|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
ـ عيشَة الجبَال أفتح عيني صبيحة كل يوم، فتستحوذ علي الدهشة. وأشعر يقيناً بلذة يفيض بها وجداني وتسري في عروقي أتذكر كيف تشعر هنيهة تفيق، وأنت عازم على إنفاق نهارك في النزهة؟ هكذا يشعر القاطنون في الجبال. إنك لو لزمت مكانك ولم تتزحزح عنه، لخيل إليك أنك في نزهة لا نهاية لها. يمكنك أن تتصور ( برمانا) فهي مساكن متباعدة، بين قمم وسفوح منبطحة، تصعد عليها وتهبط إليها بواسطة سلالم عريضة غرست توتاً وصنوبراً، تمتد أحراجهما إلى مسافة ساعات. حيثما سرت وحيثما جلست، ترَ قمماً متوجة الرؤوس، وأودية مفترة الثغور. وأحراجاً ظليلة، ترف عليها أرواح غارسيها، كأنها أنصاب تذكارية يعيشون فيها! وإنك إذا دنوت منها وهي تغتسل بالندى، جعلت لك من ذلك الرشاش السماوي نصيباً، فتشرق كأنك زهرة تلمع في مسارح الجنان، أو نجمة في ساحة الفضاء ومن ذا يدريك، أملاك أنت أم إنسان؟ إذ أن نصف مقرك في الأرض ونصفه في السماء! لقد صدق في ما قاله غولدسمث. وعبثاً أحاول مزاولة عملي أو تفهم كتابي. لقد ألّفت ذكريات الماضي، السعيدة والمؤلمة، جيشاً جراراً يزحف متعمداً البطش في مخيلتي، مالئاً قلبي وخاطري. كل ذكرى تنتهي بآهة، يرجّع صداها حفيف الصنوبر يالله من أوراقه، فهي مسلات نحيفة، أو أشواك خضراء عطرية النفحات، يشبه وخزها أخيلة الأحباب التي يكثر طوافها عليك حين تفارقهم إلى حين. اهجر الوادي ساعة المساء، وسر متخطراً على الربى والآكام، واجل بصرك في الفضاء تر خطوطاً أربعة أعلاها زرقة الأفق فمنطقة الشفق الحمراء المختلفة بخضرة الأفنان ومن تحت هذين، نضرة الوادي الخصيب، وزرقة البحر الرجراج إنه لمشهد رائع لا يلبث غير دقائق معدودات. سرعان ما يتوارى، ويعقبه الظلام، كما يعقب كل غبطة فائقة لماذا نعيش في المدن كما يعيش السردين في العلب؟ ولماذا نوصد الأبواب دون هذا الجمال؟ وما حاجتنا إلى المال الوافر، ونحن ننفقه في سبيل الكماليات شراء لبعض ذلك الطرب الذي يرافقنا في الطبيعة ليل نهار؟ عبثاً نحاول ذلك، بعد أن مزجنا كل ما في المدينة غشاً وعفناً لو خيرت لاخترت أن أعيش دوماً في الجبال لأرضى أن أبيع أثمن ما في هذه المدينة البغيضة دون مساومة لقاء قليل من البريق لعيني، والنشاط في ساعدي والوقيد الذي يدفئ مني هذا الفؤاد! |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |