|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
المشروع النهضوي القومي العربي مقاربة أولية نقدية للأسس والآفاق ـــ د.جمال الدين الخضور مقاربة أولية للأسس إن محاولة المقاربة الثقافية للمشروع القومي، ليست بالضرورة محاولة لتثبيت أسس تاريخية، يحاول البعض حالياً قراءتها بصورٍ نقيضة، بل هي خطوة هامة ومؤسّسة لقراءة نقدية مواجهة للمشروع المذكور، بما تحمل تلك القراءة من تأسيسٍ هام، بالمستويين الأفقي والشاقولي، لزوايا هامة، عمل فيها الحبُّ الذاتي والموضوعي لدرجةٍ، كان لا بد بعدها من إعادة الحفر والتشييد والبناء والتأسيس بأدواتٍ أكثر عمقاً وحدةً وجرأةً بما يخلق منظومة أكثر متانةً وقدرةً على التصدي والتمنيع، والتأسيس لعناصر ومقدّمات ومقوّمات المشروع القومي العربي بعناصره البنائية والصيرورية والسيرورية، بما فيها المكوّنات التأسيسية للهوية القومية والوطنية، وذلك، استخداماً لأدوات الحفر المعرفي الثقافي، بعيداً عن الشعاراتية ومظاهر التعبير الأيديوسياسي. وانطلاقاً من ذلك، وأمام النتائج المأساوية والفجائعية التي قادت إليها الهزيمة التاريخية للمشروع القومي العربي بتعبيره السياسي، كان لا بد من إعادة قراءة التجربة، ومقاربة المداخل الأساسية والتأسيسية للمشروع، بعد التأكد من نضج تجربة غرف الدراسة الفكرية المرتبطة عضوياً وجدلياً مع الواقع، على كامل المساحة الديموجغرافية العربية. في الهوية.. الوطنية والقومية ليست الهوية توضّعات ثابتة لمواصفات معيّنة قائمة في الزمان أو المكان، وليست تحديداً مُعطىً لنَمْذَجةٍ قَبْليّة لِبنيةٍ اجتماعية. إنّ الهوية فعلٌ سيروريّ تاريخيّ اجتماعيّ زمكاني متطور في بنيته ومساره أبداً، ومكوّنٌ من ترابطٍ حلزونيّ جدليّ بين المكوّنات القَبْلية والتوضّع الإحداثي الآني للبنية المعرفية الثقافية والاجتماعية للكتلة (الأمة)، وبين الإحداثيات البَعْدية المكوّنة لمسارِ تلك العناصر. وبالتالي، فهي المعنى المعرفي -الاجتماعي المُعطى في إحداثيات الآن المناقش. آ- ونقول "سيروري"، لأن التحديد القَبْلي المُعطى في الماضي التاريخي لا يعني أكثر من التأسيس الأولي لما آلتْ إليه جملة العلامات والعلائق المكوّنة للبنية الأناسية (الأنـتروبولوجية) الثقافية لكتلةٍ اجتماعية ما "شعب أو أمة" في توضّع محدد. بحيث لا تكون الهوية ثابتاً جامداً معيّناً بمواصفات قائمة في الماضي فقط، حتى ولو أعطيناه تاريخية حركته، فمن الطبيعي أن تدخل تلك المكوّنات في حلزونها التطوّري بما يمكن أن نسمّيه "الارتقاء البَعْدي" الواسم لخطة التاريخية التالية، ليتحول ذلك "الارتقاء البعدي" إلى مقدمات قَبْلية في اللحظة التالية تاريخياً.. وهكذا، بما يشبه علاقة السبب بالنتيجة، ودخول النتيجة سبباً في الظاهرة التالية لتعطي نتيجة تالية.. فتكون الهوية بذلك فعلاً سيرورياً. لأنها غير قائمة بمعزلٍ عن البناء الأناسي المعرفي للكتلة الاجتماعية، وهذا الأخير فعل سيروري بأساس توضّعه البنائي. فالهوية العروبية لما قبل منتصف الألف الثاني قبل الميلاد، وحتى ظهور الأبجديات المعروفة للهجات العروبية (الأوغاريتية، السيناوية، المسند)، والتي شكّلت مظاهر متعددة للغة العروبية المحورية، وعلاقتها بالحضارات الجليلة (الما قبل سومرية، الآكدية، البابلية، العبلاوية، الفينيقية، النيلية (المصرية) وغيرها)، شكّلت مقطعاً سيرورياً من التطور اللاحق للسبب باتجاه نتيجة لازمة، ألا وهيّ ظهور التكوين العربي بمعناه الأناسي الذي امتدّ بجسده التاريخي معلناً عن قرون النهوض العربي الأول حتى الاجتياحات الكبرى للوطن العربي والتي امتدت منذ سقوط بابل على يد كيرش الفارسي عام 539 قبل الميلاد، حتى ظهور الرسالة الإسلامية في بداية القرن السابع للميلاد، وإعلان بداية النهوض العربي الثاني بتعبيرٍ سياسي عظيم شمل رقعةً جغرافية أوسع من الانتشار الجغرافي للتاريخية العربية المعروفة من المحيط للخليج. وحتى المرحلة الفاصلة بين هذين الحدثين لم تكن قطعاً في السيرورة المناقشة للهوية العربية، فلقد عبّرت عن نفسها من خلال الممالك الداخلية، العصية جغرافياً على الاجتياح الأجنبي عبر ممالك تدمر، والأنباط، ومن ثم التمركز اللاحق في شبه الجزيرة العربية، وفي مكة تحديداً، لإيجاد التوضّعات التراكمية اللازمة باتجاه إعادة تحقيق المشروع التاريخي بتطابق البنية الوطنية الجغرافية على كامل المساحة التاريخية لها خصوصاً بعد التلاحم الأناسي (الأنتروبولوجي) الذي اكتمل مع الحضارة القرطاجية في نهاية الألف الثاني قبل الميلاد، والذي حَقّق وحدة التلاحم الأثنولوجي المعرفي للرقعة الجغرافية العربية، وبذلك اكتمل الخط الحلزوني التطوري لسيرورة الهوية بما كان يعنيه ذلك من وحدة المكوّنات الأناسية الثقافية. ب- و"تاريخي" لأن سيرورة ذلك الفعل مرتبطة بسياق إنتاج المكوّنات التاريخية للهوية، تماماً كارتباطها بآلية الاستقبال والتمثّل، وبالتالي، فهي ذات تعبيرات اجتماعية شاملة لكل ملامح الكتلة. وهذا بدوره، مرتبط بحركيّات تطور العناصر المكوّنة تاريخياً، والخاضعة لتأثير وفعل البناء الأناسي، ذات الحركية التاريخية، وهي معنية هنا بالصفات الأناسية الواسمة للهوية العربية. فإذا ناقشنا ذلك ميتولوجياً مثلاً، لاحظنا بأن التوضع التاريخي المعبّر عن وحدة التاريخ الجغرافي للمساحة العربية، كان ذا تمركزٍ واحد، يتّصف في المراحل الوسيطة والمتأخرة من الباليوليت بظهور الإنسان الحديث (بالمعنى المورفولوجي والفكري) على تلك الرقعة وبسَبْقٍ يُقدَّر بعشرات الآلاف من السنين عن ظهوره في مواقع أخرى من العالم، تميّز مثلاً بوجود الدفن الطقسي (المعتقدي)، كما تميّز بالتوازي والتطابق في المراحل المبكرة من التدجين النباتي والحيواني في الحضارة النطوفية في بلاد الشام، والسبيلية في وادي النيل، والصفاقصية (القفصية) في افريقيا العربية، وما عناه ذلك من تطورٍ لاحقٍ باتجاه البنية الأولية للفكر الفلسفي بفصل الواقع عن الحلم، والأرض عن السماء، والاتجاه لاحقاً نحو البنية المعتقدية الواحدة (التثليث)، ومن ثم نحو التوحيد عبر الديانة الأتونية (أخناتون) ثم المسيحية ببداياتها العربية، فالإسلام.. مروراً بالتكوينات التوحيدية الجزئية كالأحناف والصابئة. جـ- والهوية فعلٌ زمكاني، لأن الجغرافي - البيئي لا يعني شيئاً بدون الذاكرة الجمعية والمخيال الاجتماعي، اللذين يشكّلان تأسيساً بنيوياً للهوية، حيث تفرض المساحة الجغرافية (المكان) الذي شكل مساحة حراك الجماعة العربية تأثيره الأكيد على التطور التقني اللاحق ونمط الانتاجية الجماعية، فتبدو بذلك البيئة الجغرافية أو الجغرافية التاريخية مرتبطةً بمعنى الزمن الاجتماعي أو التاريخ الجغرافي. فلا وجود للزمن الاجتماعي خارج المتخيّل في موضوع المكان. وهذا ما يحدد معنى الهوية كفعلٍ زمكاني، مرتبط بحركية الكتلة المجتمعية عبر سيرورتها النمطية الإنتاجية، فلا يمكن للهوية أن تأخذ أو تمتلك صفاتها المميّزة بدون تأثير بيّن لطبيعة النتاج الاجتماعي، ليس من خلال العلاقة الميكانيكية التي يحاول أن يفرضها التفسير الميكانيكي التاريخي، بل من خلال العلاقة الجدلية التي يفرضها الواقع بمكوّنات الفكر واللغة خصوصاً وبعناصر البناء الثقافي المعرفي عموماً، وما يعنيه ذلك من ترك بصمات خاصة على منظومة الفكر وأدواته، وبالتالي تحديد سمات خاصة لمنظومة العقل، الذي تعامل مع الوسط المحيط وعلى امتداد الجغرافية العربية بمنظومات متشابهة إن لم تكن متطابقة. وهذا ما يفسّر لنا وجود مفردات لغوية في العربية المعاصرة كانت متداولة في اللهجات العروبية أو العربية الما قبل سومرية (العبيرية) والسومرية، والآكدية والبابلية والآشورية والعبلاوية والفينيقية والعربية الجنوبية والمصرية والأمازيغية والجبالية.. وغيرها. كما يفسّر لنا التقاطع الكبير والتطابق في الكثير من النمط الكتابي للأبجدية الأوغاريتية والسيناوية وخط المسند. كما يوضّح أيضاً التطابق أو التماثل أو التشابه في البنى التقنية والحضارية لمراحل التاريخ وما قبله منذ الألف العاشر قبل الميلاد [(كشبكات الري مثلاً) في شبه الجزيرة العربية وبلاد الرافدين ووادي النيل] وحتى الآن. فالحراك الجولاني للكنعانيين مثلاً من السواحل الغربية للجزيرة العربية باتجاه الجنوب (اليمن) ومن ثم باتجاه الخليج العربي ومن ثم التوضع اللاحق على الساحل الشامي والانطلاق نحو الساحل العربي في افريقيا يبيّن معنى العلاقة بين الجغرافية التاريخية والتاريخ الجغرافي، وما يتركه من تأسيس لوحدة البنية الأناسية المعرفية للكتلة الاجتماعية، كما أن الحراك الجولاني للقبائل العروبية من حضرموت باتجاه هضبة الحبشة ومن ثم الاتجاه شمالاً نحو وادي النيل يفسر التطابق في تسميات الأماكن على ضفتي البحر الأحمر، كما يفسر التشابه بين اللهجات العروبية أولاً والعربية لاحقاً، التي سادت في جنوب الجزيرة العربية والصومال (القرن الافريقي)، وفي الهضبة المذكورة. وهذه التوضّعات القَبْلية الشاملة للبناء الأناسي المعرفي العربي تفسّر لنا معنى بقاء اللغة العربية المعاصرة (الجزيرية) منتشرةً بكل روابط هذا المعنى (ثقافياً وفكرياً وأدبيا..) في الرقعة الجغرافية العربية القائمة الآن، والتي كانت قائمة قبل انتشار الإسلام بآلاف السنين، في حين انحسرت بالضرورة عن المناطق الأخرى (غير العربية) رغم بقائها تابعةً لمركزية الدولة الإسلامية بالمفهوم السياسي لمئات السنين. كل ذلك يعني أن الهوية ترتبط بمجموعتين من المكوّنات، إحداهما منظومة العوامل البنائية المحدّدة لعناصر اللاشعور المعرفي أو الثقافي، وهذا ما يحدّد بجملة المقدِّمات القَبْلية المستقلة "وغير المرتبطة" عن الوعي الجمعي للكتلة. فالذاكرة الجمعية والمخيال الاجتماعي والتوضّعات القَبْلية للأنساق اللغوية، والبنية التاريخية لآلية النتاج الاجتماعي، والتاريخ الجغرافي والجغرافية التاريخية، والسيكولوجيا التاريخية للبناء المعتقدي (الثيولوجي).. عوامل غير مرتبطة بوعي الكتلة الجمعي الآني في اللحظة المناقَشَة. فكيف يمكن أن يتدخّل الوعيُ بمفهومه الاجتماعي أو الفلسفي في تحديد تلك المكوّنات، والتي شكّلت عناصر بنائية في الهوية الأناسية الثقافية للجماعة، وبالتالي في تحديد السمات الخاصة للقومية؟!! وبالتعامل المباشر الجدلي بين ما سبق والواقع التاريخي للأمة العربية، نلاحظ بأن العناصر المذكورة أعلاه هي واحدة على امتداد المساحة الديموغرافية العربية، وتشكل بالتالي، القوام الرئيسي لهوية القومية العربية، أي أنها منجز تاريخي، يُضاف إليه المنظومة الحقوقية والعرفية الواحدة وجملة مظاهر السيكيولوجيا الجمعية الواحدة. وكما أسلفنا أعلاه، لا يمكن لتلك العناصر أن تكون واحدة على امتداد الرقعة الجغرافية العربية، لولا علاقتها التاريخية الطويلة بنمطية إنتاجية اجتماعية واحدة أيضاً. أمّا محاولة إدخال العامل الاقتصادي في البنية (حسب الفهم الستاليني- الجدانوفي) فهو مبيّنٌ في تفسيرنا أعلاه، أمّا حسب الفهم الميكانيكي، فإن المثال السوفياتي واليوغسلافي ما زال قابلاً أمام أعيننا، بحيث عجز العامل الاقتصادي (برغم المركزية الأيديوسياسية) عن خلق هوية قومية واحدة، لانعدام وجود العناصر المكوّنة للهوية الأناسية المعرفية الواحدة تاريخياً في شعوب الاتحادين السوفياتي، واليوغسلافي السابقين (والموجودة بالضرورة التاريخية والتكوينية في بناء الهوية القومية العربية). أما المجموعة الثانية من المكوّنات، فهي ما يرتبط بمنظومة الوعي الجمعي للأمة، وما يحمله من قراءة بَعْديه للتطور الاجتماعي التالي الذي تحدده ضرورات التعبير الفكري ومنظومة عقل الأمة العربية في تعاملها مع الزمن الاجتماعي القادم، وإن أخذ في بعض جوانبه آليّات التمثل الأيديولوجي التي لا يمكن عزلها بمفهومها الفلسفي عن منظومة التوضّعات التالية والممكنة، وبالتالي فهو قائم بعلاقته مع الوعي، من هنا يمكننا القول بأن الهوية العربية بتعبيرها السيروري هي ناتج تداخل عاملين، أولهما ناتج تطور طبيعي تاريخي أناسي معرفي مستقل عن وعي الجماعة، وهو ناجز تاريخياً (الهوية القومية) وثانيهما مرتبطٌ بوعي الجماعة عبر فعله الواجب لإيجاد التطابق اللازم بين البناء الديموغرافي والجغرافي التاريخي وبين المساحة الوطنية الحاضنة لذلك البناء. لأن الوطن هو المنظومة الديموغرافية الواسمة لبنائية شعب ما، في سيرورته التاريخية ضمن الإحداثيات الكونية، المحدّدة للسمات الخاصة لهذا الشعب في إحداثيات التوضع المتصاعد لهذا الشعب وهويته والموسومة في جغرافية محدّدة وأداءٍ حضاريّ مميّز له، وتراكم تاريخيّ كميّ وكيفي خاص للتداخل العضوي بين تلك القطعة (المكان) من الكون، ومن يسمُها تاريخياً من كتلةٍ بشرية تُحدّدُ سماتها المميّزة لها عبر علائق اللغة، والمخيال، والذاكرة، والسيكيولوجيا الاجتماعية الواسمة، ومنظومة العقل التي تحدد من خلالها علاقتها مع الطبيعة والجماعات البشرية الأخرى، وما أعطى ذلك الشعب بعلاقته التاريخية مع ذلك المكان عبر مسار التاريخ من بُنى معرفية تحدد بصمات أصابعه بما يميّزه عن بقية الشعوب، مرتبطاً بذلك بعلاقة التداخل العضوي بين التاريخ والمكان، وبترابطها وتداخلها مع المكوّنات الأناسية المعرفية الواسمة بعناصرها، لسيرورة ذلك الشعب عبر التاريخ والأرض، إذن تبدو الهوية القومية العربية ناجزة تاريخياً بما يمكن أن نسميّه مفهوم النتاج التاريخي الطبيعي للهوية القومية العربية، وهو ما يختلف كل الاختلاف عن مفهومي الإلحاق والإدماج، الإلحاق بما يعنيه من موزاييك التركيب الديموغرافي للمجتمع الأمريكي (يعتمد المجتمع الأمريكي على مفهوم الإلحاق في قراءة هويته "القومية") وافتقاده للمكوّنات الأناسية المعرفية الخاصة، ولافتقاده أيضاً للعمق الثقافي التاريخي التراكمي، ويختلف عن الإدماج، الذي يعتمد عليه المجتمعان الفرنسي والبريطاني في قراءة هويتهما القومية، وهو، وإنْ اعتمد في بعض جوانب التأسيس على بعد تاريخي إناسي معرفي متميز واسم للهوية الفرنسية والبريطانية، ومفقود بالنسبة للأمريكية، إلاّ أنه لا يحمل وحدة وعمق العناصر المتوفرة للقومية العربية، بالإضافة إلى أنّه كان أحد النتائج التالية للانتقال الرأسمالي. ويختلف مفهوم النتاج التاريخي الطبيعي للهوية القومية العربية عن مفهوم السلالة الجرماني الذي يعتمد على وحدة سلالة العرق بيولوجياً، وليس على الاثنوغرافيا المعرفية. وانطلاقاً مما سبق مناقشته أعلاه، من تميّز مفهوم الهوية القومية العربية وصولاً إلى مفهوم الوطن نلاحظ بأن البنية الوطنية (يرجى العودة لتعريفنا لكلمة الوطن) الممتدة بأبعادها الجغرافية والتاريخية والتي تشمل كامل التاريخ والجغرافية العربيين هي واحدة على كامل الساحة العربية، وبالتالي لا يمكن أن نطلق على الكيانات الإقليمية القائمة حالياً تكوينات دول، فهي غير قادرة على تأسيس مفهوم الدولة الوطنية لا بالمفاهيم القبلية والعشائرية ولا بالمفاهيم الحديثة، لأن أي كيان من الكيانات العربية "أو أي قطر- بالتسميات السائدة" لا تتوفر لديه المقومات المادية للدولة الحديثة. فكيانات سايكس- بيكو إذن هي أشباه دول. والتسميات الكبيرة المعطاة لها هي تسميات تشويهية لا تحمل في داخلها دلالة المقومات التي من الواجب أن تستند إليها. لأن تسمية الوطن - كما أسلفنا- تعني وتخصّ الوطن العربي كلّه. من هنا كان قصدنا محدداً في تحديد دلالة كل من الهوية القومية والهوية الوطنية بالنسبة لنا، نحن العرب، بحيث تبدو العلاقة جليّة بين الإثنتين المتداخلتين في الأولى، بما تعنيه بوجودها القائم في التاريخ والجغرافية، والثانية المرتبطة معها والتي يشكل فيها وعي الأمة المحور المركزي لسيرورة تحقيقها، المستند أصلاً على وحدة الثقافة العربية بكل مكوّناتها البنائية، وهي الواسمة لبنية وسيرورة الشعب العربي عموماً، خصوصاً إذا لاحظنا الفارق الحواري بين مفهوم "الوطني" الذي يعني عموم الساحة العربية جغرافياً وديموغرافياً وتاريخياً، ويعني أيضاً الهوية الثقافية العربية كفعل سيرورة يطمح لإنجاز الوحدة العربية وطنياً، وبين القومي الذي يعني الناجز والمنجز تاريخياً حتى المقطع الزمني للحظة المناقشة والحالة المدروسة. فعندما نقول الثقافة القومية، هذا يعني المنظومة الثقافية الناجزة تاريخياً، وهي تعني بالضرورة جملة القيم المادية والروحية المنتجة من قبل الشعب العربي كله، في كل ساحته، وبتداخله وتفاعله وتأثره وتأثيره مع البُنى الثقافية الإنسانية الأخرى. أما الثقافة الوطنية في الهوية العربية فهي تعني جملة القيم الروحية والمادية مجتمعةً في منظومة انجاز التطابق الواجب بين السيرورة التاريخية والمحملة على تأسيس وحركية "القومي" والتعبير الاجتماعي الواسم لها في دولة وطنية عربية واحدة. "فالقومي" يعني التأسيس التاريخي للهوية الوطنية العربية التي من الواجب أن تميّز حركتها عبر سيرورتها التالية. بإيجاد التطابق المذكور واللازم بين فعل الوحدة القائم تاريخياً في "القومي" وبين فعل الجغرافية الواحدة تاريخياً والمقسّمة حالياً، ولا يتم هذا التطابق إلاّ بالنظر إلى وحدة الثقافة -الهوية- كمنظور متفاعل سيروري لا يمكن أن يقسّم إلى واحدات أصغر مرهونة بفعل الجغرافية المجزأة -فالثقافة الوطنية العربية، وبالتالي الهوية الوطنية العربية تعني ضمناً وعلناً وحدة المكوّنات الثقافية لعموم الساحة العربية، ليس فقط بالمنظور التاريخي الناجز عبر الثقافة - الهوية القومية- بل تعني إنجاز مشروع الوطن تاريخياً وجغرافياً وشعبياً عبر علاقة الواجب أن يكون بما هو قائم حالياً وبما كان قائماً سابقاً. وهذا لا يعني أبداً الهروب إلى الأمام، بل يعني وضع المهمّات اللازمة للثقافة العربية في ما يجب أن يكون من خلال دولة الوحدة في الوطن الواحد، والذي يجمع شعباً واحداً، وذلك من خلال مهمة وطنية "وبالتالي، إنجاز مشروع الهوية" انطلاقاً من الناجز التاريخي، والواقع الحالي الذي عبّرت عنه الثقافة -الهوية- القومية في وحدتها التاريخية بأقاليم ودول قسرية شظّت الجغرافية، وتحاول أن تشظي الشعب العربي حالياً إلى مجموعة "أوطان" قزمة تبقى بهوياتها الوهمية الإقليمية لتكرس الدولة القطرية الوهمية باعتبارها "وطنية". فالهوية الوطنية العربية هي الواجب إنجازها مستقبلاً من خلال المشروع النهضوي العربي، أمّا الهوية القومية إذن، فهي الناجز والمنجز تاريخياً، وبالتالي، فإنّ محاولات إسقاط مفهوم هوية الدولة الوطنية على القائم من كيانات، لا يتعدّى قسر كل المفاهيم المعرفية والمعرفية الأيديولوجية والعمومية والخصوصية والذاتي والموضوعي باتجاه البنية السياسية الوهمية، أو باتجاه الفكر الزائف أو الأيديولوجيا التزييفية. ومحاولة نفي وجود ثقافة وطنية -هوية وطنية- عربية واحدة كفعلٍ سيروري تتداخل فيه المكوّنات القبلية مع الصيرورة البَعْدية الطموحة لإنجاز التطابق الطبيعي واللازم والملائم بين الهوية العربية والدولة العربية الواحدة، هي إبقاء على الناجز تاريخياً في الهوية القومية محصوراً في ذاكرة التاريخ، وتكريس للواقع القائم في الآن أولاً، وبنفس الوقت تعتبر تلك المحاولة مدخلاً واسعاً لدخول "هوية" الكيانات السايكس -بيكوية، والتي يُقصد بها ثقافة الأقاليم والقبائل وهوياتها العاجزة أصلاً عن وضع تصور برنامجي -ولو نظرياً- لقيام دولة مدنية، "لا بالمفاهيم الكلاسيكية، ولا بالمفاهيم المعاصرة" تستطيع أن ترسخ نفسها كهوية وطنية مستقلّة، بسبب انتفاء مكوّنات تلك "الهوية"، ولو توفرت لها الشروط فعلاً، تمّ لها ذلك خلال المرحلة السايكسبيكوية الراهنة. لكن المنظومة المعرفية العربية والبناء الأناسي العربي والجغرافية التاريخية، والتاريخ الجغرافي والمخيال والذاكرة واللغة.. كل ذلك يمنع تشكل بُنى دولة وطنية على مستوى الكيانات أو الأقاليم أو الأقطار القائمة الآن، ولأن ذلك منافٍ أصلاً لسيرورة التاريخ العربي على مدى تسعة آلاف من سنين الفعل السيروري التاريخي للجماعة العربية منذ انخراطها الأوليّ في عملية النتاج الاجتماعي وحتى الآن. فالهوية القومية إذن، فعلٌ قائم في الزمن الاجتماعي ومتحرك بضرورة تحقّقها في إقامة الدولة الوطنية على كامل مساحة الوطن العربي الديموغرافية. فالهوية القومية واسمة للانتماء الأناسي والإنساني للشعب العربي في كل أقطاره وحيث يتواجد العرب حتى كأقليات خارج المساحة الجغرافية العربية، ولا يمكن أن تعبّر عن نفسها على الخارطة الكونية إلاّ من خلال مرحلتها الوطنية التي تُنجز من خلال الدولة الوطنية- الهدف المركزي للمشروع النهضوي العربي. فالعرب يتميّزون عن بقية شعوب العالم باكتمال المقومات القومية التاريخية لنشوء الدولة الوطنية الواحدة [يرجى ملاحظة الترابط بين القومي والوطني في العبارة السابقة]، تماماً كتجربة الشعب الفيتنامي قبل انتصاره على التجزئة والامبريالية الأمريكية. فقد بقي الفيتناميون مصرّين على ضرورة إنجاز مشروع الدولة الوطنية الفيتنامية الواحدة بأداة وطنية واحدة، ولم يطرح أحد وجود هوية وطنية في فيتنام الشمالية وأخرى مختلفة عنها في الجنوبية، على أن يجمع تلك "الهويات" هوية قومية. فقد اعتبروا أن هويتهم الوطنية غير منجزة بالواقع السابق على الرغم من تحقيق هويتهم القومية [وبرغم وجود أنظمة اجتماعية سياسية مختلفة ومتناقضة في فيتنام الشمالية والجنوبية..] وبقوا متمسكين بإنجاز الدولة الوطنية الفيتنامية حتى تحوّلت سايغون إلى هوشي منه، عاصمةً للدولة الوطنية الواحدة. أما محاولة قلب تلك الحقيقة وإطلاق تسمية الدولة الوطنية على الكيانات العربية القائمة الآن -كما هو سائد الآن- وجعل "الوطني" - الإقليمي -السايكسبيكوي" العاجز أساساً، محتوىً في القومي ذي البعد التاريخي ومقاربة ذلك السؤال بمقولات الإدماج والإلحاق والاقتصاد وغيرها، ليست إلاّ تكريساً للقائم بإبقاء القدمين إلى الأعلى، والرأس إلى الأسفل، فيصبح مشروع الدولة الوطنية مُنجزاً في الدولة السايكسبيكوية القزمة القائمة الآن!! لكن، هل يمكن أن تتحقق السيرورة الوطنية للهوية القومية العربية، عبر الدولة الوطنية الواحدة بشكل تلقائي وعضوي؟ هنا لا بدّ من الإحالة إلى الحاضنة الواعية للكتلة الاجتماعية عبر منظومة طموح منظومتها الفكرية من خلال سياقات متعدّدة لبنى ايديولوجية ديمقراطية قادرة على دفع تلك المقدّمات نحو إنجاز سيرورتها الطبيعية. وهذا ما تفرضه أيضاً جملة الظروف الذاتية والموضوعية الواسمة والمحيطة بعوامل التكوين الداخلي لفعل السيرورة العربي. ويمكن أن نناقش ذلك، ليس بمفهوم تكوين الدولة القومية الأوروبية، التي كانت الناتج الطبيعي لتطور الرأسمالية، بحثاً عن السوق القومية في إحدى مراحل تطورها، بل من خلال مفهوم إنجاز المشروع التنموي الحضاري العربي بشمولية وتعدّد عناصره، فالطموح الواعي الذي صاغه البيت الهاشمي من كنانة أولاً ومن قريش لاحقاً، نحو إنجاز مشروع "دولة"، يمثل نموذجاً يمسّ بجوانب هامة منه كلامنا. فمن المعروف تاريخياً الدور الذي لعبه قصي بن كلاب بن مرّة في وضع البذرة الأولى لتكوين الدولة العربية المركزية التي عليها أن تبدأ من مكة لأسباب ميتيولوجية وتاريخية واقتصادية اجتماعية وجغرافية تمثّلت في انعدام قدرة الاجتياحات الأجنبية الوصول إلى مركز تلك الدولة، وليكمل حفيده عبد المطلب بن هاشم تلك المهمة المتمركزة في محور الطموح نفسه، موضحاً ذلك بقوله: "إذا أراد الله إنشاء دولة خلق لها أمثال هؤلاء" وهو يشير إلى أبنائه وحفدته. ومن ثمّ نقل النبي محمد عبر رسالته ذلك الطموح إلى واقع التطبيق العملي، بإيجاد التعبير الاجتماعي السياسي، ليس فقط كردّ تاريخي واجب على الفرس والروم، بل كاستجابة تاريخية سيرورية لتوضّعات وحدة البناء الثقافي والأناسي المعرفي للشرق العربي، بحيث شكّل تكوين الدولة الواحدة على كل الجغرافية العربية الهدف الواعي لتلك الرسالة، فيروي صحيح البخاري 2/ 62: "يخاطب عمر بن الخطاب محمداً (ص): "ادعُ اللّه فليوسّع على أُمّتك، فإنّ الفرس والروم وسّع عليهم وأُعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله وكان النبي متكئاً فقال: أو في شكٍّ أنتَ يا ابن الخطاب؟!!!" لذلك، يبدو حالياً، العقد الاجتماعي الواعي هو العنصر التالي المكمّل للمقدّمات البنائية، بحيث يشكّل ذلك العقدُ الحاضنة الفكرية الديمقراطية لإنجاز مشروع الدولة الوطنية الواحدة. والتي يجب أن تصبّ فيها كلّ العوامل المكوّنة للسيرورة العربية في المقطع الزمني المناقش. في العامل الذاتي يعتبر تحديد العامل الذاتي، والرسم العام لبنائه الأوليّ وإطار هيكليته، المحرّك الرئيس في سيرورة الحراك الاجتماعي التاريخي، بالإضافة إلى كونه يرسم المسار الناجح التالي لهذا الحراك، ويحدّد بالتالي علاقة الموضوعي ببنائه الداخلي. وأمّا محاولة الخلط بين الذاتي والموضوعي فإنّها تؤدي بالضرورة إلى فقدان العامليْن الذاتي والموضوعي كليهما. إن معالجة الواقع العربي الراهن وأدواته بنفس المظاهر السريرية التي أفرزتها تلك الأدوار هي تثبيتٌ للهزيمة وللواقع الراهنين. وهذا ما يقودنا بالضرورة إلى التأكيد على الخط المعرفي العام، الذي نستطيع من خلاله قراءة الواقع وأدوات معالجته قراءة نقدية مختلفة، وذلك بربط التكوين التاريخي للهوية القومية العربية بالسيرورة التالية الطموحة، وبالتالي تحديد الأداة، وبنيتها واشتراطات تحوّلاتها وسيرورتها بما يمكنه التعامل مع عاملين: -الأول، ويعني امتلاك القدرة على التعامل مع الراهن العربي، ليس بأدواته ومظاهره المرضيّة، بل بإدراك ووعي كل مظاهر وجذور الحالة المعاشة، العلاقة مع (ما كان) ومع (ما هو كائن) ومع (ما يجب أن يكون). -الثاني، إدراك السيرورة الهدفية التالية من خلال تلك القراءة، لما (يجب أن يكون) وهذا لا يعني القفز فوق الواقع أو الهروب إلى الأمام، بل يعني قراءة وامتلاك القدرة على التجاوز والرفض والتحقيق. فمن أهم مميّزات المشروع القومي امتلاكه للعامل الذاتي، أي العناصر المكوّنة للبنية الداخلية في تشابكها وعلائقها، والواسمة لحركيّته. وهذا يعني أن التكوين الذاتي يتحدّد بساحة الحركة التي يفعل بها، ويشتغل عليها المشروع المذكور. وانطلاقاً من قراءتنا السابقة للهوية القومية بسيرورتها الوطنية العربية، نستطيع تحديد ساحة العمل لذلك المشروع. وهذا ما يحيلنا بالضرورة إلى آلية قراءة العامل الذاتي لهذا المشروع، بحيث تتكوّن عناصره البنائية من مجموعة التداخل العضوي والتكويني لاستناداتها في عموم الساحة العربية. وهنا يجب أن نتوقف عند نقطة هامة، مفادها أن لا مشروع قومي إلاّ عبر عاملٍ ذاتيّ واحد لعموم الساحة العربية. وهذا ما يبعدنا عن عملية الجمع الحسابي التي نقوم بها مومياوات القوى القومية السلفية، عبر المؤتمرات المصغّرة والمكبرّة لأصوات وشخصياتٍ خلقت هيكليّتُها عبر أصواتها المبحوحة ذات النمطية البرجوازية السلفية في نداءاتها للتضامن العربي وغير ذلك، وهي لا تمارس الإقليمية السايكسبيكوية فقط، بل تمارس الميكروسايكسبيكوية للكيانات القائمة حالياً، بحيث طرحت العامل الذاتي الفلسطيني مثلاً مستقلاً بشروط تواجده عن العامل الذاتي العربي، فظهرت عوامل ذاتية عديدة بعدد الكيانات التجزيئية القائمة، بل وتتعدّى عدد أقطار سايكس -بيكو. فالعامل الذاتي المستقل يقود إلى قرار "وطني" مستقل، والقرار الوطني المستقل يقود إلى الفاجعة والهزيمة المستقلين، بحيث ارتبط القرار المستقل "القطري" بالبحث عن الهوية القطرية وإيجاد المستندات الواهية والوهمية لها. فعندما نتحدث عن عامل ذاتي أردني يصبح ما هو فلسطيني، عنصراً موضوعياً، وعندما نقول العامل الذاتي التونسي يصبح ما هو جزائري موضوعياً لذلك العامل.. وفي هذا الداء بالذات (داء الإقرار بوجود عوامل ذاتية لكل قطر سايكسبيكوي) توضّعت العناصر المرضية والممرضة في الجسد العربي. انطلاقاً من ذلك، ومن شرحنا المفصّل نسبياً لمفهوم الهوية القومية، والوطنية العربية، ومن إقرارنا الأساسي، بانعدام شروط توفر الهوية القطرية، وبانعدام القدرة على تحقيق المنجز اللازم وفي الحدّ الأدنى علىكل ساحة قطرية على حدة، خصوصاً بعد دخول شروط أخرى كالكيان الصهيوني، وحركيات المراكز في المعسكر الإمبريالي.. انطلاقاً من كل ذلك لا بد من الإقرار بضرورة وجود العامل الذاتي العربي الواحد، الذي تصبّ فيه وبشكلٍ جدليّ وتطوري الخصوصيات الدقيقة الواسمة لبيئة عربية ما تتعدّد داخل كل قطر تماماً كما تتعدد على مستوى الساحة العربية عموماً، بحيث يشكل العامل الذاتي المذكور المحور الحركي لشروط انهاض وانجاز المشروع الوطني العربي، فيصبح ما هو سوريّ، أو لبنانيّ، وفلسطينيّ، وجيبوتيّ، وتونسيّ ومصريّ.. عناصر مكوّنة داخلية في بناء هذا العامل الذاتي، الذي يستطيع التحكّم بتوافقية وانسجام الحراك العربي في شمولية الساحة. وتنطلق منه بالتالي تحديدات آليات الحراك الجزئي بعلاقة مكوّناته الداخلية، وبعلاقة الكل مع العوامل الموضوعية المحيطة. والمثقفون المدركون لهذه الحالة من أدباء وكتّاب وعلماء.. هم البؤرة الأساسية لتكوّن هذا العامل، فعليهم أولاً التداعي لدراسة المشروع القومي بسيرورته الوطنية العربية عبر تمحوره الأولي حول عاملٍ ذاتي، واحد، يشكّلون النواة الأولى في تكوينه (وإذا لم يدرك المثقفون هذه القضية، فكيف سيدركها القاع الشعبي العربي وهو يقضي زمنه راكضاً خلف اللقمة والتمائم). فمن يستطيع أن يذكّرنا بمكوّنات أناسية ومعرفية وثقافية واجتماعية ولغوية.. مميّزة لقطرٍ عربي عن آخر تجعله مختلفاً بهويته عن قطرٍ آخر، وبالتالي تخلق له العامل الذاتي المكوّن المختلف والنقيض عن القطر الآخر؟ حتى يمكننا أن نقول إنّ الهرم البرجوازي الطفيلي "العربي" بخطيّه البيانيين النفطي واللا نفطي، متجانس البنية ومتشابه في كل أقاليم العرب. بحيث أن هذين الخطين، وإذا كانا قد حملا بعض علامات الاختلاف قبل الاجتياح العسكري الصهيوني للبنان عام 1982، إلاّ أنهما، وبعد ذلك المنعطف الهام تداخلا وتشابكا وتزاوجا بطريقة كاثولوكية ليشكّلا البنية الهرمية الشاملة للبرجوازية الطفيلية العربية، بعد أن ابتُلعت العناصر البرجوازية التقليدية التاريخية وعناصر البرجوازية "الصغيرة" الصاعدة من داخل المشروع القومي التاريخي بصيغته السياسية، بعد هزيمته المعلنة عام 1967. بحيث لم تستطع البرجوازية السائدة أن تفرض نمطاً اجتماعياً متميّزاً في قطر عربي مختلف عن الآخر، وبالتالي لم تستطع أن تفرض معالم خاصة بنيوية في دولةٍ تختلف عن أخرى. وهذا ما يضيف إلى حوارنا حول البنائية الخاصة للمشروع القومي بسيرورته الوطنية علامة أخرى داعمة لسياق رأينا حول التماثل والتقارب إن لم نقل التقاطع والتطابق في آليات الصراع الاجتماعي بعموم الساحة العربية. وإذا كانت هناك معالم خصوصية محدّدة فهي جزئية، وتضفي على وحدة العامل الذاتي نوعاً مهماً وفاعلاً من التعدّد الخلاّق والمتنوّع. وهكذا، وبتحديد المعالم الأولية للعامل الذاتي لعموم الساحة العربية، نستطيع استقراء العوامل الموضوعية في جملة تناقضاتها وعلائقها فيما بينها وبعلاقتها مع العامل الذاتي العربي. فما هو ذاتي بالنسبة للحالة الليبية مثلاً، هو ذاتيّ أيضاً للحالة المصرية والكويتية والعراقية وغيرها من الحالات العربية، وهذا ناتج، ليس فقط من خلال التحليل المعرفي الثقافي بل ومن خلال القراءة العملية لتجارب المحطات الكثيرة من الزمن الاجتماعي، ولمئات السنين من الزمن الميقاتي، ولا يمكن أن يكون الذاتي اللبناني موضوعياً بالنسبة لما هو سوري أو فلسطيني. في "الخاص".. والعام ينقلنا الكلام السابق بالضرورة لتحديد ما هو خاص وما هو عام بالنسبة للمشروع القومي العربي في سيرورته الوطنية. بحيث يمكننا أن نتفّق أولاً على أن الحالة الوطنية (حال الوطن) غير محققة بالمفهوم الديموغرافي، كما أسلفنا، وهذا ما يُفضي إلى وضع حالة الخاص والعام في نفس السياق الذي ناقشنا من خلاله الذاتي والموضوعي، باختلاف يتمحور حول أنّ الذاتي إذا كان يحمل في داخله العناصر البنائية المكوّنة للحراك التاريخي الواعي (والمستقل عن الوعي الجماعي) بسيرورته التاريخية، فإن الخاص والعام قد يحملان النقائض المتناحرة في إطار القراءة النقدية التفكيكية. فمثلاً يبدو صراع المكوّن الداخلي للعامل الذاتي العربي بتجلياته في قطرٍ ما، مع آليات البرجوازية السائدة في هذا القطر مكوّناً خاصاً بالنسبة لساحة قطرٍ آخر قد تُقرأ على أنها تدخل ضمن حالة العام، في هذه الحالة، يكون محور الصراع في العام مرتبط بالذاتي العربي الشمولي وهو بتصنيفه المعرفي ينضوي تحت إطار "الخاص" العربي. فالصراع الفلسطيني الصهيوني مثلاً، هو مكوّن من الخاص العربي. ولا يمكن أن تكون الحالة العربية "عامة" بالنسبة للخاص الفلسطيني. "فالخاص" في هذه الحالة لا يرتبط بسياق المكوّن الجزئي الفلسطيني من العامل الذاتي العربي فقط، بل هو ضمن الخاص العربي. بحيث يصبح الذاتي العربي (العامل الذاتي) مجموعة مُحتواة في المنظومة الخاصة العربية. "فالخاص" العربي يحتوي العامل الذاتي للسيرورة العربية الوطنية المعبّرة عن مشروعها القومي، ويحتوي أيضاً القومي النقيض لهذا العامل الذاتي، كالهرم البرجوازي الطفيلي العربي مثلاً، والذي لا ينضوي في هذه الحالة ضمن مكوّنات العامل الذاتي، بل على العكس من ذلك، يشكّل العامل النقيض التناحري للعامل الذاتي، لكنّ الاثنين ينضويان ضمن منظومة "الخاص" العربي. وبهذه الحالة يستطيع موشور القراءة التحليلية تحديد عناصر التناحر والصراع مع العامل الذاتي ضمن "الخاص" كالبرجوازية الطفيلية العربية وتعبيرها السياسي، وضمن "العام" كالعدو الصهيوني والمراكز الإمبريالية. حول دور المثقف لقد اتّصفت المرحلة الامبريالية في مركزّيتها الأمريكية ببلعمة وابتلاع المراكز الأوروبية وإن كان في بعض مظاهره قد أعطى بعض ملامح الاحتجاج إلاّ أن هذا الابتلاع أخذ طريقه منذ منتصف الستينيات من القرن العشرين (فقد كانت ثورات الاحتجاج في أوروبا، وخصوصاً الثورة الطلابية في فرنسا عام 1968- أيار، مايو- حالة الدفاع الأخيرة في وجه تلك البلعمة) مما أدى إلى تهميش الفعاليات الثقافية بمعناها المعرفي في المراكز الأوروبية وغيرها، والذي انسحب بدوره على كل الأطراف الأخرى البعيدة والقريبة، الهامة، والأقل أهمية في الدوائر الأخرى، ولم يكن ذلك لأسباب ذاتية مرتبطة بالبنية الثقافية فقط، بل لأسباب موضوعية أيضاً، أهمها السمة الانتاجية والمرحلة المعلوماتية من التطور الامبريالي. وبذلك تنحّى المثقفون إلى ما هو أبعد من الظل أو الهامش في الحراك الاجتماعي، لتترك فرنسا جيل المثقفين الذي تستند إليه، وتتحوّل إلى عريفٍ متواضع في أحد فصائل الجيش الديناصوري الأمريكي، ولتترك ألمانيا ركام الفلسفة الهائل والجبار الذي تقف عليه لتتحول بدورها، إلى ماهو أقل من جندي في ذلك الجيش. (لقد كانت حرب الخليج الثانية، والاحتلال الأمريكي العسكري المباشر لمنابع النفط العربي بنتيجتها، المختبر الهام والأساسي في التأكد من صلاحية منظومة "العولمة" الأمريكية بمركزيتها الجديدة). ولقد تبع انسحاب مثقفي أوروبا إلى الظل، أو إلى الهامش بعيداً عن المواقع التي تتقدم الجماهير ويمتلك المثقفون من خلالها الحقيقة الاجتماعية بمظاهرها العديدة، انسحاب مثقفي الأطراف، ومن ضمنها العالم "الثاني" و"الثالث" والوطن العربي بالضرورة، ليس فقط إلى الهامش، بل إلى دائرة اللا فعل والصمت التاريخي، ولكن بوجود ميّزتين أساسيتين: أولاهما: أن النظام العالمي الجديد اتصف بالانتقال من مرحلة الاصطفاف التاريخي الذي كان سائداً ما بين الحربين الكونيتين، وما بعد الثانية منهما، إلى مرحلة الاحتواء التاريخي، وإن كان هذا الاحتواء بيناً في المراكز الإمبريالية الأوروبية واليابان، إلاّ أنّه أكثر بروزاً في الأطراف. ثانيهما: إن انسحاب مثقفي تلك المراكز إلى الظل والهامش وتخلّيهم عن امتلاك الحقيقة وتقدم الجماهير تمّ بعد أن أنجز هؤلاء المثقفون المشروع التنموي والوطني الخاص بكلّ منهم، في حين تمّ ذلك لمثقفي الوطن العربي، وهم لم يُنجزوا بعد حتى الحدّ الأدنى والأولي من مشروعهم القومي بسيرورته الوطنية، وارتبط هذا بالعوامل الذاتية إضافةً إلى الأسباب الموضوعية بما يعني ذلك من تشابك الخاص واختلاطه بالمقدّمات التاريخية المتوضعة في أساس الحراك الاجتماعي العربي منذ سقوط غرناطة وحتى احتلال فلسطين مروراً بالقرون الطويلة السوداء من الاستعمار التركي (العثماني). ولقد ارتبط العمل الثاني بالنشوء الخاص والمتفرّد والمختلف للبرجوازية العربية. في البنية الطبقية ما زال مفهوم البرجوازية العربية يُقارب، وكأنّ هناك فعلاً برجوازية عربية استناداً على التعريف التاريخي للبرجوازية، انطلاقاً من العلاقة بوسائل الانتاج، وطبيعة العلاقات الانتاجية والاجتماعية الواسمة لها، وموقعها من الملكية، ومن توزيع الدخل. ولا حاجة للإطالة، فالجميع يعرف بأن البرجوازية الأوروبية مرّت بمرحلتين من التطور المتواصل، أولاهما المرحلة الرأسمالية والتي روفقت بقرونٍ ثلاثة من فلسفة الأنوار، وانعكاس ذلك على مفهوم القومية، وما عناهُ من تحديدٍ للسوق القومية، عبر التحديد الأولي للهوية وعلاقتها بطبيعة الانتاج الرأسمالي في مراحله المذكورة، وذلك عبر صياغة نظريات الإلحاق والإدماج والنظرية البيولوجية الإثنية الجرمانية وغيرها، بحيث تتحدّد تلك القراءات بالملامح اللازمة للسوق القومية، وهذا ماترافق بسويةٍ معيّنةٍ من تطوّر وسائل الانتاج، في الوقت الذي كان فيه الوطن العربي يعاني من سطوة الاستعمار التركي. وثانيهما المرحلة الامبريالية، والتي انتقلت من وضعها المؤطر قومياً إلى وضع قومي، عبر قاري، وما عناه ذلك من مركزة إمبريالية متعددة المحاور. في البداية، وطرفية لا إمبريالية بأنماط اجتماعية واقتصادية متعددة، ومن ثم الانتقال إلى المركزة الإمبريالية عبر القارية، الوحيدة المركز (الأمريكي لاحقاً) والذي بدا واضحاً بالمفهوم السياسي والاقتصادي منذ نهايات الستينات من القرن العشرين، وهذا ما زاد من تطريف الدوائر الأخرى حسب موقعها الجغرافي وقدرتها الاقتصادية. وانعكس ذلك على الوطن العربي بانتقال الشرائح العليا من التراتبية الطبقية من النموذج الاقطاعي البدائي -الخراجي، إلى التجارب، على الأرضية السايكس بيكوية المعروفة، والواقع أن هذه الشرائح لم تتمتع ولا بصفة واحدة من صفات البرجوازية الأوروبية، لا من حيث تطور وسائل الانتاج أو العلاقات الإنتاجية، وما يعنيه ذلك ضمن العلاقة الجدلية من علاقاتٍ اجتماعية، ولا من حيث المسائل المتعلّقة بالهوية والسوق القوميتين، "فالبرجوازية" العربية لم تكن أكثر من وسيلةٍ لتصريف فائض إنتاج السوق الإمبريالي، ليس بمقدورها إنجاز أيّ مشروع خارج المشروع الإمبريالي العالمي، الذي فرض مقولاته عبر توسيع سوقه على حساب الأطراف. بل حتى، ولو افترضنا بأنّ تلك الشرائح استطاعت خلق برجوازية أو رأسمالية عربية متأخرة، أُفقية التصنيف في التراتبية الاجتماعية، فإنّ هذه البرجوازية ستكون عاجزة تماماً عن البحث عن سوقٍ قومية خاصة بها، بسبب تواجدها الإقليمي -التجزيئي- السايكس بيكوي، وبسبب العوامل المرتبطة بأسس نشأتها وتطوّرها، بحيث شكّلت الحوامل الموثوقة لتصدير الأزمة من الساحة المركزية الإمبريالية إلى البُنى الطرفية، وهذا بدوره كان سلاحاً ذا حدّين: الأول، قطع الطريق على نمو الصراع الطبقي في المراكز عبر تصدير الأزمات، وتوسيع السوق التصريفية وسوق الحصول على المواد الأولية في الأطراف، والثاني كان ضرب تراكم البُنى الطبيعي في الكتلة الاجتماعية في هذه الأطراف، وهذا ما عنى بدوره تشويه أي اصطفاف اجتماعي بشروط موضوعية فيها، مما أدى بدوره في النهاية إلى تشكّل الهرم الطفيلي البرجوازي في تلك الأطراف، وفي الساحة العربية على وجه الخصوص، وهو ما فرض بُنى أخلاقية /أناسية ثقافية/ شوّهت البنية المعرفية الثقافية للكتلة الاجتماعية العربية - ونسمّيه هرماً، لأنه يتمتع فعلاً بالبنية الهرمية، ولأنّه يضمّ فعلاً من شركات سمسرة السلاح والمعدات التقنية (في المرحلة التالية للحرب العالمية الثانية، من تطور الإمبريالية، تحوّلت التكنولوجيا إلى سلعةٍ من فائض الانتاج الرأسمالي، وبقي الاحتكار حصراً على المعرفة التكنولوجية والسوية العليا المعقّدة من الإنتاج الإمبريالي التقني) مروراً بمؤسسات الاستثمار التحويلية والوهمية، وتجار العقارات والمخدرات.. وصولاً إلى حفاة الريف والمدينة من بائعي المنظفات والدخان المهرّب... الخ، فتميّز هذا الهرم البرجوازي، بعدم امتلاكه لوسائل الانتاج بسوياته التطورية التدريجية، فهو يعيد انتاج الرأسمال المالي، مما أملكه القدرة على تحويل الصراع الطبقي التاريخي إلى صراع المواطن مع السلعة، وصراع المواطن مع المواطن عبر الشروخات العمودية في المجتمع، بعد نفي وجود الصراع الاجتماعي الأفقي، فاستبدل الصراع الاجتماعي المرتبط بالآلية الانتاجية -الاجتماعية الوطنية، بالصراع العائلي والطائفي والمذهبي والعشائري.. وتداخلت مع هذا الهرم بنائياً، العناصر صاحبة القرار في النظام العربي السياسي السائد في شقّه النفطي واللا نفطي، ليعلن عن تكامل بنائه الهرمي "اقتصادياً" مع الغزو الصهيوني للبنان عام 1982، وبالتعبير السياسي الملائم، انطلاقاً من كامب ديفيد، وصولاً إلى ما بعد أوسلو. أما القاع الشعبي العربي فلم يستطع إنجاز أية مشروعية وطنية بالحدود الدنيا، ولم يستطع الانخراط بأية فعالية تذكر في حركية الكتلة الاجتماعية العربية، وذلك بسبب التداخل الحاصل مع البنية الهرمية الطفيلية التي تتشرّب بنيتها من هذا القاع، وبسبب فقدان العلاقات الاجتماعية المتجانسة الذي تفرضه العلاقات "الانتاجية" المافياوية، والتي فرضت بدورها ازدواجية في الانتماء للعلاقات النمطية الاقتصادية في البؤر الاقتصادية المستقرة نسبياً داخل ما يسمى مؤسسات القطاع العام أو الهيكلية الخدمية، أو منشآت رأسمالية الدولية أو التعاونيات وغيرها، والتي بقيت في جانبٍ من مظاهر وجودها غير مُحتواة بشكلٍ كامل ضمن بنائية الهرم الطفيلي البرجوازي، خارج العناصر الحركية المباشرة له. فالعامل يبقى عاملاً حتى الثالثة بعد الظهر، ليتحوّل في النصف الثاني من النهار إلى سائق تاكسي أو سمسار أبنية، والموظف يبقى هكذا حتى النصف الثاني من النهار حيث يتحول إلى مزارع أو حانوتي أو مهرّب، والمدرّس أو المعلم يبقى ضمن اختصاصه لمدة أربعة ساعات ليتحول بعدها إلى تاجر بناء، أو عامل مياوم، والطالب الجامعي يصطحب كتبه إلى مكاتب النقل أو مراكز الاستثمار التي يعمل فيها ليلاً.. والتلميذ الثانوي والاعدادي يتحوّل إلى بائع علكة.. وهكذا. واليساري السابق يصبح لاحقاً مقاولاً سياحياً، والمناضل الشامل يتحول إلى مهرّب أغنام، والكاتب الطبقي يتحول إلى بائع "نوفتيه"، والآباء يرسلون أبناءهم إلى توزيع الدخان المهرّب على مواقف باصات النقل الداخلي وكراجات الانطلاق، والصيدلاي يبيع النشاء والسكر المغلّفين كموسّع إكليلي نادر، والطبيب يتحوّل في وقت الفجر إلى بائع خضار.. وأشياء أخرى أشدّ مرارة.. هذه بعض ملامح ما فعله الهرم البرجوازي الطفيلي، لأنه وضع المواطن في صراعٍ حاد مع اللقمة ومع السلعة..، وكما قلنا يمتد نسيج هذا التكوين وبنفس المواصفات في عموم الساحة العربية، وإن الخصوصية التي تُطرح أحياناً في تكوينه لقطرٍ عربي بالاختلاف عن الآخر لا تتعدى الزحزحة الجزئية في البناء الهرمي للبرجوازية الطفيلية العربية، التي شكلت المفْرَزَ الطبيعي لآلية الهيمنة الامبريالية العبرقارية. في ناتج العولمة الديناصوري أما الجانب الآخر، الناتج الموضوعي والعضوي لنموّ الرأسمالية العبرقارية /الامبريالية فهو الكيان الصهيوني، وبالتالي، فإن المشروع الصهيوني الحامل لهذا الكيان لا يعني إقامة الدولة الصهيونية على أرض فلسطين العربية واستلاب الجغرافية والتاريخ العربيين فحسب، بل يعني أيضاً تأسيس البنية التنفيذية بمواصفات خاصة، لمشروع هيمنة المراكز، الإمبريالية. ومن السهل توصيف ذلك، من خلال ظاهرتين اثنتين تاريخيتين: أولاهما: أن الصهيونية باعتبارها الناتج التاريخي والعضوي والموضوعي للمرحلة الإمبريالية استندت في بداية تكونها على غير اليهود. أي أنها كانت حتمية لوجود المرحلة الإمبريالية، بحيث تستطيع تأمين سوق طرفية قريبة في المنطقة العربية عبر قتلها المستمر لكل أشكال التماسك في البنية العربية الواحدة والأداء التاريخي العربي الحضاري. فقدّمت الإمبريالية الصهيونية والخارطة السايكسبيكوية أهم هديتين للوطن والتاريخ العربيين، إبقاءً على التوضع المهزوم والوضعية الطرفية المتخلفة، والتي ثبتّها الاستعمار التركي خلال وجوده لقرون طويلة، فبقيت الصهيونية حتى منتصف القرن التاسع عشر مقتصرةً على غير اليهود، أي كناتج سياسي وأيديولوجي للبنية الاقتصادية الرأسمالية في مراحل تطورها وتحوّلها. ويشير المؤرخون الصهاينة الحديثون إلى أن غير اليهود من رواد الحركة الصهيونية، من أمثال بالمرستون، ومتغورو وغولر وتشرشل، كانوا يؤذنون بمجيء الحركة الصهيونية الحقيقية، لكنهم كانوا أكثر من مجرد روّاد لهذه الحركة إذ كانوا صهيونيين مخلصين في صهيونيتهم أكثر من اليهود كوايزمان أو هرتزل أو نوردو، وبقيت تلك الحركة محمولة على أكتاف غير اليهود لأكثر من خمسين عاماً قبل أن تنتقل إلى أكتاف اليهود اللاحقين. نستنتج بالتالي بأن البحث عن التضمين الأيديولوجي التالي كان تطوراً في بنية الانتقال الاقتصادية للتطور الرأسمالي، فكان الارتكاز على ذلك الوهم الميتولوجي والتلفيق التيولوجي بفكرة وحدة اليهود وارتباطهم بالعودة إلى فلسطين - كما يقول مؤسسو الحركة الصهيونية -"فلقد أدرك بالمرستون ورفاق الصهيونية كلتا الفكرتين واستخدموهما قبل أن ينسبهما اليهود لأنفسهم بعشرات السنين. ثانيهما: أن الحركة الصهيونية غيّرت مواقع ارتباطها بانتقال المراكز الإمبريالية، وهذا ما يؤكد فكرة تبعيتهما كأيديولوجيا وكحركة سياسية، للمراكز الإمبريالية، فبدأت علاقتها مع الألمان والأتراك، وانتهت مع الإمبريالية الأمريكية، مروراً بالبريطانية والفرنسية والأوروبية الغربية بشكل عام. أما سبب توضّعه في قلب الوطن العربي فيكمن في أن المنطقة العربية، من حيث الثروة والموقع هي من أقوى وأهم المواقع الطّرفية في منظومة العولمة بمفهومها الاقتصادي وبُعْدها السوقي والسلعي (والنفطي)، وفي أن الشعب العربي، بما يحمل من تراكم تاريخي حضاري عريق ومتميز يشكل التوضّع الأولي للبنية الأقوى مستقبلاً في مواجهة منظومة العولمة، خصوصاً بعد النهوض النسبي الذي حقّقته دول شرق آسيا. من هنا حددت المراكز الإمبريالية خطورة المنطقة العربية كحالة (طرفية) على امتداد منظومة العولمة التالية، فشكّل المشروع الصهيوني النتاج السيروري الطبيعي لنمو الإمبريالية وانحطاطها في آن. فالكيان الصهيوني وحامله، إذن، ليسا بنية معزولة في جغرافية مسروقة علناً، بل يهدفان إلى الاستمرار في انجاز الخطوات التالية من العولمة الديناصورية، خصوصاً في مرحلة أزمة الامبريالية وانحطاطها، وذلك بتفتيت الوطن العربي إلى دويلات وكيانات أكثر سايكسبيكوية وأقزم من الكيانات السياسية القائمة الآن، بالتعاضد والتضافر مع الهرم البرجوازي الطفيلي الذي تكمن استمراريته في استمرار منظومة العولمة الإمبريالية السائدة وذراعها الضارب الثاني- الكيان الصهيوني. وهذا ما بدا واضحاً في العقد الأخير من هذا القرن بالتعبير السياسي المباشر، في التلاحم والتعاضد والتقاطع والتلاقي بين الهرم البرجوازي الطفيلي العربي برموزه السياسية السائدة والمشروع الصهيوني. ولا حاجة هنا، لاثبات الإدعاءات الواهية والوهمية في مشروعية البنية اليهودية- الصهيونية التي لا تمتلك أي مقدمة أو مكوّن واحد من مقوّمات ومكونات المشروعة التاريخية، حتى اللغة العبرية هي تعبير معاصر، أقرّه المؤتمر الصهيوني وكلف يهوه بن أليعازر بوضع لغة "الأسبيرانتو" فبدأ بوضع القاموس عام 1911 وأنهاه عام 1922 ليشكل اللغة السياسية اللازمة ليهود العالم في طموحهم الأيديولوجي اللاحق لاحتلال فلسطين. لأن تاريخ هذه اللغة وهم، ومثله مثل التاريخ اليهودي الواهي، فهي لم تكن في القرون السابقة للميلاد إلاّ عبارةً عن اللهجة العربية الكنعانية مكتوبةً بالخط العربي الآرامي. أمّا البنية الأسطورية والميتولوجية والأدبية لليهودية، فهي ليست أكثر من تجميع لسرقات مكشوفة لأساطير وميتولوجيات وآداب المنطقة العربية. وحتى تعبير "سامي" ليس ذا امتداد تاريخي سابق لنهاية القرن الثامن عشر عندما أطلقه شولتسر بقصد إيجاد الشروخات العمودية في البنية العربية التاريخية الواحدة فأطلق تسمياته المعروفة "سامي" و"حامي" و"سامي -حامي"... من ذلك نستنتج البعد الأيديولوجي للمشروع الصهيوني، والمهمة التاريخية الموكلة على الكيان الصهيوني من قبل المركزة الإمبريالية عبر سيرورتها التالية. إذن تستند سيطرة منظومة العولمة الإمبريالية على الوطن العربي على قوائم ثلاث، مترابطة ومتداخلة، ويرتبط وجود أيٍّ منها بضرورة وجود الإثنين الآخرين: - التجزئة السايكسبيكوية، والتي تمنع قيام أي مشروع نهضوي عربي مستقل، - الكيان الصهيوني، - والهرم البرجوازي الطفيلي العربي بتعبيره السياسي السائد. وهذه العناصر الثلاثة مترابطة ومرتبطة مع المراكز الإمبريالية بانزلاقاتها وتحوَّلاتها، تماماً كارتباطها فيما بينها، بحيث تتمحور آلية حركتها وحركيتها في المركز الإمبريالي بالذات، وهذا يعني أن الهرم البرجوازي الطفيلي العربي بتعبيره القائم في النظام العربي السياسي السائد مرتبط عضوياً وموضوعياً بالمركزة الإمبريالية، مما ينفي أية علاقة أو إمكانية لاستقلالية هذا الهرم عن أمّه العضوية، وبالتالي تنتفي بأساس وجوده، كل المكوِّنات والمقدِّمات اللازمة لتطوره بشكل مستقل، إن كان من خلال التعبير السياسي، أو من خلال الامكانية الاقتصادية لتحوّله إلى شريحة برجوازية متجانسة، تعتمد على التأسيس المادي لتراكم اقتصادي يعبر عن نفسه بامتلاك وسائل إنتاج تنموية تنقل آلية العمل من الرأسمال المالي الطفيلي إلى الرأسمال الإنتاجي، وتضع بالتالي أولوّيات واضحة ومحدودة لفرز اجتماعي يطرح في البنية الاجتماعية العامة الاشتراطات اللازمة لعلاقات اجتماعية متجانسة، رغم اختلاف مواقع الشرائح الاجتماعية من ملكية وسائل الإنتاج وتوزيع الدخل. وهذا يعني أن الصراع مع هذا الهرم هو صراع مع المركز الإمبريالي، والعكس صحيح، لكن بمقدار ما يكون الصراع معه من خصوصية الساحة العربية، يكون الصراع مع المركز من الاشتراطات الموضوعية، وهذا ما يرتبط أيضاً بالزوايا الأخرى لهذا الصراع: مع الكيان الصهيوني، ومع التجزئة السايكسبيكوية بكافة القوى المعبِّرة عنهما. وإلاَّ كيف يمكننا أن نفسِّر التوحّد القائم بين النظام العربي والكيان الصهيوني؟! أسئلة المقاربة فكيف يمكننا إذن الإجابة على سؤال مقاربة المشروع القومي العربي بسيرورته الوطنية الممكنة والمحتملة وبمأزقه التاريخي، وهزيمته السياسية؟ هل هي ممكنة في الأطر الإقليمية -القطرية- التجزيئية- السايكسبيكوية؟ هل تتوفّر الاشتراطات اللازمة لنشوء قوى قطرية موضوعياً وذاتياً؟ وهل الدولة القطرية -السايكسبيكوية ضرورة تاريخية؟ وهل هناك خصائص داخلية واسمة لكلِّ قطرٍ عربي مميِّزة له عن غيره من الأقطار؟ هل يمكن للبرجوازية العربية أن تلعب دوراً إيجابياً في إنجاز الخطوات الأولى من المشروع القومي؟ وهل مفهوم المصالحة والقراءة الوسطية، بين القاع الشعبي العربي والنظام العربي السياسي من جهة، وبين الكتلة الاجتماعية العربية عموماً ومنظومة العولمة من جهة ثانية ممكنة؟ هل يمكن قيام مشروع قومي تنموي بدون الأفق الاشتراكي الديمقراطي، وبدون فك الارتباط الكامل مع المراكز الأمبريالية؟ وهل يمكن أن ينجز المشروع القومي العربي سيرورته الوطنية التاريخية بدون خوض الصراع الحتمي التناحري والإلغائي مع المشروع الصهيوني؟ وهل يمكن أن يتمّ ذلك بدون خوض الصراع مع العدو المركزي الأول، "الإمبريالية العالمية"؟ وهل المشروع القومي عموماً هو نفسه المشروع النهضوي العربي؟ وما هي الأسس المعرفية الواجب الارتكاز عليها للنهوض بالمشروع القومي بقراءته الجديدة؟ الحاضنة الفكرية للمشروع القومي أولاً، وقبل كل شيء، لا بدَّ من الاعتراف مسبقاً بأنَّ آليّات الفكر، التي ستحاول الإجابة على الأسئلة السابقة محكومة بعوامل وخصائص المثقف المهمَّش (مثقف -مفكر الظل والهامش) المحكوم بعوامل التثبيط الأيديولوجي والتاريخي. فالجميع محكومٌ بنفس الآليات المحدِّدة لفعاليات الفكر، بتعبيراته (أي الجميع) الأيديولوجية والسياسية جميعها بدون استثناء، ابتداءً من منتمي المدرسة الشيوعية العربية التاريخية مروراً بالتيارات القومية السلفية والقوى الدينية، وصولاً إلى زاعقي الليبرالية الدينا صورية الجدد. فلدى الجميع مقدَّسٌ ما، هو سيد المكان والزمان، نصاً أو فرداً أو هماً. والقدرية هي الحاكمة لسلوك الجميع، فتكون تاريخية ميكانيكية لدى البعض، ولاهوتية جبرية لدى الآخر، لتحل مكان فعاليات الفكر النشيط (السببية، التحليل والتركيب، الاستنتاج، الاستقراء، الوظيفية....). وإسقاط الشاهد على الغائب سيد المقاربات (المعرفية). وإهدار السياقات التاريخية والاجتماعية والقومية هو النموذج الجامع لكلِّ المقاربات الأيديولوجية التي كانت سائدة. ويتمُّ احتواء كل ذلك تحت عنوان هام وأساسي يتمحور حول الزمن الثابت أو الزمن الدائري، الذي ندور فيه حول أنفسنا، معتقدين بأننا نتحرك صعوداً. كل ذلك، دفع "الفكر" إلى الابتعاد حتى عن هامش الواقع العربي، إلى ما هو أبعد من إطار البنية القَبْلية، باتجاه التبيعة للحاكمية والمقدّس والقدر، باتجاه حالة يمكن أن نطلق عليها تسمية "التكيُّف السيكولوجي اللاَّتاريخي" الجمعي والفردي، مما أجّل عوامل الدفع الكامنة في الذاكرة الجمعية العربية وفي المخيال الاجتماعي، ودفعها إلى الغياب عن واقع الفعل الجماهيري. ولم يكن ذلك إلاَّ نتيجةً للتأثير المباشر للنمط الأخلاقي -الاجتماعي الطفيلي من عدمية ودونية واستلاب وتبعية واستهلاكية... على أرضية غياب الفعل الثقافي العميق بسبب انعدام طقوس الديمقراطية في الساحة العربية وبسبب الإسقاط الميكانيكي لتهميش المثقف الأوروبي على واقع المثقف العربي تحت ضغط أمْبَرَلة الفكر (من إمبريالية)، وتحويله من فاعل متطوِّر ومطوِّر إلى مومياء محنطة، لا تملك القدرة على فعل شيء سوى التحديق بالسلعة المسيطرة وبالاستلاب وبنفي الإنسان واغترابه. مما أزاح عن موقع الفعل النسق الإنساني العظيم لمنظومة المعرفة العربية (أخلاقياً). إذن، المشروع القومي العربي بسيرورته الوطنية العربية هو مشروع إنساني أولاً، ليس بمعنى أنه يعيد لنا إنسانيّتنا فقط، بل بمعنى توظيفه لقدراتنا الخلاقة والكامنة باتجاه حالة إنسانية كونية ترقى ببني البشر خارج إطار العولمة الإمبريالية الديناصورية، والدارس الدقيق للبنية الأناسية (الأنتروبولوجية) المعرفية العربية بتطوّرها التاريخي على مدى أكثر من تسعة آلاف عام يدرك بأننا قادرون على تقديم قسطنا الواجب تجاه البشرية، فالعرب أول من قدّموا التدجين النباتي والحيواني، وأول من عرف القلاع والطواحين والمدن، وأول من انتقل إلى الفكر الفلسطيني، وأول من قدَّم المكوِّنات الحقوقية للجماعة البشرية، وأول من قرأ علاقة الإنسان بما حوله قراءةً منطقية، وأول من قدم للبشرية مفهوم البيت والجماعة والهندسة والفلك، والري... والتوحيد... الخ. وبالتالي سيكتشف بأننا نملك، كعرب، من المقوِّمات المعرفية الأناسية والثقافية مايجعلنا، على أقل تقدير، متساوين مع أكثر الأمم إنجازاً حضارياً، على امتداد تاريخ البشرية كلّه. وهذا يعني أنّنا أمّة مثبَّطة في الوقت الحاضر أكثر من كونها متخلفة. وبالتالي، لابدَّ من الانطلاق، باتجاه إزالة عوامل الفرملة والتثبيط والعرقلة، التي تجعل من إمكانية الانطلاق واقعة في إطار المستحيل. فكيف البداية؟ لابدَّ من أن يدور الحوار، أولاً، حول تنشيط فعاليات الفكر، وهذه مرتبطة أصلاً بعوامل متعددة من مكوِّنات السيرورة الاجتماعية للكتلة العربية، بحيث نُعيد للتاريخ سياقاته وإحداثيات سيرورته وجدلية مكوِّناته. فنتحرك بدايةً خارج الزمن النفطي - الثابت- اللازمن في طرح مشروعية الحركية الاجتماعية. ويترابط هذا بدوره مع تفعيل آليات القراءة المعرفية، لتشكّل مفاصل هامة ومحورية في علائق فعاليات الفكر مع ساحة الحفر التي يشتغل عليها، وما يعنيه ذلك من كشف المعرفي والأيديولوجي في المنظومة الثقافية العربية. وهذا مايدفع بدوره إلى مواقع رسم الخط البياني الصحيح لمنظومات الذاكرة والمخيال، وما يعنيه ذلك من امتلاك نقدي تاريخي جدلي فعّال للذات (للتراث). ولا يتم ذلك من خلال توسيع مجال حركية الفكر بالمستوى الأفقي فقط، بل وبالمستوى العمودي للحركية الاجتماعية، وبما يرتبط بذلك من امتلاك نقدي معرفي جدلي للآخر (للحداثة)، بمفهومها الأناسي المعرفي. أمّا من الناحية التالية، والمتعلِّقة بدفع الحراك الفكري من الهامش إلى مركز الحركية الاجتماعية ومقدِّمتها، فيرتبط بالقدرة على صياغة مشروع تنموي يشكِّل أحد الجوانب الجدلية والهامة في قراءة المشروع القومي، فتتحدَّد اشتراطاته التالية في معاني الديمقراطية، التي تعطي للقاع الشعبي صيرورة تنموية ببقاء المجتمع العربي كوجود أناسي على خارطة الكون. أي أن تلك الديمقراطية لا يمكن أن تُنجز حركيتها إلا من خلال أفقها الاشتراكي، وهذا ما يحدّد مفاتيح فن الارتباط مع المركزة الإمبريالية، بدون أدنى شك في خطورة طرح وجود إمكانية أو هامش للمصالحة النسبية التاريخية مع تلك المركزة، وهذا يرتبط بدوره بامتلاك التقنية والمعرفة التكنولوجية. وقد يفهم من هذا القول، بأن ذلك التأسيس هو نتيجة أكثر من كونه مقدّمة في منظومة المشروع. لكننا قادرون على القول بأن ذلك التأسيس لا يمكن أن يتمَّ إلاَّ من خلال المقاربة الجدلية النقدية لمفهوم الهوية. وانطلاقاً من قولنا بأن العوامل المكوِّنة للهوية القومية العربية ناجزة تاريخياً؛ والتي من واجب المشروع النهضوي العربي أن يستند عليها لإنجاز مشروع الهوية الوطنية العربية، نرى بأن الكيانات السياسية السايكسبيكوية السائدة حالياً عاجزة حالياً ومستقبلاً (في حال استمرار وجودها) عن إنجاز أي مشروع تنموي مستقل بشكل منفرد (قطري). فهذه الكيانات تفتقد القدرة على التراكم، كما أنها لا تمتلك حتى الحدود الدنيا من البنية التحتية (الاقتصادية والاجتماعية) التي يستند عليها المشروع التنموي. ولأنها وُجدت (أي الدولة القطرية)، لتكون كياناً سياسياً سوقياً فقط (للتصريف الأسهل لفائض الإنتاج الرأسمالي الامبريالي). وبالتالي. فإن الدولة القطرية ليست ضرورة تاريخية كما يسمّيها البعض، بل هي جريمة تاريخية. لأنَّ علينا أن نعلن اصطفافنا التاريخي، فإمّا نحن مع المشروع القومي العربي في سيرورته التاريخية لإنجاز الدولة الوطنية العربية الواحدة، الحل الوحيد لكل إشكاليات الوطن والمواطن كلها، وإمّا نحن مع المشروع الامبريالي لسحق الوجود العربي جغرافياً وتاريخياً وثقافياً وبيولوجياً؟ ولا أعتقد بأن أحداً من الكتلة الاجتماعية العربية باستثناء الهرم البرجوازي الطفيلي، يقف في الموقع الأخير. لذلك، تسقط مشروعية "الذاتي" القطري أمام مشروعية وضرورة الذاتي الوطني العربي الشامل لكل الساحة العربية ديموغرافياً. كما أنَّ مشروعية الهوية الوطنية العربية لا تُكتَسَبُ فقط من خلال تاريخية البنية العربية الواحدة وضرورة التعبير الأناسي-السياسي عنها في دولة وطنية عربية واحدة، بل تكتسب مشروعيتها المستقبلية أيضاً، من خلال التوضّعات المحورية التي فرضتها منظومة العولمة الديناصورية، فمنظومة "أقلمة" المنطقة، أي ضرورة التوجه نحو التجمع الإقليمي، يُقصد بها تفتيت البنية العربية المقبلة في تجمّعات إقليمية تتفرّد الدينا صورات الأمريكية من خلالها بالاستمرار باحتلال منطقة الخليج العربي النفطي، وتتقاسم مع مومياوات السلاحف الأوروبية منطقة المغرب العربي (حسب توزيع قوى المركزة الإمبريالية)، وذلك كلّه تحت إدارة الكيان الصهيوني كأداة عضوية لتلك الديناصورات، بعد أن تُلْحَقَ به منطقة الشرق العربي بما في ذلك وادي النيل. ومن الواضح تماماً أن قسمة التطريف تلك، كانت مستحيلة لولا وجود الكيانات القطرية السائدة ابتداءً من المقدِّمات السايكسبيكوية التي وضعتها المركزة الإمبريالية الأوروبية وانتهاءً بالأقلمة الأمريكية الحالية المستندة على تلك المقدِّمات، بعد أن أزاحت الديناصورات الأمريكية مومياوات الزواحف الأوروبية من مواقع الفعل التطريفي لصالح بلعمة وابتلاع المركزيات تلك في جوف المركزة الأمريكية. لذلك، وإذا كنّا مصرّين على إنجاز المشروع القومي العربي، فإننا نرى بأن ذلك ليس رغبة فقط، بل هو ضرورة تاريخية تُفرض من خلالها الدولة الوطنية العربية الواحدة كحتمية تاريخية قوامها وحدودها كامل الساحة العربية، فالدولة القطرية لم تكن ضرورة تاريخية إلاَّ من وجهة نظر جرافّات المراكز الإمبريالية وسماسرتها، لأنَّ الدولة الوطنية العربية الواحدة على كامل التراب العربي هي الضرورة التاريخية. فإن أي ضرورة تاريخية لوجود تلك الكيانات من أكبرها -كمصر- عاجزة عن القيام بمشروعية تنموية تحل إشكاليات القطاع الواسع من الجماهير، لا بسبب تحكّم الهرم البرجوازي الطفيلي بالبنى الاقتصادية والاجتماعية فقط، بل بسبب فقدان القدرة على التراكم الاقتصادي- الاجتماعي. بمفهوم الدولة المعاصرة على مستوى كل قطر على حدة، وبسبب الطرفية "الإنتاجية" الواسمة للعلاقات الإنتاجية- الاجتماعية، التي تفتقد لمعنى التراكم الكمي والنوعي على المستويين الأفقي والعمودي. خصوصاً إذا عدنا إلى مقدِّمتنا في قراءة معنى "الوطن"، والتي لاحظنا من خلالها، أن الوطن العربي هووطن واحد، وليس مجموع أوطان. فهو وطن واحد أناسياً واثنوغرافياً، وجغرافياً وبيئياً وتاريخياً. أي أن الدولة القطرية منافية ونقيضة للتكوين الطبيعي . وبالتالي لا يمكن أن نطلق على كل كيان سياسي من أقطار سايكس-بيكو تسمية "وطن" كما فعلت القوى السلفية (قومية كانت، أو غير ذلك)، فإذا كانت جيبوتي، والبحرين، وجزر القمر، والصومال، والأردن... أوطاناً، فأين هو الوطن العربي [نقول الوطن، وليس الأوطان العربية].؟ هل يمكن لهذا الوطن أن يكون مجموعاً حسابياً، لعدة أوطان؟ أليست هذه قراءة سلفية، دفعت باتجاه القراءات التجزيئية التالية، التي أوقعت الأمة العربية في حالة العجز والتثبيط والإعاقة والفرملة؟؟ وإذا قلنا فرضاً، بأن وضعاً ديمقراطياً اجتماعياً تقدمياً تحقق في أحد الأقطار السايكسبيكوية هل يمكن أن ينجز مشروعاً تنموياً مستقلاً على مستوى هذا القطر؟؟ خصوصاً في المرحلة الراهنة من سيرورة الكون؟ إن لم يكن جزءاً عضوياً وجدلياً من الكينونة والسيرورة العربيين، وهو في هذه الحالة سيكون جزءاً بنائياً من المشروع القومي في سيرورته الوطنية العربية، فلن يكون ذلك إلاّ مظهراً آخراً للعجز، وسيقع في شبكة التطريف الإمبريالي بالضرورة. حتى الرأي الذي يعترف بوجود الحالة التقزيمية "الوطنية القطرية"، لكنه يصرُّ على أنها جزءٌ من التكوين القومي تصبُّ في مجراه وتخدم مشروعه، ليس إلاّ محاولة لمعالجة الداء بمظاهره. ولقد كان هذا أحد المظاهر الأساسية للقراءة القومية السلفية، التي رأت في القطر السايكسبيكوي وطناً يحمل كل مواصفات الوطن، لكنَّه قابل للانخراط في بعده القومي. أليس في هذا ماهو مناقض للوجود الطبيعي والتكويني للوطن العربي؟! لأن ذلك يعني أول مايعني، محاولة التعامل مع هذه القطعة من الوطن على أنها وطنٌ مكتملُ المكوِّنات البنائية، مما يعني تالياً، التأسيس الواهي والوهمي لبنية ليست موجودة إلاَّ في فراغ البرامج، نعم يمكن أن ننظر إلى هذه القطع المتناثرة كأوطان، عندما نقرؤها ضمن الأوطان اللازمة لاستمرار المشروع الإمبريالي الصهيوني كأسواق للتصريف والسيطرة، وهذا ما يتنافى أساساً مع إمكانية وجودنا الحضاري والإنساني على سطح الأرض. أمَّا قراءة الجسد العربي ككلٍّ، وضمن سيرورته وكينونته الطبيعية، تعطينا المقدِّمات الأولية المتوفِّرة للمشروع القومي العربي، والتي لم تتوفر لأمَّةٍ من الأمم أنجزت مشروعها الوطني: 1 - الجغرافية الطبيعية والتاريخية الواحدة. 2 - البناء الأناسي المعرفي والثقافي الواحد. 3 - الذاكرة والمخيال الاجتماعيين، والسيكيولوجيا الجمعية، وغيرها من العناصر الميتولوجية والتراثية الأخرى الواحدة... وبالتالي الأثنوغرافيا الاجتماعية الواحدة. 4 - اللغة الواحدة، والتكوين الفكري والعقلي التاريخي الواحد. 