مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 444 نيسان 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

ـ تحتَ ظِلالِ الأرز

يا أرز لبنان، وملك النبات المهيب!‏

ما أعظم أن يسمو فوق الغمام عرشك الوطيد!‏

وأن يدوم لك الملك، ولم يبق لملك سؤدد!‏

ترنو إليك فواغي الوادي حانية خاشعة‏

وتبتسم لك فرائد قاديشا عن لآلئ بيضاء تزري بحبك الفراقد‏

تجري شلالاته صافية الزلال بين رياض هي كدرجات سلالم الهياكل مدبجة الألوان. مرتلة إجلالاً لسنائك، هاتفة على تعاقب الفصول بحمدك!‏

يا أقدم كل حي وأنضر الطاعنين في السن‏

هل تغيرت بعد سليمان الأزمنة السعيدة التي كنت فيها فخراً لعرش أنت عماده أم هزأت بالطوارئ وعبثت بالحدثان وما استطاع أن تعبث بك له يد‏

فما برحت مكانك على مر الأجيال، ما أغصانك إلا أجنحة، تجاوب صدى خفقاتها بلابل الفضاء. كأني بها أذرع ممدودة تصافح الولاء.‏

تسارع إليها الغيوم، وتتجمع حولها السحب، مبللة أطرافها الفخمة الزاهية بل كأني بها معابد ضربت سرادقها إيواء لمعشر المرتلين ـ للطيور والشعراء عششت فيها عرائس الشعر. فما هبت الريح على روابيك‏

إلا ناجتك أرواحها، تقرأ الفاتحة على نفوس الخالدين‏

بل كأني بك واحة بين هذه الجبال الجرداء‏

تتعالى في وقار كوقار هذا الطود الأشم الرافعك على منكبيه!‏

يا رمز الشمم والثبات وتمثال التعاضد والمضاء‏

إن حفيفك صوت الله. ولو شاء أن تتكلم، لكنت أصدق من نطق‏

وأقوى حجة من كل شاهد عيان، ومؤرخ متغرض‏

خطت على أفنانك يد العلي سطوراً، تتلوها آيات الخلود‏

فقهقه فيك النسيم، لا يحبس أنفاسه لحظة، سخراً من المتضائلين‏

وزهت النضرة في اخضرارك الدائم تهكماً على الشاحبين‏

لا في "الخرقة المعهودة" مجدك التالد، ولا في هتاف أبنائك‏

إنه في التحام أجزائك الهازئة بهجمات الزوابع!‏

إنه في تكاتف أعضائك على رد غارات الأعداء!‏

إنه في ترفعك على ما نزين للنضارة الذبول، وللحياة السقوط‏

رغماً عما عصف فوقك، وتدفق من السيول بين صخورك!‏

كم من صدر ألهبه الجوى فبردت أيها الأرز حناياه؟‏

كم من جسم منسرق القوى، أعدت إليه الحياة‏

كم من قلب صدعته الهموم، فأسوت كلومه؟‏

كم من أحباب أووا إلى هذه البقعة الهادئة، فزادتهم رباك غبطة.‏

كم من رأس بيضت شعره السنون، بكى تحت ظلالك زوال شبابه؟‏

كل شجرة منك حرج قائم بنفسه!‏

كل جذع من جذوعك سجل تاريخ، لمئات من الأدهار يا لروعة هذا الغصن الآخر بنحر شجرة أخرى!‏

كم من دهر مضى على معانقة هذين الحبيبين؟‏

عهدي بالزمن يورث القلوب المحبة مللاً.‏

فهل أحرابك أيها الأرز مدرسة الله، وأنت فيها أستاذ رعي العهود؟‏

هذه هي شجرة لامارتين: نقش عليها اسمه ومن سبقه وصحبه من ضيوفك لم يكف بعد هذا التاريخ، لبناء قشرة تغشي تلك الأسماء‏

فكم من دهر اقتضى لالتحام ذينك الغصنين، حتماً بلغ محيط جذع شجرتك الكبرى أمتاراً عدّة؟‏

لم تسيل مدامعك بين كل مغيب ومطلع، أيها الأرز الجميل!‏

إن أنس لا أنس ساعة أسفر القمر، كأنه كيوبيد مرسلاً سهامه!‏

خلتك عاشقاً ساهراً، أو ناسكاً جليلاً، جاثماً في القمم العالية‏

تذري الدموع، كأنك نادب مضرب غارسيك رعاة الجبال‏

أو باك من ألم الوحشة، إذ لا ترى من حولك ما يضاهيك سمواً مؤثراً العزلة والاختلاء بنفسك، على أن ترعى أرضك الطاهرة حشرات الوهاد‏

أو لعل دموعك هذه هي عرق خشوعك الحار، المتصبب من جبهتك النقية على الهضاب‏

أو لعلها دموع الفرح تندت بها مقلتاك‏

طرباً بحر لثمات الكواكب، المتساقطة على أطرافك المتوهجة الخضراء‏

دعني أشاطرك البكاء، وأنظم لك من الدمع نشيداً‏

أن نشيد العيون أطرب لحناً من قيثارة الراعي، وافصح بياناً. من هتاف الشعراء‏

دعني أذكر بك أبناء لك في المهجر ما برحوا أُسداً!‏

وما برحت هممهم متصلة بعروقك؟‏

دعني أهتف: حي الله الأرز عماد الأرائك والأمجاد‏

دعني أناشد كل أمة هاوية، أن تجعل الأرز قبلتها‏

وإن أحدث من يشاء الخلود، بالمصاعب التي لقيتها وظفرت عليها.‏

حبذا لو كنت طيراً، إذن لرقصت أيها الأرز على كل فنن من أفنانك!‏

حبذا لو كنت شاعرة، إذن لنظمت لك من كل قافية ومعنى درراً وعقوداً!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244