مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد الثامن السنة الثالثة شتاء 2000
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

ماركس، هابرماس، والديمقراطية الراديكالية ـــ رينر روشليتز RAINER ROCHLITZ ـ ت.سليم قندلفت

MARX, HABERMAS,‏

ET LA DEMOCRATIE RADICALE‏

عن مجلة "ماركس الراهن" العدد /24/‏

(HABER MAS UNE POLITIQUE DE LIBERATIVE)‏

هابرماس سياسة شوروية‏

إن السؤال الذي يطرحه كتّاب ينتسبون إلى ماركس هو "هل هابرماس هو هيغل (أو كانط) الاشتراكية -الديمقراطية؟" إنه السؤال الذي يعود شكلاً إلى مقارنات مخادعة والذي يهدف إلى إقامة تماثل بين هذه الفكرة وتلك المتعلقة بإحدى الحركات السياسية، سبق أن هزمت. وبطرح هذا السؤال ثمة من يشير إلى التطلع للاحتفاظ، أو لجعل الآخر يحتفظ، بدور "ماركس" في حركة سياسية تناوبية ومتعاقبة. وأن لايكون المرء اشتراكياً- ديمقراطياً إنما يعني استحالة التعرض لسياسات السلطة القائمة وكذلك التعرض لشبهات نظرية مع "الفكر البرجوازي". ومن الواجب إثبات أن هذا العرض لامبرر له كما أن المصطلحات الثلاثة المطروحة هيغل وكانط والاشتراكية- الديمقراطية، ودون أن تكون مهينة ومعيبة، فقد أسيء اختيارها في حالة هابرماس.‏

إن المصطلح الفرنسي "اشتراكية- ديمقراطية" يرجع، قبل أي شيء آخر، إلى شيئين: أولاً إلى تقاليد الاشتراكية الألمانية، المتميزة باتجاهاتها الإصلاحية أكثر من كونها ثورية. ثم بنوع خاص، ومن وجهة نظر ماركسية، إلى اتجاه سياسي وتحديداً من خلال اتجاهه الإصلاحي الذي أدى إلى (خيانة) المثالية الثورية. ومن وجهة النظر هذه فإن المجتمع البرجوازي والرأسمالي يعتبر متعذر الإصلاح، وأنه يمكن إدخال تعديل عميق على المجتمع الرأسمالي بالطريق الثوري فقط، وذلك بمعنى تغيير جذري لأسلوب الإدارة الاقتصادية.‏

وانطلاقاً من وجهة نظر كهذه، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت بعض ملامح ماركس أو كتّاب آخرين مثل هورخيمر HORKHEIMER وادورنو (ADORNO) اللذين لم ينتسبا كما لم يهملا من قبل هابرماس أو غيره- بما في ذلك محاولة تفضيل هذه الجوانب(1) وهل يجب أيضاً، ليصبح مثل هذا المشروع مقنعاً، إدراك ماذا يقول المنظّر المتهم بالنسيان وامتلاك فكرة التعاقبات النظرية القابلة للحياة والاستمرار في القرينة الراهنة، بما في ذلك إدراك الفوارق بين النظريات السياسية، أكان ذلك لدى ماركس، أو في المدرسة الأولى لفرانكفورت، وغياب نظرية ديمقراطية لديهم.‏

إن هورخيمر وادورنو اللذين جاءا بعد ويبر (WEBER) ولوكاتس (LUKACS)، كانا بالفعل قد أخضعا النظرية الماركسية لانتقادات وتعديلات هامة. وبناء على نظرية الأزمات والنضال الطبقي و "الشعور الطبقي" كانا قد حققا وأقاما نظرية فلسفية للتشويهات المفروضة على الذاتية(2) من قبل "المجتمع المرؤوس" لقد حوّلوا التشخيص الانتقادي لدى ماركس حول الرأسمالية إلى نظرة متشائمة للتاريخ بكامله. لقد كانت الاتجاهات الرؤيوية للمجتمع المعاصر تبدو لهم على أنها ناتجة عن اتجاه تعريفي للأنوار الغربية اعتباراً من هوميروس وحتى القرن العشرين، التي أدت إلى تحويل العقل إلى أسطورة. وهنا تحديداً يكمن (ديالكتيك) "جدلية العقل". إن تعديل التشخيص الماركسي، بهذا الأسلوب، وبإدخال منظور قدري وجبري على مصير ومستقبل الغرب فإنهم لم يعودوا يحتفظون من ماركس سوى بشيئين فقط: فكرة (REIFCATION) التشيئ (تحول المثالي إلى شيء) غير الإنسانية، البعيدة عن اتجاه العلاقة التجارية المسؤولة عن معاناة المجتمعات القديمة والمعاصرة، وكذلك جذرية النقد التي تجلت، بعد تشخيصهم اليائس، بعدم استطاعتهم استخلاص أية حالة عملية. وكما يرى ادورنو فإن "التطبيق العملي" (PRAXIS) أصبح مستحيلاً. وفيما يتعلق بالنظريين الذين يعلنون انتماءهم إلى ماركس وكذلك إلى هورخيمر وادورنو، من أجل اتهام وإفحام نظريات سياسية كتلك الخاصة بهابرماس، فإنهم يحاولون دون شك، هم أيضاً، تحليل ودراسة أشكال معاصرة من (REIFICATOIN) التشيئ رغم أنهم لم يتوصلوا لتبرير جذريتهم بتشخيص شبيه بما توصل إليه ماركس، هورخيمر وادورنو، وبذلك تتحول جذريتهم إلى مجرد بلاغة...‏

ومايطلق عليه تسمية "الاشتراكية- الديمقراطية" التي هي أقل انهزامية، فإنها تعود أيضاً لتحصل على شهادة في الراديكالية. وقد يحدث أحياناً عندما يطال نظرية يقوم جوهرها السياسي على الديمقراطية الراديكالية، التي تؤكد على تكوين الرأي والإرادة السياسية بعيداً عن أجهزة الأحزاب، أو بتعبير آخر عن "سلطة الاتصالات" باعتبارها مصدر وسلطة رقابة "السلطة الإدارية" التي تؤكد وتشير إلى أهمية الحركات الاجتماعية، المؤهلة وحدها لممارسة النضال، للتعرّف على الأسباب والأقليات غير المعروفة، في أوضاع كهذه غالباً ما يقع الخطأ بتحديد الخصم وهناك من يتصور أنه ثمة اليوم أيضاً خصومة نظرية وعملية بين اشتراكية- ديمقراطية وشيوعية كما سبق أن وجدت بين عقدي العشرينات والسبعينات، وبذلك يبدو أن الانفساح والبعد السياسي الحالي لم يعد يمثل اليوم أياً من تلك المظاهر التي مضى عهدها... وباستثناء الانغلاق داخل عقائد جامدة ليست لها أية علاقة بالواقع، أصبح بالإمكان المطالبة بتفعيل تراث الماركسية- في أقل تقدير للعديد من الأسباب والدوافع التي لاتزال مقبولة، بالمقارنة مع التقدير والتقييم بالثورة المستحيلة- وذلك عبر نظرية تتعلق بالديمقراطية الجذرية التي تتميز بأيديولوجيا إدارة الاشتراكية- الديمقراطية. وقبل العودة إلى راهنية ماركس، أريد أن أقترح بعض التفسيرات والشروح تتعلق بمفاهيم هابرماس التي لاتزال منهاجياً غير مفهومة.‏

لعنات ومصائب ثلاث: الاتصال، العقل، التوافق‏

إن طابع فكرة هابرماس التي تبدو لي غير معروفة، بما في ذلك في فرنسا، هي تلك التي تحمل طابع معنى وقانون "الاتصال". أولاً يجب محاولة إدراك الأسباب التي تمكن بواسطتها أحد المفكرين من امتلاك الفكرة الغريبة بأن يجعل من الاتصال المفهوم المركزي لنظرية نقد المجتمع، التي حاول منها هابرماس أن يضع الأسس لنقد ممكن يتعلق بأن المجتمعات الحالية تعاني من أوضاع مرضية. لقد وضع مفاهيم وتصورات يمكن بواسطتها مواجهة الأمراض والأوجاع التي تعاني منها المجتمعات المعاصرة، منها أسلوب أو طراز قابل للحياة، يقوم على أسس فاعلة ومؤثرة.‏

وبالتالي تقع "الاتصالات" عند مفترق طرق العلوم الإنسانية والاجتماعية في القرن العشرين. ولهذه القواعد قانون شبه- صوري بالنسبة للحياة الاجتماعية، وتكمن أهمية هذا القانون بواقع أنه يصعب وضع مبادئ لمعمل السلوك الأساسي والجوهري للحياة في المجتمع على مستوى أكثر أصالة، وذلك منذ أن يصبح التعامل في مجتمعات ليس فيها عادات أو تقاليد في منأى عن ضرورة تبرير ذاتها في حالة المعارضة والخصام. ومع "أفعال الكلام" فتحت فلسفة الكلام آفاقاً جديدة لنظريات الإلزامات المتبادلة والمبرمة في المجتمع. لقد أظهرت النظريات الاجتماعية لكل من ميد (MEAD) ودوركهايم (DURKHEIM) أن الكلام والاتصال يحلاّن مكان ما كان يعتبر على أنه مقدس في التنظيم الاجتماعي الذي بدأ بالأفول والزوال. فيما يتعلق بالفرد كان فرويد قد أشار إلى الفضيلة التحررية للكلام، وبالتالي فليس ثمة ديمقراطية دون حرية التعبير في مجال عام والتي إذا أضيفت إليها صحافتها ووسائطها واتحاداتها فإن الحرية تكون قد خرجت، أو أنها تكون قد فلتت، من قوانين ومقيدات أنظمة السلطة المركزية. إن هذه الحرية المشاركة في عالم اجتماعي منفتح هي الشرط الذي لابد منه لممارسة انتقاد الآليات الاقتصادية والاجتماعية التي باسم "الضرورات الحتمية" فإنها تضع الأفراد أمام الأمر الواقع: العطالة الكثيفة والاستبعاد عن العمل، الأبوية المؤسساتية التداخل والتشابك بين العملة النقد والسلطات في العلاقات بين الأفراد في مجال التعليم والتكامل الاجتماعي وفي الثقافة.‏

وبالتالي يتيح مفهوم الاتصال لـ "هابرماس" بأن يعيد الاعتبار للعقل وذلك في ظرف يجد فيه كل من نيتزش (NIETZSCHE) وهيدغر (HEIDEGGER) وباتاي (BATAILLE) وادورنو (ADOR NO) يتطلعون لإلغاء شامل للديكتاتورية والاستبداد. ويظهر مثل هذا الاتصال، بشكل يقرب من اعتباره مشبوهاً -اللجوء إلى أساليب تبريرية- ليتجاوز كل ممارستنا اليومية وليؤدي دوراً ناقداً، ومخالفاً لسمعتها السيئة. وفي المحصلة فإن العقل فقط هو الذي يتيح توجيه النقد لممارسات التعدي على العقل، ذلك التعدي الذي يقوم من حيث المبدأ على منع واستبعاد المحاكمة العقلانية.‏

إن شكاً وريبة ثقيلين يرزخان على فكرة "الاتصال دون إرغام"(3) وعلى "الاتصال الشفاف"(4) إذاً ليست في هذا المجال نهايات راكدة (HYPOSTASIEES) مكلفة من قبل النظريين بإيجاد الحلول لكل القضايا والمعضلات. ويؤدي سوء التفاهم حول الفارق بين منهاج "الهدم" (DECONSTRUCTION) لواقع مثير للمرض كما يمارسه كل من ادورنو (ADORNO) أو ديريدا (DERIDA)(5)وأسلوب إعادة البناء (RECONSTRUCTION) الذي يتيح توجيه الانتقاد لعلوم الأمراض (PATHOLGIES) اعتباراً من قواعد وأسس لاعلاقة لها بعلوم الأمراض التي نجد متطلباتها، على أقل تقدير، مدونة في ممارساتنا اليومية. وبناء عليه تعويضاً عن "هدم" مفهوم العقل، المطابق لعملية "تفتيش" تتخلّص من أية رقابة، فإن هابرماس يُظهر بأننا نسعى بسرعة وسهولة إلى أشكال أخرى من العقلنة، وأن "نقد العقل الذي تم اتخاذه كأداة" إنما يقوم إلى حد كبير على توصيف مجزأ. ودون مفهوم لايقوم على مايشبه علم أمراض العقل، وكذلك دون إظهار ممارسته التي لاعلاقة لها إطلاقاً بالطوباوية، يصبح من المستحيل انتقاد العقل.‏

وفي عداد وظائف اللغة والكلام يُدخل "الاتصال" و في آن معاً بعداً قادراً على المعرفة والإدراك (إدراكي) لواجبات الاتصال الذاتي الخارجي والتعابير الذاتية. وبذلك فالقول بأن العقلنة المعرفية والإدراكية مبدئياً مع "العقل الاتصالي" وأن التعبير القائل... يقع خارج الاتصال... وبأنه ثمة مفهوم عن العالم وعن المجتمع مستقل عن المفهوم الذي يعطيه أعضاء هذا المجتمع كما أن "تحويل العالم" خارج العلاقات الاجتماعية المحددة، وكذلك "علاقة بماهو طبيعي" مستقل عن مختلف أشكال وطرازات الاتصال. إن مفاهيم كهذه تبدو خالية من أي معنى(6)وكل ذلك يشكل جزءاً من التبادلات والمناقشات العامة حول مجتمع معقد وهو يؤدي إلى اتخاذ مواقف متباعدة ومتشعبة، بما في ذلك مختلف الحجج والبراهين الأكثر إقناعاً، مولدة وخالقة "الإجماع" والتوافق.‏

قليلاً ماغابت كثافة ولا شفافية الاتصال التجريبي، عن هابرماس، الذي اعتقد أنه من الضروري إعداد وتهيئة نظرية تتيح التغلب وإيجاد الحلول والإجابات عليها. وتمر أطروحته حول، كثافة الاتصال التجريبي، بالبحث والحفاظ على الذات، لدى الإنسان، في تكوين المجتمعات، وتدخل اللغة والكلام وتنسيق العمل بهذه الأداة الوسيطة، وكذلك ضرورة الإصغاء المتبادل من أجل المتابعة. وليس ثمة مايضمن -بل العكس هو الصحيح- النجاحات المعرّضة للمخاطر غير المحتملة لمؤسسات الاتصال. وببساطة ثمة حظوظ وفرص قوية مواتية تتعلق باستقرار مجموعات اجتماعية وتشكيلات سياسية ذات علاقة باتفاقيات، لاتقوم على الخداع في نظر المهتمين بها منهاجياً. وهو ماتزداد صحته في المجتمعات المعاصرة حيث كانت التقاليد فيما مضى تؤدي إلى دور الحراسة المقدسة ذات الأنظمة التدريجية وهي التي لم تعد فاعلة دون أن تتوفر لها تبريرات أخرى. وإذا كان عمل المجتمعات، يتعلق أو هو مشروط، بالاتفاق بين أعضاء تلك المجتمعات وببعض المفاهيم المشروعة في النظام الاجتماعي، فإن "(TELOS) الاتصال دون إرغام" ليس هو مبدءاً مخفياً كما أنه ليس حكماً هنيئاً. إنه إصرار داخلي يمكن تبجيله أو تحقيره في ظروف تستوطن فيها الصدمات والنزاعات بينما يصبح الاستقرار مستحيلاً ومتعذّراً. ومن الطبيعي أن مثل هذه التطورات تتخلّص من أي نفوذ نظري مباشر لايمكن أن يؤدي سوى إلى إعادة البناء في ظروف الممارسات.وهي لاتزال غير مفهومة هي بالتالي التمايزات التحليلية. حيث ثمة من يتصنّع اتخاذ هابرماس على أنه مثالي ساذج. إنها النغمة المرتفعة الصادرة عن الواقعية المتحررة والتي تحتل مواقع متفوقة في نقد الفيلسوف. وإن كل تلك الانتقادات الموجهة لمفهوم "إجماع الأمة" تتطلب الكشف عن الهشاشة التجريبية ومفهوم التعرّض المثير للريبة والشكوك، إن مثل هذه المفاهيم لاتتعدى التوقعات التي لاتنفصل عن تطور واستطالات موضوعة الاتصال ذاتها... إنها التوقعات لاشك بأننا غالباً مانشاهدها -رغم أن هذا لايحدث باستمرار- بصورة عالية ومتقدمة، وممالا يحول بالتالي دون التمكن من التمييز والحكم على ماقد يكون ذا نتائج جيدة أو سلبية ثم استخلاص النتائج. كما أن القوة المعيارية ليست على مستوى الأحداث والقوانين التجريبية التي يمكن ضمان حدوثها، إنها ليست إطلاقاً (FLATUSVOCIS).‏

وضع متفاقم: أخلاق النقاش وحق المرافعة‏

عندما تعمل آليات السوق والسلطة الإدارية، دون التماس موافقة المرؤوسين في كل مرة، فإنها تدخل في منافسة مع متطلبات لاتنفصل عن العالم الاجتماعي للمرؤوسين، وإن صدامات حادة كانت تظهر وتنتشر، عندما تحاول الأنظمة الاجتماعية الاستناد والإفادة من التعليم، وتكوين المساواة والتماثل والتداخل الاجتماعي والثقافي، فإن كل ذلك يؤدي إلى ردود فعل، وغالباً إلى معارك سياسية. وفيما يتعلق بهذا الأسلوب، أو الطراز، من التحليل يمكن ملاحظة تطور هام لفكر هابرماس.‏

1-في البداية فإن فلسفة التاريخ، الهيغلية أو الماركسية، تبدو في جانب منها متناقضة، لابل مسؤولة إلى حد ما، عن الضلال والتيه الشموليين، من جهة أولى من إسناد أو إضفاء معنى ما على التاريخ: إنها الفكرة التي تتجه بموجبها الحركة (الديالكتيكية) الجدلية للتاريخ ومن تلقاء نفسها إلى خلق وإيجاد مواقف ثورية، غير أنه يصبح على الممارسة السياسية، وإلى حد ما، أن تساهم في إيجادها... (المواقف الثورية) التي يصعب الدفاع عنها(7)ومن جهة أخرى فقد أدى "الاتجاه الإيجابي" للتاريخ إلى إثبات الاستهانة بالطابع الآلي للإنسانية في مرحلتها الراهنة وبالممارسات القمعية. وبناء عليه، إذا لم يعد باستطاعة ديناميكية التاريخ أن تكون لصالح النقد الماركسي لنظام التبادل، فإنه ينبغي أن يستند انتقاد المؤثرات غير المراقبة، منها على سبيل المثال خلل وعدم انتظام سوق العمل، الذي عليه أن يستند إلى أساس آخر، وبالتالي يجب البرهنة عليها وتبريرها بقياس كان أحياناً موضع رفض ماركس، رغم كونها من متضمنات نظريته: إنها الفكرة القائلة بأن الاقتصاد الرأسمالي يتطلع ويتجه إلى إنتاج علاقات اجتماعية غير عادلة(8) وفي الوقت ذاته يجري توظيف الأخلاق كعامل اجتماعي وتنظيمي في مجتمع يعلن عن ذاته أنه مجتمع يقوم على مبادئ ديمقراطية حيث يصعب قبول الفكرة القائلة بأن جانباً من السكان قد هُمّشوا لأسباب اقتصادية وليصبحوا خارج النطاق الذي يتيح لهم ممارسة حقوقهم المدنية، وفي هذا المجال يمكن للنقد أن يستند إلى مبادئ معيارية من حيث فعاليتها وقيمتها، وحتى لو لم يجدوا أنفسهم، أو أن يكونوا ضمن الحدث، فهو من حيث المبدأ مقبول جماهيرياً وعلنياً. وبذلك نكون قد انتقلنا من نقد للاقتصاد السياسي إلى نقد سياسي مباشر.‏

وبذلك يصبح من الضروري التأسيس على مفاهيم لما هو صحيح وماهو غير صحيح، وبشكل عام، إعادة بناء التكوين والبناء المعياري ومأسستها في المجتمعات المعاصرة. إن تشكيل هذه البناءات هي متوازية مع المفاهيم الإدراكية والتكتيكية، وذلك على اعتبار أن الإنتاج الاجتماعي يتطلب في آن معاً السيطرة على الطبيعة وإسقاط أشكال الاستقرار الاجتماعي القائمة على الشرعية والعدالة، مما يعني إمكانية إيجاد الحلول للمشكلات الاجتماعية. إن هذا التوازي للخطوط لايستبعد التطور غير المتساوي وتخلف العدالة الاجتماعية بالمقارنة مع الفعالية المتزايدة للإنتاج. منذ نهاية الستينات إلى (الأخلاق والاتصالات) (1983) ومروراً بفترة مابعد ماركس (1976) ونظرية التصرف الآلي (1981) حاول هابرماس إعادة بناء الضوابط الأخلاقية ومنطق تطورها بما يتوافق، في آن معاً، والتنافس بين الأفراد والبناءات المعيارية لمختلف المجتمعات المتعاقبة. إن إعادة البناء إنما تعني عدم اختراع أو اقتراح مبادئ أخلاقية، بل إظهار وإثبات كيف جاءت وأدرجت في ممارستنا، مما يعني استحالة جعلها مجرد أوهام. ومجمل هذه الأعمال توضح أن البنيانات المعيارية إنما يجري التماسها وبلوغها من قِبَل وبواسطة المشكلات الشرعية، وعبر النضال من أجل المعرفة الذي تمارسه الأقليات والنزاعات المتعلقة بعدالة التوزيع. منذ بداية السبعينات. ومن أجل تفعيل موضوعة العدل عمل هابرماس، موازياً لـ (RAWLS) (نظرية العدالة 1971)، رغم بقاء خلفيته النقدية والسياسية مختلفة كما هو حال حوافزها. من جهة يتعلق الأمر بالنسبة له بالعمل على ترجمة المداخلة النقدية لماركس بعبارات ونصوص متحررة من الفلسفة الموضوعاتية للتاريخ. ومن جهة أخرى إرساء البديهيات الأخلاقية الخاصة بمفاهيم ونصوص الصحيح وغير الصحيح (وليس الجيد والسيء بالمفهوم الأخلاقي) في خطابات وتصرفات الجميع كأفراد. ومايستطيع كل فرد أن ينتظره بصورة مشروعة من الآخر يمكن أن يصلح أيضاً على كل المجتمع حيث يستطيع كل فرد أن يطالب بذات الاحترام والمعاملة. وبذلك يكون هابرماس قد جمع أيضاً بعض تساؤلات كانط (KANT) ويواجه موضوعية هيغل التاريخية. غير أنه يرفض، وفي آن معاً، الإصرار التاريخي الأفلاطوني لدى الأول والموضوعية التاريخية لدى الآخر. وفي هذا المجال فإن التحدث عن فكر "اشتراكي- ديمقراطي" لابد وأن يؤدي إلى خطأ: فالأمر لايتعلق بمنح الشرعية لحزب سياسي بأسلوب التعامل السياسي، ولكن التبرير بصورة عامة لتوجيه الانتقاد لمختلف أشكال الهيمنة غير العادلة، بما في ذلك انتقاد ممارسة الحركات الاجتماعية التي بدونه تصبح المعارضة المبدئية حرفاً ميتاً، وذلك على اعتبار أن الحركات السياسية هي التي تشير إلى التمييز والتفرقة غير المشروعتين. وهكذا فإن دولة العناية- الإلهية (ETAT-PROVIDENCE) تؤدي بهابرماس وتحمله على إعادة طرح موضوعة العلاقة الأدواتية والأبوية التي تمارسها دولة "الاشتراكية- الديمقراطية" تحديداً: دولة العناية- الإلهية وممارستها مع .... "مستعمليها". إن إعداد مثال أو نموذج جديد حقوقي "للمرافعة" يختلف عن النموذج الليبرالي الشبيه بالنموذج العائد لدولة الاشتراكية التي تعاني اليوم من أزمة... هو أفضل برهان عن الطابع الخاطئ يطلقون عليه اليوم "اشتراكية-ديمقراطية".‏

إن العديد من حالات سوء التفاهم الخاصة بـ "أخلاقية النقاش" تعود إلى عناصر عديدة: أحكام مسبقة غير ملائمة ناتجة عن تحديد موجز للأخلاق في العديد من التقاليد النظرية (ماركس MARX نيتزش NIETZSCHE، وآيّير AYER) أو الغموض والبلبلة حول إحدى النظريات الخاصة بأسس الأخلاق الصحيحة وغير الصحيحة إضافة إلى تنظيم متسلّط لحياة الأفراد من خلال نظام أخلاقي قمعي. وهنا أيضاً يكمن تجاهل النظام الأساسي القائم على "أخلاقية النقاش" الذي يتحمل مسؤولية العديد من حالات الطرح والإحالة. كما يجب التذكير أن ذلك ليس اقتراحاً بأي قانون أخلاقي خاص الذي يمكن بواسطته، لأعضاء مجتمع ماقبل التقليدي، أن يتطلعوا لاقتراح أي من القوانين الأخلاقية الخاصة بهم، ولكن البحث عن وصف لآلية تقوم على البراهين الأخلاقية التي يحاول بواسطتها أعضاء إحدى المجتمعات ماقبل التقليدية حسم خلافاتهم حول المبادئ التي توجه وتقود نشاطاتهم، وإن الموضوعية الرئيسية هي تلك المتعلقة بغياب بدائل لإيجاد حل لهذا الشكل من الخلافات في المجتمعات المعاصرة. ودون هذا النقاش العام الخاضع من حيث الجوهر لعدد من القواعد والأنظمة، الملازمة لهذا النوع من النقاش، ينتفي ويغيب كل احتمال للتوصل إلى اتفاقات ذات قيمة. كما أن الخيار المنطقي للأفراد وكذلك التقاليد، لن تتيح إيجاد حل للخلافات التي تتسم بطابع هذا العصر. وعلى الرغم من ذلك فقد تستحيل ممارسة "مناقشة" جدية، مع بعض الاحتمالات لبلوغ نتيجة، دون أن توضع قيد الممارسة بعض المعايير الأكثر أهمية. وقبل أي خيار معياري، ثمة علاقة داخلية بين المناقشات والمعايير، وعبر كل مواربة أو انحراف للمتطلبات الملازمة للمناقشات، تجري ممارسة ضغطاً معيارياً، وعلى الأشخاص المشاركين في هذه المناقشات أن يكونوا مجبرين، ومن هذا المنطلق، على استماع أحدهما للآخر عندما يضعون أفكاراً لموافقة وإقرار الآخرين. وإلى جانب هذا الضغط المعياري يصبح للنقاش العام، من خلال مضامينه، دوراً واضحاً وبديهي لكل انتقاد واقتراح.‏

2-في وقت ثانٍ بما في ذلك مع الحقوق والديمقراطية (1992) غيّر هابرماس الستراتيجية النظرية. بعد فترة من الانتقاد الاجتماعي الذي يُمارس باسم البراهين والحجج الأخلاقية ذات العلاقة بالعدالة يأخذ هابرماس بعين الاعتبار ضرورة فكر سياسي، إذا لم يستند مسبقاً لسلطة أخلاقية، تصبح هذه الأخلاق مجرد مصطلح للنقاش. كما أن البنيانات الأخلاقية البليغة من وجهة نظر سياسية إنما تقوم، في آخر ادعاء، بتعابير أخلاقية ولكن بصورة مباشرة بتعابير سياسية- قانونية. يتعلق الأمر بتكوين الرأي والإدارة من قبل المواطنين، الذين وفقاً للدساتير الغربية، هم تحديداً أصحاب السيادة. وفي الوقت ذاته فإن الحق- وذلك عكس ماهو لدى كانط- لم يعد مشتقاً أو متفرعاً عن الأخلاق بل أن الحق أصبح منظّم على أساس مستقل في نظرية المناقشة: الحق الإيجابي الذي نجد أنفسنا مجبرين بموجبه على الطاعة لم يعد يكتسب الصفة الشرعية سوى لأننا جميعاً، جماعياً معاً، الخالقين والفاعلين، ولأن باستطاعتنا أن نعمل على تعديله.‏

عند كانط يحتل قانون الأخلاق مكانة فكرة أفلاطونية بالمقارنة مع القوانين التي كانت مشتقة عنها. ولدى هابرماس، فإن الحق، وكما هي الأخلاق، لها أسسها في النقاش العام حول قانون النشاط والعمل: "في الدراسات التي نشرتها حتى الآن والمتعلقة بأخلاق النقاش، فإني لم أميّز بما يكفي بين مبدأ النقاش ومبدأ الأخلاق. إن مبدأ النقاش لايوضح سوى وجهة النظر القائلة بأن معايير العمل، بشكل عام، باستطاعتها أن تقوم من حيث الأساس بناء على أسلوب منصف نزيه وحيادي"(9) وهكذا يتم الفصل بين مبدأ المناقشة والمبدأ الأخلاقي(10)ويتوجه هذا الأخير إلى "الإنسانية" بمجموعها ويرسي أسس الاحترام المتبادل بين الأفراد، أياَ كانوا، بصرف النظر عن انتمائهم الاجتماعي، غير أنه ليس لهذه الشمولية أية آثار أو ردود فعل سوى على الضمير، وليس على الأعمال والأفعال. وبالمقابل فإن مبدأ الديمقراطية الذي تقتصر مهمته ووظيفته على إيجاد تشريع مقبول لدى كل المواطنين، يتوجه بالدرجة الأولى إلى مجتمع سياسي حيث يحصل على ممارسة فعّالة مباشرة(11). إن تكوين الرأي العام والإرادة السياسية كمصدر لشرعية السلطة، لايستمر، رغم اضطراره لأن يأخذ بعين الاعتبار، مايتعلق بعمومية وشمول البرهان الأخلاقي. إنها ترتبط بمجتمع حقوقي متموضع في مجالي المدى الحيوي والوقت، مما يؤكد في الوقت ذاته قيمه القيادية وتاريخه، ويضفي قيمة على اعتباراته الذرائعية. وضمن هذا الإطار تكمن الفوارق والأبعاد التي يستحيل ردمها بين مختلف الأنظمة الديمقراطية: ليس للحق قيمة خارج إطار مجتمع تاريخي. غير أن هذه الذاتية لاتؤدي إلى ازدواجية أي من أشكال الأنظمة والتشريعات وفقاً للمبدأ الديمقراطي. وليس مجرد مصادفة إذا كانت المبادئ نفسها، من خلال تنوعها، تؤدي إلى إقامة صلة بين مختلف دساتير المجتمعات الديمقراطية.‏

وفقاً لهابرماس فإن مبدأ النقاش أصبح الآن محايداً بالمقارنة مع الأخلاق والحق: "إن فكرة التشريع الذاتي من قبل المواطنين لا (....) يجب إعادتها إلى التشريع الذاتي الأخلاقي من قبل أشخاص "أفراد". إن الاستقلال والحكم الذاتي يجب تصميمهما بطريقة أكثر شمولية وحياداً. ولهذا السبب أدخلت أحد مبادئ المناقشة الذي هو، وبالدرجة الأولى، غير مبالٍ بالأخلاق والحق"(12). إن حيادية مبدأ النقاش بالمقارنة مع الأخلاق والسياسة تجعل ان هذا المبدأ هو تحت التحقق (SOUS- DETERMINE) بالمقارنة مع كل نقاش واقعي، فيما يتعلق بالأخلاق. وببساطة فهو يفيد في ضمان النزاهة والتجرد في تقدير أخلاقية العمل بشكل عام. قبل أي خيار بين قياس البرهنة والتدليل الشامل والرمز والقانون. وفي ممارسة الأخلاق الحقوقية الإدارة الذاتية السياسية للمواطنين الطبيعية تمارس المناقشات بواسطة لغة القانون. مما يحول دون إضفاء قيمة على الخيارات المعيارية بغير ضمير الأفراد. إن القرارات المتخذة التي تؤدي وتبلغ حدود القوانين، تصبح لها ومن هذا الواقع، فعالية عملية. مع فقدان الآداب والطبائع التقليدية قوتها الراسخة واستقرارها، تدعو الأخلاق إلى الحق باعتباره تتمة وملحقاً له. إن الفعالية المحددة للأخلاق التي تمارس تأثيرها فقط على مستوى الأخلاقيات الفردية. تدعو إلى حق جبري وملزم رغم أنه يجري اكتساب هذا الحق بحرية أو يعترف به شرعاً من قبل الذين يقررون أن يكونوا من الذين كان هذا الحق قد أرسل إليهم. كما أن المتقدمين في مادة الديمقراطية هم أيضاً في عداد الطبيعة القانونية. كما أن إعادة القراءة النقدية لدساتيرها تكشف بأنها تحوي ضمانات لممارسة الديمقراطية التي، إذا اتخذت على محمل الجد(13)فإن باستطاعتها أن تؤدي للمواطنين وتمنحهم ديمقراطيات في ظروف تكون فيها السلطة حيث أنظمة الأسواق المعقدة والإدارات تهدد حرمانهم منها...‏

ولاشك أن باستطاعتنا مناقشة مستوى ودرجة الجذرية، التي يمكن بواسطتها للحكم الذاتي السياسي للمواطنين، الذي عليه أن يؤكد ويثبت وجوده في مواجهة أنظمة اقتصادية وإدارية. وكغيرها من الأفكار فإن ماجاء به هابرماس أن يخضع للنقد وعند الاقتضاء يمكن رفض مثل هذه الأفكار. كما أن المواجهة مع الأثريات- الماركسية بين الاشتراكية- الديمقراطية وفكرة الجذرية "الحقيقية" لاتساعد في هذا المجال إطلاقاً على فهم وإدراك ماذهب إليه هابرماس.‏

الدفاع عن ماركس ضد بعض مؤيديه‏

إن إقامة مطابقة وتماثل بين القيمة الفعلية والراهنة (ACTUALITE) لماركس وتلك الخاصة بالبيان الوصفي "الهدام" (DECONSTRUCTRICE) لسيرورة "إضفاء القيمة" (VALORISATION) المعتبرة بأنها لاتترك أي شكل للحياة الاجتماعية الكاملة التي هي آ-)إهمال العناصر البناءة لفكر ماركس. وكذلك ب-)الامتناع عن الفتوحات الفلسفية والعلمية للقرن العشرين وإهمال المقدمات غير القابلة للإهمال فيما يتعلق بالديمقراطية طوال نصف القرن الماضي. وأخيراً ج-)الإغلاق على ماركس والإغلاق على الذات في خطاب لايمكن في المحصلة أن يؤدي إلا إلى إنكار الذات.‏

آ- إنهم ينسون أنه حتى ماركس الأخير بدء بعرض الفكرة الموجبة (AFFIRMATIVE) التي تجدد وتعيد بناء (RECONSTRUCTRICE) القيم الاستعمالية ولحياة اجتماعية تقوم على هذه القيمة(14) التي امتدت من خلال وبواسطة تحليل تطور وسيرورة العمل المنتج للأشياء المادية والواقعية. وكما يبدو من استعادة الأحداث الواردة في الفصل /48/ من الجزء الثالث من رأس المال، فإن كل عملية بناء لهذا العمل هي محاولة توضيح لوجهي عملية التطور، من وجهة نظر تتيح تحاشي الخداع والمخاتلة التي تحدث فور الاقتصار على مواجهة الـ "تعارض" للقيمة المتداولة. وبذلك يكون ماركس قد حاول كما لايزال يحاول "إعادة تسييس" الإطار المنقطع عن العالم اليومي والسياسي ذلك العالم الذي كان كما لايزال خاضعاً لقوانينه الذاتية. وأكثر من ذلك فإن لدى ماركس موقف تأكيدي وتأييدي وإيجابي فيما يتعلق بقيمة المبادلة ذاتها... معتبراً أنه دون عمله وفعله، الذي يحاول بالتالي إظهار الآثار المدمرة، للشروط والظروف الاقتصادية لمجتمع حر على النطاق العالمي، ليس بالمستطاع التوالد والاتساع.‏

ب- إن العلوم الإنسانية والاجتماعية للقرن العشرين قد وضعت بتصرفنا أدوات تحليل تتيح فحص ودراسة المجتمع المعاصر، بشكل وأسلوب هما أكثر تمييزاً مما تتيحه وتسمح به المفاهيم الماركسية. وكما أن ماركس لم يحرم نفسه من المعلومات والاستنتاجات التي كان كل من هيغل وسميث وريكاردو قد توصلوا إليها، فإننا لانجد سبباً يحول دون الأخذ والتعلم من ويبر (WEBER) ودوركهايم (DURKHEIM) وميد (MEAD) وبارسون (PARSONS) وحتى من لوهما (LUHMAHN) وكذلك دون التحدث عن الإنجازات الفلسفية، وحتى التي أصبح بالإمكان بلوغها في ممارسات الحياة الديمقراطية خلال العقود الأخيرة. ونتيجة لجوعها وشراهتها التمثيلية والتحويلية فإن العمل النظري الذي قام به هابرماس يشبه، كالقليلين من الآخرين، العمل الذي كان ماركس قد قام به، الذي أصرّ على أن يكون ويبقى على مستوى أفضل نظريي عصره.‏

ج- وأخيراً فإن مدمر التقييم والتثمين يؤدي إلى أن يدحض ذاته، بفضل أي امتياز أو أية دائرة اختصاص مخفية قد يتم التوصل إلى استخلاصها من التشيئ (REIFICATION) الشامل الذي يؤدي كل اتصال إلى كشفه وإبطال شفافيته؟. وكيف يجري التقييم والتثمين إذا لم يكن من خلال وعبر اقتراحات نظرية بناءة يجري بواسطتها تقييم هذه الأفكار وإقناع المؤدين الاجتماعيين بعدالتها؟. كما أن المشكلات التي تؤدي بنا إلى أحد أسئلتنا الأولية هي الذاتية التي أدى التشيئ إلى ضمورها: بأية وسيلة يمكن للمنظّر أن يتخلص من هذا الضمور والهزال، لمواجهة "النص الكامل والشامل للزيغ وانعدام الرؤيا" الذي يتحدث عنه ادورنو (ADORNO). إن الخطاب غير البناء حول آلية التقييم هو مستحيل من حيث الجوهر، وللخلاص من السلطان والنفوذ الشامل للقيمة فإنه يستند ضمناً إلى عناصر تختلف عن التقييم الشامل. وبغض النظر عن دعاء وابتهال عاجز وخيال وهمي، هو نوع من خبث الطوباوية الجذرية، الذي لايحدد بصراحة ووضوح العناصر غير الأدواتية وغير الاستراتيجية التي بفضلها يعتقد بأن لاتكون أسرة التشيئ، وعدا عن وضع الخريطة على الطاولة، فمن الممكن والمحتمل ادعاء وضع استثنائي مفاده أنه ليس ثمة مايبرر، أو حتى مايحمل على الحلم، بعمل سياسي يتجاوز ماهو مبجل لدى المواطنين.‏

معهد فرانكفورت‏

يطلق اسم النظرية النقدية على نظرية اجتماعية ماركسية محدثة صادرة عن معهد فرانكفورت للبحث الاجتماعي، الذي أسس في عام /1923/ وجعل من نفسه مركزاً للبحث الماركسي المتعدد الفروع كما شكل كل من ماكس هورخيمر (MAX HORKHEIMER) /1895-1973/ وثيوردور ادورنو (THEODOR ADORNO) /1903-1969/ نواة المعهد، بمشاركة مثقفين ألماناً عديدين مثل المنظر في الأدب والتر يتيجامان والفيلسوف هربرت ماركوز وعالم النفس أريك فروم. وكذلك اوتوكير شهايمر وفرانز نيومان (سياسة وحقوق) فريدريك بولوك وهنريك عروسمان اركادي غورلاند (اقتصاد سياسي) والعديد غيرهم.‏

وفي عام /1933/ أرغم المعهد على مغادرة فرانكفورت ليستقر في عام /1935/ في الولايات المتحدة. وفي عام /1950/ عاد المعهد إلى فرانكفورت بإدارة هورخيمر وادورنو في الوقت الذي بقي ماركوز وآخرون في الولايات المتحدة.‏

وماإن عاد معهد فرانكفورت إلى ألمانيا حتى أخذ يمارس تأثيراً أساسياً على ألمانيا الغربية. وكان الحدث الثقافي الرئيسي توجيه المعهد هجومه، في الخمسينات وبداية الستينات، على الوضعية الاختبارية في العلوم الاجتماعية. وفي عام /1969/ تطورت النظرية النقدية بعد وفاة ادورنو، تطوراً أكثر إسهاباً في مؤلفات يورغن هابرماس وكارل اوتو ابيل وكلاوس اوف وغيرهم.‏

ولابد من الإشارة إلى أن مجلة (ماركس الراهن) التي تساهم في إصدارها، عادة، بعض المراكز الوطنية لإصدار المؤلفات بالتعاون مع بعض الجامعات في مختلف بلدان أوربا الغربية وكما جاء في مقدمة العدد /24/ المعنون (هابرماس سياسة شوروية) أو تداولية.. "إن الذين يتداخلون في هذا العدد ليسوا مجبرين إطلاقاً على أن يتخذوا من القضايا أو المواضيع المطروحة مواقف المؤيدين للماركسية فقد يكون لهم أسبابهم الوجيهة لإبراز أو إيضاح أو تسليط الضوء على هذا الجانب أو ذاك من الماركسية وفلسفتها السياسية أو حتى بانتقاد ومهاجمة الماركسية. وعلى الرغم من كل ذلك فإن باستطاعتنا الاعتقاد أن مختلف محاورينا سيضعون هابرماس /ماركس في مركز ثانوي. وأن يجدوا في ذلك مصلحة لهم".‏

وبذلك يتراكب تصور كلاسيكي للديمقراطية، بوصفها حلقة تشكيل توافق عقلاني ومفتوح، وحلقة اتخاذ قرار، مع النقد الحدثي للوضعية العلمية والسياسية التكنوقراطية وهو ماعمل هابرماس على تطويره وفقاً لظروف ماقبل الحرب العالمية الثانية.‏

وكما جاء حول "النظرية النقدية" في الصفحة /324/ الجزء الثاني من (قاموس الفكر السياسي) كان للنظرية النقدية دور هام في تشكيل الوعي السياسي الحديث. وكون هذا الأسلوب الثقافي القاسي والمتصلب قد اكتسب مثل هذا النفوذ في الستينات والسبعينات لايفسّر إلا بكونه لامس وتراً حساساً في الوعي السياسي الغربي، فقد كتب ك. ماركس يقول: "وكما تجد الفلسفة سلاحها المادي في البروليتاريا، وكذلك فإن البروليتاريا تجد سلاحها الثقافي في الفلسفة". والنظرية النقدية لم تأمل، قط، في أن تجد سلاحها الثقافي في البروليتاريا. لقد أرادت الاستناد إلى قاعدة ربما كانت أكثر انتشاراً وجدتها، دون أن يخلو ذلك من مفاجأة، في "الأجزاء" السياسية للحركات البديلة الحديثة، أو الثقافية المضادة، التي غالباً ماصنعت "فرانكفورت" أسلحتها سواء أكانت هذه الحركات واعية لذلك أم غير واعية له.‏

من هو يورغن هابرماس‏

إنه الفيلسوف الألماني المولود عام /1929/ من ممثلي "الجيل الثاني" من مدرسة فرانكفورت للنظرية النقدية، وأهم مفكر معاصر فيها. وكمفكرين آخرين من هذه المدرسة يرفض هابرماس الفكرة الماركسية التقليدية القائلة أن نقد النظام الرأسمالي يجب أن يقوم على الدور المتميز للبروليتاريا، كما ركز هابرماس مجمل عملصه على السعي لإيجاد أسس معيارية مناسبة لنظرية اجتماعية نقدية، وعلى مفهوم العقلانية ومسألة التعقيل الاجتماعي. إنه انتقد رد الأولى إلى مجرد أداة حاسبة خالصة كما حاول بناء مفهوم يسمح بفهم ونقد أفضل للسيرورة "الوحيدة الجانب" للتعقيل الاجتماعي التي تميز نمو الرأسمالية. ويقابل هذا الانعدام في التناظر نزعة متزايدة لدى المجتمع إلى تهميش الاتجاهات الواعية المعيارية والجمالية، لصالح اتجاه تقني.‏

إن هذا التركيز المزدوج على العقلانية والتعقيل الاجتماعي قاد هابرماس إلى التصدي لقضايا مجردة كالابستيمولوجيا (نظرية المعرفة) وفلسفة اللغة ولقضايا النظرية الاجتماعية المشخصة كمسألتي شرعية الرأسمالية المتقدمة وأهمية الحركات الاجتماعية الجديدة (النساء البيئيون الراديكاليون والحركات الثقافية المضادة).‏

وحوالي منتصف السبعينات تحول هابرماس عن المخطط الذي يربط المعرفة والعقل إلى اهتمامات عمومية وأساسية على الصعيد الانثربولوجي (بحث فلسفي يعني بالمسائل المتصلة بماهية الإنسان) وانتقل مركز اهتمامه إلى اللغة. ويؤكد هابرماس أن تفسيراً جيداً للعقلانية لايمكن أن ينبثق عن مجرد الاهتمامات المكونة للمعرفة، بل عن إعادة بناء نظرية للكفاءة التي يبرهن عنها الفاعلون في تفاعلاتهم اللغوية حيث يؤدي فعل الاتصال أي إلى "فهم وإفهام" من ينتسبون إلى أنفسهم ثقة متبادلة.‏

ويقول هابرماس بوجود ثلاث نماذج من المقتضيات العامة هي: الحقيقة والشرعية العيارية والخلاص. ولكل فاعل فهم حدسي للفروق بين هذه المقتضيات وكذلك الصورة التي تحترم بها... أهمها هي الشرعية المعيارية بالنسبة للنظرية النقدية. كما يرى هابرماس إمكانية الحكم على شرعية أي معيار بالقياس مع قواعد محاكمة الخطاب العملي الذي نعرف خطاباً يكون التأثير الوحيد الصالح فيه هو قوة الحجة.‏

(1) كما يقول بذلك J. M. VINCENT (1997).‏

(2) بهذه الروح يوجه ج.م فانسان (J. M. VINCENT)(1997) في الصفحة /5/ إلى هابرماس انتقاداً باعتباره فاقد الحس والشعور تجاه "الفكرة الرئيسية الخاصة بذاتية التشخصية والتفردية".‏

(3) لايمكن بشكل خاص الانفصال عن الانطباع القائل أنه في مؤخرة كافة هذه التدابير توجد (TELOS) الآلية المخفية للاتصال، التي لاتتيح التشويه ودون عنف أو ضغط وإرغام. VINCENT J.M. (1997), P.7‏

(4) VINCENT J.M. (1997), P7 SP إن الرسائل التي يجري تبلّغها هي غالباً في عداد تلك التي لاتُبلّغ، والتي يعتقد VINCENT J.M. (1997), P7 أنه يجب التذكير بها. وهو يحمّل مسؤولية عدم التبليغ لتدخّل "الصراع التنافسي على التثمين و التقييم" (IBID) في مجال العلاقات بين أكثر من شخصين. وقد لايكون من الواقعية إنكار العلاقات الستراتيجية المفيدة والمثيرة للاهتمام تتداخل في الاتصال الدائم. ويكمن السؤال بمعرفة عما إذا كانت هذه العلاقات مؤهلة بوسائلها الخاصة على (GENERER) بعض الأشياء كالاتفاق الأولي عبر اللغة والكلام، أو أنها لاتؤدي إلى منطق آخر. ويقوم وضع وقانون هذا المنطق الأخير باعتباره ليس تجريبياً بل هو مكوّن وجوهري، وهو بالتالي لايمكن المنافسة النظرية مع التلاثيات التهديمية.‏

(5) هو أيضاً يعلن عن ذاته من أتباع الهدم (DECONSTRUCTION) VINCENT J.M. (1997), P13.‏

(6) IBID P.6.‏

(7) HABER MAS J. (1987) P.P. 366-371‏

(8) HABER MAS J. (1987.2) P.375 "بالإضافة إلى نظرية التبادل المتكافئ، فإن نظرية القيمة لم تعد تحتفظ سوى بوجهة النظر الشكلية لعدالة توزيعية إنها وجهة النظر التي تتيح الحكم على (SUBSOMPTION) لقوة العمل التي تتخذ شكل البضاعة.‏

(9) HABER MAS J. (1987) P.125‏

(10) إنها المرحلة الأخيرة من الانقطاع مع أخلاق ك.و (K.O) الدعوة التي أثارت جدلاً منذ الأخلاق والاتصال (MORAL ET COMMUNICATION) (1993). فإننا نجد رد فعل عنيف على هذه الثغرة الجديدة في (1998) K-O APREL.‏

(11) وكان هابرماس قد كتب يقول بأن مبدأ الأخلاق "يصوغ على مستوى الدستور أو (القانون الأساسي) الداخلي، حركة محددة للدلالة والبرهنة" وبالمقابل فإن مبدأ الديمقراطية يعمل للدفع، إلى الحد الأقصى، للوضع المؤسساتي- أي الأخذ بواقعية العمل والفعل- والتوزيع المتساوي للمناقشات التي تساعد على تكوين الرأي والإدارة وهو الإجراء الذي يمكن إنجازه ضمن أشكال الاتصال المضمونة قانوياً... هابرماس ج (1999) صفحة 127.‏

(12) IBID. P.138‏

(13) DWORKIN R.(1995)‏

(14) MARX K. (1969)P.46‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244