5 - توفّر البُنى التحتية (اقتصادية ومادية، وموارد وكتلة بشرية.....) المشكِّلة لعناصر التأسيس الأولية للمشروع التنموي المستقل. فلا تنمية وطنية إلاّ خارج العولمة الإمبريالية، وبالتالي لا وجود للمصالحة الوسطية بين هذا المشروع ومنظومة العولمة الديناصورية. لأنَّ مفهوم المصالحة هذا يعني إمكانية الانتقال في دوائر التطريف الإمبريالي، إلى دوائر أقرب (على أحسن الأحوال)، وهذا لا يحقق إلاّ زيادة في أهمية السوق التصريفي لفائض الإنتاج البضاعي الإمبريالي، ولا يحقق تنمية مستقلة بالمفهوم الاجتماعي الوطني. حتى البرجوازية العربية(بشكلها الهرمي الطفيلي السائد حالياً)، غير قادرة على القيام بالمشروع الوحدوي التنموي، لأنَّ هذا يتنافى أصلاً مع مبررات وجودها، كحلقة تصريف لذلك الفائض السلعي الإمبريالي، وبالتالي فهي تابعة للمشيمة الإمبريالية، وبالتالي فهي لن تقوم بقطع الحبل السري الذي يغذيها. وبالتالي، فهي عاجزة أيضاً عن ترسيخ بُنى وعلاقات "إنتاجية" تتوضّع في صلب البنية الطبقية للمجتمع وتكون قادرة على الصمود، كما فعلت رأسماليات أوروبا الغربية التي فرضت منظومة علاقات إنتاجية-اجتماعية بقيت راسخة أمام التحوّلات التي اجتاحت الخارطة الثقافية الفكرية في أوروبا في العقدين الخامس والسادس من هذا القرن، والتي دفعت أخيراً كتلة المفكرين -المثقفين الأوروبيين إلى الهامش والظل والفصام والانتحار المنهجي. في حين بقي ذلك الهرم الطفيلي العربي (بصيغتيه النفطية، واللانفطية)، عاجزاً عن أي توضّع متوازن بسبب تناقض ذلك مع تشكِّله وبنيته وصيرورته، وهذا مايخصُّ البنية العربية القائمة بتمثّلها السياسي-الاجتماعي. وبربط ذلك مع المهام اللازمة أمام المشروع النهضوي، تتوضح طبيعة بُنى التأسيس فيه. فالمقاربة إذن، متشعّبة ومتعدّدة، وتترابط عناصرها جدلياً. فإذا كانت الهوية فعلاً سيرورياً منظوراً في بنيته ومساره أبداً، ومكوِّناً من ترابطٍ حلزونيٍّ جدليٍّ بين المكوِّنات القَبْلَية والتوضّع الإحداثي الآني للبنية المعرفية الثقافية والاجتماعية للكتلة، وبين الإحداثيات البَعْدية المكوِّنة لمسار تلك البنائية، فإنَّ العرب، حتى الآن، لم ينجزوا الدولة الوطنية، فالناجزُ القائمُ حتى الآن هو القوميُّ العربيُّ، أما الهوية الوطنية فهي فعلٌ قيد الإنجاز -كما أسلفنا-، وهي المهمة التأسيسية الأولية للمشروع العربي النهضوي. وباعتبار الهرم الطفيلي نقيض تلك المهمة، فهي إذن ملقاة على عاتق العناصر والشرائح المنتجة من الكتلة الاجتماعية العربية، أي أنها بالتالي، مهمة طبقية، لأن الشرائح التي لم تنخرط في هرمية إعادةِ استثمار الرأسمال المالي (الهرم الطفيلي) هي النقيضة "للدولة" السايكسبيكوية. لأن الكيانات السياسية القائمة الآن هي بُنى اشتراطية سياسية لا دول وطنية بمفهوم الهوية. ومهما حاولت المركزة الإمبريالية نفخ هيكليّتها، فستبقى عاجزةً تماماً عن القيام بعمليتي التحديث والتنمية. لأن مهمّتها تتوضع في جوهر مشروع السيطرة الإمبريالية، بحيث تشكّل تلك الكيانات أقنيةً لتصدير الأزمة من المراكز إلى الأطراف، حتى في تلك الكيانات التي ملكت زمام الأمور فيها صفوف متقدمة مما كان يسمى "قوى الديمقراطية الشعبية"، أو البرجوازية الصغيرة- بالتعبير التقليدي الماركسي الميكانيكي، وذلك بسبب انتفاء وجود العناصر البنائية المكوِّنة والفاعلة في التحديث والتنمية الحقيقيين. وكما أسلفنا، وضمن آلية التداخل العضوي القائم بين المركزة الإمبريالية بانزياحاتها التاريخية واستقرارها النهائي في المركزة الأمريكية، وبين الكيان الصهيوني كناتج للمرحلة الإمبريالية عبر القارية، فلا بدَّ إذن من خوض الصراع التناحري التناقفي الإلغائي مع الطرف الثاني من أدوات المركزة الإمبريالية- الكيان الصهيوني. بحيث تتحدَّد مهام المشروع النهضوي العربي في ثلاثة محاور متداخلة ومترابطة جدلياً وموضوعياً: - فك الارتباط مع المركزة الامبريالية عبر مشروع تنموي عربي شامل متداخل مع انجاز البنية السياسية للدولة الوطنية العربية الواحدة. - خوض الصراع مع الكيان الصهيوني ومشروعه، وتصعيد الاشتباك معه، لأن إنجاز المشروع القومي العربي بسيرورته الوطنية مرتبط أصلاً بهزيمة المشروع الصهيوني. -خوض الصراع الاجتماعي- الطبقي ضد الهرم البرجوازي الطفيلي بأشكال متعدّدة. إنَّ إنجاز تلك المهام الثلاث ينطلق تأسيساً من الملامح الإحداثية الأولية المحددة لنقاط انطلاق المشروع القومي المدروس في التداخل السيروري بين القومي والوطني. الأول ناجز تاريخياً، عبر مكوِّنات الهوية الأناسية المعرفية الواحدة على مستوى الكتلة الديموغرافية العربية كلها: من خلال وحدة الذاكرة الجمعية والمخيال الاجتماعي، والسيكولوجية الجمعية (الذات الكتلية). ووحدة اللغة ومايرتبط بها من عناصر التفكير وفعاليّاته، ووحدة الجغرافية التاريخية، والتاريخ الجغرافي... وغيرها، بحيث تصبح فعلاً قائماً في محور سيرورة الهوية الوطنية العربية، المشروعية اللازمة لإيجاد آلية التطابق مع النمطية السياسية الملازمة لتلك الوحدة. فالقومي، قائمٌ في الزمان، ناجزٌ في التاريخ، في حين يصبح الوطني هو الواجب إنجازه في المكان العربي، في الجغرافية الديموغرافية السياسية، والتي لا يمكن أن تنجز مشروعيتها إلاّ َ من خلال الصراع ذي المهام الثلاث المشار إليها أعلاه. أمَّا قراءة التداخل بين الوطني والقومي، على أن الأول يعني القطر =الكيان= التعيين السايكسبيكوي= السوق التصريفي، وأن الثاني يعني إنجاز المشروع الوحدوي، فهي محاولة للاعتراف بتعدد أوطان الوطن العربي، ومن الواجب تلصيق هذه الأوطان لنصل إلى الوطن الكبير، وهي نقيضة القراءة القائلة بأن تعبير الوطن يعني الوطن العربي كله، وبالتالي لابدَّ من مشروع يعيد اللحمة الكاملة لهذا الوطن، وليس بالعكس، وإلاَّ سنكون حينها قد وضعنا العربة أمام الحصان. لأنَّ ما سقناه من قراءة يدفعنا -كما أسلفنا- إلى تحديد العوامل الذاتية لحركية المشروع النهضوي العربي. إن القطري -التجزيئي المسمّى "وطناً"، المتطابق مع مفهوم الكيانات السياسية القائمة الآن، هو فهم مقلوب وعاجز وقاصر لقراءة الكتلة العربية بمعناه الجغرافي والتاريخي. لأن الوطني هو التعبير الجغرافي التاريخي للتطابق اللازم بين الكتلة الاجتماعية (الأمة العربية)، بإحداثياتها ومواصفاتها الأناسية مع تأطيرها السياسي بتعبيره الديموغرافي. أي أن "الوطني الناجز"، بحيث أنه يعني دولة وطنية عربية واحدة بكيان سياسي واحد، يمثّل التوضع التاريخي الجغرافي للأمة العربية في مساحة الوطن العربي ككتلةٍ واحدة. وبتعبير النقد، يعني هذا الكلام، إيجاد التطابق التعبيري اللازم بين الزمان والمكان العربيين، أي زمكانية الأمة. فالزمان العربي واحد، والمكان واحد، لكن هذا الأخير مقطَّع الجسد، وعلى المشروع القومي إعادة التطابق بينهما لأن العلاقة بينهما خلال آلاف السنين هي التي أنتجت وحدتهما. وبالتالي، لا نحاول نحن من خلال ذلك! إيجاد تطابق بين زمن واحد وأمكنة عدّة، بل بين زمنٍ واحدٍ ومكانٍ واحد مقسَّم قسراً. أي أن العلاقة محدَّدة بالمكوِّنات التالية: الناجز تاريخياً المحدَّد بالبناء الإناسي المعرفي العربي. وحامل هذا البناء المحدِّد لشخصيته ومواصفاته على الخارطة الكونية-العربة، ويتضمن ذلك، ليس فقط العرب الموجودين داخل الوطن العربي كمساحة جغرافية، بل كأقليات وكأفراد وكجماعات في أي منطقة جغرافية أخرى/. أما العامل الثالث فهو الوطن العربي الموسوم بالعامِلَيْنِ السابقين كمكان. ويُقصد بالعامِلَيْنِ الأول والثاني الهوية القومية. في حين يُقصد بتكامل وتطابق العاِملَيْنِ المذكورين مع العامل الثالث، الهوية الوطنية، الأول والثاني (البناء الإناسي المعرفي، بصفاته القومية العربية المعروفة، وحامل هذا البناء /الكتلة الاجتماعية العربية، كبشر/)، ناجزان، قائمان في التاريخ والآن، بشكل مستقل عن إرادتنا ووعينا الأيديولوجي الثقافي القائم، أما العامل الثالث فهو المطلوب إنجازه من خلال تعبيره وتمثله السياسي بالتطابق بين ماهو ناجز وماهو طموح واجب الإنجاز. لذلك، لا تكوِّن الكتلة الاجتماعية العربية مجموعة شعوب، بل هي مكوِّنة من شعبٍ واحد، يتطابق وجوده الديموغرافي مع الجسد الجغرافي العربي. أما مقولة الأمة العربية فتغني الكتلة العربية البشرية التاريخية لما هوأوسع من التواجد الجغرافي للوطن العربي. فالعرب الموجودون في الوطن العربي هم شعب واحد في كيانات سياسية متعددة تشكِّل التقسيم القسري للجسد الجغرافي الواحد. في الزمان، المكان،.... في القطري. وبعد كل ذلك، هل يكفي طرح مشروعية إنجاز قوى على المستوى القطري السايكسبيكوي لتحقيق حد أدنى من المشروع النهضوي؟ لابدَّ للإجابة على هذا السؤال، وبالإضافة لما قلناه سابقاً حول الهوية القومية وسيرورة الهوية الوطنية العربية عبر إنجاز المشروع النهضوي العربي الهادف إلى إقامة الدولة الوطنية العربية الواحدة على كامل الديموغرافيا العربية من التأكيد على علاقة الزمان(التاريخ) بالمكان (الجغرافية) بما يخصُّ المنظومة المعرفية العربية. فمنظومة الأحلام التي تشكل السياق التاريخي الإناسي العربي ومحور حركته تربط بُعْدَيْهِ بطريقةٍ خاصةٍ بنا نحن العرب. ولم تستطع الكيانات السياسية القطرية القائمة، حتى الآن، من تشكيل خصائص اجتماعية قطرية مميّزة. فالعربيُّ، ومنذ تدجينه السبَّاق للنبات والحيوان، مروراً بالحضارات الجليلة والوقوف على الأطلال، وصولاً إلى سحق المكان بالفانتوم، واغتصاب الجزء الواصل بين جناحيه (فلسطين)، عبر دمج قمة التطور الإمبريالي بالاستعمار الاستيطاني النوعي (سرقة المكان)... مازال يربط لغته بتاريخه وبمنظومة أحلامه على قاعدة مكانية موسومة ذات امتداد جَوَلاني يمتد شرقاً من عربستان وجزيرة الديلم (البحرين) والخليج العربي، حتى بحر الظلمات غرباً (المحيط الأطلسي) مع حركية مركزية تمتد بين وادي النيل والرافدين عبر الساحل الشامي. وضمن علاقة التوازن الرفيع التي اتسمت فيها اللغة العربية مع الواقع (الموضوع) والتاريخ، حافظ ذلك البناء الإناسي المعرفي العربي على منظومة أحلام تتمحور حول مكانية توضّعها، الموسومة بالجغرافية العربية، مما أعطى خصائص محدَّدة للثقافي العربي. فلا ثقافةخارج التاريخ، وبمعزل عن المكان(الجغرافيا، الوطن)، وحتى الآن لم يستطع الزمان اختراق المكان، لذلك عجز الاستعمار عن الفَرْنَسَة في المغرب العربي، ولم يستطع المكان اختراق الزمان-التاريخ، لذلك عجز الكيان الصهيوني من دخول مشروعية التواجد في المنطقة العربية. من هنا تأتي خصوصية الزمكان العربي كهوية قومية واسمة، ولذلك عجزت، وستبقى عاجزة، المشاريع القطرية(النهضوية!!!!)، حتى في مراحل الاصطفاف التاريخي من إنجاز مقدمات الحد الأدنى من النهوض. كما أن الهرمية البرجوازية الطفيلية عاجزة أيضاً باعتبارها تفتقد للبنية الإنتاجية- الاجتماعية المتماسكة(وهذه من أهم خصائصها)، وباعتبار المشروع القومي في سيرورته الوطنية مرتبط بفك الارتباط مع المركزة الإمبريالية، فإن انتقال هذه الأخيرة إلى مرحلة التفكك (البنيوي الاقتصادي وليس السياسي)، بما يرافقها من خلخلة متعددة الجوانب في واقع الكتلة الاجتماعية العربية سيدفع إلى انزياحات حادة سيعاني منها هذا الهرم بما تعنيه من شرخ حاد في بنيته وإفقار البنى الوسيطة والبينية فيه ودفعها باتجاه الاصطفاف التاريخي مع شرائح القاع الشعبي. فهل فيما سبق بعضٌ من المثالية القفز فوق المراحل، أو الهروب إلى الأمام؟ إذا اعترفنا مسبقاً بوجود اختلافات بنيوية في التركيب الثقافي، أو الاجتماعي، أو الأناسي المعرفي عموماً، بين الأقطار السايكسبيكوية. فبالضرورة سيكون إطار القراءة السابقة يحتوي على بعضٍ من المثاليّة والهروب إلى الأمام. ولكن، هل يمكن لأي قارئ أن يقدِّم لنا عنصراً واحداً، لتلك الاختلافات، أو نموذجاًواحداً مما يسمّيه البعض الملابسات الموضوعية الموجودة بين الأقطار العربية؟ كما قلنا أعلاه، لا يوجد بالتشريح المعرفي النقدي العلمي أية اختلافات بين الأقطار العربية. وما يحاول أن يسميه البعض خصوصيات وملابسات موضوعية، لا يتعدى تلك الخصوصيات والملابسات الموجودة داخل كل كيان على حدة، فهناك خصوصيات واختلافات بين الصعيد والدلتا في الكيان المصري، وبين شط العرب، وبغداد في العراق، وبين الحجاز وعسير في الكيان السعودي، وبين الجزيرة والغوطة في سورية.... ولكن كل هذه الاختلافات والملابسات لاتتعدّى التنويع الجزئي والتعددية التنويعية في العناصر البنائية. وإلاّ سنطلب من كل الناس حينها أن يحملوا نفس بصمة الأصبع. أما عندما نتحدُّث عن اختلافات وملابسات موضوعية، فعلينا أن نتحدّث حينها عن أنماط إنتاجية وعلاقات اجتماعية مختلفة، عن لغات مختلفة، عن ثقافات متعددة ومختلفة، عن ذاكرات جمعية مختلفة.....فهل كل هذا، أوبعض منه موجود في الكيانات السياسية العربية القائمة الآن؟!؟ ومايزيد من بلّة الطين أن أصحاب رأي الاختلافات الموضوعية، أو معظمهم، ممن ينحدرون، أو يدّعون ذلك، بانتمائهم إلى المدارس العلمية الاجتماعية، بغض البصر أكانت من المدرسة القومية السلفية، أو من المدرسة الشيوعية الميكانيكية أو غيرها. فإذا كان خرّيجو هاتين المدرستين قد طرحوا القضية الوطنية على مستوى الكيان القطري فبدأت عبارات الإرادة الوطنية التونسية، والقرار الوطني الفلسطيني....الخ، إلاّ أن مثقفي الهرم الطفيلي لم يكتفوا بذلك، بل طرحوا القضية القومية على مستوى القطر -الكيان-، وللأسف الشديد فلقد اتسعت رقعة عمل هؤلاء منظّري الأقلمة العولمية الذين بدأوا الأدلجة "للهوية" القطرية - السايكسبيكوية كهوية قومية!!! في... المعرفيِّ العربيّ تحت تأثير ضربات التطريف التي نفذَّتها الإمبريالية (وخصوصاً الديناصورية الأمريكية) إما مباشرةً، أومن خلال أداتَيْهَا -الكيان الصهيوني والهرم البرجوازي الطفيلي- في الجسد العربي، ابتداءً من احتلال فلسطين عام 1948، مروراً بهزيمة 1967 وصولاً إلى الاحتلال العسكري لمنابع النفط العربي، وأمام ضعف وتشتت وقصور الحامل الوطني العربي (القومي)، خصوصاً بعد هزيمته السياسية عام 1967، بمشروعه السياسي، انطلقت جماهير القاع الاجتماعي تبحث عن القداسة القائمة خارج زمانها، باحثةً عن شاهد غائب تضع ثقل همومها على كتفيه. فوَجَدَتْ في السلفية الدينية ملجأً ينقلها من هزيمة الزمان الواقع، إلى غيبوبة السلف القابع في مقدّسٍ ما، بحيث كانت القوى السياسية قد حضَّرَت الحاضنات السياسية اللازمة كبنية حتمية من لوازم الهرم البرجوازي الطفيلي في لحظة اندفاع الجماهير نحو كهوف تغييبها. تلك الحضاناتٍ التي تملك القدرة على تحويل الجماهير إلى رعية والمواطنين إلى مومياوات، متضامنةً ومتعاضدةً بذلك مع الأشكال السياسية الأخرى للهرم البرجوازي الطفيلي، وذلك بعد أن حوَّل الجماهير من خلال المافيات الطفيلية إلى مستهلكين من الطراز العَوْلمي الممتاز، فوقعت جماهير القاع الشعبي بين حجري طاحون: أحدهما أنجز بناءه عبر السلطة السياسية التي لا تحتاج في كياناتها السايكسبيكوية الهشة إلى أكثر من رعية تستهلك فائض الإنتاج البضاعي الرأسمالي بعد أن حوَّلت تلك الكيانات إلى أسواق تصريف عبر ممارسات ممنهجة ومنهجية، وثانيهما، لا يدفع الكتلة الجماهيرية إلى غيبوبة اللازمات فقط، بل يقذفها إلى خارج الكيان الإنساني. والإثنان متقاطعان حول مركز واحد يحدِّد زاوية الدوران بينهما، وسرعتها، ومدى القرب والبعد في الإحداثيات الطرفية لمنظومة العَوْلَمَة، وتوازي ردود الأفعال وعمقها مع المسافة المنجزة أو الناجزة من المشروع الصهيوني. ولم يكن دور القوى التغييبية السلفية كامناً في تحويل الجماهير إلى مومياوات فقط ضمن آلية التداخل المشروحة أعلاه، بل توضّع أيضاً في القفز اللا برنامجي عن المسألة القومية العربية. وإذا كان هذا القول يخصُّ تاريخياً قوى تدّعي العلمانية، ولكنها تعاملت مع الواقع العربي بسلفية ميكانيكية قفزت من خلالها، ولكن برنامجياً، خارج السؤال القومي ضمن آليات متعددة، إلاَّ أنه يخص الآن قوى لا تدّعي ذلك ولكنها جميعها، الأولى والثانية، تعتمد على نفس قوائم وأسس التفكير، ولكن بمناحٍ متناقضة. فالذين جنَّدوا عشرات الألوف من "الأفغان"، العرب تحرّكوا من خلال التقاط مفاتيح تلك الزحزحة التي تخطت حدود التراكم الإقليمي بتمثّل سياسيٍّ خاص، ومن خلال علاقة تبادلية محورية مع المركز الإمبريالية، دفعت بعشرات الألوف من المجندين إلى فقدان العلاقة بإحداثيات المكان الوطني (القومي)، وذلك من التأثير ضمن عامِلَيْن اثنين: أولهما: نقل السؤال الوطني العربي -المأزق (إذا كان موجوداً برأيهم) إلى وضعٍ ثانويٍّ مهمل. وثانيهما: اعلان الارتباط العضوي بين تراكم الهرم البرجوازي الطفيلي وتعبيره السياسي في القوى التغييبية السلفية في أحد جوانبه، مع المراكز الإمبريالية(الأمريكي الديناصوري بشكل خاص). وهذا لا ينظف مساحة تلك القواعد التي تحوَّلت إلى مومياوات، ففلسطين موجودة، والجنوب اللبناني يحترق، وهناك حالات نَمَتْ بعيداً عن اشتراطات المركزة وتمثّلها السياسي فكان لها فعلٌ مختلف تماماً!، إن كان على ساحة فلسطين أو على ساحة الجنوب اللبناني. وهنا لابد من الإشارة إلى أن نقل التحدي الجبار الذي يظهره المقاوم العربي على تلك الساحتين؛ ليس ناتج التعبير السياسي المباشر. فالعملية الاستشهادية هي فعل واسمٌ للمنظومة الأناسيةالمعرفية العربية، بغض النظر عن التعبير السياسي الذي تظهر من خلاله، خصوصاً في العقود الأخيرة، ابتداءً من جول جمال مروراً بعمليات معركة الكرامة، وسناء محيدلي، ولولا عبود، وصولاً إلى معارك فلسطين الجبارة في تل أبيب وعسقلان والقدس، والوضع المعبِّر عن هذه الحالة ضمن خصوصيته يستحق المناقشة في التركيبة المعرفية للفرد من خلال الدفاع التلقائي الواسم لمنظومة الأمة، ولا يمكن تعميمه على التعبيرات السياسية الأخرى التي هي موضع نقاشنا الآن. ومايهمّنا بشكل أساسي دراسة تلك الظاهرة ليس فقط من خلال الواقع السياسي الذي دفعت إليه هزيمة الفكر الوطني التنويري ومشروعه القومي بل من خلال البنية الترابطية للتعبيرات السياسية الممثلة للهرم البرجوازي الطفيلي، وآلية التعامل المزدوجي (بالمفهوم الفيزيائي- مزدوجة)، بين سَهْمَيْهِ وقَوَّتَيْهِ، فالدين، كشكل من أشكال المعرفة الاجتماعية، يخضع لآلية التمثّل الأيديولوجي، وللانتقال السياسي التالي في حدود الحاكمية والجبرية والقدرية، بما يهمل لاحقاً منظومة الثقافي المعرفي، وتتحدَّد علاقات تأطيره، بالتالي، بالأيديولوجي الذي ينتهي إلى السياسي، وإهمال الثقافي المعرفي الحامل للخطاب الديني يُفضي بالضرورة إلى إهداء السياق التاريخي والاجتماعي، وما يعنيه ذلك من إهدار القراءات المعرفية المتعددة الجوانب والعمق، بما في ذلك إهدار سياق القراءة نفسها في الآن الزمني الاجتماعي. وهذا مايبطل فعل الفكر وآليات العقل في تناول الخطاب الديني. وهذا مايميل بالقراءة إلىالتناول الإلغائي لكلّ مختلفٍ ومتعدد، خصوصاً بتوفّر الإطار الاجتماعي العام. بحيث نرى بأن ماتدفع بهذا الاتجاه، الملامحُ الوصفية للفراغ المجتمعي العربي، والذي من أهم مظاهره الواقع الانتمائي الفصامي، التالي للواقع الاجتماعي المتردي في البنية العربية (البطالة العلنية والمقنَّعة، مدن الصفيح، الخرّيجون الجامعيون الوسطاء، سيطرة نمط العلاقات المافياوية، تدمير ونخر البنية الاجتماعية الأخلاقية بدون طرح بديل ممكن، الفقر المدقع، الازدواجية الانتمائية لعلاقات الإنتاج، تفريغ القاع الجماهيري من مقولات الصراع الوطني (القومي) والاجتماعي....) كل ذلك يتمُّ بتراتبية إحداثية عناصرها الفاعلة: المراكز الإمبريالية، الهرم البرجوازي الطفيلي وتعبيره السياسي الممثّل في النظام العربي الأوسلوي السائد، وفي القوى الظلامية التغييبية وأداة الاختراق البندولي.- الكيان الصهيوني. نستنتج إذن، بأن حالة الغيبوبة التي تعيشها الكتلة الاجتماعية العربية هي الناتج الطبيعي للواقع الطبقي المجتمعي المعاش، والذي من أهم مظاهره السياسية-الفكرية عدم قدرة المشروع النهضوي العربي على القيام بمقدمات الحد الأدنى من تماسك الكتلة بالمفهوم النهضوي التنموي، ولا تُستَثنى من هذا الواقع بعض إمارات النفط، بل على العكس من ذلك فإنها تشكّل النموذج الوصفي للواقع الفصامي الطبقي الطفيلي المناقش أعلاه. وقد يتساءل البعض، كما فعلنا نحن أعلاه، وحاولنا الإجابة، بأن تحسين موقع العرب في منظومة العولمة السائدة كفيل بإدخالهم إلى مواقع أفضل ضمن حلقات التوزيع المركزي والطرفي الإمبريالي!! وللإجابة على هذا السؤال، لابدَّ من إعادة التذكير والانتباه إلى إحدى الخصوصيات المميَّزة لمنظومة العولمة الحالية وهي الانتقال من حالة الإصطفاف التاريخي التي كانت سائدة في المرحلة التالية للحرب العالمية الثانية إلى مايمكن أن نصفه بأنه يشكل حالة الاحتواء التاريخي، وهو الواسم حالياً للعولمة الإمبريالية السائدة، وذلك ضمن آليات التوزيع المدروسة أعلاه، بين أطراف موزَّعة على دوائر متعددة ومراكز ذات دوران وتوضع محوري تسيطر عليه الأحادية الدورانية حالياً. لأنَّ الارتباط مع المركز لا يمكن أن يتمَّ إلاَّ من خلال التشظي والطرفية، بمعانيها المتعددة. وذلك محكوم بجملة القوانين الاقتصادية والسياسية الواسمة للعولمة. وهذا يعني أن تحسين الموقع العربي في منظومة العولمة لا يمكن إلا أن يكون شعاراً تأجيلياً مؤدلجاً لفك الارتباط مع المراكز الإمبريالية. فهذا الشعار لا يمكن أن يمتلك أي مصداقية ضمن الوضع التجزيئي العربي-القطري السائد حالياً، بسبب فقدان عوامل تحسين الموقع ضمن الدوائر المذكورة.أمَّا عندما يشكِّل الوطن العربي كتلة واحدة، اقتصادية واجتماعية، فإنَّ الموقع المحتمل حينها مناطٌ بالدور الذي يمكن أن تلعبه البرجوازيةالعربية حسب ثقلها المحتمل في الكتلة البرجوازية الدولية، لكن ذلك يتناقض أساساً مع دور البرجوازية العربية التي ارتبط أساس وجودها وتطورها الهرمي اللاحق بالبنية السايكسبيكوية، وبذيليتها الدونية والمستلبة للمراكز الإمبريالية. ينتمي لنفس النسق من التفكير مايُطرح أحياناً من تحسين ذلك الموقع عبر أسْلَمَةِ المشروع العربي. والجواب على ذلك يكمن في أن الخطاب الإسلامي برسالته المحمدية العظيمة (وأقصد به الحامل الثقافي للإسلام) لم يكن إلاَّ مظهراً معرفياً للثقافيِّ العربيِّ. لذلك يجب التأكيد على أن المشروع القومي العربي بسيرورته النهضوية، هو رافعة أكيدة وهامة لموقع العالم الإسلامي باتجاه إنجاز المشاريع الخاصة للشعوب الأخرى، غير العربية، لفك الارتباط ببنى تحددها الخصائص القومية والكونية لكل شعب، ضمن دوائر الطرفية في منظومة العولمة. وبالتالي، يختلف دور الإسلام بحامله الثقافي في المشروع النهضوي العربي عن دوره في مثيلاته لدى الشعوب الإسلامية الأخرى. خطوات التأسيس فكيف تكون البداية؟ لابدَّ، بداية من استنهاض ورشة عمل (فكرية، ثقافية)، على المستوى القومي تحفر وتنقّب بهدف تشييد أسس أوليةً فكريةً تكوِّن بصياغتها حدَّاً أدنى يتكوَّن من مجموعة من العوامل التي تدفع الحوار لما هو أعلى من مستواها، بحيث تتداعى عناصر تلك الورشة للحوار التصاعدي. بهدف الوصول إلى ثوابت أولية تتمحور حول القضايا التي طُرحت في القراءة الأولية للمشروع القومي العربي بسيرورته الوطنية وصولاً للدولة الوطنية العربية الواحدة، مما يستدعي بالضرورة مناقشة مهمّات ومراحل تكوين عامل ذاتي عربي واحد لكامل الساحة العربية. فأي محاولة نهوض مهما كانت ظروف قيامها، وفي أي كيانٍ عربي، على حد، سيكون مآلها الفشل الذريع، إن لم تمتلك عناصر الترابط العضوي والموضوعي مع كل الساحة العربية وهذا يقتضي محورة النقاش حول القضايا والإشكاليات التي طرحناها: - مفهوم الهوية القومية، والوطنية، نقد القراءات التاريخية المقلوبة لمفهوم "الوطنية" وإسقاطات ذلك النقد على المسار التاريخي لذلك الفهم، فكرياً وأيديولوجياً. - الذاتي والموضوعي العربي وعلاقتهما في حركية المشروع النهضوي العربي. - الخصوصية والعمومية، الخاص والعام العربي في القراءة الخاصة والشمولية. - حراك إحداثيات الوطن العربي في منظومة العولمة مستقبلاً، الاحتمالات وإمكانية التجاوز. - الكيان الصهيوني والمركزة الإمبريالية، ودورهما في تطريف الوطن العربي. - البرجوازية الطفيلية العربية، وتعبيرها السياسي، موقعها من المشروع القومي. - الأفق الاشتراكي، الواجب أوالمحتمل في سيرورة المشروع القومي. - المنظومة الثقافية العربية، أناسياً وتاريخياً واجتماعياً، /القراءة التحليلية للذاكرة الجمعية والمخيال الاجتماعي والسيكيولوجيّة الجمعية.../. - قراءة أناسية معرفية للغة العربية عبر مرحلتيها التاريخيتين (حتى ماقبل منتصف الألف الثاني قبل الميلاد وظهور الأبجديات العروبية المعروفة، ومابعد ذلك من تكوين أناسي لغوي رفيع امتدَّ حتى الآن). - قراءة تحليلية لمنظومة الحلم النهضوي العربي تاريخياً، بمرحلتيه (الأولى التي تميزت بظهور الحضارات الجليلة على كل الرقعة الجغرافية العروبية مع نهاية الألف الرابع وبداية الألف الثالث قبل الميلاد، والثانية، مع انتشار التوحيد المعرفي الثقافي بتعبيره العربي من خلال الدولة العربية- الإسلامية) مع مناقشة نقدية تاريخية للعوامل المعرفية التي أوجبت وأدت إلى ذلك النهوض وآلية نجاحاته التي غيرت تاريخ البشرية والكون، مع إيضاح العوامل الفاعلة في منظومة الأحلام العربية، وطريقة تعاملها مع الهزائم التاريخية التي حلَّت بالجسد العربي (مع التركيز على أهم ثلاث هزائم: - سقوط بابل على يد كيرش الفارسي عام 539ق.م، وما تلاها من إعادة تكوين للهيكلية العربية، -سقوط غرناطة والغزو المغولي، وما تلاه من إعادة خلق بنية ثقافية معرفية قابلة للصمود والتماسك، -سقوط فلسطين وهزيمة المشروع القومي بتعبيره السياسي عام 1967)، وربط كل ذلك بالتأسيس اللازم للنهوض العربي الثالث الممكن، واللازم. - الإسلام (الحامل الثقافي العربي للإسلام، والبنية المعتقدية) قراءة في الـتأسيس والسياق، والثقافي والمعرفي والأيديولوجي، البنية الأيديولوجية للإسلام السياسي. العروبة والإسلام. بذلك تكون البداية، وإلاَّ سيقع إطار مقاربة المشروع القومي المناقش بنفس أدواء وأمراض مؤتمرات شيوخ الحركة القومية السلفية الذين يجتمعون سنوياً في إحدى العواصم العربية(في بيروت. بشكل شبه دائم)، ولا يأتون بجديد إلاَّ الورق الذي يجتّرون عليه بياناتهم وتوصياتهم التي مازالت تقرأ المشروع القومي العربي بمعطيات الخمسينات من هذا القرن، رغم محاولة تلوينها بالإضافات الإسلامية التالية، أو إضافات رميم المدرسة الشيوعية الميكانيكية. وبدلاً من وضع تلك الأسئلة على طاولة الحوار المفتوح والواسع شاقولياً وأفقياً وبقراءات متعددة، ومن وجهات نظر مختلفة (ولو كانت متناقضة)، يبدأ الحوار بتنازل كل طرف عن بعضٍ من مواصفاته الأيديولوجية (كأن يتنازل التيار "القومي" عن طروحاته العلمانية أو الاشتراكية مقابل تنازل التيار الديني الإسلامي عن مرحلية الأمة الإسلامية). وبالتالي لم تكن تلك المؤتمرات إلاَّ اصطياداً للزبد. حتى مؤتمرات الأحزاب "الشيوعية"، العربية والتي لم تتجاوز إصدار البيانات الصحفية (توقَّفت هذه المؤتمرات في العقد الأخير وتركت الفعل لمؤتمر غرناطة، وأوسلو، وعمان، والشرق الأوسط، ونماذجه). لم تكن إلاَّ جمعاً حسابياً دورياً. إنَّ خوض الحوار الفعّال لخلق العامل الذاتي العربي الواحد لعموم الساحة العربية، كمحور للمشروع القومي في سيرورته الوطنية عبر الدولة الوطنية العربية الواحدة، مع إعادةً التوازن الطبيعي لمقولة "الوطني" و"القومي" التي ناقشناها، بحيث نعيد الرأس إلى الأعلى، لا يعني ابداً، إغلاق الحوار مع قراءات أخرى، قد ترى في الاتحاد الديمقراطي "للبلاد" العربية صورة مثلى للوحدة، أوفي أي صورة من مظاهر "التضامن العربي" الممكن. فقولنا بأن الوطن العربي هوجسد وطني واحد، وليس مجموعة من الأوطان، وبأن الهوية الوطنية غير ناجزة، والمهمة الأولى إنجازها في سيرورتها التاريخية، لا يتناقض إطلاقاً مع أية خطوة بهذا الاتجاه شريطة عدم وضع تلك الخطوة بموقع البديل أو النقيض أو غير ذلك مع الفهم المحوري والمركزي للمشروع القومي. ومن الجدير الانتباه إليه أن البرجوازية العربية الطفيلية ومن خلال تعبيرها النظام العربي السياسي حققت وحدتها في استسلامها الأوسلوي وما تلاه. في حين لم تستطع التوضّعات الفكرية النقيضة، المعبِّرة عن سيرورة الوحدة الوطنية العربية من تحديد المعالم الأولية لأسئلة القراءة في وحدتها عبر مشروعها القومي. لذلك، لابدَّ من امتلاك القدرة على نقد الذات أولاً لكل من يدّعي القدرة على المشاركة في ورشة العمل المأمولة، وذلك قبل أن يتقدم للانتقال إلى نقد الآخر. يضاف إلى ذلك اعتراف كل عناصر تلك الورشة أحدهما بالآخر، مع التركيز علىمبدأ الديمقراطية أساساً محورياً للحوار، مهما كانت الخلفية التاريخية أو التاريخية الأيديولوجية للمتحاورين في الورشة (قومية، دينية، شيوعية....)، مادامت قضايا النقد الذاتي واحترام الرأي الآخر مفتوحة بشكل ديموقراطي، وإلاَّ سنعود إلى سواطير الإلغاء، التي شكلت ضعفاً ذاتياً قاتلاً في تاريخ المشروع القومي. تحفر تلك الورشة، وتشيد قراءات متنوّعة لمفهوم الهوية القومية والهوية الوطنية العربية كتأسيس لازم للانطلاق نحو وضع صياغة برنامج مشروع نهضوي عربي يمحور المشروع القومي العربي ويؤسسه على ركائز أربع: 1 ـ الأصالة: وتعني بمختصر المفردات الامتلاك التاريخي النقدي الجدلي للذات (التراث)، بامتداد مقوِّمات بنائها التاريخية في العمق الزمني الاجتماعي، بما يعنيه ذلك من قراءة معرفية نقدية متميزة لمكوِّنات التطور الأناسي المعرفي العربي بعناصره كلها (الذاكرة الجمعية، المخيال الاجتماعي، السيكيولوجيا الجمعية (الذات الكتلية العربية)، اللغة، البنائية الميثولوجية والتيولوجية للشخصية القومية، التاريخ الجغرافي، الجغرافية التاريخية، السياقات والإحداثيات التاريخية للبنية الحدثيّة العربية....). مع التركيز على قراءة جديدة للدين، ابتداءً من المراحل الأولى للتاريخ العربي، مروراً بظهور الديانات التوحيدية العربية الأثونية، المسيحية، الأحناف، الصابئة، وخصوصاً مايمسُّ الحامل الثقافي للخطاب الديني العربي (الإسلامي منه بشكل خاص)، وكشف منظومة القيم الرفيعة التي ارتبطت بذلك الحامل الثقافي والسمات الحضارية الغنية، خصوصاً أنها شكلت المظهر المعرفي التاريخي لتطور وصعود العروبة كمفهوم أناسي معرفي. وهذا يعني امتلاك القدرة على تمييز ماهو معتقدي عمّا هو ثقافي معرفي. وتلك القراءة النقدية، هي وحدها القادرة على كشف الغنى الحضاري والأداء التاريخي المتميِّز لمنظومتنا المعرفية العربية في وحدة حضارية متميِّزة ذات تنوع خاص في إطار وحدتها التي تمتدُّ جذورها لأكثر من خمسة آلاف عام في عمق تاريخ ماقبل الرسالة الإسلامية. ويفضي ذلك بالضرورة إلى الكشف عن الأسس المتينة التي تستند إليها العناصر المعرفية التالية، والتي لا يمكن اكتسابها بدون وجود نقاط التأسيس المتينة. ونظراً لغنى منظومتنا على كافة المستويات، فهي الأقدر على الامتلاك التالي لعناصر الحداثة. وهنا، لابدَّ من التأكيد على أن تلك المقاربة النقدية يجب أن تتمتّع بمواصفاتٍ بنائية ترتبط بأدواتها: آ - نزع التمثيل الأيديولوجي والسياسي. ب - تنشيط فعاليات الفكر من خلال الاعتماد على منطلقات الفكر الحر(السببية، التحليل والتركيب، الوظيفية، الاستنتاج والاستقراء، السبب والنتيجة، التاريخية النقدية...). حـ - التمييز بين الثقافي المعرفي والثقافي الأيديولوجي في السياق التاريخي... بحيث يمكننا إعادة التأكيد علىأن المواصفات البنائية للمنظومة المعرفية العربية، وبعد إزالة التثبيط والفرملة الأيديوسياسية، والتغييب عنها، وما يعنيه ذلك من إعادة العقل العربي إلى توازنه، لقادرة على امتلاك زمنها الاجتماعي المكثَّف، الذي تستطيع من خلاله تجاوز الفارق الزمني الواسع الذي يفصلها عن الأمم المتقدمة تقنياً، وخلال فترة قصيرة تشاركها في ذلك عوامل أخرى (الكتلة الديموغرافية، الوضع الاقتصادي الغني قاعدياً، الأداء التاريخي العربي المتميَّز). 2 - الحداثة. ولا يُقصد بالحداثة مفهوم العَصْرنة الطفيلي السائد، بل بفهمها الجدلي التطوري بمعنى التفاعل مع المنجز التالي من قبل منظومتنا المعرفية، بحيث يمكنها -وتأسيساً على نقاط التأصيل التي تحدّثنا عنها أعلاه -استيعاب وصقل ومعالجة ومعاملة العناصر المادية والروحية القابلة للامتلاك، وهذا مايسمى الامتلاك التاريخي النقدي للآخر، والذي لا يتمّ إن لم نجد نقاط الارتكاز الأساسية في البنية المعرفية العربية، بحيث ترتبط بُنى الحداثة الموجبة بارتكازات التأصيل وعناصر تأسيسها. ومن المعروف تاريخياً أن البنية المعرفية العربية لم تكن منغلقة على نفسها، في يوم من الأيام. وهي وإن كانت في معظم تاريخها تؤثر في البُنى المعرفية المحيطة، إلاَّ أنَّها لم تقف صمَّاء صامتة بعلاقتها مع تلك البنى، فتأثرت، واستطاعت أن تمتلك وتعالج العناصر المعرفية الأخرى، امتلاكاً تاريخياً نقدياً يقوم على النقد والتأصيل والتحديث، ويقودنا هذا القول إلى قراءة نقدية مختصرة ومكثّفة للمحاولات الحداثية التي شهدتها الكتلة العربية في هذا القرن، مع طرح أسئلة مشروع الهوية العربية على طاولة البحث والسيرورة. فإذا كانت المحاولة الحداثية الأولى مع بدايات هذا القرن، قد تمترست بالنمطية الحداثية الأوروبية، إلاَّ أنها لم تجد الحوامل الاجتماعية المناسبة، وإذا كانت الرأسمالية الأوروبية قدأنجزت مشروعها الحداثي القومي، بسبب المركزية الرأسمالية وصياغة علاقات اجتماعية -إنتاجية ذات بنية شرائحية (طبقية) أفقية، إلاَّ أن المحاولة الحداثية العربية الأولى، والتي طُرحت بالنمط الليبرالي الأوروبي ووجدت نفسها بدون قوائم استناد، لأن "البرجوازية" العربية بخصائصها البنيوية المعروفة ولدت تابعة للمركزية الرأسمالية، وبالتالي كانت الحوامل الاجتماعية لتلك المحاولة أجبن من أن تنجز مشروعاً حداثياً، في الوقت الذي كان فيه الحامل الفكري لتلك المحاولة أكثر جرأةً (طه حسين كحامل فكري لتلك المحاولة ودور"البرجوازية" العربية في مصر مثلاً). في نفس الوقت الذي كانت فيه الشرائح الدنيا من الكتلة الاجتماعية العربية تفتقد للتجانس الطبقي، وبالتالي تفتقد للتجانس الفكري، خصوصاً أنها كانت خارجة للتوّ، من كهوف ظلام الاستعمار التركي. أما المحاولة الحداثية الثانية، والتي طفت على السطح بالتعبير السياسي للمشروع القومي مع بداية الخمسينات (مع ثورة تموز 1952 في القطر المصري) فقد سقطت أيضاً لعدة أسباب، أهمها، ارتكازها على البنية الأيديولوجية "للحداثة" العسكريتارية، وافتقادها للحامل الفكري-الثقافي، الذي كان أقلَّ جرأةً في مقاربة أسئلة المشروع القومي، خصوصاً أن جملة الأسئلة المناقشة في هذه المقاربة حول مشروع الهوية الوطنية العربية والعامل الذاتي... لا يمكن أن تحلّها التجريبية السياسية، بل هي بحاجة إلى قراءة فكريةعميقة قبل الانطلاق بها إلى واقع التأطير الأيديولوجي. وحتى تلك المحاولة، وعندما بدأت تظهر خطرها على المشروع الإمبريالي ورأس حربته الكيان الصهيوني، وُجِّهَت لها الضربة القاسية المعروفة في هزيمة 1967، والتي امتدت بنتائجها حتى الاحتلال الأمريكي العسكري للخليج العربي بعد حربه الثانية. فنحن إذن أمام محاولة حداثية ثالثة، تعتبر مقاربة المشروع القومي النقدية إحدى أهم إرهاصاتها، فهل نحن قادرون على امتلاك عناصر انتصارها، مستفيدين من كل العناصر النقدية المستنتجة من المحاولتين السابقتين، مجيبين بدايةً على أسئلة المشاريع المتوضِّعة في لبِّ المشروع القومي العربي بسيرورته الوطنية؟ 3 - الديمقراطية: بأشكالها ومفاهيمها المتعددة، التي تضمن حرية الحركة للقاع الشعبي المنتج، واحتمال كل الآراء في سيرورة المشروع النهضوي، ومشاركة الأيدي المنتجة في إدارة العملية التنموية على كافة الصعد الاقتصادية والسياسية وغيرها، مع إعطاء صياغة نقدية مفتوحة لعوامل الانطلاق باتجاه تحقيق العامل الذاتي الواحد للمشروع النهضوي، بعيداً عن النقل الميكانيكي السلفي لأشكال "الديمقراطية" بنماذجها الليبرالية البرجوازية، أو العمالية التحريضية، أو العالمثالثية الصورية. وهذا مرتبط أصلاً بالقراءة النقدية التشخيصية الدقيقة للواقع العربي: بخصائصه الطبقية، وموقعه في منظومة الكون، وبنائية الهرم البرجوازي الطفيلي وتراتبيّته الشرائحية الأفقية، والطبقية العمالية المشوّهة لأسباب عديدة، وتوزُّع الفلاحين بين الملكية العقارية والعمال الزراعيين ومزارع الاستثمار الطفيلي، والامتداد الواسع للشرائح البينية الاستهلاكية. كل ذلك يحدِّد حوامل اجتماعية معيَّنة في التأسيس الديمقراطي تستند إلى القاع المنتج البعيد عن الهرمية الطفيلية، والقادر على الصراع التناحري مع المشروع الصهيوني كناتج بنيوي طبيعي لمنظومة العولمة الإمبريالية. يُضاف إلى ذلك أن أزمة الإمبريالية نفسها ودخولها في مرحلة الانحطاط ستدفع العناصر البينيّة في الهرم البرجوازي باتجاه التفقير والانضمام اللاحق إلى القاع الشعبي. من هنا، كان التأسيس الديمقراطي ملزماً باستناده على القوى النقيضة للمشروع الصهيوني، والقابلة لإنجاز مشروع فك الارتباط مع المركزية الإمبريالية، بحيث يبدو إنجاز جوانب المشروع النهضوي العربي الثلاثة (مشروع الدولة الوطنية العربية الواحدة، وقيادة الصراع التناحري مع العدو الصهيوني، وفك الارتباط مع مركزية العولمة وحلقاتها)، مشروعاً واحداً بتأسيس واحد يستند على البنية الجماهيرية المنتجة، التي تكمن مصلحتها الحقيقية في إعطاء ذلك المشروع أفقاً اشتراكياً. وهو في سيرورته ملازمٌ لمفهوم الهوية الوطنية. والأفق الاشتراكي للمشروع النهضوي العربي متلازم مع المعنى المعرفي للديمقراطية، ذات التناقض التناحري مع مشروع الهرمية الطفيلية، بحيث يبدو ذلك الأفق هو المعيار الهام في تحديد مدى القرب والبعد من محورية المشروع القومي وقدرته على إنجاز مهامه. وتنفتح الديمقراطية في هذه الحالة على الحداثة ليتقاطعا بمفاصل هامة تخصُّ طبيعة قراءة ومقاربة التأسيس التاصيلي للمشروع القومي، والذي يعني من هذا الجانب أخذ كل القراءات، وأشكالها وأصواتها على أرضية تحديد الإطار العام للتأصيل الحداثي وللحداثة التأصيلية في بنية الهوية القومية. فلا مقاربة نقدية امتلاكية للذات، بدون الديمقرطية، ولامقاربة نقدية تاريخية للآخر بدون الديمقراطية بمعناها الشمولي، حيث تصبح مرتبطةً بالشرائح الاجتماعية الحاملة للمشروع، وشرائح القاع الشعبي العربي هي الوحيدة القادرة على صياغة المحاور الحركية في المشروع القومي. لذلك يبدو الأفق الاشتراكي تأسيساً ملازماً للمشروع القومي العربي بسيرورته الوطنية. 4 - التكنولوجيا والمعرفة التكنولوجية. وتقف هذه الأخيرة في مقدِّمة التحول الحداثي والتنموي، خصوصاً، إذا أدركنا بأنَّ التكنولوجيا قد تحوَّلت في المرحلة الأخيرة من منظومة العولمة الإمبريالية إلى فائض سلعة نتيجة لفوضى الإنتاج الرأسمالي وسيطرة المعلوماتية وإعادة ترتيب مواقع قوة العمل في قانون الإنتاج وفضل القيمة. وأصبحت السلعة التقنية هي الغازي الأهم، مع احتكار المراكز الإمبريالية للمعرفة التكنولوجية.... ولهذا عجزت المشاريع "التنموية" القطرية حتى ولو حَسُنَتْ نيّات القائمين عليها تاريخياً، لأن امتلاك المعرفة التقنية التالي هو أحد عناصر التأسيس في استقلالية بنية الدولة الوطنية عن منظومة العولمة. ومن البدهي الإقرار بأن الدولة الوطنية العربية الواحدة على كامل المساحة الجغرافية العربيةهي القادر الوحيد على تحقيق ذلك. أما امتلاك بعض نتاجات المعلوماتية من فوضى الإنتاج الرأسمالي، كالحواسيب، وآخر ما أنتجته الماكينة الامبريالية، حتى بعض تقنيات الصناعة الاستهلاكية، فكل ذلك لا يتعدّى تصريف فائض بضاعة. وانطلاقاً من القدرة الاقتصادية التراكمية للكتلة الاجتماعية العربية، تستطيع من خلال برنامج تنموي متكامل متصاعد، أن تمتلك التقانة اللازمة لمشروعها التنموي، ليس من ناحية البنية التقنية التحتية فقط، بل ومن ناحية المعرفة التكنولوجية، بما في ذلك امتلاك الأمة العربية لعقول قابلة لتجاوز الزمن الميقاتي (الفيزيقي) باتجاه زمن اجتماعي كثيف. وبتداخل هذه المكوِّنات الأربع، الجدلي والعضوي على أرضية الامتلاك لمفاتيح سيرورة الهوية الوطنية العربية يستطيع المشروع القومي العربي وضع الخُطى الأولى بعد أن يكون قد أنجز عبر ورشته الفكرية الملامح الأولية لقراءة الواقع العربي عبر حملة عريضة من المقاربات التنويرية الأصيلة المفتوحة الخطاب. فالحال، أنَّ إنجاز هذا المشروع لا يتم عبر البحث عن حلول قطرية، مهما كانت جذرية، بل عبر التراكم النقدي البنّاء لقوى الديمقراطية العربية المؤسَّسة على عامل واحد ذاتي. لعموم الساحة العربية، قادرٌ على إدارة سيرورة الخطوات التالية من المشروع النهضوي العربي بسوّياته المتعددة. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |