مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 444 نيسان 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

ـ نصيحة أمٍّ إلى ابنتَها

... ولما حان المساء وأظلم الأفق وودع الزائر، نهضتُ أسير بخطى خفيفة فدخلت حجرتها خلسة خشية إيقاظها وبينما أنا أحكم تغطيتها إذا ذراعان قد التفا حول عنقي فجأة وإذا همسة في أذني تقول:‏

أنا خائفة يا أماه‏

قلت ممَ تخافين يا بنيتي. قالت لا أدري. اضطجعي بقربي وخذيني بين ذراعيك لعل بذلك يذهب ما بي من الوجل. فأطعت الأمر ثملة بأريحية السرور. لأن فتاتي ما تبرح تلجأ إلى تعزيتي وتحن إلى منبع عطفي. ثم قالت: هل داهم قلبك الخوف يا أماه يوم كنت في مثل حالتي؟ قلت أذكر ولا أنسى بأن المخاوف كانت تعتريني من حين إلى حين. قالت وما الذي كان يبعث فيك الخوف؟ قلت إذا استطعت تذكر ما اعتلج في صدري في ذلك العهد البعيد رأيت العامل فيه ذاك التغيير الذي كنت على وشك الصيرورة إليه. وكأني بنفسي إذ ذاك أمام ستار كثيف أخشى رفعه ورؤية ما وراءه بالرغم من أني أعطيت ملء الحرية في ذلك.‏

قالت لله درك يا أماه فإنه الشعور نفسه يعتريني. قلت إن الإنسان يا بنيتي يجزع أمام كل جديد ومجهول. ولكن ليس ما وراء هذا الستار بالمخيف الهائل لو تعلمين. ولو كان فيه خطر أو ضرر لما سلمتك إليه راضية وادعة. ليس ما وراء الستار إلا السعادة والطرب. أعني بالسعادة سعادة النفس بثباتها في جهادها وإدراكها حقائقها. وأعني بالطرب طرب النفس باستسلامها إلى أحسن حال وخير واسطة لتكميلها وهي خاضعة بكليتها تطوعاً واختياراً.‏

قالت إنك تطنبين بالزواج كعادتك، وتحببينه إلي بجمال وصفك، فهلا شرحت لي يا أماه معناه وما المراد منه؟‏

قلت إن معنى الزواج هو امتزاج شخصيتين. لتكمل واحدتهما الأخرى. جاء في التوراة "خلق الله الإنسان ذكراً وأنثى على صورته تعالى" فإن هما توحدا فكراً وشعوراً صارا على صورته الرائعة.‏

قالت فإن لم ينجم من قراننا أن نتحد كهذا الاتحاد شأن الكثير من أزواج اليوم البائسين، فأي خطب مفجع يترقبنا؟‏

قلت لو رأيت في قرانك بهذا الشاب من خطب مروع يترقبك لما أذنت بتزويجك إليه. وإن باستطاعتك اتقاء الفواجع والحذر من الأغلاط بواسطة الإمعان في بعض الحقائق الطفيفة وفحصها كما يفحص الميكانيكي آلات السفينة الدقيقة قبل إنزالها إلى الماء فهو إن أعرض عن ذلك نجم من تعطل تلك الدقائق الطفيفة التي لا يؤبه لها عادة أضرار جسيمة.‏

قالت هل لك يا أماه أن تعددي لي بعض تلك الهفوات الدقيقة التي قد أتعرض للوقوع فيها فأقلع عنها.‏

قلت أيها أبدأ أولاً؟ هل أبدأ بوصف تلك المشكلة العظمى التي هي عقدة العقد ـ الحب‏

قالت نعم فإن الحديث عنه يلاشي مخاوفي حدثيني عن لورانس (اسم عروسها) أليس اسم لورانس أعذب الأسماء جميعاً.؟‏

قلت نعم إنه أعذب الأسماء إلى سمعك وأجمل الأشخاص في عينك وأحبهم إلى قلبك فإذا داومت على هذا الاعتقاد لم يكن للخوف من سبيل يتطرق به إلى جوانحك ولا خطر على سفينة أحلامك.‏

قيل لنا مراراً إن المحبة عمياء، ما أعظم خطأ القائلين بذلك. إن المحبة وحدها هي التي تبصر لأنها أقوى الشعاعات نفوذاً على اختراق هذا الجسم الوقتي الزائل. بها وحدها تعلن مخبأات النفس فإن استطعت أن تستمري على التحديق في جمال نفس لورانس ثقلة منك في طيب سريرته وكرم نفسه، سهلت المشاق، وخفت الأثقال، وصغرت المصائب. ما في ذلك كبير عناء، وبودي أن ألفت نظرك إلى سقطات أخرى قد تقعين فيها، منها أن كل ما يفعله لورانس اليوم تقر له عينك، وتبتهج به نفسك وتقابلينه عليه بالتقدير والإكبار، وهو بدوره يشعر مثل الشعور نحوك. لأن كلاً منكما يلبس أحسن حالة من حالاته ويتسابق في مضمار خدمة رفيقه طوعاً واختياراً. ولذلك يلاقي كل عمل تقومان به ذاك التقدير والإكبار.‏

ولكن متى تم القران. وعشتما معاً فكثيراً ما تتعرضان لإهمال تلك الخدمات الطفيقة. وإنه إذا كانت هذه الخدم معتبرة في نظركما كفروض واجبة متحتمة الأداء. لا طوعية اختيارية. امتنعتما عن تقديرها وتعظيمها وهنا يصمت اللسان عن الشكر وتتحول عبارات الحب إلى تذمر. ظناً منكما أن موعدها في أوان آخر. وأؤكد لك أنها في ذلك الأوان تفقد تأثيرها. وتجف طلاوتها. ويشتم منها نفحات العذل والغل ويصحبها النزق والاستياء. وهذه أول نغمة في طنبور الشقاق. بل أول عكر في صفاء السلام. تتبعها خطوة ثانية سريعاً وهي تحول نظرك عن جمال نفس زوجك إلى تراخيه وعاقته فتقوم مقام كلماتك "ما أجمل لورانس وأشهاه إلى قلبي" عبارة أخرى مؤداها "بربي هل يليق بلورانس أن ينسى مواعيد الطعام ويعود إلى البيت. بعد فواتها. وهو يعلم يقيناً كم أكابد في الخدمة من العناء" وتظن هذه الأجرام تتكاثر في نظرك وتتجسم في مخيلتك إلى أن يتقلص نفوذ جماله من نفسك. فلا يقع بصرك عليه حتى تسبق ذكرى جريمته صورة حلاوته، ويزول رواء النور الذهبي ويخبو. ويصيب لورانس ما يصيبك. فلا هو بالملك الذي كنت ترين. ولا هو بإنسان يفوق البشر كما كنت تعتقدين. إن هو إلا شخص عادي معرض لثورات السخط أحياناً.‏

في مثل هذه الحال قد تضلين الحكم وتلومين لورانس وما هو بالملوم. لأن الذنب ذنبك. فأنت التي أضعت نظرتك الأولى. وأغمضت العين التي كنت ترينه بها جميلاً.‏

قالت أسرعي بالله يا أماه. وخبريني كيف أستطيع الاحتفاظ بتلك النظرة.‏

قلت: لك ذلك بشدة التمسك بها. ونبذ كل ما يناقضها ويزعزع ثقتك فيه. يوجد بون شاسع بين ما أدركته بالملاحظة وتثبته بالمعرفة. قد تدركين بالملاحظة أن لورانس مخطئ. فإن تمسكت بخطاه كأنه صورة قبيحة من صور نفسه الحقيقية ووضعت ذلك نصب عينيك دوماً لم تقوي على الاحتفاظ بالعين التي كنت ترينه بها جميلاً. وكثيراً ما يتعرض الإنسان لتشويه حقيقة نفسه وإساءة تمثيلها في ساعة الهوس والغضب والمرض فيبدي من الخشونة ما لا عهد له بمثله أو يرتكب من الشطط ما لا قبل له به في موعد استكانته بل كثيراً ما يغفل الإفصاح عن حبه ويسهو عن بثه في حينه. وأنى للإنسان بالكمال وما من إنسان كامل في العالم. ففي مثل هذه الحال يجدر بك التذرع بالصبر، والثقة في حسن نيته، وصفاء نفسه. ولا سبيل بغير هذا التذرع والثقة للوصول إلى إصلاحه. لأن إيمانك بحبه، إيمان لا تزعزعه العواصف. ومغامرتك براحتك في سبيل هنائه. ونكران ذاتك في القيام على خدمته. ومحافظتك على كرامته. لابد من أن تهيب به داعية إياه إلى الخجل من اقتراف مثل تلك الهفوات. لا تفسير ما جرح به شعورك من الألفاظ. وتذهبين بتأويله مذاهب شتى فقد يهيج به الغضب إلى رشقك أحياناً بسهام حادة. وما أظن لورانس فاعلاً هذا. وإنما أصور لك شر حالة من أحوال الرجال. لأعلمك بماذا تتقينها. وأرشدك إلى طريق إصلاحها. فإنك إن سلكت إذ ذاك مسلك الغبية الحمقاء. فانزويت في حجرتك. دامعة العين حزينة النفس. متقطعة الأنفاس. نادبة الحب الضائع ضللت سبيلاً. لأنه يستحيل على المحب أن ينقلب إلى عدو لدود في وقت قصير كهذا. والحقيقة أن ما يزيد أشجانك هو اعتقادك باضمحلال حبه وليس تلك الألفاظ والتهم التي سدد مرماها إليك.‏

ولو عكست الآية فتمثلت نفسك وأنت تستقبلين إهانته وازدراءه. باسمة الثغر. ناظرة إليه بعينين ملؤهما الثقة والإيمان بمحبته الوطيدة ثم دنوت منه وجلست على مسند مقعده. تلعبين بشعره. باشة الوجه قريرة الخاطرة قائلة أنا أعلم بأنك تقول ذلك على سبيل المزاح. وأدري بأنك لا تقصد الجد والحقيقة فيما تقول.‏

وأوقن يقيناً راسخاً بأنك خارج على نفسك في هذه الحال. وأرجح أن الذنب ذنبي. وأؤكد أنك ستغتفر لي هذه الهفوة وتعود إلى تعلقك بي ونسيان ما جرى. فهل تظنين لو عكست الآية ونهجت هذا النهج السديد يظل غاضباً أجلاً طويلاً؟؟؟ ثلاثة يجب أن تخرج من حيز القول إلى حيز الفعل لتوطيد سعادتك الزوجية وهي التفكير. والعطف. ونكران الذات. لا أريد بنكران الذات تجريدك من شخصيتك وصيرورتك شخصاً ثانياً لا رأي له، وصورة وهمية لا شأن لها من صور لورانس، كلا فقد تستعذبين ذلك أيام الخطوبة، وقد يلذ لك فيها أن ترددي كل فكرة من أفكاره وتعملي بكل رأي من آرائه. كأنه عين الصواب. وكأني بهذا الترديد رجع الصدى. ولكن من ذا الذي يبغي أن يقضي حياته كلها في ترجيع الصدى.‏

إن في إبداء آرائك الخاصة لمراناً للمواهب، وإذكاء للنباهة الكامنة. وأي بهجة أعظم من خوض أبحاث تظهرين فيها مقدرتك طلباً للحقائق.‏

ينبغي عليك أن تنهجي في حياتك نهجك الخاص إظهاراً لشخصيتك. وإعلاناً لميزاتك. ولا يكون ذلك إلا بالتفكير والتسآل وتبادل الأفكار أو تفقدي ذاتيتك. لقد خلقت على وجه الأرض لتفصحي عن تلك المميزات الفارقة التي وجدت فيك ولا يوجد لها مثيل في نفس غيرك. فلا تكوني نسخة مشوهة مموهة عن الغير بل احتفظي بالصورة الحقيقة التي خلقك الله من أجل إبرازها. إنما نحب الغير لأنه يختلف عنا هيئة وصفة. ويعطينا ما ليس لنا مثله. فاحتفظي لهذا التناقض. فيزداد لورانس إعجاباً بك. ولا يبلغن بك نكران الذات حد الغلو فتتحملي القيام على الخدم اللازمة للعائلة جميعاً. لأن ذلك يثير في نفس لورانس شدة الأنانية. ويعوده التراخي والاتكال.‏

إن امرأة تبالغ في خدمة زوجها فتكون طوع يده أو قدمه تملأ صدره من روح الأثرة والضعف. فذري لورانس يقوم على خدمة نفسه كما كان قبل الزواج يعظم قدراً ويزداد احتراماً في نظرك.‏

وبينما أنا أتكلم كنت أشعر بأن أعضاءها ترتجف بين ذراعي وهنا قالت: لا أراك تخففين عني عبء الزواج بهذا الحديث. وإنما تصورينه بصورة خطيرة تستدعي الاهتمام فهل لك يا أماه أن تكشفي لي شيئاً آخر عن أسرار الحب.‏

قلت: إن أعظم رغائب الحب أن ينتهي إلى الوحدة. وأشهى أمانيكما اليوم أن تتجردا من ذاتيتكما وتؤلفا منها ذاتية واحدة وهذا الامتزاج هو روحي أولاً ثم جسدي ولا يعكس. وليس أدعى للهزء من أناس يحاولون أن يستفزوا العواطف الروحية بإثارة العواطف الدنيئة. فإن فعلوا عد ذلك جهلاً منهم بأسرار تلك العواطف العذبة النقية التي لا يمكن أن تتولد من تلك. إن فائدة الامتزاج المادي قاصرة على تهييج العواطف الدنيئة. التي لن يرافقها إذا سبقت طرب لذيذ أو بهجة طاهرة. فبدلاً من أن يكون هذا الطرب النفسي العميق عناناً مقيداً للشهوات يغدو تحت سلطتها الشديدة الملحة. فيستولي اللحم على النفس وينبسط حكم المادة على الروح. ليت شعري عن أي عاطفة مقدسة يعبرون. ذلك لو علمت مصدر بؤس المنكودين ومنبع شقاء المأفونين. لأن الزواج هو تعبير عن مشاعر العطف والارتباط والتفاهم لكن إفلات العنان للشهوات لابد أن تعقبه تخمة مؤلمة. وامتلاء قبيح يخمد الإحساس. ويضعف الحواس. فتتبدل المحبة بالكره. ذلك سر التعاسة في حياة كثيرين. إنهم لا يدركون بأن لا هناء ولا لذة ولا فرح ولا حياة إلا بضبط النفس وقمع رغبات الجسد. وأنه لابد من أن يتلو الانغماس في مستنقعات الشهوات الفاسدة ذلك الشبع الذي ينتهي إلى الكره. ليس من طاغية باغ أشد اقتداراً على الإضرار بالنفس كالجسد إذا استلم إدارة الحكم. وأن في حياة زوجين. اتحدا روحاً وامتزجا فكراً لطرباً يزداد تدريجاً. إلى أن يصيرا واحداً حتى إذا امتلأا من تلك المشاعر الروحية حق لهما ذلك الامتزاج المادي تلك صورة الزواج الحقيقي.‏

فحذار من أن تصغي إلى سماع أحاديث أولئك الألى يعتقدون أن أحكام الجسد المطلقة أصل السعادة في الزواج. لقد عرفت بلورانس شهماً نبيلاً. فثابري على إثارته أبداً لكل أمر سام فإنك إن دعوته إلى تلك الذروة الطاهرة السامية لا يلبث أن يستكن فيها هانئاً قريراً.‏

يجرني هذا الحديث إلى ذكر الأولاد. ما أكثر ما تسمعين تبرم الشباب بهم زعماً منهم بأنهم من المصائب التي لا يطاق احتمالها. هم في حد ذواتهم أطفال أغبياء يجهلون أنهم يحرمون أنفسهم أعظم لذاذات الحياة واسنى هبات الطبيعة..‏

ولما انتهيت إلى الختام، حدث أولاً صمت رهيب. ثم طرقت مسمعي تنهيدة عميقة وهمسة امتزج بها تنفس الكرب قائلة: أنا سعيدة يا أماه، فرحة بقرب أجل الزفاف!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244