من الشباب اللبناني والبيروتي الناضر بينهم فوتين سيوفي. وما أدراك ما فوتين؟ إنه لو اجتمعت بيروت ودمشق في مكان أضيق من ردهة مدرسة الأحد وكانت فوتين بين المرحبين لاتسع المكان لسكان المدينتين وكانت بين المرحبين أيضاً أديل كساب ـ وردة الفيحاء ـ تلك الوردة التي بارحتنا اليوم إلى ما وراء الأوقيانوس. وفلومينا يازجي ذات الجناحين، الحلوة الشمائل. بدأت الحفلة بصداح بيانو زاروهي وتنهدات كمنجة إيفازيان فوقف باز(2) بهامته الرمادية فأوجز ترجمة حياة العروس محاولاً إقناع الناس أن الأدب النسائي عندنا صار خليقاً أن يقرأ. فأجاد الخطابة أكثر من إجادته الكتابة بناصع من دليل. وحاولت روز شحفه وصف حياة صاحبة العروس كما عرفتها ولما كان المقام للمديح لا للنقد،ـ رأت من الأولى أن تستر ضعفها البشري فسترته طبعاً حتى كدت أحسب ماري كروزا ملاكاً هابطاً من السماء. لولا أن ماري عادت فقالت لي "شكراً لله على أنعامه علي بالمقدرة على رؤية سيئاتي" لأنها لا تجهل أن أفضل إنسان من ساوى عدد سيئاته عدد حسناته. وعصفت في إثرها كمنجة توفيق الصباغ وعود ألكسي اللاذقاني فخلت ألحانهما نغمات الفرقة الملائكية التي بشرت الرعاة بالسلام. ووقفت الدكتورة باز(3) بكل جلال مقامها العلمي المضاهي أسمى مكانة بلغتها ذوات الجوارب الزرقاء في الغرب. وبالرغم من خفوت صوتها الذي زادها مهابة و"بهاء" حسدت ماري التي لا تحسد على شيء على صداقتها لها. وتبعتها تمام داود البارعة المقدرة قسيسة المرحومة راشيا، الدمشقية عرقاً، البيروتية مولداً (جرياً على بلاغة أخينا باز) فنظرت إلى أجزاء العروس من خلال اللهب الذي أحرق مكتبتها في راشيا وحكمت عليها بما حول النار إلى ضياء. فقال البعض في جرأتها وحماستها كيف حرقت راشيا وهي فيها. فقلت لقد هجرتها قبل حلول الثوار. وعادت زاروهي وإيفازيان. فتهللت قلوب عشاق الموسيقى الغريبة أيما تهلل لأنهم يقوون على إدراك ما فيها من أسرار لا تزال في نظر أمثالي ممن لا يعرفون من الرقص غير (الدبكة) ولا يطربون إلا (بالعتابا) ألغازاً مبهمة. وتلتهما أمينة خوري المقدسي بوقارها فكان صوتها منخفضاً كتواضعها وكلماتها عميقة كشعورها. وعقبتها رمزه قره أوغلان ذات البصيرة النافذة تشوق الناس إلى مطالعة (العروس) وتصف لهم تأثير أدبها في نفسها جزاها الله عن الصحافة خيراً. وتأثرتها نجلا أبي اللمع، فوصفت الفرق بين ما كانت عليه المرأة منذ ربع قرون وبينه الآن. وصف خبير صادق، لولا أن هذا الزمن لم يختلف مادياً إلا من ناحية (الديكولته) والساقين ونزعه الأكمام، ولا أدبياً إلا قليلاً. ثم غمزت النجلاء الرجل ونخست المرأة فأنصفت لا إنصاف قضاتنا "المدغمين" بل إنصاف القضاة المصريين في عهد توت عنخ أمون الألى لم يكونوا يتبجحون بحضارتهم تبجحنا بحضارتنا. وعادت كمنجة الصباغ وعود اللاذقاني إلى التقسيم الشجي، فنغمة رقص ذائعة عند أهل القرى كدنا فيها أن نخلع العذار، وننسى أننا في قاعة التبشير بالإنجيل، فبشرت طاتيوس ـ على وتر واحد من الكمنجة بارى وهو في يد الصباغ أوتار العود كلها، ففاز كلاهما بالجائزة التي تفوز بها الإجادة في الأدب والموسيقى في بلادنا عادة. ليت شعري لماذا يضرب الصباغ على وتر واحد؟ ألم يخشَ عليه وعلى أوتار القلوب التي لم يبق فيها إلا الأمل ذلك الوتر الواحد شر التقطع؟؟ ثم نهض باز من مجلسه وهو في صدر المنبر بين حلقة الخطيبات كالبدر المحجب بالسديم فشنف الأسماع بكلمة عفيفه صعب، ولغتها كاسمها في نظر غير المتضلعين، جاء فيها من وصف بطولة الفكر ما يدل على أن لهذه الفتاة من المضاء في حسن الأداء والذكاء ما ستقوى به على الجمع بين تقاليد الدرزيات وبطولة المحررات. ولم يقنع الباز بتمثيل دور المرأة الدرزية بل مثّل أيضاً دور المرأة المسلمة بقراءة كلمة ابتهاج قدورة دون أن يستر وجهه بحجاب. فلم يجد بتمثيل المرأة إجادته في تمثيل دور الرجل فرجائي إلى (الأحرار المصورة) أن لا تلبسه التنورة عقاباً له على ذلك. أما كلمة ابتهاج فقد دوخت مبالغتها في اللطف ماري فلم تعد تعي ما قيل بعدها ولقد صدق من قال إن الحب أعمى! ورجع إيفازيان إلى قوسه وزاروهي إلى العاج، أو إلى الأسرار الغامضة، فما أنزل قدر عزفهما عدم فهمي إياها بشهادة التصفيق الحاد. وكانت الكلمة هنا لماري، ولكن قسطنطين يني سبقها إلى المنبر ليتلو كلمة شقيقته منيرفا. على أن الباز لم يسمح لمزاحمه على مناصرة المرأة أن يتدخل بينه وبين تلك الزمرة من النساء. فأصر على ماري أن ترتقي المنبر فلم يسعها إلا أن تفعل بعد أن عاد قسطنطين إلى مكانه. ومن عرف الباز شعر أن ذاك الاستبداد كل ما بقي في نفسه من صورة الرجل العتيق. وألقت ماري كلمتها وقصيدتها في الفجر وهي تلك الثمرة التي قيل إنها رجعية مع أن الشيوخ وحدهم هم عشاق الفجر... فبيض وجهها بياض "الفجر أو الياسمين" حتى غدت كما قالت ابتهاج ولا روحاً أو شبحاً يتكلم. وحتى قال البعض إنها ضارعت المليحات، وليس من العجب أن تضارع الفتاة الوسط في بعض الأحيان المليحات وعلى الأخص ليلة "نبوغها في العشق" على أن الصلابة التي نسبتها إليها روز شحفة في مقابلتها النقد ـ إذا هو لم يتعد حد الأدب ـ بمثله، لم يكن لها مثلها إزاء الثناء المستطاب فكانت في تلك الهنيهة أجدر بالرحمة منها قبلاً، لأن الصدمات على ما يظهر أقوى على شد عزيمتها من الملاينة!. وعاد قسطنطين إلى المنبر فتلا كلمة شقيقته وملؤها حكمة واتضاع حتى تجاوزت به إلى القول بأنها تقريباً تلميذة ماري ـ أستغفر الله ـ كلنا تلميذات بعضنا بعضاً يا منيرفا ومن منا معشر أديبات البلاد لم تقض في خدمة الأدب أو شيء له قيمة الأدب ربع قرن على الأقل؟ وكانت منيرفا هذه على وشك أن تزف إلى رجل كريم جاء لاختطافها منا وقد بارحنا إلى تشيلي. فأنا بهذه المناسبة أهنئ منيرفا العزيزة ذات الصفات العاطرة وقرينها أو (تليماكها) إبراهيم عطا الله راجية لهما حياة كالمأدبة التي أقاماها للمهنئين وهي الطرب والسخاء. واستأنف قسطنطين ينيّ فوصل كلمة شقيقته بأبياته وهو صديق المحتفى بها قبل الحفلة ـ وبعدها ودونها ـ وكان الجلال يرافق الحفلة وقد قال فيه كاتب أمريكي وكاتبة أمريكية من مراسلي الصحف إنه كان في الشرق فريداً لم يشهدا مثله في حفلة من الحفلات. ولماذا لا يكون فريداً وقد جمعت الحفلة عيون الطوائف من أدباء وأجلاء وفضلاء، بل لماذا لا يكون فريداً وعلى المنبر زمرة من أعلى طبقة نساء البلاد وكيف لا تحدث رؤية جلالهن "وبهائهن" فعلها في نفوس الناظرين؟ ثم انتصب الأستاذ فيلكس فارس فكان في هذه المرة شاعراً مجيداً كما هو الخطيب المفوّه وقد ضربت المراقبة على قصيدته وعقبه الأستاذ صلاح اللبابيدي وهو من يحسب الشعر من قبيل (الجمناستيك) وله في كليهما مواقف عالية. وهبّ توفيق وهبه فأنشد وهو في زاويته شعراً خطيراً اتخذ رقة معانيه من غضارة شبابه ولكم في الزوايا من أسرار! وتلاه العاملي الذي بالرغم من مماجنة الأتراب له وبالرغم عن نفسه، قال شعراً. واقتدى به الأستاذ الياس بهنا، الشيخ الشاب بهمته وذكائه، بالرغم عما بيضت الأيام، وسود الدهر، فلا فض فوه. إلى أن تحوّل عمر الزعني إلى شحرور، وعمر أول منشد سوري ينظم فيعجب وينشد فيطرب، وينشئ فيخلب، فإذا هو يستغيث بالفرنك لأول مرة، ويحاول صده عن التدهور، فينزله الحضيض! ثم تليت رسالة جورج أشقر، ولهذا الأشقر منزلة الشقر من السمو والفلسفة وذكرت هدية جميل بيهم أحد نصراء المرأة الفضلاء، وهديته هي الوحيدة التي وصلت للعروس عن طريق باز. ففعلت الهدايا بالمهدى إليها ما فعله بها المديح وقد أحسن باز بكتمان أمر اليوبيل إلى أن قرب موعده أو تكلف سائر الأصدقاء ما لا يريده صحافي أبي والعروس تقنع من الحياة بقلم رصاص أو أقل، غير مشترطة فيه إلا تلك الصلابة الرقيقة التي تقول فيها لمن يعيش دهره باحثاً عن إساءة: "أنت إن أحببت كثيراً غفر لك كثيراً". وانتهت الحفلة فأحاط القوم بالعروس يتمنون لها الحياة إلى يوبيلها الذهبي ولا أظنها تفعل ما دامت قد أصيبت مؤخراً بخفقان القلب وأخذت تنظم شعراً فإذا صدق حدسي أرجو منها أن لا تدعو أحداً إلى اليوبيل الذي سيذهبه لها الله. وكنت في خلال الحفلة أتمنى لو تطل روح والدها عليها. ليندم على قوله لها: "دعي هذه المجلة يا ابنتي فقد كفانا الله شر الاستجداء والهوان ما دام الأدب في بلادنا ما يبرح من قبيل الإحسان". إذن لافتخر بابنته وهي تزدان بوسام جلالة مؤسس دولة النساء الذي تفوق حكومته على كل حال دولة ليس عندها للأدب وسام. أوجز تأثير الحفلة العام بما صارحتني به صديقة يبلغ دخلها السنوي ستة آلاف جنيه: "لكم صغرت في عين نفسي يا ليلى، وددت لو لم أكن مثرية وكنت نموذجاً من أدب تلك النماذج العالية التي تطوعت لإقامة اليوبيل". وأوجز عرفان النساء جميل باز بما قالت إحداهن: ما أكرم هذا الباز وأطيب سريرته. لقد كدنا نهجم عليه شاهرات شفاهنا لثماً وتقبيلاً. قلت ويحك ألا تعلمين أن أمامكن دون ذلك عقبتين: قالت وما هما: قلت حاجز حصين من شاربيه اللذين ما يزالان على قيد الحياة. ومعرفتك أن حقوق تقبيله محفوظة!!! فهل يقدر باز هذا الوسام تقدير ماري لوسامها؟ وهل يقنع مقابل أتعابه بهذا الجزاء، فيسكت عنه أعداء المرأة ولا يتسع لهم مجال القول: بأن أعظم أصدقاء المرأة من الرجال، وألد أعداء الرجال من النساء. وأخيراً أهنئ العروس بيوبيلها ولو كان أشبه بحفلة مأتم (على البارد) لروح لا تزال حارة.. وعسى أن يبعث الصحافة على الحياة فلا يقال إن الأدب هو الذي كرم الأدب. (1) أقيم هذا اليوبيل في بيروت عام 1926 بمناسبة مرور خمس وعشرين سنة على عملها في ميادين الخطابة والكتابة والصحافة، والكفاح الوطني. ع.ف. (2 ) المقصود به جرجي نقولا باز (1881 – 1959) الذي كان يلقب بـ " نصير المرأة". (3 ) المقصود بها الدكتورة أَنْس بركات زوجة جرجي نقولا باز. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |