مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد الثامن السنة الثالثة شتاء 2000
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

سورية القضية القومية ومسار البعث ـــ د. علي عقلة عرسان

ربما كان أحد أهم أهدافي من كتابة هذا الكلام اليوم هو الرغبة في إنعاش الذاكرة، لأن مجرد إنعاشها غدا هدفاً في زمن العرب هذا؛ أما حراستها والحرص على عدم تفكيكها وتشويهها و " تنظيفها" من كل ما خُزِّن فيها مما يكوِّن الماضي والتاريخ والحق ومعطيات الصراع العربي - الصهيوني، الذي يقوم على أسس قومية ومعطيات إنسانية لقضية عادلة، فأمر يحتاج تحقيقه إلى استنفار طاقات يقودها الوعي والالتزام العربيان؛ وذلك ما نتطلع إليه بأمل كبير.‏

في السابع من نيسان 1947 يوم كانت المعركة مع الصهيونية على أشدها، تأسس حزب البعث العربي ليكون حركة قومية تعمل من أجل التحرير ومداخلها إلى ذلك الوحدة والحرية: وحدة الوطن العربي وحرية قراره وتحرير أبنائه الذين يحكمهم المستعمر أو وكيله ويقودهم إلى حروب " التحرير" بإمرته فيعيدهم مهزومين أو قتلى الجسد والكرامة؛ وليكون أيضاً حركة من أجل تحرير أرض العرب من سيطرة الصهيونية والاستعمار ومن الارتباط بالاستعمار ومقاومة المشاريع التي ترعاها الدول الاستعمارية وتستنبتها في الأرض العربية، لا سيما فلسطين.‏

ولم يأت عبثاً تزامن ذلك الحدث مع تصاعد حدة الصراع بين الفلسطينيين والصهاينة في فلسطين حول مستقبل هذا القطر العربي ومصيره وهو في قبضة الاستعمار البريطاني- الوصاية- الذي كان يهيئ كل الظروف والشروط المناسبة هناك ليقيم دولة اليهود- الصهاينة- على حساب الوجود العربي في فلسطين تنفيذاً لوعد بلفور وقرار عصبة الأمم واتفاقيات الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، التي أسست الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وفق منطق المنتصرين ومصالحهم واستراتيجيتهم في المنطقة.‏

وداهمت حرب 1948 بنتائجها المرة المدمرة الأنظمة العربية والقوى والأحزاب وجماهير الشعب العربي في أقطارها، فكان ذلك من أهم حوافز البعث على تصعيد النضال- في إطار رؤية قومية تقدمية شاملة- لمقاومة الإقطاع والتخلف والأنظمة الفاسدة والديكتاتوريات المرتبطة بالاستعمار والأحلاف والقوى التي أخذت تركز جهودها لضرب كل توجه قومي- وحدوي- تحرري يرمي إلى امتلاك قوة تحرر القرار السياسي، وتضع حداً للمشروع الصهيوني- الاستيطاني الزاحف على أرض العرب ومستقبلهم.‏

لم تكن عدة البعث الأولى- النشأة والتكوين وانطلاقة العمل- أكثر من الوعي بالذات والتاريخ والإيمان بالحق والنفس، وتوقد الوجدان القومي الحي والحماسة، ورفض الهزيمة والاستسلام للواقع المفجع، والالتزام والإحساس بالمسؤولية حيال أمة يتأجج تاريخها ومجدها وحقها والحرص عليها في القلوب.‏

الفكر والشعر والمعرفة، الأستاذ والمعلم والطالب، التاريخ والبطولات والتضحيات وتألق صفحات الماضي؛ وما تعلق بذلك كله وتأثر به واتبعه، تلك كانت مناهل البعث ومواده وأدواته التي استند إليها وقاوم بها وامتلكها، وكان أصلب ما في نظرته ونظريته أنهما مستلهمتان من روح الشعب العربي وواقعِه وطموحه وتطلعاته المشروعة، ومن معطيات تاريخه وعِبَرِ ذلك التاريخ؛ ومعبرتان عن تعلق أصيل بالكرامة والحق، بالحرية وبالرغبة في تحقيق التحرير والنهضة، على أرضية الإيمان بأن الخلاص والتحرير والتقدم..إلخ كل ذلك يكون قومياً أولا يكون؛ وأن المواجهة مع الأعداء في الداخل والخارج تحتاج إلى طاقة الجماهير العربية المبرأة من أشكال الفساد والتبعية والإفساد، والموظفة بإخلاص لخدمة الأمة ومصالحها العليا.‏

لم يكن فكر البعث من خارج تربة الثقافة العربية والبيئة العربية والمشكلات العربية، ولم يكن مشروعه ينطوي على استلاب للآخرين أو عدوان عليهم أو ممارسة متعالية من أي نوع، بل كان من بعض الوجوه رداً على العنصرية والتعالي؛ ولم يتكئ البعث في تمويله أو تنظيمه أو سلطته- عندما وصل إلى السلطة- على قوى من خارج الوطن؛ ولا شك في أن سر الأصالة والنقاء الروحي والصلابة الخلقية هو الذي جعل الرواد حَمَلَة رسالة، ومن تبعهم رائداً قائداً يقوم بأداء على طريق تم تعبيدها بشكل جيد.‏

في كانون 1952 عندما اندمج البعث العربي والاشتراكي العربي في حزب البعث العربي الاشتراكي وتابع الحزب طريق العمل الوحدوي الاشتراكي كان يتصدى لكل أنواع الطغيان والممارسات القمعية واضطهاد الإقطاع ومواقف الرجعية وتدخلات الاستعمار، وكان للصهيونية بالمرصاد، لأنه قام أصلاً على فكرة مشروع يناقض مشروعها ويناهضه. وكم حصد رصاص السُّلَط القصيرة النظر العميقة الارتباط بالخارج: طلاباً ومناضلين، وكم شهدت السجون زفرات ومعاناة؛ ولكن ذلك لم ينل من أهداف الحزب ولا من عزيمته وصلابته في الأداء ، ولا من تطلعات المناضلين ورؤاهم في وقت كانوا لا يملكون فيه سوى طاقتهم الروحية وجلودهم الهزيلة.‏

من أجل الوحدة وحدها، الهدف الأول والركن الأول في شعار الحزب، حل الحزب نفسه عام 1958، وعند هذا المفصل الهام أريد أن أتوقف قليلاً لأطرح أسئلة معاصرة، بعد أن استلم البعث السلطة سبعاً وثلاثين سنة في سورية؛ وهي أسئلة تتعلق بالركن الأول من شعاره وبالهدف الأسمى من أهدافه: الوحدة العربية، التي رأى فيها طريق القوة والنهضة والكرامة القومية؛ ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى مظهر قوة في تضامن أو اتحاد أو وحدة ، ونحن نقارع قوى تملك من مقومات القوة أكثر مما تملكه الأمة مجتمعة، فكيف تواجه أقطارها تلك القوى في هذه الظروف ، وتتخذ قرارات مصيرية بصورة فردية في قضايا قومية مثل القضية الفلسطينية وحسم الصراع العربي - الصهيوني والاعتراف بالكيان الصهيوني (دولة) في المنطقة وتطبيع العلاقات معه!؟.‏

لقد تعرضت تجارب الوحدة إلى إجهاض تلو إجهاض في مراحل متعددة، كان أقساها وأكثرها إيلاماً تجربة الوحدة المجهَضة بين مصر وسورية، تلك التي حل البعث نفسه من أجلها؛ والسؤال الذي يطرحه علينا اليوم صوت الإمبريالية- الصهيونية بعد حرب الخليج الثانية ومؤتمر مدريد واتفاقيات كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة، واستئناف المفاوضات على المسار السوري- الصهيوني في شيبردز تاون، والنزوع إلى ترسيم الحدود والدفاع المستميت عن تلك الحدود بين أقطار الوطن العربي هو:‏

هل الوحدة العربية، وهي ركن رئيس من أركان البعث ورسالته ـ ومن أهداف الأحزاب والقوى القومية الأخرى في الوطن العربي ـ ما زالت شعاراً ممكناً معقولاً مقبولاً في زمن تفعيل السيادات القطرية العربية وشمرختها؟! وهل من أمل، مجرد أمل، في وحدة عربية بعد أن تدنى مستوى حلم المطالبين بها إلى أقل من اتحاد، في صيغ من الاتحاد الإقليمية العربية، وإلى أدنى من تضامن.. إلى تنسيق مرعي الاعتبار؟!‏

وهل نقول بالوحدة العربية بعد أن فقدنا ظل التضامن العربي الهزيل ذاته، ولم يعد للجامعة العربية- الصيغة التي لم ترضِ أحداً ولا تلبي طموح أحد من العرب المتطلعين إلى وضع أفضل- مكانة يطمئن إلى دورها وفعلها وقرارها أحد؟! لقد قال الغرب وقال الصهاينة: وداعاً للأمة العربية، وداعاً للقومية العربية؛ وهم يستقطبون الآن أنظمة وقوى وشرائح من السياسيين والتجار ورجال الأعمال والمثقفين ويسيطرون على قرارات سياسية في ظل هرولة عربية إلى أعتاب الغرب والصهاينة تشير إلى درك من التردي القومي لم تبلغه الأمة من قبل، فهل في ظل هذا يُقبل من البعث التمسك "بطوباوية" الوحدة، فضلاً عن قوله "بالاشتراكية" التي انهارت في أكثر من موقع عالمي هام؟! ألا يستدعي ذلك كله مراجعة جوهرية في الأهداف والشعارات؟!‏

هذه الأسئلة التي يطرحها علينا فكر غربي أو صهيوني، أو فكر عربي يرتبط بهما، أو فكر له رؤية مغايرة للرؤية القومية منذ نشأت؛ لا بد من مواجهتها وتفنيد مراميها والرد عليها، ولن يكون هذا المقام شافياً وافياً لفعل ذلك؛ ولكن إشارات عابرة لبعض ذلك هنا تؤكد أهمية أن يتم التعرض لتلك الأسئلة بشيء من التفصيل والتدقيق مستقبلاً.‏

إن الوحدة العربية "حلم" مشروع لكل من يرى فيها مدخلاً لتغيير الواقع العربي المتهافت، والحلم دائماً أحد المداخل المشروعة لتغيير الواقع.‏

وفي ظل التكتلات الدولية الكبرى الذي يشهده هذا العصر، وعلى أبواب زحف المتوسطيَّة والأوسطية والعَوْلمة على أقطارنا العربية ليس لنا إلا الاحتماء بظل تكتل عربي اقتصادي وسياسي وثقافي..الخ يكون قادراً على المقاومة ودرء الأخطار عن الأمة وتوفير حدٍّ أدنى من الأمن القومي في كل مجال من مجالات الحياة والعمل والعلم والتقدم، فالأقطار العربية التي تشكل بيادق هزيلة على رقعة الشطرنج الدولية لا يمكنها أن تحمي مصالحها، وتحرر قرارها، وتحافظ على سيادتها باستقلالية تامة واقتدار مؤثر؛ وها نحن نراها إمَّا محتمية بالقوى الأجنبية التي تستنزفها حتى آخر قطرة من الموارد والكرامة، أو ملتحقة على نحو مهين بعدو ما زال يحتل الأرض ويهوِّد المقدسات ويقتل الشعب ويستهدف الأمة ومصالحها وهويتها وثقافتها؛ أو نراها محاصرة و مهددة بالحصار تكابد المعاناة ،إذا رفضت التبعية والصهيونية والانصياع للقوى الطامعة بها، أو متهمة بالإرهاب، محاصرة من دون إعلان حصار، مستهدفة بكل أشكال الاستهداف لكي تضعف وتستكين لطلبات المحتلين وحلفائهم الأميركيين.‏

والصيغة القطرية الحالية، التي غدت صيغة اعتراضيَّة على القومية، تسعى الأنظمة إلى تعزيزها بأشكال مختلفة، وترى فيها نهاية التاريخ وبدايته: نهاية التاريخ القومي وبداية التاريخ القطري المتحلل من كل التزام قومي!؟!وهي صيغة ـ أقطار ـ لن تنقذ شيئاً في المستقبل، وستصبح موقعاً ينبعث منه التهديد ضد أي قطر عربي يسعى إلى تحرير قراره واقتصاده وسيادته وثقافة الأمة من أشكال التبعية، أو يسعى إلى المحافظة على مصالحه وحضوره الفاعل؛ لأنها ستكون- أرادت ذلك أم لم ترد- حليفاً للعدو أو منطلقاً لقوة عدوانه أو أداة لذلك العدوان، ويبقى القطر التابع المحتمي بالأجنبي في كل هذه الأحوال مأكولاً مذموماً ذليلاً، يرفع فيه أشخاص النظام رؤوسهم على حساب ذل شعبهم وأمتهم.‏

إن حلم الوحدة لا يلبث أن يكتسب- في ظل رؤية موضوعية للمستقبل مستنبتة في مرارة الواقع ومعطياته- أهمية حيوية تجعله الرافعة الوحيدة للأمة من مكامن هلاك قطرياتها، فضلاً عن أن أي مشروع نهضوي- تحرري- تحريري، وأي تقدم علمي أو اقتصادي لا يمكن، حتى لأكبر الأقطار العربية حجماً من حيث السكان والمساحة، أن يشكّل قوة قادرة على إنجاز شيء ملموس في مجالاته وحدها؛ فالمشاريع الكبرى تحتاج إلى طاقة الأمة كلها، وتحرير الأمة وحسم قضيتها المركزية يحتاج إلى ما هو أكثر وأعمق من تضامن أقطارها.‏

وإذا ابتعدنا عن المشاريع النهضويَّة والكلام الكبير، واكتفينا بالكلام المحدد في استنقاذ النفس والشعب والكرامة والأرض، في حدود القطر البيدق، فإننا لن نجد قطراً عربياً مؤهلاً بقدراته الذاتية لأن يشكل اكتفاءً ذاتياً أو حماية ذاتية تجعله قادراً على الصمود في وجه الضغط والعدوان والمنافسة، فضلاً عن المقاومة والتجاوز والمشاركة في الفعل الحضاري والسياسة الدولية والقرار الإنساني البناء.‏

وفي هذه الحالة يصبح الحلم الوحدوي على أرضية الفكر القومي والرؤية القومية والمشروع القومي هو المدخل الوحيد والممكن في آن معاً لصيغة مستقبلية تجعل العرب قادرين على حماية وجودهم ومصالحهم، وعلى التواصل مع الآخرين في مجالات الاقتصاد والثقافة والسياسة والاجتماع..الخ.‏

ويصبح هذا الحلم مالكاً للمشروعية أكثر من أي وقت مضى لتتكون من خلاله أرضية ملائمة لأهداف تتعلق بها عقول وأفئدة وإرادات، وتعمل من أجلها قوى وأحزاب ومنظمات.‏

إنني أرى في هدف الوحدة هدفاً متجدداً في هذه الظروف أكثر من أية ظروف أخرى، وأجد أنه، في ظل تجذُّر القطرية وتهافتها في آن معاً، ينبغي أن تتصاعد الدعوة للعمل العربي المشترك بكل الصيغ الممكنة لتقريب الأمة من التضامن والاتحاد في إطار نُشدان الوحدة بوصفها منقذاً وهدفاً أسمى.‏

والنقلة النوعية التي أرى أنها ضرورية الآن هي تلك التي تجعلنا نكف عن "لَوْكِ" الشعار ونأخذ بتنفيذه، خطوة متواضعة إثر خطوة أخرى متواضعة، بواقعية شديدة الدقة، وبدراسة تامة لواقع الأقطار ومصالحها، وبدراية كافية بكيفية التعامل مع النزوع القطري- في ظل استشراء سطوة الأنظمة وسيطرة الصهيونية والاستعمار الجديد عليها والخوف على بعضها- لتصبح هناك رؤية منقذة وآمال مجسدة ومصالح على الأرض وقوة تحمي القطر / البيدق / حتى في معارك تفعيل السيادة التي أخذ يتعلق بها أكثر من تعلقه بسيادة الأمة وكرامتها، تجسيد ذلك في أي خطوة عربية تقرِّب صيغ العمل العربي المشترك، لتجعل ذلك ممكناً ومفيداً وواقعيا ومطلوباًً.‏

إن السوق العربية المشتركة أحد المداخل، وشبكة المواصلات والاتصالات أحد المداخل، وتوحيد المناهج التربوية أحد المداخل، وتسهيل تنقل المواطن العربي في أقطار الوطن العربي بحرية واحترام أحد المداخل، وتشجيع التجارة " البينيَّة " ورأس المال العربي للاستثمار في الوطن العربي أحد المداخل؛ وكل تلك مواقع يمكن العمل فيها بجدية على أرضية من الاختيار الاستراتيجي والشعور العميق بأنها تشكل بداية خطو في سبل الخلاص ومنافذ الإنقاذ لأمتنا وأقطارنا مما نحن فيه.‏

وتبقى أرض الثقافة، أرض الفكر، أرض العمل العربي المنطلق من الوجدان المشترك والمصير المشترك والمعبر عنهما، هي التي علينا أن نعززها سواء أكان ذلك في إطار العمل السياسي أو في إطار العمل الثقافي العربي وسبل الأداء في ميادينه، لأن الوعي والثقافة واستلهام الواقع، من خلال الالتزام به والانتماء إليه حتى في أسوأ مظاهره، هي التي تشكّل رافعة جدية وحيوية للوضع العربي مستقبلاً؛ كما شكل الوعي والثقافة واستلهام الواقع وإرادة الجماهير، التي أنجزها الفكر القومي وجعلتها الأحزاب القومية تنظيماً، واستثمرتها من أجل ذلك التنظيم، رافعة قومية حققت خطوات على طريق الوعي والتحرير والنهضة والوحدة والعدل الاجتماعي، يجب أن نذكرها ونستقرئها ونستفيد منها ونحن نراجع مسيرة أدائنا لنزداد ثقة وقدرة على الأداء، ولتزداد طرقنا إلى الغد العربي الأفضل نوراً ويسراً ووضوحاً ونحن في مرحليات عمل وفق خطة وبرنامج يرميان إلى استعادة الإرادة وامتلاك القوة لتحرير الأرض المحتلة وعلى رأسها فلسطين .. كل فلسطين.‏

ـ 2 ـ‏

البعث والقضايا المركزية:‏

في البيان الذي أصدرته القيادة القطرية المؤقتة لحزب البعث العربي الاشتراكي بتاريخ 16 تشرين الثاني 1970 أمران أود التوقف عندهما بداية، متخذاً منهما مدخلاً لما سأعرضه في القسم الآتي:‏

- الأمر الأول: يتصل بأهم القضايا النضالية القومية التي نذر الحزب نفسه لها، بل التي حفزت أصلاً على إيجاد التنظيم وعجّلت بقيامه، أعني قضية فلسطين بوصفها قضية العرب المركزية في نضالهم الحديث والموقف من الصراع العربي- الصهيوني وكيفية حسمه من وجهة نظر الحزب؛ ويتمحور حوله ويتصل به معظم محتوى الرسالة القومية للبعث في الوحدة منطلقاً للتحرير أو في التحرير طريقاً للوحدة، وهو ما سأتوقف عنده أولاً:‏

فقد جاء في البيان وبعد الإشارة إلى قمة ما كان يواجه أمتنا من تحديات في تلك المرحلة وهو " إصرار القوى الإمبريالية على تصفية قضيتنا الكبرى ومحرِّك نضال جماهيرنا، ونعني بذلك القضية الفلسطينية "، جاء في البيان أنه كان يتوجب على المسؤولين في الحزب ـ قبل قيام الحركة ـ أن يبادروا إلى قيادة الجماهير العربية ووضع الخطط المتكاملة وممارسة تطبيقها تنفيذاً لاستراتيجية الحزب في خوض معركة التحرير وتحقيق شعار وحدة القوى التقدمية العربية من خلال المعركة .‏

وهذا الموقف المبدئي من قضية العرب الأولى كان وما زال جوهر الفعل في النظرية والتطبيق بالنسبة لحزب البعث العربي الاشتراكي، فمنذ مؤتمره التأسيسي وفي دورة تشرين الثاني 1947 اتخذ قراراً من أعلى سلطة فيه "مجلس الحزب" آنذاك الذي هو المؤتمر القطري الآن بـ " تطوُّع أعضائه للقتال في فلسطين "، وشكل مكتباً خاصاً لهذه الغاية .‏

ومنذ تأسيسه وحتى قيام الوحدة بين مصر وسورية، التي عمل من أجلها وفَرَضَها بقوة على المسؤولين، كانت القضية القومية، قضية الفلسطينية، محرك نضاله التحرري والوحدوي، فاستقطبت جهده وبقي ذلك هو دأبه في المجالس النيابية وفي المواجهة مع الحكومات وفي ما يقدمه من أدبيات وما يتخذه من قرارات؛ إلى أن استلم السلطة في الثامن من آذار 1963 ؛ حيث أخذ يعزز الجيش ويشجع المقاومة واعمل الفدائي ضد مواقع الاحتلال. وقاد ذلك التصعيد إلى تهديد مبشر لسورية من قبل الكيان الصهيوني وتركيا ، وإلى تآمر متكرر على حكم الحزب لإزالته، وأدى ذلك إلى حرب حزيران التي نعرف ظروفها ونتائجها .‏

وعُقد المؤتمر القطري الثالث الاستثنائي / آب 1967 / لإقرار مبدأ اعتماد الكفاح المسلح كأساس لإزالة آثار العدوان، واعتماد العمل السياسي كوسيلة لخدمة الكفاح المسلَّح "، وأكد المؤتمر القطري الرابع العادي / أيلول 1968 / على تنفيذ استراتيجية الكفاح المسلَّح.‏

وجاءت مواقف الحزب وقراراته وسياسته الداخلية والخارجية مؤكِّدة هذا المبدأ ومنطلقة منه؛ وظهر ذلك جلياً بعد الحركة التصحيحيَّة التي أَعلنت، وهي تقدِّم برنامجها، أنها ستعمل " من أجل بناء مجتمع الصمود والتحرير وتحقيق شعار الكفاح المسلَّح لطرد الغزاة الصهاينة عن أرض الوطن " .‏

وجعلت على رأس اهتماماتها في برنامجها الداخلي والعربي : " بناء وتطوير القوات المسلَّحة من أجل القيام بواجبها على الوجه الأكمل في معركة التحرير " و " التحرك الواسع مع الدول والقوى العربية التقدمية في كافة المجالات التي تعزز استراتيجية الكفاح المسلَّح وحشد الطاقات العربية في المعركة المصيرية " .‏

ولم يأت بعد هذا أكثر تأكيداً لهذه المبدئية وأصدق إنباء عنها، من حرب تشرين التحريرية التي استغرق الإعداد لها وتمهيد المناخ والأجواء العربية والدولية لخوضها بنجاح، وقتاً طويلاً وجهداً وطنياً خارقاً. وكلنا نعرف أن موقف القطر والحزب في هذه الحرب كان استراتيجياً ينظر إليها بوصفها حرب تحرير شامل، بينما كان السادات يخفي تآمره وتواطؤه مع الإدارة الأميركية وكيسنجر ليجعل منها حرب " تحريك " يصل عن طريقها إلى الصلح المنفرد والخيانة التامة للنضال القومي وللشريك في الحرب " سورية "، ولنضال شعب مصر العربي وتضحياته على طريق القضية الفلسطينية والعمل القومي .‏

واستطاع النهج المبدئي للحزب والقطر أن يحرر القنيطرة في حرب الاستنزاف التي أعقبت حرب تشرين / 82 يوماً من القتال في جبل الشيخ على الخصوص ابتداء من 11 ـ 3 ـ 1974 / وخرج الحزب أكثر اقتناعاً باستراتيجية التحرير وأكثر إصراراً على الإعداد والاستعداد لتحقيق هذه الاستراتيجية ولا سيما هدفها الرئيس، هدف التحرير وحسم الصراع العربي- الصهيوني لمصلحة الأمة العربية، وحفظ حقوق الشعب العربي الفلسطيني.‏

وقد وضَّح ذلك بجلاء قرارُ المؤتمر القطري الخامس الاستثنائي / أيار - حزيران - 1974 / الذي حدد أهم أسس المرحلة المقبلة بأنها " مواصلة النضال من أجل تحقيق الانتصار الكامل على الصهيونية و" إسرائيل " والقوى الاستعمارية التي تساندها لاستعادة الحقوق التاريخية المشروعة الكاملة للشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه " و " مواصلة بناء القدرة الذاتية عسكرياً واقتصادياً وسياسياً وعلى مختلف الأصعدة منطلقين من استمرارية المعركة مع العدو ". وهذه أول إشارة وأول استنتاج من واقع التجربة والتعامل في الساحتين العربية والدولية يتوصَّل إليهما الحزب في ظل الحركة التصحيحية بضرورة إقامة أسس " التوازن الاستراتيجي مع العدو اعتماداً على الذات"، ولكن الرؤية لهذا الأمر في إطاره الشمولي، لم تكن جلية وإن كانت جنيناً ينبض بالحياة في قلب الواقع وفي وجدان القواعد والقيادات ما لبث أن وُلِد وأصبح هدفاً منشوداً .‏

لقد كانت المرارة الناتجة عن الموقف العربي كبيرة، ولا سيما "التَّرك" في حرب الاستنزاف، أي ترك القطر العربي السوري يواجه العدو وحيداً، ولجوء السادات إلى الخيمة / 101 / وولوجه جُحْرَ الخيانة من بابه الكبير .‏

واتضحت في مجمل القرارات الرؤيةُ السياسية للحزب التي أرهص بها بيان القيادة القطرية المؤقتة في الأيام الأولى للحركة التصحيحية، وجاءت التوجهات جميعاً: في السياسة الداخلية بمجالاتها وفي السياستين العربية والدولية، لتصب جميعاً في هدف رئيس ضخم وهو: تعزيز القدرات الاقتصادية والقتالية وكذلك الصلات والعلاقات العربية والدولية، وصولاً إلى مواجهة العدو اعتماداً على الذات من أجل تحقيق الهدف الاستراتيجي الكبير الذي وضَّحه بجلاء البند / 11 / من الفقرة ب من مقررات المؤتمر القطري الخامس الاستثنائي والمتعلقة بالقضية الفلسطينية؛ حيث ورد، من بين ما ورد في هذا البند : " حتى تتحقق تلك الأهداف المتمثلة بتحرير كامل الأرض واسترجاع كامل الحقوق المغتصبة ". وللمرة الأولى تّرِدُ في قرارات مؤتمرات الحزب وربما في أدبياته، للمرة الأولى ترد كلمة " دعم " نضال الشعب الفلسطيني، لأن التماهي كان تاماً في السابق بين الحزب والقضية، بين سورية وفلسطين، ومن الطبيعي أن الشعب الواحد لا يدعم نفسه؛ ولكن اعتبارات إبراز " الشخصية الفلسطينية " بمواجهة الدعاوة الصهيونية أمام الرأي العام العالمي ـ قالت غولدا مائير رئيسة وزراء الكيان الصهيوني : الفلسطينيون .. من هم ، أين هم !؟ ـ وتعزيز موقف منظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، كل ذلك استدعى عبارات تحدِّد توجهاً جديداً. غير أن هذا لم يؤثر داخلياً وعقائدياً واستراتيجياً في موقف الحزب من القضية الفلسطينية أو من الصراع العربي الصهيوني، كما أنه لم يغير مطلقاً من مفهومه لطبيعة الصراع وكيفية حسمه، ولا هو أثر سلبياً في الهدف الاستراتيجي النهائي، هدف التحرير، ولا في البعد القومي للقضية وللصراع الذي يدور من أجلها.‏

وجاء المؤتمر القطري السادس / نيسان 1975 / ليحدد هدفاً مرحلياً للحزب يتصل بهذا الموضوع، يمكن وضعه في شقين :‏

أ - التحرير الكامل لجميع الأراضي العربية المحتلة منذ عدوان حزيران 1967 وعدم التفريط بأي جزء من الأرض أو التنازل عنه.‏

ب -الالتزام باستعادة الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره على أرضه .‏

وحدد المؤتمر لذلك أُسُس عمل ومنطلقات؛ وكان واضحاً أن الحزب حين يحدد هدفاً مرحلياً فهو لا يهمل الهدف الإستراتيجي النهائي في هذه القضية ولا يتجاوزه، ولكنه فيما يبدو، خضع أكثر من أي وقت مضى لمعطيات ومتطلبات ومتغيرات وحقائق منها : أنه حزب في السلطة، وأنه لا بد أن يمارس تكتيكاً تقتضيه السياسة الدولية وتفرضه الأوضاع العربية على الحكومة السورية، التي هي في النتيجة صاحبة قرار بعثي في جوهره وثقله وتوجهه، لأن البعث يقود الجبهة الوطنية التقدمية التي شكلتها الحركة التصحيحيَّة.‏

وكان الحزب قد ثبّت بوضوح في توصيات مؤتمراته وقراراتها إطاراً عاماً لعلاقته بالسلطة يتحدد بـ " قيادة الحزب الفعلية للدولة والمجتمع ".‏

ولم يُغْفِل الحزب الإشارة في قرارات المؤتمر القطري السادس إلى استمرارية موقفه الاستراتيجي من القضية الفلسطينية، فأفرد لذلك فقرة خاصة في قراراته تحت العنوان ذاته، وثبَّت في هذا المجال موقفَه المبدئي وسياستَه المرحلية ـ أي الاستراتيجية والتكتيك ـ حين نص في الفقرة / 4 / من خامساً على ما يلي :‏

" تأييد حق الشعب الفلسطيني في إقامة السلطة الوطنية المستقلة على الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها، ومواصلة النضال لتحرير كامل التراب الفلسطيني "؛ وبيّن نهجاً لذلك ارتكز على مساندة المنظمة وتعزيز وحدة فصائلها.‏

وهنا نلاحظ أن حالة التماهي السابقة لم تعد هي أساس العلاقة بسبب السياسة العربية والفلسطينية، التي اقتضت إبراز الشخصية الفلسطينية؛ وهو الأمر الذي أيَّده الحزب مشترطاً أن يتم ذلك في إطار الانتماء القومي وتحقيق هدف التحرير. وهذا التوجه هو الذي أفرز لاحقاً في الصف الفلسطيني القرار الفلسطيني المستقل، الذي افتعله ثم استغله عرفات أسوأ استغلال ليصالح ويصافح ويتعاطف ويتحالف مع العدو الصهيوني ضد مصلحة الشعب العربي الفلسطيني ومن يتمسك بالبعد القومي للقضية الفلسطينية .‏

وبعد أكثر من أربع سنوات حفلت بالكفاح والتصدي والعمل المضني لمواجهة مخططات الصهيونية والإمبريالية الأميركية وأساليب كيسنجر وأعوانه في المنطقة، جاء المؤتمر القطري السابع / كانون الأول 1979 / ليؤكد على أن الهدف المرحلي للأمة العربية في الصراع العربي الصهيوني هو:‏

أ - التحرير الكامل لجميع الأراضي العربية المحتلة وعدم التنازل عنها، أو التفريط بأي جزء منها .‏

ب - التأكيد على استعادة الحقوق الوطنية الثابتة للشعب العربي الفلسطيني، وحقه في تقرير مصيره في وطنه وبناء دولته المستقلة فوق ترابه الوطني .‏

وليعلن ضرورة إسقاط نهج كامب ديفيد ورموزه، وليؤكد بجلاء أيضاً على " تعزيز القوى الذاتية للقطر والاستمرار في بناء القوات المسلحة " استشعاراً منه لأهمية الاعتماد على الذات في المواجهة، واستقراء منه لحقائق الوضع العربي ومعطياته في المرحلة المقبلة من خلال إرهاصات ومؤشرات وإنذارات قدَّمت كلُّها رؤيةً لتحوّل في موقف العرب من القضية العربية المركزية، وشعوراً من الحزب بأنه لا بد أن يواجه العدو منفرداً في يوم من الأيام، ليس من أجل تحرير الجولان فقط وإنما من أجل تحرير فلسطين والتصدي للمشروع الصهيوني ككل. وتأسيساً لهذا التوجيه وعليه، واستشعاراً للخطر القادم ولنهج الاستسلام والحلول المنفردة والتصفية التي تقرع الأبواب، جاء قرار الحزب في المؤتمر القطري السابع ليقول بوضوح " قضية فلسطين قضية قومية وبالتالي يجب التصدي لكل المحاولات الهادفة لتصفيتها أو المس بها " .‏

وفنَّد الحزب أسس توجهه وتعامله وعلاقاته عربياً ودولياً بما يعزز بناء القوة الذاتية، وحشد الطاقة العربية في ساحة المواجهة مع العدو الصهيوني.‏

ولم يكن الحال العربي في ظل تشكيل جبهة الصمود والتصدي، ومواجهة نهج كامب ديفيد، والتصدي للنزوع الاستسلامي، لم يكن الحال العربي يرضي أحداً أو يحقق طموحاً، أو يحسم قضية؛ بل ازداد التردي، وازداد نهج الاستسلام توغُّلاً في البيت الفلسطيني ذاته؛ وصار القرار الفلسطيني المستقل دريئة تخفي نهج التصفية والاستسلام والتفريط بالحق وبيع القضية.‏

ولم يُغْفِل المؤتمر القطري الثامن / كانون الأول 1985 / الإشارة إلى ضرورة مواجهة هذا النهج وإدانته، وبعد أن أورد قرارات في إطار الهدف المرحلي للأمة العربية شبيهة بتلك التي وردت في المؤتمر القطري السابع فيما يتصل بالصراع العربي الصهيوني، بعد ذلك أكد في فقرة خاصة على " تعزيز نهج الكفاح المسلَّح، ورفض الانحراف الخطر الذي مارسه اليمين في منظمة التحرير الفلسطينية والذي أدى إلى تعطيل الدور الوطني والنضالي للمنظمة وحوّلها إلى جسر يستخدمه المتورطون لتصفية القضية " .‏

لقد تطورت مواجهات الحزب والقطر في هذا المجال، واستمرت بأشكال وصيغ متعددة، ولكنها لم تصل يوماً إلى اليأس أو التفكير بالاستسلام أو الخضوع للمساومة والابتزاز .‏

*ومبدأ " مقايضة الأرض بالسلام " المطروح كصيغة لحل القضية الفلسطينية يشكل قفزة خطرة فوق الثوابت المبدئية والقومية للحزب من وجهة النظر العقائدية، ولكن من يقولون به يفعلون ذلك متأثرين بالمتغيرات العربية والدولية مجارين لها، منطلقين في ذلك أصلاً من موقف حكومات يتوجب عليها أن تراعي الظروف والمعطيات والمتغيرات، وأن تراعي الممكن والقدرة على التحقيق؛ حكومات قد تقودها أحزاب ذات مواقف ومبدئية عقائدية مغايرة لما يفرضه الواقع القاتم، وليس من الضروري أن يكون هذا هو الموقف النهائي لتلك الأحزاب من القضايا المعالَجة بهذه الصورة أو تلك من خلال الحكومات التي تشكلها. وهذا الأمر ينطبق على حزب البعث العربي الاشتراكي حسب ما تنص عليه أهدافه وقرارات مؤتمراته.‏

والعرب الذين يقدمون للعدو الأرض مقابل السلام من دون مرجعيات نضالية ومبدئية تعتمد استراتيجيات نهائية تعتبر العمق الاستراتيجي لتحركهم السياسي المرحلي، يقدمون للعدو مبدئيتهم النهائية بينما يحصل العدو على الأرض والأمن والسلام معاً، ويدخلون ميداناً قد لا يكون فيه إلا الخسران المبين لأنهم يغامرون مع عدو يريد أرضنا ولا يريد السلام؛ ويغامرون بتعطيل إرادتنا وإلغاء حقنا وحقّ أجيالنا، حين يقود ذلك إلى الاعتراف بالعدو وإلى صور من تطبيع العلاقات معه والاعتياد على وجوده وتسويغ ذلك الوجود!!؟ فماذا تراهم يأخذون، وعلى أي شيء يقايضون ؟! وهم يقدمون للعدو جميع الأوراق ومستقبل الأمة وكرامتها ( دموع الملك حسين على رابين مثلاً، وأفعال عرفات، وهو ما يقود إلى السؤال : كم من الصهاينة في أنظمة الحكم العربية، وفي جلود عربية ) .*‏

إن حزب البعث العربي الاشتراكي عبر مسيرته النضالية الطويلة، وضع أمر حسم الصراع العربي- الصهيوني لمصلحة الأمة العربية على رأس أهدافه الكبرى، وأحلَّ القضية الفلسطينية محلّها الصحيح حين جعلها قضية العرب المركزية ومحور نضالهم وطريق وحدتهم وتحررهم وانتصارهم، والبوتقة التي يتخلَّصون فيها مما لحق بطينتهم من خَبَث .‏

وقد أعطت الحركة التصحيحية لهذا الهدف من أهداف الحزب اهتماماً رئيساً، بل وظَّفت كل جهد وطاقة وفعل في سبيل تحقيقه؛ وهي بوصفها مرحلة متجلِّية من مراحل نضال حزب البعث العربي الاشتراكي على طريق البناء والتحرير، أعلت هذا الشأن على سواه، بل جعلته محور الحركة في كل مجال وعلى أي صعيد. ودفع الحزب والقطر العربي السوري من أجل هذا الاختيار الصعب ثمناً غالياً، وما زالا يدفعان، سواء أكان الثمن دماً وشهداء وتضحيات وأموالاً، أم كان معاناة وضغوطاً اقتصادية وسياسية واتهامات بالإرهاب ومحاولات حصار مباشر أو غير مباشر، أم ظروفاً صعبة وتعطيلاً لمسيرة البناء والازدهار وتعويقاً عن التقدم واللحاق بالركب الحضاري، أم كان ذلك إغراقاً في مشكلات وصراعات ثانوية بهدف فرض الاستغراق فيها، وخلق أزمات وافتعال وفتح جبهات إشغال واستنزاف؛ كان أمرّها وأطولها وأشَقّها تلك التي استهدفت سورية من الداخل واستهدفتها من خلال لبنان فأرادت تفتيته وتدميره وسلخَه عن أمته وانتمائه العربي وتشويه هويته القومية، وجعله حليفاً لـ "إسرائيل" أو محتلاً من قِبَلِها. ومهما نسينا ينبغي ألا ننسى اجتياح لبنان وحصار بيروت وفرض اتفاق 17 أيار الذي أسقطته المقاومة الوطنية اللبنانية بدعم شامل من سورية .‏

وقد صمدت سورية لهذا الامتحان الصعب، وواجهته بوعي وإرادة، بصلابة وشجاعة، منطلقة من حقيقةٍ وضعها البعثُ على طريقها، حقيقة أن المعركة قومية بكل أبعادها وحساباتها ونتائجها، وأن الصراع العربي- الصهيوني صراع وجود وليس نزاعاً على حدود. وسواء أتمت مواجهة العدو في لبنان أم في الجولان أم في عمق فلسطين، بالمقاومة أو بالجيوش أو بالعمل السياسي والتقدم الحضاري، فإن ذلك يبقى مواجهة، وإعداداً واستعداداً لها؛ ويبقى صوراً من الأداء النضالي ضد عدو واحد المعركة معه واحدة؛ وهي معركة حددها البعث منذ تأسيسه، وعززت نظرتَه ورؤيتَه إليها التجربةُ الطويلةُ والتضحياتُ الكبرى .‏

وفي هذا الإطار أتت مواجهة الحزب لوجه المؤامرة في لبنان، بدءاً بأحداث عام 1975 وانتهاء بكشف غطاء ميشيل عون ومن هم خلفه وعلى شاكلته، مروراً بالاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ومواجهة القوى المتعددة الجنسيات، وإسقاط اتفاق 17 أيار، وإسقاط الرموز والعملاء وأشكال التآمر وأنواع المخططات التي كثرت وتنوعت وتعددت مصادرها وطرق تنفيذها وساحات وجودها؛ وكان هدفها دوماً أن تنال سورية من خلال لبنان، وأن تفصل جبهات المواجهة العربية لتنفرد بها واحدة بعد أخرى .‏

وفي إطار القضية الكبرى أتت أيضاً مواجهات الحزب والقطر في سورية التصحيح لنهج كامب ديفيد وما تمخّض عنه وما يتمخض عنه حتى الآن، لأن اتفاق "أوسلو ومذكرة واي بلانتيشن" وما تلاها، بين عرفات ونتنياهو وباراك ، هما في النتيجة من نسل كامب ديفيد الذي أخذ ينتشر سرطانياً في الوطن العربي بعد حرب الخليج الثانية، ومن نتائج سياسة الاستسلام والتصفية والتفريط بالحق الفلسطيني، والسياسات المشبوهة والحروب الغبية التي خطط لها الصهاينة والإمبرياليون وتجَّار الدم والسلاح ونفذها عرب ومسلمون وأدت أغراضها المدمرة بأشكال مختلفة؛ وهي ترمي عملياً إلى :‏

- استنزاف الطاقات العربية، ووضع العروبة في مقابل الإسلام نظرياً وعملياً، وصرف النضال القومي عن أهدافه، وإراحة العدو من مواجهة عربية قومية شاملة أو شبه شاملة، أو حتى من مواجهة قطرية متفرغة له؛ وتعميق التناقضات، بل قل الصراعات العربية – العربية، بغية إغلاق ملف التضامن العربي الفعال ـ وقد تحقق يوماً في مُناخ حرب تشرين التحريرية / 1973 / وأشرع أفقاً رحباً أمام العرب وقضيتهم العادلة، وفازوا حين استخدموا إمكاناتهم في إطاره بدقة وتنسيق وفاعلية، ويمكن مراجعة ما أنجز خلال مدة فاعلية التضامن المشار إليه : من تشرين الأول 1973 حتى نيسان 1974 ـ وإنهاء فاعلية أسلحة العرب ضد أعدائهم، وصولاً بهم وبنضالهم وأنظمتهم وجماهيرهم إلى ما يخَّيل إليهم أنها الطريق المسدودة؛ وزجهم في دوامة التيئيس التي يوضعون فيها ويدفعون إليها دفعاً، حيث يزيَّن لهم الاستسلام وتفرض عليهم الحلول المنفردة ويُقَدَّم لهم ما هم فيه وما عليه العالم على أنه نهاية التاريخ؛ ويُملى عليهم التنازل بعد التنازل على شكل مقايضة أرض بسلام وأمن بسلام !؟ أرض العرب بسلام لأعداء العرب، وأمن للعدو بسلام للعد !!؟ وهكذا يأخذ الأعداء الأرض والأمن والسلام معاً ولا نأخذ نحن شيئاً!؟! وهذا غاية في البؤس ونهاية الوضع المأساوي الذي يتحرك فيه وإليه العرب وتعمل سورية البعث والتصحيح على وقف الانهيار الذي يحققه والمأساة التي تنشأ عنه !؟؟.‏

لأن سورية تدرك أنه بذلك يسدل الستار على الحق العربي في فلسطين، وتُزرَع دولة صهيونية عنصرية مستعمرة ذات مشروع توسعي استعماري استيطاني أمني اقتصادي يناقض مشروعنا القومي ويتضاد معه كلياً، تُزرع بشرعية عربية تقر شرعية دولية ظالمة ومنحازة للعدو طالما رفضناها وشكونا من ظلمها وانحيازها، ويقوم مشروع مزروع في كيان الأمة العربية ليعيقها باستمرار عن تحقيق أي هدف من أهدافها القومية وعن النهضة واللحاق بركب التقدم والحضارة والعيش الآمن الكريم.‏

ولم يَغْفَل حزب البعث العربي الاشتراكي عن هذا، ولم تنطل عليه اللعبة، وبقي وهو في خضم الأحداث الصعبة والمواجهات المرهقة والمؤلمة، مالكاً للرؤية السليمة متبيِّناً للهدف واضعاً أقدامه على الطريق المؤدية إليه، مركِّزاً الاهتمام على المقولة الأصح والمقولة الأساس، ألا وهي : مركزية القضية الفلسطينية في النضال العربي ـ الوحدوي والتحريري والتحرُّري ـ وضرورة حسم الصراع العربي الصهيوني لمصلحة الأمة العربية، ومواجهة العدو على أساس أن صراعَ الأمة معه صراعٌ أبيد، وأن حسم هذا الصراع يحتاج إلى توازن استراتيجي معه، تحققه الأمة كلُّها على جميع المستويات بكل طاقاتها وقدراتها وإمكانياتها، في ضوء حقيقيةِ قوميةِ المعركة وتحالفات العدو المنبئة بحجم مشروعه التوسعي واستراتيجيته الرامية إلى إعادة رسم الخريطة الجيوـ سياسية للمنطقة العربية ليكون هو المهيمن عليها بكل أنواع القوة : العسكرية والاقتصادية والمعرفية والأمنية التي يملكها !؟ وكان على الحزب أن يهيئ سورية، التي يقودها، لهذه الأوضاع والتحديات والسياسات، لتبدأ على المدى البعيد، السير والدعوة إلى السير في طريق تحقق مستقبلاً: توازناً استراتيجياً شاملاً مع العدو بإمكاناتها، إذا لم تفلح في شد الأمة العربية إلى المعركة القومية وإلى إقامة ذلك التوازن الاستراتيجي مع العدو الصهيوني وحماته بقواها الشاملة .‏

ولقد تجلى ذلك في أنصع ما يكون عليه الأمر وأروعه ، تجلى في موقف الحزب والقطر، موقف الحركة التصحيحية القومي المبدئي، من الانتفاضة الفلسطينية والمقاومة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية داخل الأرض المحتلة ومن مقاومة أهلنا في الجولان المحتل، وكذلك في الموقف من أحداث لبنان ومساومات التيار المستسلم في منظمة التحرير الفلسطينية ومن يناصر تفريطه ويمهِّد الطريق له. ولخص موقفَ الحزب موقفُ الأمين العام المناضل حافظ الأسد في مناسبتين هامتين :‏

- الأولى : خطابه التاريخي بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لثورة الثامن من آذار حيث عبر باسم الحزب كأمين عام له يتكلم بمناسبة حزبية عن ثوابت البعث، وتوجهات البعثي في إطار الهدف النهائي للأمة العربية، وليس في إطار الهدف المرحلي لنضالها؛ من وجهة نظر البعث، حيث قال : " إذا لم نستطع أن نقرر ونحقق النصر اليوم، فلا يجوز لنا أن نقرر ونحقق هزيمتنا اليوم. لماذا قِصَر النفس ؟ لماذا السرعة في فرض الهزيمة على أنفسنا ؟ القضايا المصيرية كالتي نحن بصددها ليست ملكاً للأفراد ولو كانوا في قمة المسؤولية، إنها ملك الشعوب وليست ملكاً لجيل واحد، إنها ملك الأجيال؛ وعندما لا يستطيع مسؤول ولا يستطيع جيل من الأجيال أن يحقق مصالح شعبه، مصالح الأجيال التالية. ألاَّ ينتصر في إحقاق هذه الحقوق، فلا يجوز له، ولا يجوز لهذا الجيل أن يورث الأجيال اللاحقة هزيمة ممهورة بالصكوك، لا يجوز أن يسلم هزيمة مسجلة بصكوك وقَّع عليها المسؤول أو وقَّع عليها الجيلُ عبر هذا المسؤول " .‏

وحيث قال أيضاً :‏

“ المهم أن الحرب مستمرة والمهم أن تظل كذلك، نمارسها مرَّةَ بالبنادق ومرَّةً بالحجارة، مرَّةً بتظاهرة شعبية، ومرَّةً بصراع عسكري شامل، ومرَّات أخرى بأشكال أخرى، بما يتناسب ومعطيات الظروف من الجوانب المختلفة، ولكن في مختلف الظروف وبشكل مستمر يجب أن نمارس الصمود نفسياً وفكرياً ومادياً باعتباره شكلاً من أشكال الحرب ورفض الاستسلام، ومنع العدو من تحقيق أهدافه أولاً، وقاعدة لا بد منها لممارسة شكل آخر من أشكال الحرب ثانياً ".‏

وثبَّت في تلك المناسبة الهامة، مناسبة مرور ربع قرن على قيام ثورة الثامن من آذار، أهدافاً وأفكاراً وقراراتٍ استراتيجيةٍ عمرُها عمر البعث، وجذورُها في الثورات العربية التحريرية ومنها الثورة العربية الكبرى، ونسغُها يمتد عبر التاريخ إلى ما قبل " ذيقار" وما قبل " نبوخذ نصر "، جذرها يمتد على امتداد أصالة العروبة في هذه الأرض، وانتماء هذه المنطقة تاريخاً وجغرافياً للوجود العربي؛ يوم كان العرب العموريون يشيدون حضارتهم في سورية ويقيمون في إيبلا أقدم مكتبة في التاريخ ، ويوم كانت " شفة " كنعان هي لسان إبراهيم الخليل كما تسّجل التوراة ذاتها، ويوم أعطى الفينيقيون للعالم كله ـ وهم من العرب العموريين الكنعانيين ـ أول أبجدية في التاريخ؛ ثبَّت الأمين العام للحزب في تلك المناسبة حقيقة الوجود، وحقائق التاريخ، لمن يريد أن يستمر في الوجود وفي صنع التاريخ وفي الحضور عبر التاريخ. وما كان كلامه إلاّ ضوءَ الحركة التصحيحية المنبجس، في التفكير والممارسة، من تيار البعث الأصيل؛ الممتد تنظيمياً، منذ السابع من نيسان 1947 مروراً بالثامن من آذار 1963 والسادس من تشرين الثاني 1970 والسادس من تشرين الأول 1973 وحتى يوم الناس هذا وإلى يوم انتصار الأمة العربية القادم وتحقيق أهداف البعث العظيم؛ ثبت ذلك بقوله :‏

" كل طريق آخر غير طريق البناء الشامل الذي يحقق القوة الشاملة هو هزيل الجدوى، وغالباً عديمها في صراعنا مع العدو الصهيوني ....‏

لا مبرر للقلق، لأن المستقبل لنا وليس لإسرائيل، إن إسرائيل تملك عوامل قوة ونحن نملك عوامل قوة، وإذا تفوقت إسرائيل في بعض هذه العوامل فهو تفوق عابر، لأننا نستطيع أن نملك وسنملك قريباً أو بعيداً ما تملكه إسرائيل، ولكن إسرائيل لا تستطيع أن تملك قريباً أو بعيداً ما يملكه العرب لأننا ملك أمرين أساسيين خارج قدرة إسرائيل الآن وكل آن، هما الحق الساطع والشعب الواسع " .‏

وبهذا القول الذي ينبثق من وجدان الأمة والشعب والبعث، ويعبِّر عن الانتماء للحق والقضية يثبِّت الحزب نهجَه واستراتيجيته وهدفه الكبير ألا وهو تحرير فلسطين والحفاظ على الوجود القومي للأمة العربية في حيوية مستمرة قادرة على المواجهة - أي مواجهة - اعتماداً على الذات موصولة ببعدي الشعب والزمن في امتدادهما وخلودهما وخصبهما وقدرتهما غير المحدودة على الإبداع، في أثناء الصراع من أجل البقاء والتقدم والكرامة والحرية والتحرير .‏

فأي دافع للنضال ولخوض غمار صراع مرٍّ مديدٍ مع العدو أقوى من حق مستمرِّ الثبات بالوثيقة التاريخية والمعطى المعرفي والشهادة التي تجدده بالدم، والوجود الحضاري الحي، والعيش الدائم لشعب على أرضه، وصبغِه لها ولبيئتها وآثارها وتراثها بدمه ولونه وصبغها لدمه ولونه بطعم عطائها وتأثير بيئتها؛ وصوغِه لذلك كله عطاءً ثقافياً حياً في لغته، وفي وسائل التوصيل والاتصال لديه تعبيراً عن وجوده التاريخي في أرضه، ووجودها في ذاكرته ودمه ووجدانه ومقومات تكوينه المادي والروحي معاً؟!‏

وأية قوة يمكن أن تحمي حقاً ساطعاً أكبر وأعظم من أمة كثيرة العدد، عميقة الجذور في التاريخ، عريقة المجد والحضارة ؟! أية قوة قادرة على حماية حق أفضل وأشد من قوة شعب مصمم على استعادة حقه، يفوق عدوه عدداً بما لا يقاس!؟ شعب قادر على أن يمهر حقه وحريته وكرامته بالدم والتضحيات، ويتطلع إلى امتلاك العلم والتَّقَانَة والقوة التي يحققها ذلك الامتلاك ؟! شعب تمتد جحافله - إن عقدت العزم على التحرير وتحوَّل إيمانها بحقها الساطع إلى عمل - تمتد من طنجة إلى جبال طوروس وزاغروس !؟‏

إن عبارة " الشعب الواسع " التي أشار إليها الأمين العام للحزب تعني، في أرض الفعل المحرِّر البنَّاء : قوة حسم نهائية في معارك الشعوب، فالشعب هو: أبناؤه موصولون ببعدي الماضي الحي والمستقبل الواعد، وبما يعنيه الزمن لشعب في حالة الحيوية إنجاباً وإنتاجاً وتقدماً معرفيَّاً وعلمياً وتقنيَّاً وحضارياً؛ والشعب في ميزان القوة هو: ما يسيطر عليه من طاقات وما يستثمره من ثروات وما ينتجه من صناعات وما يملكه وتستنفره من قدرات روحية ومادية وبشرية وعلمية وإبداعية، أعني طاقته و طاقة مساحة الأرض التي يملكها بما تعنيه من بعد استراتيجي وقدرة على الإنتاج، وما تحتوي عليه من ثروات وخيرات وقدرات خلاقة؛ إنه الموقع الاستراتيجي والعلاقات الحضارية مع الشعوب، والحيوية الثقافية والعلمية والإبداعية؛ إنه الإرادة المصمِّمَة على العيش في حدود معطى التاريخ والجغرافية، محمولة على عامل الزمن الذي يشكِّل البعد الثالث للمقولة التي تُشْرِع باب الأمل وتنير طريق المستقبل أمام أمتنا العربية وأجيالها الصاعدة وشبابها الواعد.‏

" الحق الساطع، والشعب الواسع، والزمن "، ذاك الذي يعنى بكل الوضوح: المستقبل، أي أن المستقبل لنا والزمن يمكن أن يعمل لمصلحتنا. وعلينا أن نتوقف ملياً عند : "يمكن" فذاك أمر منوطٌ بقدرتنا على العمل وبنوع العمل الذي نؤديه والمعرفة التي نملكها. ولن تهزم أمة تملك الحق والقوة والثقة والأمل، وتعمل على تجسيد إرادتها في فعل ناجز على أرضية معرفية علمية .‏

وبقاءُ أمة وإبداعُها في وجودها ومن أجله، هو إبداع يصنعه أبناؤها كل في مجاله وموقعه، بقدراته وبالإمكانات المتاحة له وبالطاقة الروحية والمعنوية التي خلفه. ولا يكفي على الإطلاق توفير الجانب المادي من هذا الوجود : البشر والمادة الخام والأدوات، بل لا بد من وجود نوعي في مُناخ نوعي مرتبط بهدف واضح، حتى يتحقق عطاء محقق لأهدافه وأغراضه؛ لا بد من المعرفة المضافة إلى المادة في إطار تطبيقات العلم باقتدار، فذاك هو مصدر فضل القيمة الحقيقي الهائل، الذي يزري بكل فضل قيمة تحدَّث حوله تاريخ الفكر المادي عبر العصر الصناعي !؟؟.‏

وكما هي الحال في تهيئة مقومات نجاح تجربة مخبرية خالصة في إطار العلم، كذلك الأمر – تقريباً – في نشدان النجاح عبر مجالات العمل الأخرى في الحياة؛ فلا بد لكل تجربة علمية من توفير: عناصرها الأولية وشروطها العامة لتعطي نتائجها. كذلك الأمر في حالات نشدان مجتمع خلاق انطلاقاً من طاقات وإمكانيات ومواد خام ومعرفة موظفة بإبداع توظيفاً علمياً ضمن برنامج طموح، إذ لا بد من تهيئة مقوماتٍ وعناصرَ وشروطٍ ومناخ ضمن رؤية، ليؤسس كل ذلك لوجود حيوي فعَّال أو قادر على أن يكون كذلك على أرضية من الإيمان.‏

ـــــــــــــ‏

إن سورية بمساحتها التي تربو على 185 كم2 فقط، وبسكانها الذين يناهز عددهم ثمانية عشر ملوناً، تشكل اليوم طرفاً رئيساً في أية معادلة سياسية/ عربية أو دولية/ في هذه المنطقة من العالم، ويصعب على سياسي جاد أن يقفز فوق دورها وحضورها أو أن يتجاوز قرارها في أي موضوع، يتصل بالمنطقة، يُراد له أن يولد سليماً وأن ينمو ويستمر.‏

وهي اليوم قلب المشروع العربي الذي هو النقيض التام للمشروع الصهيوني في المنطقة، سواء في الحرب أو في السلام ـ وأظن أن قول كيسنجر صحيح حين قال: لا سلام من دون سورية ولا حرب من دون مصر ـ ولا تتنازل سورية عن مشروعها القومي أو عن دورها الاستراتيجي في كل ما يتصل بحاضر المنطقة ومستقبلها، وهو الأمر الذي ينبغي أن يتم التوقف عنده طويلاً في التحليل والتقدير والتدبير؛ والتفكير فيما يرتبه وما يتطلبه ذلك من استعدادات؛ وهو في المحصلة خلاصة سورية الحديثة التي فرضت حضورها بشكل ملموس.‏

لقد كانت سورية، حتى مؤتمر مدريد، دولة عربية متميزة المواقف والرؤى عن الدول العربية الأخرى، ويرى الغرب والعدو الصهيوني أنها سوف تستجيب لكل شروطهما وإملاءاتهما ورغباتهما شيئاً فشيئاً، لأنها فقدت الحليف الرئيس الذي كانت تعتمد عليه -الاتحاد السوفييتي المنهار- وأنها لا بد أن تصاب بالإحباط التام بعد أن تتم خلخلة الصف الذي تحاول أن تبنيه مما سمي دول الطوق العربية / سورية ولبنان والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية/ ولكن الواقع أثبت غير ذلك تماماً، فسورية القوية في جبهتها الداخلية ووعي مواطنيها وتحرر اقتصادها من سيطرة الاحتكارات الغربية والبنك الدولي، والتي تملك رؤية قومية وسياسية سليمة وبعيدة النظر، استطاعت أن ترفض "أوسلو" بشقيها ووادي عربة بملحقاتها المهينة وتتجاوزهما إلى أفق قومي ووطني أرحب وأشرف وأليق بتاريخها ومكانتها وقيادتها؛ واستطاعت أن تصمد في وجه الضغوط وأشكال الحصار والاتهامات، وأن ترفض الإملاءات الصهيونية والأميركية، و"الإسرائيلية"، وأن تحتفظ بموقف مشرف تُجمِع الجماهير العربية على احترامه والإشادة به والتطلع إلى ثباته، فهي ترفض المشروع الصهيوني- الاستيطاني المستمر الذي يطمح أصحابه وحماته إلى أن يحقق في ظل "السلم" ما عجز عن تحقيقه بالحرب؛ فالمشروع الذي يتلفَّع بالشرق أوسطية ويدعو إليها يريد أن يفرض هيمنته الأمنية والعسكرية والاقتصادية على المنطقة، ويريد أن ينسف هويتها الثقافية العربية، وأن يلغي خصوصيتها، ويزيل حتى إطار الجامعة العربية الهش الذي يجمع أقطارها، وهو المشروع النقيض للمشروع العربي الذي مثلته بلاد الشام تاريخياً، منذ قامت الدول العربية الأولى في دمشق وأسست لنهضة العرب والمسلمين في العهد الأموي إلى يوم الناس هذا الذي تقف فيه دمشق بصلابة في وجه المشروع الاستعماري الصهيوني الذي يتستر بالسلام ويرمي فعلياً إلى محو المشروع العربي وإزالة كل أثر له في التاريخ والذاكرة والوجدان، ودمشق تدرك اليوم –في عهد التصحيح وحافظ الأسد- أو ينبغي أن تدرك أكثر من أي وقت مضى خطورة المشروع الصهيوني ـ لا سيما في ظل ما يسمى "السلام" ـ الذي وظف أنظمة عربية لخدمته، وأخذ ينمو ويتقدم ليحاصر سورية ونهجها وما تمثله في وجدان العرب اليوم، ودمشق تدرك، أو ينبغي أن تدرك، أن سورية الحديثة، التي بناها البعث والقائد الأسد، هي موقف ووعي وانتماء قومي وقوة للعرب وقضايا العرب الرئيسة، قوة تستعصي، أو ينبغي أن تستعصي، على الضم والقضم والابتلاع والاتباع، ويصعب إلحاقها بركب الباكين على الإرهابي القاتل المقتول بذنبه، إسحق رابين، ربيب عصابات الإرهاب التي قتلت المدنيين العزل والمثقفين، رابين الذي قتل الأسرى العرب، وسحق عظام أطفال الحجارة في أثناء الانتفاضة المباركة في فلسطين المحتلة.‏

إن قائد التصحيح في سورية ليس أخاً ولا صديقاً للصهاينة العنصريين الإرهابيين الذين يحتلون أرضنا ويفتكون بشعبنا، ويعملون على مشروع يبقينا قيد الاستعمار والاستثمار والاحتلال والإذلال، وأبناء سورية ليسوا مثل عرفات أبناء عم لليهود الخَزَر من أمثال بيغن وشامير ورابين وبيريس ونتنياهو وشارون وباراك؛ والعرب في سورية تربوا على العز والكرامة، وهم يربطون الحضارة بالأخلاق، ولا يشرفهم حتى أن يقبِّل صنو أبي لهب، يد صهيونية شمطاء طالما استمتعت بقهر العرب ودعت إلى قتلهم وطردهم من وطنهم مثل "ليئة رابين"!؟.‏

إن سورية اليوم، بما حققته من إنجازات وبما اكتسبته من خبرات وخاضته من حروب ومواجهات، تدرك جيداً أن السلام لا يستتب في هذه المنطقة من العالم باستعادتها للأراضي التي احتلها العدو الصهيوني ابتداءً من الخامس من حزيران 1967، ولا بتحرير جنوب لبنان من الاحتلال العسكري الإسرائيلي، بل بإزالة المشروع الصهيوني الذي يؤسس لحرب طويلة الأمد، مع حلفائه من الغربيين والعرب، وبدفع مخاطره عن المنطقة؛ ولن يكون ذلك إلا ضمن رؤية قومية وعمل قومي طويل النفس وتغيير جذري في النظرة للإنسان ومكاتنه وحقوقه وحرياته ،وقدراته الخلاقة، ومسؤوليته عن الوطن وفيه.. وعن الأمة أمام أجيالها و تاريخها.‏

في ظل ما يسمى "السلام": سلام كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة..إلخ تقوم عملياً حرب تهدف إلى نقض المشروع والوجود العربيين وإحلال المشروع والوجود الصهيونيين محلهما!؟ فمن يقبل بذلك غير الذين يستقيلون من دور تاريخي ويقيِّلون في أفياء الحماية المنظورة أو غير المنظورة للعدو وحلفائه وحماته ورعاة مشروعه الاستعماري الاستيطاني العنصري المستمر، والذين تخلوا عن كل صلة بالمواقف المبدئية وما تعنيه للرجولة والكرامة؟؟ اللهم اشهد أن من يختارون الكرامة هم الذين يختارون الحياة والعمر الحق ومعنى الحرية والانتماء لقيم وعقيدة ووطن وجوهر إنساني سليم ورفيع.‏

إن الأمم لا تتنازل عن حقوقها الثابتة وقضاياها العادلة لمجرد أنها أُرهقت، أو أُرهق جيل من أجيالها؛ ولا تنهزم الأمم وتيأس بسبب صراع عادل يقيمه الإيمان ويدعمه، وإنما يهزمها الإحباط والضياع وتفكك الأواصر وتفتت الإرادة وتشتت الرأي وزوغان الرؤية والتراخي والترهل المتنامي وابتلاع الوهم وتضخمه سرطانياً وانتشاره في الأعماق!! وصراع أي أمة من أجل حق من حقوقها وعدم تنازلها عن ذلك الحق وتقديمها التضحيات من أجل استرداده كل ذلك يبني شخصيتها وقدرتها وخلقية أبنائها لتدافع عن كل حقوقها، ولتصون وجودها على مراحل من التاريخ، والتاريخ لا يتوقف عند الانتصار في قضية أو الانهزام في معركة فاحتمالات المواجهة بين الشعوبوالأمم احتمالات مفتوحة دائماً، هكذا يفيدنا التاريخ، وهكذا ينبغي أن يكون الاستعداد.‏

وعليه فإن محاكمة جيل ما، أو فئة ما، لموضوع هذا الحق من حقوق الأمة أو ذاك يجب ألا تبنى على أساس التعب- والتنازل- والحسابات الآنية الضيقة الأفق، وإنما ينبغي أن تبنى على أساس من الوعي التاريخي والمستقبلي الشامل بالحق واستمراره وبالقدرة على استرداده والمحافظة عليه وامتلاك مسوغات الدفاع عنه ومقومات ذلك الدفاع.‏

إن الأجيال العربية لم تختر الحرب مع الصهاينة وإنما فُرضت عليها تلك الحرب فرضاً بانتزاع جزء من أرضها واستمرا الطمع وتناميه عند العدو؛ وإن المشروع الصهيوني مشروع توسعي -استيطاني- استعماري مستمر، وهو مرحلي الأداء والخطط والبرامج، وكل مرحلة تهيئ لما بعدها، ولا مسوغ أبداً للقول بأن سلام- الاستسلام سوف يؤدي إلى سلام دائم في المنطقة، فإسرائيل ليست كياناً مسالماً، وجوهر الصهيونية عنصري معاد للسلام.‏

كما أنه لا يوجد منطق مقنع في القول: إن العالم اليوم ليس مع الحرب وأن عهد الحروب قد انتهى، وأنه علينا أن نخضع لمنطق القوة المنتصرة لأنه منطق العصر الذي أرسى أمور الدول والأمم والشعوب على ما آل إليه أمر العالم بعد انتهاء الحرب الباردة بانتصار الولايات المتحدة الأميركية على الاتحاد السوفييتي؛ لا يوجد منطق مقنع وراء ذلك:‏

- فالحرب مستمرة على الحقوق والشعوب والدول الصغيرة والضعيفة بكل أشكالها: الحرب الساخنة والحرب الباردة، وحروب الاستنزاف الاقتصادي، وفرض التبعية وأشكال الغزو الثقافي، وإلحاق العالم برؤية وحيدة الطرف للعالم تفرضها مصالح الولايات المتحدة الأميركية، والقوى المتحالفة معها.‏

الحرب تشنها علينا نحن العرب "إسرائيل" والولايات المتحدة كل يوم، وعلى من لا يرى استمرارها أن يدقق جيداً ليراها ساخنة وباردة في كل الميادين تستهدف الأرواح والأرض والمقدسات والاقتصاد والثروات والطاقة والقرار السياسي والإرادة العربية، وتستهدف الإرادة والشخصية الثقافية والعقيدة الدينية، والأجيال المقبلة تحديداً.‏

وإذا كنا نرفض الحرب ولا نؤمن بها، ونختار السلام- حتى لو كان البعض يختار سلام الاستسلام- فإن الحرب مستمرة ضدنا/ ضده / مفروضة علينا/ عليه/ بشكل أو بأخر؛ وإذا كنا نرفض الاستعداد لها هرباً من تحمل تبعاتها فإننا سنواجهها عاجزين؛ أمّا إذا أردنا الاستعداد لها ونتذرع بعدم القدرة على ذلك لأن الهوة أصبحت سحيقة بين تقدم الأعداء وتخلفنا نحن؛ فإن هذا المنطق يقود إلى الآتي:‏

- اليأس فالهزيمة من الداخل قبل أية مواجهة.‏

- القبول بالذل وبكل ما ترمي الأمم إلى فرضه على العربي مستقبلاً.‏

- انحلال الإرادة والأمة، ومن ثم الأمة احتلال الأرض والإرادة معاً، وجعل أبناء الأمة عبيداً في قفص من وَهْمِ السيادة!!.‏

- عدم السير في طريق امتلاك القوة على أرضية العلم والإيمان وترجمتهما إلى منجزات مدنية وعسكرية ، وإلى منظومات قيم ومعايير وسلوك وتألق روحي؛ تأسيساً على اليأس وهزائم الأعماق.‏

وكل هذا لا يؤدي إلى ما يشكل أية أرضية إنسانية سليمة من أي نوع لأفراد أو مجتمع أو أمة من أي نوع. فضلاً عن أن تلك حالة يراد فرضها علينا لإدخال اليأس على نفوسنا وجعلنا نتهافت كلياً ونتهاوى قبل هبوب الريح.‏

إن استعدادنا لدخول معترك امتلاك القوة على أرضية العلم والتَّقَانَة والإيمان هو الأساس الذي ينبغي أن نبني عليه توجهنا وتربيتنا وقرارنا السياسي وعلاقاتنا الاجتماعية، لأن امتلاك القوة شرط من شروط قيام الأمم والدول، ومن شروط حماية وجودها وحماية مصالحها والدفاع عن حقوقها وثرواتها وحدودها، ولا يمكن أن تقوم توازنات مثالية في العالم دون روادع مادية، منها روادع القوة.‏

وما إعلانات الإمبريالية الأميركية- والصهيونية عن عالم بلا حروب، في الوقت الذي تشنان فيه الحروب من كل نوع على العرب، إلا استخدام لأساليب الحرب النفسية في حرب ما زالت‏

مستمرة ضد هذه الأمة.‏

إن امتلاكنا للقوة أمر ضروري وحيوي لكل المواجهات المحتملة، وهو المخرج لنا مما نحن فيه من حالة استنزاف وخضوع وضياع؛ وانعدام التوجه نحو ذلك أو التشكيك في جدوى ذلك التوجه، هو ما يعمل على ترسيخه الطابور الخامس الذي يعمل بين ظهراني الأمة، بإيحاء وتمويل ودعم من القوى التي تشن علينا الحرب المستمرة، حرب الاستعمار والاستيطان والاستنزاف والتفتيت والتيئيس والإلحاق، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني.‏

أما سؤال هل ننجح في ذلك أم لا فهو سؤال المستقبل، ولا أومن بجدوى مصادرة المستقبل ولا أقر بحق أحد في فعل ذلك؛ ولدي كل ما يعزز الثقة بإمكانية الشباب العربي، من خلال قدرات الأمة وتوجهها السياسي العام، على تحقيق تقدم في هذا المجال والوصول إلى نتائج طيبة تؤدي إلى حماية الذات والحقوق، وصوغ مستقبل أكرم على أرضية الأمل.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244