مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد الثامن السنة الثالثة شتاء 2000
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

كلمة السيد فاروق الشرع وزير الخارجية أمام المؤتمر السنوي لاتحاد الكتاب العرب

الزميلات والزملاء الكرام أعضاء المؤتر العام السنوي لاتحاد الكتاب العرب باسمكم جميعاً، وباسم اتحادنا وأعضائه، أرحب ترحيباً حاراً صادقاً بسيادة وزير الخارجية، الأستاذ فاروق الشرع الذي نكن له تقديراً خاصاً لمواقفه وجهوده وبعد رؤيته، وقد عودنا دائماً في المواقف الدولية والعربية أن تكون سورية مُجَسَّدة بشموخ وأن تكون مبدئيتها هي الأعلى. وشهد به الكثيرون ممن تحترم شهادتهم، لأنه بدرجة عليا من الديبلوماسية والعمق الثقافي والرؤية والحس القومي والوطني.‏

الوقت له، وليس لي للحديث وسوف يحدثنا بما يشاء وأظن أنه لن يترك ماجرى في شيبردز تاون ومايمكن أن تسفر عنه مباحثات أو مفاوضات شيبردز تاون والصراع العربي الصهيوني بشكل عام. أهلاً وسهلاً بالأستاذ الشرع الذي استجاب لدعوتنا والكلمة له.‏

أشكر الأستاذ علي عقلة عرسان رئيس الاتحاد وأشكركم جميعاً لإتاحة هذه الفرصة الثمينة لي ، كنت منذ زمن بعيد أود أن أحظى بهذا اللقاء لكن للأسف لظروف خارجة عن إرادتي وربما أيضاً لظروف لم تكن ملائمة لكم لم يحصل ذلك اللقاء .‏

السيدات والسادة ، أنا لست خطيباً هنا ولست واعظاً ولا مفاوضاً بالطبع . جئت إلى هنا لكي نكون معاً نطرح همومنا عليكم وتطرحون همومكم علينا والمسافة بيننا ليست بعيدة كما أرى ولن تكون بعيدة ، إننا ننطلق من موقع واحد ولا ننطلق من موقعين والـذي يساعدنا في ذلك ليس الأسلوب البلاغي الذي يمكن أن يتحدث بعضنا به ، وهو شيق بطبيعة الحال ، لكن أود منذ البداية أن أؤكد أن الحقيقة المطلقة لا يملكها إلا الأنبياء ، وهم يملكونها بالإيمان . ونحن نطمح ونأمل أن نلامس الحقيقة ، وأن نكون أقرب إليها ، وأن يكون فهمنا لها متطابقاً إلى أقصى الممكن ، لأن التطابق التام في الأفكار والاستنتاجات ربما لا يحصل حتى بين الأخ وأخيه ، بين الذات والذات ، بين الصباح والمساء وحتى بالنسبة لنفس الفرد ، للفرد الجائع والفرد المرتاح تتغير أحياناً الرؤية والنظرة ويتغير الاستنتاج في بعض الحالات .‏

أريد فقط أن أشير إلى لمحة تاريخية سريعة لكي نصل كما قال الأستاذ علي إلى (شيبردزتاون ) هناك . قد لا يكون الزمن دقيقاً في المقاربة التاريخية . نذكر في نهاية القرن التاسع عشر ظهر مشروع صهيوني ، وأيضاً ظهر مشروع قومي عربي . والمشروعان أخذا طريقهما بشكل أو بآخر للتنفيذ . لكن الاختلاف كان كبيراً بين المشروعين ، مشروع عدواني يبحث عن التوسع والسيطرة ، جوهره عنصري . ومشروع قومي عربي ، على العكس ، يريد أن يثبت وجوده ووحدة تراثه ويؤكد عدالة قضيته برؤية إنسانية إلى حد كبير . وأقول باختصار شديد إن المشروع الصهيوني تمكن من تحقيق معظم أطماعه وليس كلها ، والمشروع القومي العربي للأسف ، مر بتخبطات وهزات صعوداً ونزولاً ، وكانت هناك لحظات هامة في ذروة نجاح هذا المشروع ، وكانت الآمال المعقودة عليه كبيرة ، ولكن في سنوات أخرى خبا ضوء هذا المشروع وأصبح تنفيذه ثقيلاً والتمسك به صعباً ومررنا بنكسات وارتدادات منذ الحرب العالمية الأولى . ونتائج تلك الحرب كانت خطيرة على العرب رغم أنهم قاتلوا إلى جانب ما يسمى بالحلفاء . لقد خُدع العرب خدعة كبيرة في غفلة من الزمن ، فقسمت بلادنا بإتفاقات سرية بين الدولتين العظميين آنذاك بريطانيا وفرنسا عام 1916 ، ثم بعد عام أو أقل ظهر وعد بلفور عام 1917 وبعد ذلك انتدبت بريطانيا وفرنسا على المشرق العربي وكان بالطبع المغرب العربي تحت السيطرة الاستعمارية المباشرة منذ عقود من الزمن .‏

ثم وكنتيجة من نتائج الحرب العالمية الثانية قسمت فلسطين تنفيذاً لوعد بلفور. ولم يعرف المشروع القومي كيف يتعامل مع هذه المعضلة فلا هو قبل التقسيم ولا هو رفض إيجابياً التقسيم بمعنى الرفض الذي يمكن أن يمنع ذلك ، الرفض الذي يمكن أن يزيد من مسـاحة القسم العائد لنا ، لقد حصل العكس تماماً ، فزاد من مساحة القسم الذي خصص للدولة اليهودية واتسعت رقعتها أكثر بكثير مما منحها إياه قرار الأمم المتحدة الشهير رقم 181 . ماذا فعل العرب ؟ بكل بساطة إن الذين قاتلوا بمجموعات نظامية وغير نظاميةسميت ظلماً سبعة جيوش عربية كان يقودها الإنكليز وليس العرب،فكانت الهزيمة محتومة والنتائج محسومة.‏

في أوائل الخمسينات جاء عبد الناصر وألهب مشاعر الجماهير وأمَّم قناة السويس ولم يغفروا له ذلك فهاجمته دول ثلاث كانت اثنتان منها ما تزالان عظميين (فرنسا وبريطانيا) . لكن كانت المفاجأة أن إسرائيل وصلت إلى قناة السويس قبل أن يصل البريطانيون والفرنسيون اليها . لقد لفتت إسرائيل بقوتها اهتمام كل العالم ربما باستثناء العرب الذين اعتقدوا أن إسرائيل لم تكن إلا كياناً مسخاً أقيم على جزء من أرض فلسطين . ومن الواضح أن الكثير من العرب مثقفين وبسطاء لم يغيروا قناعاتهم بصورة الكيان الإسرائيلي المصطنع وبقدرة إسرائيل حتى بعد أن وصلت قواتها العسكرية إلى قناة السويس عام 1956 قبل وصول جحافل الانكليز والفرنسيين ، وما كانت لتخرج لولا صمود الشعب المصري في بور سعيد والاسماعيلية ومدن أخرى ، وضغوط دولية ووقوف سورية إلى جانب مصر بكل ثقلها وتضامن شعبها معها .‏

لقد شعر الشعب السوري بأنه في خندق واحد مع مصر ضد العدوان الثلاثي . لكن للأسف فإن هذه المشاعر الهامة جداً، والتي أحدثت انقلاباً في الشارع العربي وألهبت مخيلات الشباب والشابات في ذلك الوقت، لم تستمر طويلاً رغم تجسيدها في عمل وحدوي ، ولم تتبلور في فكر قومي عملي يبني الحاضر ليرسخ جذوره من أجل الصمود في المستقبل . وعلى كل حال ، هم عاجلوا هذه التطلعات القومية التي جاء بها عبد الناصر وحزب البعث العربي الاشتراكي والفكر التقدمي عموماً في المشرق العربي ، عاجلوا كل ذلك بعدوان 1967 والآن نحصد نتائج هذا العدوان ونعمل على إزالة آثاره . ولا أبالغ إذا قلت إن الحركة التصحيحية التي جاءت في عام 1970 بقيادة الرئيس حافظ الأسد بلورت لأول مرة في تاريخ العرب المعاصر فكراً قومياً ناضجاً واقعياً ، يقرأ الواقع قراءة المناضلين لا قراءة المستسلمين أو المغامرين . يبني الحاضر ليرسخ جذوره من أجل تأمين الصمود في المستقبل .‏

والواقع أن مشكلتنا التي نعاني منها في الساحة العربية منذ عدوان 1967 ، سواء كمسؤولين ، كمفكرين ، كأدباء ، كمحللين أو كسياسيين هي كأنما نحن محشورون أمام خيارين لا ثالث لهما : إما أن نقبل "السلام" وكأنه نوع من الاستسلام والإذعان ، وهذا ليس سلاماً أبداً ، أو أن نرفض السلام دون أن نوفر لهذا الرفض الأرضية الصلبة التي يستند إليها. وأقول بعد كل التجارب التي مرت بها أمتنا أن الاستسلام سهل والرفض السلبي سهل أيضاً . أما النضال الحقيقي والصعب فهو ليس هذا وليس ذاك . وهذا هو جوهر فكر الحركة التصحيحية إن جاز لي أن أقول ما هو جوهر الحركة التصحيحية . وأقول للأسف إن بعض الحكام العرب الذين سالموا إسرائيل لم يأخذوا بهذا النهج ولو أخذوا بنهج ( الأسد ) لما كانت الحلول المنفردة ضرورية أبداً ولا زيارة السادات للقدس إلزامية ، لقد كانت مصر الدولة العربية الكبرى وكان التضامن العربي يومها بخير والتوازن الدولي أفضل، لكن السادات كان مهزوماً من الداخل وتصرف على هذا الأساس علماً بأن الجيش المصري الشجاع لم يهزم ، ولا الشعب المصري الذي خرج بالملايين ليعيد عبد الناصر عن استقالته كان لديه أدنى شعور بالاستسلام. كان الجيش المصري الذي حقق العبور شجاعاً ومقداماً كالجيش السوري الذي وصل تقريباً إلى شواطىء طبريا في الأيام الأولى للحرب ، فواجهته طعنات من الشقيق قبل العدو .‏

لم يمر وقت على توقيع اتفاقيات كامب ديفيد في 1979 ، حتى هوجمت الجمهورية الإسلامية الايرانية بلا مسوغ ومباشرة بعد نجاح ثورتها وبعدما أغلقت سفارة إسرائيل في طهران لتعطيها لفلسطين ، وبعد أن تبنت اللغة العربية لغة رسمية في البلاد . والأمر الغريب جداً أن تُهاجم إيران الإسلامية من قبل العاصمة العربية التي احتضنت الميثاق القومي والقمة العربية اللذين جاءا رداً على زيارة القدس المحتلة واتفاقات كامب ديـفيد .‏

إن زيارة القدس اللامبررة، ثم الهجوم على إيران الذي لا مسوغ له، كانا أكبر خطأين تاريخيين في النصف الثاني من القرن العشـرين في الساحتين العربية والإسلامية . وقبل أن ينهض المواطن العربي ويستعيد أنفاسه ، هوجمت الكويت أيضاً دون مبرر ، كان يمكن فعلاً للعراق وأنا أقول هنا ليس للنظام العراقي فقط وإنما للعراق نظاماً وحكومة وشعباً ، أن يأخذ من الكويت من دون حرب ما يريد لأنه كان يسيطر على الكويت سيطرة تامة أمنية وسياسية وإعلامية. فلماذا كان الغزو ؟ وماهي مبرراته ؟ ثم إن العراق بلد من أغنى البلدان العربية ، مع ذلك كنا نقول دائماً لإخواننا في الخليج إننا يجب أن لا نقف عند تلك الفترة إلى الأبد ونحن كعرب وكجامعة عربية يجب أن نتجاوز تلك المحنة ويجب أن نضعها خلفنا لأن الجمود عندها سيصبح كارثة على الجميع .‏

هذه الخلفية شكلت انتكاسـات ، وهنا أستخدم وصفاً ديبلوماسياً ، ولا أستخدم عبارة أقسى ، انتكاسة تلو انتكاسة في الساحة العربية ، طعنة وراء طعنة في الجســد العربي ، ثغرة تعقبها ثغرة في المشروع القومي العربي . من جانب آخر كان المشروع الصهيوني يتقدم على حساب أخطاء المشروع العربي ، وإن لم يكن خالياً من الثغرات لكنه بالمقابل لم يواجه نكسات حقيقية وطعنات متتالية كالمشروع القومي ، ولا أبالغ إذا قلت إن تصحيح مسار المشروع القومي - كلما أصابته انتكاســة - كـان الفضل فيه يعود بصورة رئيسية لسورية وقائدها حافظ الأسد .‏

وبالرغم من التراجعات والنكسات المتعاقبة في الأوضاع العربية والدولية بما فيها كارثة حرب الخليج الثانية التي فتحت المنطقة أمام أمريكا والغرب وإسرائيل ، فإن سورية لم تخضع للآخرين ولا للمعايير المزدوجة وأصرت على تطبيق قرارات مجلس الأمن على إسرائيل وليس على العراق فقط . لقد كان جورج بوش عندما خاطب الكونغرس الأمريكي في السادس من آذار عام 1991 يدرك جيداً أن سورية خصوصاً والعرب عموماً لن يقبلوا بتطبيق قرارات مجلس الأمن على العراق ويتجاهلوا تنفيذ قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالصراع العربي - الإسرائيلي . لقد استجاب الرئيس الأمريكي لأنه كان هناك ضغط شعبي إلى جانب الضغط الحكومي وخاصة في إطار دول إعلان دمشق . إن قرارات الأمم المتحدة يجب أن تطبق أيضاً على إسرائيل ويجب أن تعاقب إذا لم تنفذ هذه القرارات . هذه نقطة هامة استطعنا تثبيتها وخاصة من قبل سورية ، والسيد الرئيس شخصياً كان يلح عليها كثيراً في لقاءاته سواء اللقاءات مع الرئيس بوش في ذلك الوقت في جنيف حيث كان هذا الموضوع أساسياً أو في لقاءاته مع أعضاء الكونغرس أو مع القادة الأوروبيين وحتى انعقاد مؤتمر مدريد .‏

هل كان فهم الآخرين كفهمنا ؟ أنا أقول لكم للأسف لا . لقد كانوا متحمسين في موضوع تطبيق قرارات الأمم المتحدة على العراق أكثر مما كانوا متحمسين لتطبيقها على إسرائيل . علماً أن إسرائيل أقوى من كل الدول العربية مجتمعة والولايات المتحدة الحليف الاستراتيجي الأكبر تغذيها بكل أنواع الأسلحة من البندقية إلى الصاروخ إلى الطائرة، إلى الحواسب العملاقة التي لايوجد منها في أوروبا ، وتشركها حتى في حرب النجوم. وإسرائيل أيضاً بمساعدة من الولايات المتحدة أصبحت مصدرة للسلاح حتى تصدّر مكونات معينة إلى الصين البلد الكبير جداً وتصدر بعض طائرات الاستطلاع التي تقاد بدون طيار إلى عدد من دول أمريكا اللاتينية وحتى بعض الدول الأوروبية . منذ أربعة أو خمسة أسابيع قدمت ألمانيا هدية إلى إسرائيل ثلاث غواصات من أحدث الأنواع التي يناسب حجمها إسرائيل والبحر الأبيض المتوسط . والتي يمكن استعمالها - بعد تزويدها برؤوس نووية - على طول المتوسط لتهدد بها مختلف دول المنطقة .‏

أريد أن أقول لكم أيضاً عن حجم المساعدات المالية المباشرة وغير المباشرة – الرسمية وغير الرسمية التي ترد لإسرائيل من الولايات المتحدة . فقط يجب أن نعلم أن ميزانية إسرائيل إذا ما قورنت بميزانية سورية فهي أكثر من عشرين ضعفاً وإذا أخذنا ميزانية التسلح بالاعتبار فإن ميزانية سورية للتسلح لا تتجاوز 7% من ميزانية التسلح الإسرائيلية في العام . والآن أسعار الأسلحة في العالم متساوية لايوجد ســلاح رخيص تأخذه سورية وسلاح غال تشتريه إسرائيل والدول الأخرى . كل الأسلحة غالية الآن وكل قطع الغيار بسعر واحد في كل مكان في العالم في موسكو أو واشنطن أو في لندن . نحن أصرينا على تنفيذ قرارات مجلس الأمن وعدم إزدواجية المعايير وكان هناك مؤتمر مدريد الذي استغرق البحث حوله ثمانية أشهر وقد تستغربون لماذا . . لأن ( شامير ) رئيس وزراء إسرائيل في ذلك الوقت كان يريد فقط عقد مؤتمر اقليمي للمفاوضات المتعددة الأطراف تبحث التعاون الاقتصادي والبيئي والتعاون في نزع السلاح والمقصود (نزع سلاح العرب)، والتعاون من أجل حل مشكلة اللاجئين على حساب العرب وليس بإعادتهم إلى وطنهم فلسطين، وموضوع المياه أي أن تأخذ إسرائيل قدر ما تستطيع من المياه من الجولان وغيره؛ كانت تريد مؤتمراً إقليمياً ولم ترد أن يوضع في جدول أعمال المؤتمر أي شيء يتعلق بالأرض وزعم شامير في ذلك الوقت أنه يجب أن يكافأ لأنه امتنع عن الرد على صواريخ ( صدام) ويجب أن يكافأ على ضبط النفس ، والمكافأة على ضبط النفس تعني بالنسبة له ألا تؤخذ من إسرائيل أي قطعة أرض محتلة لاسيما حسب رأيه وكما عبر عنه في ذلك الوقت أن حجم إسرائيل ( 28 ألف كيلو متر مربع ) ويتضمن ذلك الجولان وجنوب لبنان وكل فلسطين، وقال عندما ذهب مكرهاً إلى مدريد إنه يريد للمفاوضات أن تستمر عشر سنوات دون أن يتيح لها أي مجال للتقدم ، هو لم يذهب إلى مؤتمر مدريد للسلام مختاراً وراغباً، لقد ذهب مكرها وأراد أن يخرب مدريد منذ البداية . ويجب أن لا يغيب عن تفكيرنا أننا نحن الذين تمسكنا بمؤتمر مدريد وبمرجعية مدريد وبصيغة الأرض مقابل السلام وليست إسرائيل التي كانت ومازالت تريد صيغة السلام مقابل السلام وتعطيل عملية السلام .‏

منذ نصف قرن وأكثر تزعم إسرائيل أنها تريد السلام مع العرب وتتمناه ولا تحصل عليه ، وتدعي بأن العرب دعاة حرب ولا يريدون السلام . ونجحت إسرائيل في تضليل الرأي العام العالمي وخصوصاً الأمريكي . وحتى السادات فإن الإسرائيليين تعاملوا مع زيارته للقدس وكأنه جاء اليها مهزوماً لكي لا يسجلوا للعرب أنهم طلاب سلام ! والسؤال الذي يطرح نفسه علينا جميعاً - وأنا هنا أتحدث عن السلام الحقيقي كما تفهمه سورية الأسد - هل سيساعد مثل هذا السلام إسرائيل على التوسع وإقامة إسرائيل الكبرى هدف المشروع الصهيوني ؟ أقول ربما. لكن إذا كان السلام يساعدها على أن تحقق إسرائيل الكبرى فالحرب تستطيع أن تساعدها أكثر على تحقيق هذا الهدف وبصورة أسرع ، لأنه لا يوجد توازن بين العرب وإسرائيل عندما يتعلق الأمر بالمجابهة العسكرية . ولكن إذا حولنا المجابهة العسكرية إلى تنافس سياسي اقتصادي تجاري ثقافي بكل أبعاده وعزلنا السلاح العسكري الذي بيدها وحيدناه مادياً ونسبياً لأنه موجود خلف الستار ويجب أن يؤخذ بالاعتبار دائماً ، فإن النتائج يمكن أن تكون أفضل والكوارث بالضرورة ستكون أقل . لأننا سنحمل إسرائيل على أن تستخدم وسائل أخرى غير الوسائل العسكرية التي تصرّ الولايات المتحدة وغيرها على أن تتفوق فيها على كل العرب مجتمعين . ربما نوفق ، على كل حال جربنا خمسين سنة من الصراع المسلح وبقينا وحدنا ولبنان . هذا لا يعني أننا سنلقي سلاحنا في حال السلم . أرجو أن لا نفهم خطأً . هناك حرب وسلم وهناك لا حرب ولا سلم ومعظم السنوات لا حرب ولا سلم نحن الآن نجرب السلم ( لم يحصل شيء حتى هذه اللحظة ) ونحن مازلنا في حالة حرب . وإقامة حالة السلام في المستقبل تعني تحويل هذا الصراع إلى صراع سياسي فكري اقتصادي تجاري ربما نصبح في موقع أفضل وبالتالي يجب أن نعطي هذا النوع من الصراع فرصة كما أعطيت فرصة للصراع العسكري دون أن نقع في خطأ . معنى الصراع هل هو صراع حدود أم صراع وجود وندخل في جدل بيزنطي لا أول له ولا آخر . لكنني أكرر ماقلته في واشنطن وفهم البعض عكس ماهو مقصود ربما بسبب سوء الترجمة والبعض أخذ من الصحف وبنى عليها دون أن يعود إلى النص ، "أنا قلت إذا كان الإسرائيليون غير مستعدين أن يعيدوا جميع الأراضي العربية المحتلة لأصحابها الشرعيين فإنهم يوجهون رسالة إلى العرب بأن الصراع في هذه الحالة هو صراع وجود وليس صراع حدود" . لقد وضعت المسؤولية على إسرائيل وأمام المجتمع الدولي حين قلت: إذا كانت إسرائيل تريد أن تحتفظ وتستمر في احتلالها للأراضي العربية فإنها تعطي رسالة للعرب بأنه لا يوجد مجال أمامهم أو خيار إلا لصراع الوجود . أي إما نحن أو هم . وهم على كل حال أصحاب فكرة صراع الوجود في مشروعهم الصهيوني وينظرون إلى العرب كهنود حمر يجب إبادتهم.‏

في مؤتمر مدريد وقد كان معركة بكل ماتعنيه الكلمة سلاحها ( الأرض مقابل السلام تنفيذ قرارات مجلس الأمن ومرجعية مدريد ) وكان السلاح الآخر هو التنسيق العربي . أرادوا من العرب أن يذهبوا منفردين ( وفد أردني وفد فلسطيني وفد سوري وفد لبناني ) ونحن لم نكن في وضع يمكننا أن نذهب كوفد عربي موحد وسبب ذلك أن اخواننا في الأردن كانوا مع صدام (وعرفات ) كان أيضاً مع صدام ونحن كنا ضد الاحتلال للكويت نحن نتكلم عن الأطراف العربية المشاركة في عملية السلام.‏

لقد كان لدى سورية شعور أنه كيف يمكن أن نقلب الطاولة على رأس الإسرائيليين والأمريكيين الذين أصروا على وفود مجزأة ممنوع عليها التنسيق . نحن أصرينا على أن نكون في مكان واحد وفي زمان واحد خلال المفاوضات ثم عندما يخرج أي وفد من لقائه الثنائي ( الفلسطيني أو الأردني أو اللبناني أو السوري ) تجتمع الوفود كلها وتتحدث ماذا طرحت إسرائيل عليها حتى نبطل أي نوع من المناورة أو التكتيك أو المماطلة أو اللعب في تفسير القرارات الدولية . وقلنا إن أفضل شيء هو التنسيق بين العرب أي بين الأطراف العربية المعنية بعملية السلام . فبدأت اتصالاتي بعد أن انتهى افتتاح المؤتمر باعتبار أن سورية هي التي يجب أن تتصدى للثغرات حرصاً منها على تحقيق أفضل شكل من التنسيق العربي .‏

لكن للأسف كان واضحاً منذ اليوم الأول لمحادثات السلام في مدريد أن الأطراف العربية، باستثناء لبنان، لم تكن راغبة في التنسيق، وزير خارجية لبنان فارس بويز كان متحمساً للتنسيق . وكان وزير خارجية الأردن مهتماً بموضوع التنسيق لكن تبين أن رئيس الوفد الأردني المفاوض هو ليس كامل أبو جابر بل كان شخصاً آخر لا يعير للأسف موضوع التنسيق أي اهتمام .‏

قلت لنتحدث مع الأخوة الفلسطينيين فتبين أن ذلك يحتاج إلى موافقة عرفات من تونس ولقد انتظرنا ، لم تأت الموافقة على التنسيق ولقد رأيت الدكتورة حنان عشراوي وقلت لها إن الموضوع خطير وحساس فقالت لي أنا مع التنسيق ، وكان قد وصلها توجيه من عرفات أن تعلن عدم التنسيق ، ولقد امتنعت عن إعطاء هذا التصريح الذي طلبه منها عرفات . جاءت برقية من تونس تقول ان لا الدكتور حيدر عبد الشافي ولا حنان عشراوي مخولان ببحث هذا الموضوع . حاولت أن أتجاهل ماعلمت به من رفض عرفات للتنسيق وتحدثت مع جيمس بيكر وقلت له كلنا كأطراف عربية نريد أن تكون محادثات السلام في مكان واحد وزمان واحد ، وقلت له إن الأخوان في فلسطين والأردن قبلوا بالتنسيق ، قال لا حتى أسمع منهم ، فقلت له ياسيد بيكر نحن وصلنا إلى مدريد بعد جهد جهيد لا تضيع هذه الفرصة وهي انجاز شخصي لك وللولايات المتحدة نحن كسوريين لن نذهب غداً إلى المفاوضات إلا في مكان واحد وتوقيت واحد. قال لي وهو في حالة غضب شديد أنت تهدد أمريكا قلت أنا لا أهدد أمريكا ، هل يصدق أحد أن وزير خارجية سورية يهدد أمريكا ، لماذا يهددها ؟ ثم سورية بالمقارنة مع أمريكا لا يمكن أن تشكل تهديداً لأمريكا . كانت المناقشـة طويلة وســاخنة مع ( بيكر ) ولم نتوصل إلى حل .‏

لكن القصة أخيراً انتهت إلى رئيس وزراء إسبانيا وبيكر قال لا يمكن لا يوجد مكان آخر وهذا المكان يريده الملك ( خوان كارلوس ) لزائريه ولا يوجد مكان آخر يتسع لكل هذه الوفود في مدريد ، قلت له أنا أتدبر الأمر مع أصدقائنا الإسبان ، وذهبت إلى وزير خارجية اسبانيا وكان إنساناً جيداً وأخذني إلى رئيس وزراء إسبانيا ( غونزاليس ) ووافق وأمن مكاناً جيداً جداً فانزعج الأمريكيون وقد قال لي وزير خارجية اسبانيا : هؤلاء الأمريكيون يريدون أن يحتلوا مدريد لا يريدون أن يعطوا أي هامش للإسبان لكي يفكروا بمقر إقامة الوفود . على كل حال القصة هنا لم تنته ، أما التنسيق العربي فقد انتهى منذ ذلك الوقت . خضعوا للقبول في اليوم الأول ثم لم يواقفوا وأصبحت الاتصالات تأتي من تونس مباشرة لا نعلم بها . ولم يبق منذ ذلك الوقت غير سورية ولبنان معاً . التنسيق انتهى منذ شهر تشرين الثاني 1991 في مدريد وعندما ذهبت الوفود إلى واشنطن كانت تجتمع ولكن اجتماعات شكلية حتى توقيع اتفاقات أوسلو في أيلول 1993 . لقد كان وفدنا يطلع الوفود على مايجري ولا تطلع الوفود الفلسطينية والأردنية الوفد السوري على مايجري . والواقع أن التنسيق العربي انتهى منذ أن قبلت الأطراف العربية الدخول في المفاوضات المتعددة الأطراف ، أي التعاون الإقليمي والذي من المفترض أن يأتي بعد إنجاز السلام وليس قبله بأي حال .‏

أتذكر أن عرفات زار سورية قبل بداية المفاوضات المتعددة ، وكنا في اللاذقية قال لسيادة الرئيس أنا جاهز لكي لا أذهب إلى المتعددة أنا مع سورية ، أنا أساساً ليس عندي دولة حتى تطبع مع إسرائيل، أنا الذي يجب أن أشكر سورية على أنها ضد المفاوضات المتعددة الأطراف، فعلاً شعرنا بارتياح كبير وقلنا إن هذا الموقف سيفتح صفحة جديدة مع عرفات . لكن فوجئنا بعد أن ذهب إلى عمان أنه غادر إلى الهند والصين وســمعنا من هناك يعقد مؤتمراً صحفياً يدعو فيه الصين والهند للانضمام إلى المتعددة . تصوروا كم كان ملتزماً بما وعد به . لو أنه التزم مع سورية ولبنان أنا أعتقد لم يجرؤ أحد آخر للذهاب إلى المفاوضات المتعددة .‏

في زيارة أخرى اقترح عرفات على السيد الرئيس إيقاف عملية السلام، هذا الكلام كان في نيسان 1993 ، قال له سيادة الرئيس هذا القرار كبير وخطير و يجب أن ندرسه كلنا ونلتزم به لأنه سيؤلب العالم كله علينا ولكن إذا وجدنا فعلاً مبررات مشتركة عربية جماعية فنحن على حق ولا يستطيع العالم أن يقف ضدنا وخصوصاً أن إسرائيل لم تقدم شيئاً . عندما لمس عرفات أن السيد الرئيس جاد في دراسته الموضوع قلب عرفات الموضوع راساً على عقب وأصبح يتحدث عن التلاميذ الفلسطينيين في نابلس وغزة والخ .. لم يعد راغباً بمتابعة هذا الموضوع ولم يعد مكترثاً في متابعة الفكرة التي هو كان متحمساً لها . وتبين لنا فيما بعد أنه كان يتفاوض في نفس تلك الفترة في أوسلو سراً .‏

لم نطلع إطلاقاً على المفاوضات التي كان عرفات ومجموعته يجرونها سراً في أوسلو . سمعنا عنها بالصحف مثل المواطنين العاديين ، بقي يتفاوض ثمانية إلى تسعة أشـهر من نهاية عام 1992 إلى ايلول عام 1993 . أنا استغرب أحياناً أن يقول أحد إخواننا الفلسطينيين أين التنســيق ؟ ويدّعي أن سورية ترفض التنسيق ، التنسيق على ماذا؟! وما هي الأرضية التي يتم التنســيق على أساسها ؟ وهل ممكن أن يلتزم؟! كم مرة حصل تنسيق والالتزام لا يستمر أسبوعاً واحداً . كان المطلوب من التنسيق فقط أن يبلغوا الإسرائيليين ماذا حصل خلال اجتماعات التنسيق . إذا كان أحدنا يتصور أن عرفات يمكن أن يجمع بين يديه فكـرة ويحافظ عليها حتى بينه وبين نفسه أو بينه وبين زملائه يكون مخطئاً ، فكيف يمكن أن يلتزم بالتنسيق مع أربع أو خمس دول عربية ؟‏

للأسف هذه حال من أقسى ما يمكن، وأنا أتألم عندما أشاهد الفلسطيني والسوري يجابهان بعضهما بعضاً على الفضائيات . هذه مؤامرة تستهدف إثارة السوري على الفلسطيني والفلسطيني على السوري وعلى العربي . هذا شيء خطير ويجب أن يتوقف . كأننا لا ننتمي إلى أمة واحدة . هذا شيء غير معقول .‏

كلكم سمعتم بما أطلق عليها وديعة رابين إننا في المفاوضات منذ أول مؤتمر مدريد لم نقبل إطلاقاً أن نناقش أي عنصر من عناصر السلام قبل أن يحسم موضوع الانسحاب الكامل والانسحاب كي يكون كاملاً يجب أن يكون كاملاً إلى خط الرابع من حزيران لا يبقى لا مدنيين ولا عسكريين إسرائيليين ولا شبه مدنيين أو شبه عسكريين ولا يبقى محطة أرضية ولا يبقى إسرائيلي في أي محطة أرضية ، هذا مفهوم الانسحاب الكامل كان وما زال ولن نتراجع عنه تحت أي ظرف من الظروف ، قلنا لهم لو جعنا فلن نتخلى عن طلب الانسحاب الكامل إلى خط 4 حزيران . أما مراهناتهم على ضعف سورية فهم مخطئون ، سورية قوية بقائدها بشعبها بطاقاتها بقدراتها بإنسانها بمنظماتها بأحزابها ولا يمكن أن تضعف أمام المطالبة بحقها واستعادة كامل أرضنا .‏

إن سورية لن توقع اتفاقاً فيه أي نوع من الإملاء أو الشروط غير المقبولة لها أو التي تمس بسيادتها ولن توقع . فحافظ الأسد لا يوقع على مثل هذا الاتفاق .‏

وسورية مهما سمعتم من تسريبات هنا وهناك هي أشياء لا أساس لها مطلقاً ولا وجود لها، والأمور التي نشرت في صحيفة الحياة عندما كنا في (شيبردزتاون) زاعمة أن سورية مطلوب منها إعادة النظر ببنية الجيش السوري وتركيبته وعدد الأسلحة ، كل هذا الكلام الفارغ لا أساس له من الصحة ولم يبحث أساساً وثانياً سُرّب وقيل إن سورية وافقت على إعادة النظر بالبرامج التربوية هذا الموضوع لا أساس له من الصحة ولا يجرؤ الإسرائيليون أن يبحثوا هذا الموضوع معنا ، وقيل أيضاً إن سورية ستطرد الفلسطينيين أو المنظمات العشر . هذا الكلام لا أساس له من الصحة ولن ندفع أي فلسطيني للمغادرة إلا عندما يعود إلى وطنه فلسطين ، ولذلك نقول إن سورية وفي المقدمة الرئيس حافظ الأسد والقيادة السورية لن يقبلوا باتفاق إلا إذا كان مشرِّفاً . لن نقبل باتفاق فيه أي شيء يمكن أن ينال من تاريخنا وحضارتنا وثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا ومن أمتنـا ، إذا لم يوافق الإسرائيليون فسيخسرون، وإذا نجحنا في استعادة حقوقنا كاملة وأرضنا كاملة فهذا نجاح مهم لجيل وجيلين وثلاثة ، وإذا فشلنا لا سمح الله لن نخسر لأننا سنكون قد كسبنا الرأي العام العربي والدولي وسيقف العرب معنا شاؤوا أم أبوا ، لأننا سنقول لهم بذلنا كل شيء ، نحن أردنا وذهبنا وقلنا وانفتحنا عقلا وقلباً لكن هؤلاء التوسعيون العنصريون يريدون فرض شروطهم علينا وعلى العرب ويجب ألا نقبل هذه الشروط أبداً ، ولن يقبلها أي عربي يؤمن بعروبته بقوميته بتاريخه بتراثه بدينه ، وهو سيقف معنا وأنا متأكد من ذلك حتى في أقصى شبه الجزيرة العربية وحتى موريتانيا التي قدمت سفيرها بالأمس إلى وايزمن .‏

إذاً في الحالتين لن نخسر . وأستغرب البعض يقول إننا سنخسر في الحالتين . هذا كلام غير واقعي ويعبر عـن مشاعر عن الواقع ولا تلامس مشاعر الناس في كل مكان . أنتـم ترون الناس (الفلاح ـ العامل ـ التاجر ـ الضابط ـ المهندس ـ الجندي ) الذين يكدحون ويبحثون عن لقمة العيش بكرامة، شاهدوا كل هؤلاء الناس فلا يجوز التفكير بعيداً عن روح الجماهير وعن نبض الشارع إطلاقاً، وأنتم يجب أن تعلموا أن حافظ الأسد لا يتخذ خطوة إلا بعد أن يدرس نبض الشارع ، حاول الإسرائيليون أن يتركوا موضوع الانسحاب إلى آخر المفاوضات من أجل أن يبتزوا الوفد السوري لكي يصبح موضوع الانسحاب رهينة بيدهم لكي يفاوضوا عليه في عناصر السلام الآخرى ، قلنا لهم أبداً لن نقبل ، وشكلت لجان أربع ولجنة ترسيم الحدود في المقدمة ويجب أن تعمل على رسم خط الرابع من حزيران 1967 دون ذلك لا إستئناف للمفاوضات ، نحن ما زلنا نملك زمام المبادرة ويجب ألا تضيع من يدنا ، وتأكدوا أننا في الموقع الأقوى ، رغم كل أسلحتهم ، ولا تتصورا أن العرب الذين واكبوا هذا الأسلوب الجديد من التفاوض هم يمتدحوننا هكذا بدون أي جوهر أو أي مضمون، هم لمسـوا الفارق ، في البداية كان البعض يحاول أن يقول إن السوريين كغيرهم حتى يبرروا ما فعله الآخرون منذ سنين طويلة بأسلوب خاطئ وتفاوض بتنازلات مجانية ولكنهم في النهاية لم يتمكنوا من ذلك لأنهم لمسوا أن الصحافة الإسرائيلية نفسها وتصريحات المسؤولين الأمريكيين بالذات أكدت على أن الوفد السوري لمحادثات السلام كان ذكياً غيوراً على مصالح بلاده متمسكاً بحقوق بلده ومتشبثاً بســيادة وطنه ومحافظاً بأمانة على كرامة وطنه وشعبه وسيبقى كذلك .‏

ربما أطلت عليكم كثيراً لكن أحببت أن تكونوا في كامل الصورة حتى أخفف عنكم بعض الأسئلة لكن هذا لايلغي إمكانية القبول بأي سؤال تطروحونه.‏

سؤال : كيف يمكنكم التفريق بين التسوية والسلام كإجراء وكمفاهيم؟‏

جواب : الواقع أنا أجد أحياناً أن هناك نوعاً من الجدل البيزنطي الذي لا يفيد كثيراً ونصبح مثلنا مثل من يخطئ باللغة العربية ويصير الخطأ هو موضوع الحوار وليس مضمون الحوار، التسوية ليست كلاماً خاطئاً أو خطأ أو مشينا التسوية من سوى الشيء جعله مستقيماً يعني تسوية خلافات وضعها على أرضية صحيحة. أما السلام مفهومه أعمق بدون شك، السلام إذا ما قورن بالتسوية فمفهومه أعمق، السلام ممكن أن يعني كل شيء وأحياناً يمكن أن تكون كلمة فارغة لا تعني شيئاً بالنسبة لإسرائيل لأن إسرائيل صنعت سلاماً مع مصر غير أنني لا أرى أن هناك سلاماً بين مصر وإسرائيل، هي لا تحترم كلمة السلام ومفهومها للسلام يمكن أن يكون المصافحة وسفارات وعلم ومثل هذه الأمور، ولكن هل تحترم الثقافة والحضارة العربية، وهل تفهم مشاعر الإنسان العربي، هل تعيد تقويم الارتكابات الخطيرة التي مارستها على الأرض ضد الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والمصريين والعرب عموماً، كم قتلت ونفذت مجازر من دير ياسين إلى قانا مروراً بمجزرة الحرم الإبراهيمي، كل هذه الأمور على الإسرائيلي الجديد إذا كان يريد سلاما حقيقيا مع العرب أن يدين كل ما ارتكبه من أخطاء بحق العرب. هل الإسرائيليون جادون في مسيرة التسوية؟.. قسم جاد طالما نتكلم عن التسوية، وقسم لا يريد التسوية بأي شكل من الأشكال وعلى استعداد أن يقتل من زعمائه. الإسرائيليين إن أرادوا التسوية.‏

الوفد الإسرائيلي المفاوض نوعان، نوع مع السلام ونوع من الليكود حضروا مع الوفد الإسرائيلي، و/باراك/ يحاول أن يتسلح بالمعارضة والمتشددين وبالمظاهرة التي قالت أنهم ضد السلام مع سورية وضد إعادة الجولان هل يتكتكون ويوجد ابتزاز طبعاً وأيضاً يجب أن تعرفوا أنه حتى /نتنياهو/ عندما يكون هناك مصلحة إسرائيلية عليا يقف مع /باراك/، حتى /نتنياهو/ العدو اللدود لـ /باراك/ في الانتخابات يقف مع باراك عند المفصل الحساس لأنه يضع المصلحة العليا لإسرائيل فوق كل اعتبار.‏

سؤال : هل أنتم متحمسون مع ما قلتم ومقتنعون به وبالسلام مع إسرائيل؟‏

جواب : أنا منسجم مع كل ما أقول أنا لا أقول شيئاً غير مقتنع به هذه مسيرة حياتي الشخصية وأنا أقول لكم باعتزاز أنني أمثل الفكر والنهج الحقيقي للرئيس الأسد. هكذا أفهم الرئيس الأسد لا يكذب على الناس، لا يكذب على نفسه، وهو صادق وله رؤية ثاقبة ويؤمن بالسلام، ولكن يرفض الاستسلام رفضاً باتاً ولا يقبل أي تهاون في مسائل الوطن والأمة الأساسية لا يقبل بأي تراجع ولا أي تساهل. وأنا أعتبر نفسي منفذاً أميناً لهذا النهج.‏

سؤال : ما صحة الاتفاق حول مرصد جبل الشيخ، بأن يحل به أمريكيون وفرنسيون وغيرهم بوجود إسرائيل؟‏

جواب : نحن رفضنا رفضاً قاطعاً أن تبقى أي محطة أرضية لإسرائيل في الجولان، أو في جبل الشيخ أو في أي جزء من الأرض السورية، هم ما زالوا حتى الآن يصرون على بقاء إسرائيلي في جبل الشيخ، نحن رفضنا ولن نقبل على كل حال، هذا الرفض قاطع وليس موضع مساومة. هم ربما يظنون أننا بعد أسبوع أو أسبوعين أو شهر أو شهرين يمكن أن نقبل، لن نقبل تحت أي ضغط لأن وجود محطة أرضية إسرائيلية ستكون رمزاً للاحتلال، لأنه في مثل هذه الحالة نكون فعلاً قد أبقينا على رمز للاحتلال وكأن الجولان لم يستعد ولم يحرر، يجب أن يحرر كاملاً لا يبقى فيه ولا جندي إسرائيلي ولا مدني إسرائيلي.‏

سؤال : أليس من الظلم أن نعتبر أن المشروع الصهيوني وحده هو الذي هزم المشروع القومي العربي؟‏

جواب : الواقع أنا لم أقل ذلك، وأنا كنت موضوعياً في رؤية الأمور وقلت أن هناك لحظات تراجع وهبوط وسنوات كانت فيها ذروة الانتصار يعني تأميم قناة السويس وفي بور سعيد وفي الإسماعيلية وقوف ضد الغزو الثلاثي هذه لا يجوز نسيانها ثم يجب أن لا ننسى حرب تشرين، إذا المشروع القومي كان له نجاحات وإخفاقات والمشروع الصهيوني كان له نجاحات واخفاقات أيضاً، لكن المدد الخارجي متوفر لإسرائيل والقدرة على الاستمرار أكثر لأن أمريكا خلفهم وكل الغرب بشكل أو بآخر لكن أيضاً كان لهم انتكاسات وبتقديري أن حرب تشرين أحدثت خللاً كبيراً في الجسد الإسرائيلي وهزت إسرائيل في العمق، كما أنهم هزموا سياسياً في غزوهم للبنان، وبيغن مات محبطاً لأنه لم يستطع أن يحافظ على الأراضي التي احتلها وصولاً إلى بيروت، وانسحب تدريجياً رغماً عن انفه، بفعل المقاومة وصمود سورية وآلاف الضحايا التي قدمتها سورية في لبنان ومن يقرأ منكم لكتاب غربيين سيجد أن حجم الصمود السوري وخصوصاً قرب خط دمشق بيروت وأيضاً معركة السلطان يعقوب وأيضاً خلال حصار بيروت، المقاومة اللبنانية بمختلف فصائلها إسلامية وقومية وحتى ماركسية ناضلت في السنوات الأولى نضالاً شرساً واستمرت حتى الآن تناضل وأنتم تسمعون عن الخسائر الكبيرة التي تُمنى بها إسرائيل وأنها تريد الانسحاب اليوم قبل الغد من لبنان.‏

أقول لكم إننا إذا لم نحصل على أرضنا من خلال عملية السلام فسنكسب الرأي العام الدولي والعربي لأن إسرائيل استمرت تدعي بأنها مع السلام دائماً والعرب ضد السلام. لكن صحيح أن الإعلام موجه ضدنا ولصالح العدو إلى حد كبير صحيح، لكن يمكن إحداث اختراق في هذا الإعلام الجبار المعادي لنا وربما لدي مثال بسيط وليس مثالاً كبيراً عندما ألقيت بياناً في واشنطن أمام البيت الأبيض ظهرت مقالات تندد بمزاعم قيلت عن مضمون وفحوى ما تحدثت به، ولكن بعد يومين أو ثلاثة عندما رجعوا إلى المراجع، ودققوا في الأمور التي تحدثت عنها اضطروا أن يراجعوا أنفسهم ويقولوا وزير خارجية سورية كان على حق فعلاً، لم نكن نعلم أن هناك نصف مليون مقتلع من الجولان، ولم نكن نعلم بمذكرات /موشيه دايان/ التي اعترف فيها بأن الإسرائيليين هم الذين كانوا يستفزون السوريين قبل عام 1967.‏

أحياناً صحيح أنه ليس لنا هذا الرصيد والكم من وسائط الإعلام كما تملك إسرائيل لكن الموقف القوي المتناسب الصلب والمثابر، تأكيد الثوابت بأسلوب مقنع، الحجة مهمة جداً في الإعلام. نحن نريد أرضنا وحقوقنا فقط، هم الذين انكشفوا الآن. إنهم لا يريدون إعادة الأرض، عملية الشكف هذه هي بتقديري هامة، فإذا كشفوا أنهم لا يريدون السلام...‏

وإذا جرى الاستفتاء فعلا على اتفاق سلام مع سورية، وفشل هذا الاستفتاء في هذه الحالة لن تجد إسرائيل أذناً صاغية حتى في واشنطن ونيويورك وباريس، وفشل الاستفتاء كارثة بالنسبة لمستقبل إسرائيل.‏

سؤال : الوسائل الإعلامية تؤكد على لسان باراك أن المحادثات بين الوفدين الإسرائيلي والسوري ستبدأ بعد أسابيع قليلة، ما هو موقف سورية، هل هناك ديبلوماسية سرية؟‏

جواب : لا يوجد دبلوماسية سرية نحن منذ البداية رفضناها، لم نقب، كنا وما زلنا نقول لا شيء لدينا نخفيه عن شعبنا، لا نقول شيئاً عن السر نخفيه في العلن، والآن أنتم تعلمون أن المفاوضات أصبحت في وسائل الإعلام.‏

سؤال : ما هو مصير اللاجئين الفلسطينيين؟‏

جواب : هناك قرار للأمم المتحدة رقمه 194 صادر في عام 1949 يضمن حق العودة للاجئين الفلسطينيين والتعويض على من لا يرغب. هذا هو موقف سورية وهكذا يجب أن يكون موقف العرب، لكن للأسف وضع موضوع اللاجئين في المتعددة الأطراف وبدون استناد هذا الموضوع إلى القرار 194 وهذه خطيئة كبرى ويحتاج إصلاحها إلى جهد كبير.‏

سؤال : هناك من يقول أن الشرع صافح، ونعرف أنه لم يصافح، فما هو الجواب؟‏

جواب : لم يصافح.‏

سؤال :تحدثتم عن صراع الحضارات والثقافات، بدلاً من الصراع العسكري أليس هذا الفهم يعطي الحق للصهاينة في فلسطين، وهو يتعارض مع مفاهيم حزب البعث العربي الاشتراكي.‏

جواب : في الحقيقة هذا السؤال هام بتقديري، وواسع وفكري بمعنى أنه حتى حزب البعث، وأنا عضو ولي الشرف أن أكون عضواً فيه، يدرك استعادة كل فلسطين وهو هدف استراتيجي بعيد المدى لا يمكن أن يتحقق بمرحلة واحدة وأنا أتكلم عن الحزب ولا أتكلم لا على مفاوضات ولا على أيديولوجيات أخرى، حتى أيديولوجية حزب البعث تمرحل التحرير وهذا الكلام منذ أكثر من ثلاثين سنة مرحلة التحرير، وأن المرحلة الأولى هي استعادة الأراضي العربية المحتلة وضمان الحقوق الوطنية الثابتة للشعب العربي الفلسطيني. صورة أخرى - العرب ماذا يكرهون في إسرائيل هل يكرهون اليهود لأنهم يهود، إطلاقاً لا بدليل أنه في عدوان 1967 لم يمس يهودي سوري واحد مع أنه يمكن أن يذهب أربعة أو خمسة من سوق الحميدية إلى حارة اليهود ويقتلون أربعة أو خمسة يهود، ولا تستطيع لا سلطة ولا أمن أن يردهم عن ذلك، هذا لم يحصل. هناك كنس يهودية في دمشق وحلب والقامشلي وفي وضع جيد جداً، لم تمس بسوء من قبل أي مواطن عربي سوري وفي ذروة الاعتداءات الإسرائيلية لم تمس لماذا لأن المواطن السوري حضاري، والأرمني الذي عاش في سورية يصبح سورياً. كثير من الأرمن لم يذهبوا إلى أرمينيا بعد استقلالها لأنهم شعروا أن انتمائهم لسورية عميق، والأكراد نفس الشيء يعتزون بانتمائهم. هذا البلد مهد الحضارات يعيش فيه كل إنسان عندما ينتمي إلى هذا الأرض ولهذا الوطن ولهذه الأمة.‏

سؤال : إسرائيل إن تصرفت كما يتصرف السوري المتحضر وأعادت كل حقوق العرب من أراض احتلت وللفلسطينيين وخاصة حق العودة للاجئين هل سيأتي العرب ولو بلغوا من القوة الذروة هل سيرمون إسرائيل في البحر. هل سيزيلون اليهود من الوجود في فلسطين؟‏

جواب : أنا برأيي لا. العرب والسوريون بشكل خاص هم أكبر من ذلك. نحن منزعجون من إسرائيل لأنها عدوانية، توسعية، نحن كنا ضد جنوب إفريقيا العنصرية، لماذا لأننا من حيث المبدأ نحن ضد العنصرية فشيء طبيعي أن نكون ضد إسرائيل ما دامت مستمرة في احتلالها سواء كان هناك سلام أو لا، السلام لا يلغي تقييمنا لإسرائيل إذا استمرت في عنصريتها وعدوانيتها وتنكرها لحقوق الشعب الفلسطيني تأكدوا من ذلك تماماً.‏

سؤال : هل يلزم السياسي المثقفين في قبول التعهدات والمعاهدات أم ستبقى الثقافة وجهة نظر؟‏

جواب : لا ليس هناك إلزام لأنه إذا كان هناك إلزام يعني أننا خضعنا لإسرائيل في اتفاق السلام يجب أن لا يخطر في بال أحد أننا نلزم لا المثقفين ولا الجاهلين، ولن يكون هناك فقرة تتحدث عن هذا الموضوع ولن يكون هناك نقاش حتى داخل الغرف المغلقة حول هذا.. هذا خط أحمر..‏

سؤال : لماذا لا نسعى إلى السلام فيما بيننا أولا بين العرب والعرب؟‏

جواب : إننا نحاول وحاولنا وسنستمر في المحاولة، وأنا قلت إن السلام يفرض علينا أن نكون أكثر تضامنا، وتماسكاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً.‏

ورداً على سؤال قال: أنا أقول بكل تواضع ولا أطلب منكم التواضع بالمقابل إن الكتاب هم نخبة هذا المجتمع وهذه النخبة تقع عليها مسؤوليات جسام أكبر مما نتوقع ونتصور، وربما بعضنا يكتب ويقول لا يوجد قراء، ولذلك أنا أمرر هذه الجملة، أو تلك هذا غير صحيح، الكتابة مسؤولية كبيرة وأنا شخصياً كنت أتمنى لو أنني كاتب بدل أن أكون وزير خارجية.‏

أتمنى لكم التوفيق وأمامكم مسؤولية كبيرة لأن أجيالاً ستهتدي بما تكتبون ولذلك يجب أن نضع حدا للشطحات الذهنية غير المجدية، ونضع المسؤولية في طريق الصمود والتقدم وفي طريق تغيير اجتماعي ديمقراطي ملتزم بقضايا الناس وهمومها ومشاكلها، لا نقلد الآخرين ولكن نستفيد من تجاربهم، أعود وأقول إنني لست واعظا ولست خطيباً بينكم وأنا واحد منكم.‏

د. علي‏

الزميلات والزملاء الكرام، باسمكم جميعاً، أشكر سيادة الوزير الأستاذ فاروق الشرع على صراحته ودقته وبعد نظرته والتزامه القومي المبدئي، وما توجه به من كلام طيب للكتاب يؤكد أن معركتهم هي على مستقبل الأجيال؛ وأن الحق العربي لا يموت إلا إذا ماتت المطالبة به ومات الوعي بتفاصيله. والأستاذ فاروق الشرع رمز من رموز أمتنا وقطرنا نعتز به وبجهوده وبثقافته ودبلوماسيته العالية ومواقفه المبدئية ويسعدنا أن يكون بيننا وهو من أعضاء هذا الاتحاد شرفياً، الذي يفتخر بالمناضلين والمثقفين، والوعي السياسي جزء مما ينقصنا في حالات كثيرة.‏

نشكره وقد أخذنا من وقته الكثير، واستفدنا كثيراً مما قدمه لنا. وكل ما قيل وكل الأسئلة التي طرحت، ستكون بمتناولكم فكراً وكتابة وندوات وحواراً لأن الصراع مفتوح والأمة بفكرها وحضارتها وسياسييها وعمالها ومثقفيها وجنودها وبكل طاقاتها الإبداعية موجودة ومستمرة الحضور.‏

شكراً له وشكراً للتوجهات المبدئية التي طرحها، وأرجو أن نودعه بما استقبلناه به من محبة وتقدير واحترام، ونتمنى له دوام النجاح والصحة والسعادة.‏

يوم الخميس 27/1/2000‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244