|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
ـ السّادس من أيّار كما أن الحلم يتدرج من الخيال حتى يعدو حقيقة واقعة. هكذا الحقيقة بعد ظهورها تتدرج من الوجود إلى الخيال فتصبح حلماً وكل حوادث الأمس معدودة من الأحلام. ومن هذه الأحلام التي تحفظها الذاكرة وراء الستار مشاهد مرت بنا عانينا فيها برح الآلام والألم رهن النسيان كالملذات إلا قليلاً. اقترح علي أحد الأصدقاء أن أصف لقرائي الأعزاء حال الشهداء في السجن. ولكن ضيق المجال لا يتسع لوصف السجون التي زرتها في الحرب فكيف يتسع لوصف تأثراتي وتفصيل ما كان يلاقيه الشهداء فيها من أنواع العذاب. إذا قلت الشهداء عنيت أولئك الذين قتلوا حباً بالاستقلال لا الذين بذلوا الجهود سعياً لنقلنا من تحت الدلف إلى تحت المزراب. فهؤلاء كانوا واسطة حرمان أولئك من التكريم حتى بتنا نخشى أن نذرف على مثاويهم العبرات فيقاسموهم إياها أو يفوزوا بها وحدهم ويستأثروا بها دونهم. ثم إن جمال باشا بالكتاب الذي برأ به ساحته وأذاع فيه إنصافه... قد جعل بعضهم في منزلة الواشين مما زاد في أعراض الأمة عن تكريم شهدائها الحقيقيين لولا بضعة كتب أو فصول احتفظ فيها ببعض حوادثهم ورسومهم على سبيل المتاجرة لا التعظيم. وساعة أردت أن أجيب الصديق إلى طلبه اعتمدت رأسي بيدي فإذا تلك الخيالات المروعة والصور الفظيعة تتسارع إلى مخيلتي فألهبت دماغي وأخذتني منها رعشة تمثل لي فيها أني أسمع أنين أولك الشهداء وأبصر مواكبهم الزامعة الرحيل وأرى مشانقها المضروبة كأنها مواقف مناطيد المجد المحلقة في السماء. كنت أول من لبى دعوة الأدباء السجناء ومن الساعين لإنقاذهم. ففي ذات يوم هرعت إلى تلك السجون وهي تعج بالمجرمين ممن ساغ لهم شرب الدماء أو اختلاس أموال الناس والأبرياء الذين وشي بهم من أنهم حفار قبور الترك ومناوئيهم وجلهم من الأدباء وأعيان البلاد أتي بهم إلى الشام من كل أطراف سوريا وشواطئها ليلاقوا من محكمة الموت العرفية جزاءهم. أجل في ذات يوم وهو اليوم التالي من تشهير نخله باشا المطران دخلت باباً قام على جانبيه وفي صدره ثلاثة سجون منفصلة لكل منها حاجز خاص مصنوع من القضبان الحديدية وهي مجموعة سجون أو عبارة عن كهوف صخرية يوصل إليها بثماني درجات فرأيت وراء أحد تلك الأبواب نخلة باشا جالساً عن كثب من مدخل مغارته الضيقة المنخفضة السقف أمامه سلسلة ضخمة معلقة إلى قدمه تزن ثلاثين رطلاً لقعقعتها كلما تحرك صدى أجش وكان يرفعها بيديه إذا مشى. ولما رآني رفع ببصره إلي وأشار علي بالصمت مخافة الجواسيس والرقباء وأنا أعجَب لحالته وتجلده بعد أن نال تلك الإهانات ولطخ وجه آن التشهير بالأقذار وصفع مئات من الصفعات بأيدي أناس لم يكن يرضى أن يكونوا له عبيداً. بل عجبت وأيّم الحق عجباً شديداً كيف لم يقع مريضاً في الفراش على الأقل فلم أرَ من سبب لشجاعته النادرة وتجلده الفائق إلا أن له عزاء بثروته الطائلة ومن شأن إله المال أن لا تلطخه الإهانة. ومن شأن الغني أن تكون له عدة أرواح... وقد كنت لا ترى يوم تشهيره بين عقلاء المسلمين وكافة المسيحيين إلا أناساً مرتعشين واجدين مفتتي الأكباد ساقطي الرؤوس يهتزون كأوراق الخريف الصفراء عند هبوب العاصفة تلك الأوراق التي رثاها أحد شعراء الإنكليز بقصيدة مطلعها "سقاك الله غيثاً يا مراوح الصيف الماضي!". خرجت من ذلك المكان فإذا غلام يحمل قصعة من اللبن أرسل بطلبها أحد معارفي من الأدباء فإذا الخفير يحفر بأنامله القذرة حفرة في تلك القصعة للتثبت مما فيها ثم يلحس أنامله لتطهيرها مما علق بها فيفحص غيرها من القصاع على اختلاف ألوان الطعام. ومن حظ البيروتيين أن سجنهم كان قائماً على هضبة مرتفعة في صدر القلعة لا يجري تحتها الماء. وكان لا يضم بين جانبيه إلا من تمّت محاكمته وثبتت تهمته وكان السجان على علم بما اشتهر به البيروتيون من الكرم فلم يكن يسمح لأحد بالخروج لقضاء حاجة ما لم يدفع له ضريبة قدرها متليكان. وقيل إن السجانين كانوا أحرص من ضباط الجيش على ما جمعوه من ألوف الدنانير لأنهم من أبناء الفاقة أبعد نظراً وأعظم ريباً بتقلبات حوادث الدهر. وكثيراً ما اختلفت لزيارة سجن جامع المعلق كي أحمل رسالة إلى أحد الأدباء من ذويه فتعرفت إلى كثير من اللصوص بينهم لص طرابلسي شهير فأمره ذاك الأديب أن يروي لي بعض حوادثه الغريبة ففعل. ولما رآني أرتعش فرقاً انتهى إلى قوله، لا تخافي أيتها الآنسة رجلاً مثلي فإن هنالك على كراسي القضاء والسدات العالية رجالاً أشد بأساً وأعظم احتيالاً وأكثر تلاعباً وأبرد وجداناً مني أنا اللص القاتل. نشدتك الله هل من حاكم أو وال أو مدير أو قاض بلغ منصبه بجدارته دون رشوة أو مساعدة. وهل أقام أحد منهم في إدارته ولم يمدد للحرام يداً؟... وجامع المعلق جامع أثري قديم يجري تحت ردهته الرحبة أحد فروع نهر بردى. وكانت ردهته تضم 420 سجيناً من كل طبقات الأمة. وكانت النوافذ محكمة الأفوهة صغيرة في باب الجامع الخشبي الحقير يخال لناظرها أنها فوهة مدخنة لما احتشد فيها من الأبخرة المتعفنة. وكنت أتمكن من محادثة من أريد من الشهداء بإرشاء الخفير فيدعوه إلي وبخرجه إلى البهو. وما زالت زياراتي للسجون تتوالى حتى رأيت أن أسعى جهدي لإنقاذ بعض الأدباء ساعة علمت أن لا مفر لهم من حكم الإعدام. وكانت المحكمة العرفية لا تسمح بدفاع المحامين. فرأيت أن أدلي بالتجارب لعل لي إلى تخليصهم من سبيل. مستعينة بنفوذ الفضلاء صاحب العطوفة غالب بك الزالق وحسين أفندي ايبش وحسن بك المغربي وغيرهم. فتمكنت بواسطة محمود زكي بك صاحب جريدة (العدل) اليوم من تمزيق أوراق التهمة التي وجهت إلى أحد الأدباء ولما لم يجدها أعضاء المحكمة العرفية أعادوا طلبها فتمكنت من تحويلها (لأنها زور وبهتان) إلى تهمة غيرها وهي تهمة عدم إثبات الوجود. وأنكم لترون هنا ارتكابي السرقة والكذب ولا أبرئ نفسي من اللوم عليه ولكن لشدة تأثري من إقدامهم على قتل الأبرياء أرغمت عليهما وأن الدولة الغاشمة الكاذبة تفقد رعيتها أشرف صفاتها ولو إلى حين. وكنت إذا وقفت أحدث أحداً من الأدباء السجناء سددت أنفي بالمنديل لنتانة الروائح التي يستنشقونها ولا يميزون. وقد رأيت الخفراء مرة يخرجون جثة من السجن مضى عليها أربع وعشرون ساعة. وكان أولئك الشهداء يجودون بالقسم الأكبر من طعامهم ولفافاتهم وملابسهم على المجرمين ويتلهون بكتابة رسائل وعرائض يرفعها المجرمون إلى حكامهم أو ذويهم. ولم يكن الشهداء ليجرؤوا على أن يردوا لهم طلباً نجاة من تعدياتهم. فكانوا تحت رحمتهم ورهن إشارة الخفراء والحكام الظلاّم وإني لعلى ثقة بأن أعظمهم رحمة من كل هؤلاء هم المجرمون!! وكان الأدباء يفترشون الكراسي في الليالي الباردة مخافة سراية البعوض المناسب مزدحماً على تلك الفرش البالية المهفهفة. وفي ذات يوم أوفد غبطة البطريرك الأرثوذكسي المفضال رسولاً من الرهبان ليرافقني إلى السجن فوضع الخفير بندقيته سداً ليمنعنا من الدخول فتراجع رسول البطريرك مخذولاً أما أنا فلم أحفل به بل ضربت البندقية بيدي ودخلت! فاستضحك الخفير من جرأتي. نعم كنت جريئة غير هيابة. وما نال الخوف مني إلا يوم قيل لي أن هنا سجن النساء فبصبصت من ثقب الباب وشقوقه فرأيت منظراً نفث الرعب في قلبي تصورت معه أنني مساقة يوماً للزج مع أولئك النساء الفاجرات أنا التي آنف من معاشرة التافهات الخاليات من كل معنى ولو كنّ أغنى النساء. وجئت مرة إلى السجن فاعتذر إلي الخفير بأن السلالم وراء الباب ملأى بسجناء وصلوا حديثاً فلا سبيل إلى رؤية من أطلب وتلطف ـ أو تلطفت بربع مجيدي ـ فأرشدني إلى فوهة قسطل الماء وهو قناة توصل ماء عين الفيجة إلى ذلك السجن الأرضي. فناديت باسم الشهيد وأصخت السمع فإذا أصوات جياشة وضحكات متقطعة وأنات عميقة أشبه بعاصفة ثائرة مخيفة بينها صوت ذاك الشهيد يجيب ندائي فهلع قلبي خوفاً وحزناً. ثم استجمعت قواي وبلغته الرسالة بواسطة ذلك التليفون المائي ـ على قدر ما مكنه خرير الماء من فهم ما أقول. نعم أنقذت بعضهم من السجن. والبعض الآخر من الإعدام. ولكني لم أسلم من الظنون وقد خيل للناس أني قبضت على مساعي لأن السواد الأعظم بيننا قد تعود أن يقتل المروءة بتصويبه سهام الظنون إلى ذوي النخوة بدلاً من تشجيعهم والإعجاب بهم فكيف لا تخور العزائم وتنقبض الأكف وتخمد الهمم؟. ولما نقل الشهداء إلى عاليه أخذت رسائلهم تتوالى علي بطرق خفية. أكثركم تعرفون سجون عاليه بل تلك القصور الجميلة ولكن مصدر الجمال انبساط النفس لا العجائب المحيطة وأنى للشهداء به؟ عاد الشهداء في عاليه إلى عيشتهم الاشتراكية. وانقطعوا فيها إلى التفكير في عسف تلك الآلام التي ترهق أمتهم. وإلى المطالعة والمناقشات الأدبية ونظم الشعر. وكثيراً ما قطع عليهم الدكتور حسين حيدر المحسن الكبير تناول الطعام لشدة خوفه بل كثيراً ما سقطت اللقمة من شفاههم إثر قوله "أنسيتم المشنقة يا إخوان" فيلتجئون إلى زوايا حجراتهم فاقدين الشهية تائهين في فدافد تلك الحقيقة الموجعة. *** فيا أرواح الشهداء يا أيتها المخلوقات البائسة الشقية هل خففت آلامك وأوجاعك حالة صارت إليها سوريا؟ هل تحسين بدبيب الطمأنينة وتؤمنين حق الإيمان بزوال النفور بين إخوانك الأحياء وقيام كل منهم بالسهر على واجبه الوطني حرصاً على استقلال البلاد تحت ظل علم خفاق نسجته أيدي الإخلاص. سداه ألياف عضلاتك ولحمته دقائق عظامك وصباغه حمرة دمائك. ردي علي يا أرواح الشهداء هل كانت تلك الأوسمة هي مطمحك الوحيد. وهل أنت راضية عن تلك الأعواد التي علقت عليها وهل أفرخت فأزهرت آمالاً جالت في أحلامك وعقدت ثماراً سقيت بدمائك فأمنت عليها شر العقم والجفاف ووثقت بأنها لن تصير فيما بعد وقوداً؟.. أو تصلح لتعليق آخرين من الشهداء؟.... |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |