|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
ـ حديث ذو شجُون بعد أيام قليلة انقضت على استيلاء فرنسا على دمشق. جاءني شرطي برقعة يدعوني فيها رئيس الوزراء الجديد إلى اجتماع أراد عقده. فخططت عليه كلمة "تبلغت" وأبيت أن ألبي الدعوة. وبعد انعقاد الاجتماع سألت عن القصد منه. فقيل لي إن مدير إدارة المطبوعات الفرنسية خطب في الحضور وهم الكتاب وعلمهم (كيف يكتبون) ووزع عليهم ورقاً بلا ثمن. ووعدهم بالمساعدة... ولم يمر ردح طويل على ذلك حتى جعل أحد معارفي يتردد إلي كل مساء محاولاً إقناعي بأني إذا هتفت لفرنسا وأنشأت الفصول معددة الإصلاحات التي تقصد الانتداب علينا من أجلها فزت بأجر شهري ضخم من الذهب الوهاج. وشهد منه ذلك بعض زائري. فحاولوا مساعدته على إقناعي بالقبول، ثم طفقوا يسخرون معه مني لإصراري على الرفض، إلى أن فاجأته يوماً بقولي: ما هي تلك الإصلاحات التي تريد أن أكتب عنها قال علي أن آتيك بقائمتها مرة بعد أخرى وعليك إقناع القوم بها شفاهاً وخطابة وكتابة. قلت لتنجز فرنسا أولاً ما تعدنا به من الإصلاحات، فأترنم بذكرها مجاناً!! وكان جوابي هذا له آخر عهدي به. تقول الصحف الإنكليزية إن إنكلترا تأبى اليوم الانتداب على سوريا، لا لأن فرنسا تشترط عليها شراءها بمثل القيمة التي أنفقتها في سوريا مقابل التخلي عنها، بل لأن الإنكليز علموا بعد حوادث مصر والعراق أن الشرقيين قوم لا تصلح معاملتهم إلا بالضغط والعنف كما قال قيصر ألمانيا الخليع وأنهم طماعون يطالبون الدولة المحتلة بإشباع جشعهم، وتنظيم بلادهم، وتأسيس المشروعات الاقتصادية لهم حتى إذا وقفوا على أرجلهم ثاروا علينا يرومون طردنا وحرماننا من حقوقنا عليهم فهم والحالة هذه يريدون الحصول على كل شيء دون مقابل، ولكي نحتفظ بحقوقنا عليهم نضطر أن نحتاط لها من ثوراتهم بقوة كبيرة من الجند، الأمر الذي يكلفنا مبالغ طائلة دونها ما نستثمره من الأموال التي أنفقناها على تحسين أحوالهم. هذا ما يقوله الإنكليز، أما وقد تألفت العصابات، وتشكلت الثورات في سوريا قبل أن تنفق فرنسا على إصلاحها درهماً، وإنما كل ما أنفقته حتى اليوم قاصر على نشر دعايتها. فهل من عجب أن تنشب هذه الثورات وفرنسا تحاول أن تنال منا كل حقوقها علينا. قبل إنجازها شيئاً من الإصلاحات التي وعدتنا بها. مرت الأيام والأسابيع والشهور والسنون وأنا أترقب فرصة القيام بما وعدت من الهتاف لفرنسا مكافأة لها على الإصلاحات التي تمت على يدها. فلم أجد غير المحاكم المختلطة التي يئن منها القوم. والديون المتراكمة دون أن يكون بنا من حاجة إلى ما تنفق في سبيله والضرائب تتكاثر في غير إصلاح ولا تحسين والشركات الفرنسية تطرد هذا وتستبد بذاك دون أن يسمع أحد شكواه ولو ملأ أنينه عنان الفضاء. والمال الذي كان في أيدينا مفقود وأكثر النفعيين ـ وهو الأنكى ـ الذين هم وحدهم تمتعوا بما أحدثته فرنسا من الإصلاحات في جيوبهم منقلبون عليها ومثلهم كل موظف معزول وكل من ردته فرنسا خائباً فهل من لوم على فرنسا والحالة هذه أن تسعى إلى ما فيه مصلحتها بينما كل منا لا يسعى لغير مصلحته. لتذكر فرنسا متى أحدثت أول إصلاح ـ غير نافورة حديقة ساحة البرج طبعاً ـ إني هنا مقيمة على وعدي. أنتظر إنجازه لأهتف لها عالياً ـ لتحيى فرنسا، مجاناً لوجه الله. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |