|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
ـ تحتَ ظِلالِ الأرز يا أرز لبنان، وملك النبات المهيب! ما أعظم أن يسمو فوق الغمام عرشك الوطيد! وأن يدوم لك الملك، ولم يبق لملك سؤدد! ترنو إليك فواغي الوادي حانية خاشعة وتبتسم لك فرائد قاديشا عن لآلئ بيضاء تزري بحبك الفراقد تجري شلالاته صافية الزلال بين رياض هي كدرجات سلالم الهياكل مدبجة الألوان. مرتلة إجلالاً لسنائك، هاتفة على تعاقب الفصول بحمدك! يا أقدم كل حي وأنضر الطاعنين في السن هل تغيرت بعد سليمان الأزمنة السعيدة التي كنت فيها فخراً لعرش أنت عماده أم هزأت بالطوارئ وعبثت بالحدثان وما استطاع أن تعبث بك له يد فما برحت مكانك على مر الأجيال، ما أغصانك إلا أجنحة، تجاوب صدى خفقاتها بلابل الفضاء. كأني بها أذرع ممدودة تصافح الولاء. تسارع إليها الغيوم، وتتجمع حولها السحب، مبللة أطرافها الفخمة الزاهية بل كأني بها معابد ضربت سرادقها إيواء لمعشر المرتلين ـ للطيور والشعراء عششت فيها عرائس الشعر. فما هبت الريح على روابيك إلا ناجتك أرواحها، تقرأ الفاتحة على نفوس الخالدين بل كأني بك واحة بين هذه الجبال الجرداء تتعالى في وقار كوقار هذا الطود الأشم الرافعك على منكبيه! يا رمز الشمم والثبات وتمثال التعاضد والمضاء إن حفيفك صوت الله. ولو شاء أن تتكلم، لكنت أصدق من نطق وأقوى حجة من كل شاهد عيان، ومؤرخ متغرض خطت على أفنانك يد العلي سطوراً، تتلوها آيات الخلود فقهقه فيك النسيم، لا يحبس أنفاسه لحظة، سخراً من المتضائلين وزهت النضرة في اخضرارك الدائم تهكماً على الشاحبين لا في "الخرقة المعهودة" مجدك التالد، ولا في هتاف أبنائك إنه في التحام أجزائك الهازئة بهجمات الزوابع! إنه في تكاتف أعضائك على رد غارات الأعداء! إنه في ترفعك على ما نزين للنضارة الذبول، وللحياة السقوط رغماً عما عصف فوقك، وتدفق من السيول بين صخورك! كم من صدر ألهبه الجوى فبردت أيها الأرز حناياه؟ كم من جسم منسرق القوى، أعدت إليه الحياة كم من قلب صدعته الهموم، فأسوت كلومه؟ كم من أحباب أووا إلى هذه البقعة الهادئة، فزادتهم رباك غبطة. كم من رأس بيضت شعره السنون، بكى تحت ظلالك زوال شبابه؟ كل شجرة منك حرج قائم بنفسه! كل جذع من جذوعك سجل تاريخ، لمئات من الأدهار يا لروعة هذا الغصن الآخر بنحر شجرة أخرى! كم من دهر مضى على معانقة هذين الحبيبين؟ عهدي بالزمن يورث القلوب المحبة مللاً. فهل أحرابك أيها الأرز مدرسة الله، وأنت فيها أستاذ رعي العهود؟ هذه هي شجرة لامارتين: نقش عليها اسمه ومن سبقه وصحبه من ضيوفك لم يكف بعد هذا التاريخ، لبناء قشرة تغشي تلك الأسماء فكم من دهر اقتضى لالتحام ذينك الغصنين، حتماً بلغ محيط جذع شجرتك الكبرى أمتاراً عدّة؟ لم تسيل مدامعك بين كل مغيب ومطلع، أيها الأرز الجميل! إن أنس لا أنس ساعة أسفر القمر، كأنه كيوبيد مرسلاً سهامه! خلتك عاشقاً ساهراً، أو ناسكاً جليلاً، جاثماً في القمم العالية تذري الدموع، كأنك نادب مضرب غارسيك رعاة الجبال أو باك من ألم الوحشة، إذ لا ترى من حولك ما يضاهيك سمواً مؤثراً العزلة والاختلاء بنفسك، على أن ترعى أرضك الطاهرة حشرات الوهاد أو لعل دموعك هذه هي عرق خشوعك الحار، المتصبب من جبهتك النقية على الهضاب أو لعلها دموع الفرح تندت بها مقلتاك طرباً بحر لثمات الكواكب، المتساقطة على أطرافك المتوهجة الخضراء دعني أشاطرك البكاء، وأنظم لك من الدمع نشيداً أن نشيد العيون أطرب لحناً من قيثارة الراعي، وافصح بياناً. من هتاف الشعراء دعني أذكر بك أبناء لك في المهجر ما برحوا أُسداً! وما برحت هممهم متصلة بعروقك؟ دعني أهتف: حي الله الأرز عماد الأرائك والأمجاد دعني أناشد كل أمة هاوية، أن تجعل الأرز قبلتها وإن أحدث من يشاء الخلود، بالمصاعب التي لقيتها وظفرت عليها. حبذا لو كنت طيراً، إذن لرقصت أيها الأرز على كل فنن من أفنانك! حبذا لو كنت شاعرة، إذن لنظمت لك من كل قافية ومعنى درراً وعقوداً! |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |