مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد الثامن السنة الثالثة شتاء 2000
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

الأساس القومي للأمن الثقافي العربي ـــ د.أحمد برقاوي

لاشك أن هناك إحساساً متنامياً لدى البشر في الوطن العربي بخطر على وجودهم الذاتي، بوصفهم منتمين إلى أمة لم تحصل بعد على معادلها السياسي القانوني أي الدولة.‏

وهم في هذا يعيشون حالة تكاد تكون نادرة، ففي الوقت الذي تكافح فيه اثنيات معينة -كانت لفترة قريبة من الزمن جزءاً من دولٍ متعددة القوميات- من أجل الحصول على استقلالها الذاتي- القومي، فإن العرب ما زالت موزعة على مجموعات دول وهي تحوز على كل مقومات تكوّن الدولة- الأمة. إنها واحدة من أكبر مفارقات العالم في نهاية القرن العشرين.‏

وليس هذا فحسب، فالحديث يجري الآن من مصير مزعج حتى للدولة القطرية ذاتها حيث تنتظرها إمكانية التذرر أو التقسيم في مواجهة وجود ناقص على هذا النحو- أي وجود قومي يفتقد وجوداً سياسياً. وكتعويض عن فشل عمليات التوحيد المتنوعة يهاب بالثقافة أن تقوم بدور العنصر الحاسم في إنتاج الشعور بالهوية القومية.‏

هذا ناهيك عن أننا نواجه عدداً استثنائياً يقوم بفرض وجوده علينا بالقوة وبكل أشكالها ويحقق مآربه في شروط عجز عربي شبه شامل عن المواجهة، فإذا بالمسألة الوطنية ترتدي لبوساً ثقافياً، أي تتحول الثقافة إلى سلاح مواجهة استناداً إلى الاعتقاد بأن الثقافة العربية ذاتها ليست بمنجى عن الاعتداء الصهيوني.‏

ويضاف إلى ذلك كله تلك الهوة التي تفصلنا من التقدم الغربي وعلاقة التبعية التي نحن عليها للغرب، والتي أنتجت إحساساً بأن الصراع مع الغرب هو صراع ثقافي، لا سيما وأن الثقافي يتحول إلى سلاح لتأكيد تبعية كهذه، مرة أخرى تنتصب الثقافة كمنقذ.‏

إذاً نحن نعيش شروطاً موضوعية جعلت من الثقافة عنصراً خاضعاً لأشكال وعي مختلفة من حيث وجودها ومن حيث وظيفتها.‏

وليس أدل على ذلك من أن هناك جملة من المصطلحات التي انتشرت وذات علاقة بما نحن فيه: الغزو الثقافي، الاختراق الثقافي، الدفاع عن الثقافة الوطنية، وأخيراً الأمن الثقافي.‏

المدقق في مصطلحات كهذه يدرك أن العرب ينتجون الآن خطاباً أساسه فض العلاقة بين الثقافة العربية والثقافة الغربية أساساً انطلاقاً من فكرة التناقض بين الثقافتين: ثقافة قادرة على الاختراق وثقافة تقف موقف الدفاع عن نفسها في مواجهة هذا الاختراق.‏

ولكن من بين المفاهيم والأفكار الأكثر ارتباطاً بالمواجهة فكرة الأمن الثقافي.‏

الحق، أن فكرة الأمن الثقافي ترتبط بجملة أشكال من البحث عن الأمن القومي، كالأمن الاقتصادي والأمن السياسي والأمن العسكري وأمن المياه.. الخ.‏

وفي كل جانب يرد فيه مصطلح الأمن هنا إنما يراد منه تحقيق قدرٍ من المنفعة والقوة لتحقيق نوع من الطمأنينة الدائمة على الوجود الذاتي، هنا تبدو العلاقة ترابطية بين كل أشكال الأمن المطلوبة الآنفة الذكر.‏

فإذا جرى الحديث عن الأمن الاقتصادي العربي فإننا سرعان ما نحصل على خطاب في التنمية الاقتصادية والتكامل الاقتصادي، وحين يعرض للأمن السياسي، فالحديث يدور عن استقرار المجتمع والتغلب على كل شروط الاتجاهات العنيفة المزعزعة لهذا الاستقرار.‏

والمقصود بالأمن العسكري البحث عن سبيل مواجهة الآلة العسكرية الصهيونية أو بعض دول الجوار، وذلك بتحقيق توازن عسكري لمواجهة أي تهديد خارجي.‏

وأمن المياه أمر متعلق باستمرار التدفق الحر للمياه النابعة من مناطق غير عربية.. الخ.‏

ولكن المسألة تزداد تعقيداً حين يجري الحديث عن الأفق الثقافي.‏

إذاً أنا أمام صيغة ملتبسة قد توحي بما لا نقصده وانتقال الثقافات وانتشارها وتأثير بعضها في بعضها الآخر أمر أكّده التاريخ ودللت عليه التجربة.‏

فلنخط خطوة أولى في بيان ما لم نقصده، ونحن بصدد البحث في الأمن الثقافي.‏

ليس أحد بقادر على إغلاق ثقافتنا القومية وتسويرها بسور حديدي، وبالتالي لا نقصد من الأمن الثقافي للأمة إغلاق النوافذ على الثقافة العالمية وهي علاقة تاريخية ذات ملامح قانونية.‏

وبالتالي أن فكرة الغزو الثقافي التي شاعت في الثمانينات من هذا القرن والتي قصد منها النيل من تيارات الفكر الأوروبي وتأثيراتها في الفكر العربي المعاصر لا تدخل في زاوية رؤيتنا للمسألة.‏

فالماركسية والوجودية والشخصانية والوضعية والبئيوية.. الخ تيارات ذات طابع عالمي لا تنال من الهوية الثقافية للأمة، وليست هجمة ثقافية يراد منها تشويه الثقافة القومية.‏

ولسنا نقصد بالأمن الثقافي الاحتفاظ بجميع القيم السائدة موضوعياً عربياً ذلك أن عالم القيم عالم متغير متطور وفق تطور المجتمع الكلي لأن كل مرحلة من مراحل التطور الموضوعي للعلاقات الإنتاجية وما يرافقها من تطور كلي تخلق القيم المطابقة لها وإن كان ذلك على نحو بطيء.‏

إن جانبي الثقافة الموضوعي والموعى به لا ينفصلان دائماً، فكل تغير في عالم الثقافة الموضوعي يفضي بالضرورة إلى وعي ثقافي يأخذ شكل أفكار حول الواقع.‏

والوعي الثقافي يدخل في عملية تناقض أو صراع على الثقافة الموضوعية إذا كان واقع الثقافة موضوعياً لم يعد قادراً على الاستجابة لوعي ضرورة التغير والانتقال من حالة إلى أخرى.‏

إذ ذاك نكون أمام مسألة لا تندرج في إطار ما نسميه الأمن الثقافي.‏

إذاً ما الأمن الثقافي: إن الثقافة بما هي سيرورة تشكل عاملاً مهماً من عوامل وعي الهوية بالانتماء. والهوية هي استمرار الوعي بالتمايز الذي يحتفظ بالوجود الذاتي.‏

فالثقافة بهذا المعنى شكل يعين الوجود الذاتي للإنسان وللمجتمع وللأمة.‏

إن أي سلب مقصود موعى به للوجود الذاتي للأمة إنما يمر عبر زعزعة الوعي بالهوية الثقافية. لأن الهوية تؤسس أصلاً على الوعي بالانتماء عبر الوعي بالتمايز الثقافي.‏

إن تغير الوعي الثقافي بحد ذاته لا ينجب سلباً للهوية طالما هذا التغير قائم في استمرار الوعي بالهوية. ولكن عندما تتعرض الهوية ذاتها إلى النيل عبر قنوات ثقافية سواء أكان الأمر مقصوداً أو عفوياً عندها، وعندها فقط بإمكاننا الحديث عن خطر يواجه الثقافة بما هي وعي بالهوية يحقق الأمن الذاتي.‏

إذاً الأمن الثقافي هو الشعور الذاتي بالانتماء الثقافي القومي والذي يخلق اطمئناناً للوجود لدى الأفراد المنتمين إلى أمة ويخلق لديهم فاعلية سياسية، أي تتحول الثقافة هنا إلى أداة فعل وتغير للعالم.‏

ترى هل الأمن الثقافي بهذا المعنى متحقق".؟‏

من الصعب أن نجيب بالسلب أو الإيجاب عن هذا السؤال. صعوبة النفي ترتد إلى استمرار الثقافة العربية بالقيام بدور تأكيد الانتماء وصعوبة الإيجاب ترتد إلى محاولات عزل الثقافة عن فكرة الانتماء عزلاً سياسياً.‏

تواجه الثقافة العربية في جانبها الكلي التوحيدي للأمة عدة عوامل من النفي:‏

1- نفي أيديولوجي ناتجاً عن فكرة التصالح مع العدو والاعتراف به.‏

2- نفي قطري يبحث عن أعمدة ثقافية كتأكيد التذرر الحاصل.‏

3- نفي عولمي لإيجاد المناخ الملائم لعملية السيطرة على السوق.‏

لنحلل هذه العوامل ونبرز ما بينها من ترابط.‏

شهدت الفترة الأخيرة عملية تصالح مع بعض الأنظمة السياسية العربية مع العدو القومي الرئيسي أي الكيان العنصري الاستعماري الصهيوني في فلسطين.‏

هذه العملية -الورطة السياسية تحتاج فيما تحتاج إليه إيجاد مناخ في الوعي العربي الشعبي للقبول بها- أي تبرير أيديولوجي.‏

هنا تستخدم أيديولوجيا التسوية جملة من المفاهيم لا تحمل دلالتها الحقيقية الواقعية والعقلانية وروح العصر.‏

يتحول الصراع التاريخي بين عدو إجلائي غريب وأمة متعينة ثقافياً وتاريخياً ولغوياً في ثقافة التسوية إلى مسألة تعايش.‏

يحيل مفهوم التعايش مباشرة إلى نزع التناقض الصراعي انطلاقاً من ضرورة التعايش، أي القبول بوجود "إسرائيل" قبولاً ثقافياً وسياسياً واقتصادياً.‏

والمدقق بمفهوم التعايش يدرك أن المسألة ترتد كلها إلى ضرورة القبول بالأمر الواقع أي إلى واقعية زائفة. نمط كهذا من الواقعية يصادر جميع الممكنات لحل الصراع لصالح ممكن واحد فقط هو القبول بشرعية وجود "إسرائيل". الكيان العنصري الاستيطاني الصهيوني.‏

لكي تنجب القناعة لدى الأفراد المنتمين أصلاً إلى أمة واحدة تجري عملية تزيين أيديولوجية تطال مفهوم الأمة تبدأ من إظهار طوباوية المشروع القومي العربي.‏

في اللحظة التي يصبح فيها مفهوم الأمة العربية موضع شك فإن كل ما يرتبط بمفهوم الأمة الواحدة من نزوع أو من ثقافة أو من تاريخ يغدو -وفق منطق الأمر الواقع- وجوداً زائفاً. يغدو الوجود الحقيقي لهويات متعددة تفسح المجال لهوية نشاز أن تقع على قدم المساواة مع الهوية العربية- أو مع الهويات القطرية أو الإقليمية.‏

يتفق منطق كهذا مع من أراده أن يبرز في مشروع الشرق الأوسط الجديد حين دعا إلى ثورة في المفاهيم لتحقيق مشروعه. وما الثورة بالمفاهيم إلا الإتيان على مفاهيم الأمة العربية والوحدة العربية والثقافة العربية وتأكيد النشاز التاريخي "لإسرائيل".‏

بكلمة أخرى لكي يتحقق ما هو سياسي لابد من زعزعة الثقافي المشترك، وأهم أشكال الوعي بالوجود الذاتي وللهوية الثقافية القومية. استمراراً لمنطق كهذا يبرز منطق أيديولوجيا السلطة القطرية المنطلقة لإيجاد أساس ثقافي غارق في القدم ومتجدد لشرعية الدولة- السلطة القطرية.‏

أشير بداية إلى أن دحض وجود الأمة بما تنطوي عليه من عوامل مشتركة وخاصة الثقافية منها لا ينبع من معالجة أساسها نظري مجرد بل من مصلحة ضيقة تبحث عما هو فكري- سياسي لتبريرها.‏

يساعد تبرير أيديولوجي كهذا غياب المعادل السياسي للأمة، فاستمرار التذرر السياسي على هذا النحو من القطع بين الكيانات السياسية التي تصل حد الصراع تدليل على لا موضوعية الأمة وعلى لا موضوعية التفكير على مستوى الأمة.‏

أما الدليل الآخر على وهم الأمة بما هي ثقافة واحدة هو استمرار وعي الانتماء إلى تجمعات ما قبل الأمة. ترفع هنا أشكال الوعي بالانتماء الضيق- إلى المنطق الطائفي القطري إلى درجة يغدو معها الوعي بالهوية القومية الواحدة أمراً غير حقيقي.‏

تقوم الدولة القطرية على أعمدة ثلاثة: عماد سياسي متحقق- حدود سياسية تقطع الجغرافية- حدود اقتصادية تقطع علاقات المنفعة بين العرب مع تبعية شبه كاملة للمراكز الإمبريالية. عماد ثقافي- أي السعي لإيجاد هوية ثقافية مغلقة. إذا كانت السلطة القطرية قد نجحت في إنجاز العمادين السياسي والاقتصادي فإنها حتى الآن قد أخفقت في إيجاد العماد الثقافي لماذا؟‏

قبل الإجابة عن هذا السؤال، أشير إلى أبرز معالم محاولات إيجاد الهوية الثقافية الضيقة.‏

تمتلك السلطة السياسية القطرية أهم جهازين ثقافيين هما جهاز الإعلام وجهاز التربية والتعليم. عبر هاتين المؤسستين تعمل السلطة السياسية على:‏

زعزعة الشعور بالانتماء القومي. فالصحافة والتلفزيون والإذاعة ومؤسسات النشر الثقافية كلها تتحول إلى خدمة الثقافة القطرية، عبر توحيد الانتماء إلى السلطة -النظر إلى الانتماء إلى المجتمع والسلطة على أنها أمر واحد.‏

هنا نشأ مفهوم الثقافة السياسية بما هي عنصر يضمن الولاء للسلطة.‏

يتحول الإعلام إلى جهاز أيديولوجي لثقافة سياسية تشطر الثقافة السياسية شطرين: شطر ثقافة الولاء السياسي وشطر ثقافة الرفض السياسي.‏

وبما أن السلطة وحدت بينها وبين الدولة -المجتمع، فكل ما هو خارج من فكرة الولاء خارج القانون.‏

أي أن السلطة بما هي معيار للانتماء تقع في تناقض ضروري مع فكرة المواطنة، الفكرة التي لا وجود لها خارج الحرية فحين تعمل كل سلطة على تأكيد الانتماء إليها تنشأ لدينا أشكال من الولاءات متعددة بتعدد السلطات.‏

الأخطر من ذلك: إذا كانت السلطة ذاتها تقوم على واقعة الانتماء الماقبل قومي والماقبل قطري أي عائلي مناطقي طائفي فإنها عملياً تذرر المجتمع القطري ذاته وتصنع منه خانات متعددة..‏

ولما كان من الصعب على السلطة خلق ثقافة على هواها بالمعنى الموضوعي -فإنها تقع في تناقض مع موضوعية الثقافة العربية المؤسسة تاريخياً ولغوياً ونزوعاً ومصالح مترابطة بين البشر. فالعربي في أي قطر عربي وخاصة في أوساط الفئات الأكثر ثقافة (واطلاعاً إنما يتحدد وجوده بهوية أوسع هي الهوية الثقافية العربية تناقض كهذا يزيد من عسف السلطة القطرية كما يزيد من تقوقع جهازها الإعلامي، في بثٍ ما من شأنه أن يبرر هوية السلطة لا هوية المجتمع أو الأمة.‏

تتظافر مع هذه النقطة واقعة تربية الأطفال وتلقينهم في سنين مبكرة من حياتهم تاريخ القطر وتحويل رموز سلطته إلى رموز ثقافية إذ ذاك نحصل على تاريخ ضيق للقطر وتعليم لجغرافية أولاً ولدور السلطة الريادي في تقدم هذا القطر أو ذاك.. الخ.‏

وفي عملية جد مصطنعة يجري الحديث عن قدم التاريخ القطري، وخاصة التاريخ ما قبل الإسلامي. يغدو المصري سليل الفراعنة، والأردني سليل النبطي، واللبناني سليل الفينيقي، والعراقي سليل الآشوريين وهكذا. نحصل هنا على فكرة الشخصية المصرية والشخصية الأردنية... الخ.‏

فصاحب كتاب -أعمدة الشخصية المصرية يتحدث عن جملة عوامل تظافرت على تكوين الشخصية المصرية وعلى الرغم من أن العرب والإسلام عمادان من أعمدتها لكنها في النهاية تشكل شخصية ذات سمات محددة أي هوية مستقلة.‏

عندها يغدو الإسلام أو العرب عنصرين من عناصر عدة فيها اليوناني الروماني والفرعوني والإفريقي والأوروبي.‏

هنا تتوحد فكرة الشخصية مع فكرة الهوية فنحصل على هويات متعددة، كل ذلك من أجل دحض الهوية القومية.‏

وفي الرد أحياناً على هويات كهذه تبرز فكرة الهوية الإسلامية التي هي من وجهة نظر أصحابها تجاوز لكل أشكال الهويات القومية والقطرية. وفي الرد أحياناً على هويات كهذه تبرز فكرة الهوية الإسلامية التي هي من وجهة نظر أصحابها تجاوز لكل أشكال الهويات القومية والقطرية.‏

لكن الإسلام كهوية مجردة لايفضي إطلاقاً إلى هوية متعينة، صحيح أن الانتماء الديني هو بمعنى من المعاني هوية، لكنها هوية من الصعب تعيينها سياسياً الآن، لأننا أمام عددٍ من الأعراق والاتنيات واللغات والتواريخ الخاصة العصية على التوحد.‏

وهكذا فإن الهوية الإسلامية الثقافية لا تشكل خطراً على النزعة القطرية الثقافية.‏

وهكذا نحصل على ظاهرتين: ظاهرة الدولة- السلطة السياسية المؤكدة حدوداً وجغرافياً والفاقدة للهوية الثقافية. وهوية ثقافية دينية من غير الممكن تعيينها في معادل سياسي- بمعزل عن الهوية القومية. هنا يغدو الأمر واضحاً بتاريخية الهوية القومية القابلة للتحقيق سياسياً.‏

المسألة الثالثة: والتي يجري القيل الكثير حولها هي العولمة كسلب للهوية الثقافية القومية.‏

اعلموا أن العولمة -دون التطرق إلى التعريفات المتعددة التي حاولت تحديد ماهيتها -إذ نظر إلى كل جانب من جوانبها المتعددة- هي التحقيق الراهن للرأسمالية العالمية في ظل التطور الهائل للعلم وتحوله العاصف كقوى منتجة أساسية وتزايد الاعتماد على العامل التقني.‏

هذه الرأسمالية ما فوق الامبريالية لم تفقد ماهيتها الأساسية: اندماج رأس المال المصرفي مع رأس المال الصناعي الاحتكاري وتعاظم الاحتكار المالي وتصدير رأس المال والتقسيم الإقليمي للعالم.‏

وتتميز بسمات جديدة -قوة الشركات العملاقة المافوق قومية، إقامة نظام عالمي للتجارة الحرة وضعف سيادة الدولة القومية على الاقتصاد، تدفق المعلومات الحر، التقليل من الاعتماد على القوة العسكرية للسيطرة على السوق العالمية.‏

هذا الجانب الموضوعي للعولمة يقابله أشكال من الوعي الأيديولوجي بها. ونقصد بالوعي الأيديولوجي توظيف العولمة كظاهرة موضوعية للتعبير عن جملة مصالح ظاهرة وخفية.‏

إذ ذاك تغدو العولمة أيديولوجياً جملة من الأفكار حول الدول القومية، الهوية القومية، الأمة، الثقافية القومية، الإنسان... الخ.‏

إذا ماتعلق الأمن بالدولة القومية وخاصة في العالم الثالث التابع فإن الحديث عن زوالها أو تغيير وظيفتها إنما هو حديث عن ضرورة إزالة أي عقبة أمام توسع السوق الرأسمالية فإذا كانت السوق العنصر الأساسي لسياسة الرأسمالية المتعولمة، فإن الدولة القومية أو الوطنية تشكل عقبة لابد من تجاوزها. بل لابد من تحويلها إلى دولة تحافظ على السيادة الوطنية وعلى السوق القومية إلى دولة خادمة لسيادة السوق العالمية. واستناداً إلى فكرة حرية السوق يجري الحديث عوضاً عن الدولة القومية عن القرية الكونية. القرية الكونية تقدم بديلاً عن الهوية القومية من وجهة نظر العولميين الأيديولوجيين.‏

وهذا يعني أن العولمة تأتي على الهوية القومية ولما كانت الثقافة الجزء الأساسي المكون للهوية فإنها ستأتي حتماً على الهوية الثقافية.‏

منطلق صوري كهذا يلتقطه أنصار النزعة القطرية فيقدون من ذلك أحكاماً متعلقة بالأمة العربية وثقافتها ونزوعها القومي.‏

فإذا كانت العولمة تجاوز الدولة القومية فحري بالعرب إذاً أن يكفوا عن إنتاج خطاب قومي سياسي يدعو إلى قيام الدولة القومية العربية وإذا كانت العولمة تجاوز للحدود وتكوين ثقافة عالمية فالحديث عن هوية ثقافية عربية وهم قاتل، وإذا كانت العولمة التبادل الحر للمعلومات وحرية السوق عبر التجارة الحرة فأولى بالعرب الكف عن الحديث عن التبعية.. الخ.‏

لنتناول المسائل الثلاث التي طرحنا بالنقد.‏

أولاً: إن تأسيس شرعية العدو باسم الواقعية واستطالة هذه الشرعية لإعطائها بعداً ثقافياً أمر في غاية الخطورة على مستقبل العرب.‏

نقول بداية: إن القول بوجود الدولة الصهيونية بوصفها أمراً واقعاً يشير إلى واقعة فقط، وهو أمر مختلف عن إعطاء شرعية لما هو واقع.‏

وإلا لتعاملنا مع كل ماهو واقع على أنه شرعية تاريخية أو منطقية. فالشر في العالم واقع ولكن نزوع البشر لإزالة الشر يمنع منح الشر شرعية.‏

فالثقافة العربية المؤسسة على واقعة الأمة ليس بمقدورها أن تعترف بنشاز سياسي أو أيديولوجي بشكل يشكل خرقاً فظاً للواقع لذاته.‏

أي أن ماهو واقعي لايحوز على ضرورته التاريخية إلا إذا كان جزءاً لايتجزأ من شرعية أكبر هي شرعية الأمة وبالتالي سنكون أمام خيارين: خيار "واقعي" ينفي وحدة المنطقة التاريخية والحق التاريخي المستمر والثقافة العربية -إذ نعترف بشرعية وجود عدونا. أو خيار الرفض المؤسس على وحدة الأمة وثقافتها.‏

في الحالة الأولى نحن مجبرون على التخلي عن مفاهيم الأمة والوطن والحق التاريخي والاستقلال والحرية والكفاح وهي كلها مفاهيم تشكل بنية ثقافية لاستمرار الوعي بالهوية. أو التمسك بهذه المفاهيم وبالتالي تحويل الثقافة إلى فعل كفاح وطني قومي.‏

إن ثقافة الرفض وحدها مطابقة تطابقاً كاملاً على الواقع، أي على واقعة الانتماء. فالدولة الصهيونية لاتنتمي تاريخياً أو لغوياً أو اتنياً من حيث المصالح إلى الوطن العربي بل أنها تمثل عنصراً نابذاً لأي مستقبل ممكن للعرب.‏

إننا هنا أمام أيديولوجيتين متناقضتين أيديولوجيا الكفاح وأيديولوجيا الهزيمة.‏

"إسرائيل" مؤسسة على هوية أيديولوجية، والهوية الأيديولوجية لامحالة آيلة إلى الزوال فيما الأيديولوجيا القومية مؤسسة على هوية متعينة تاريخياً، وبالتالي فإن الهوية القومية العربية هي دريئة لإطلاق الرصاص عليها. وآية ذلك أن وعي عدونا بخطورة ثقافة الكفاح والتي تجسد أمناً ذاتياً هو الذي يجعله مصوباً رصاصة إلى الهوية.‏

والمفارقة تبدو فظيعة حينما يشترك جزء من النظام العربي الرسمي مع العدو في إنجاز هذه المهمة، إن اشتراكاً كهذا لايمكن أن يصدر إلا قوى لم تعد ترى لاستمرار وجودها إلا بالإتيان على الهوية القومية والثقافية بشكل عام.‏

من هذه الزاوية إن أمناً مثمراً لايتأسس إلا على فكرة الأمة والوحدة، والشعور بالانتماء إلى ثقافة واحدة وهذه واقعة لم نخترعها اختراعاً بل هي التي خلقت الشعور على هذا النحو الذي هو عليه من وجود.‏

ثانياً: إن الانطلاق من الاختلاف أي من وجود ثقافات عربية تكونت بعد قيام الدولة القطرية، والحديث عن ثقافة كل قطر على حدة خرق لفكرة علاقة الهوية بالاختلاف في ثقافة كل أمة من أمم الأرض.‏

فالثقافة كهوية والثقافة كتعدد حاضرة في كل مجتمعات الأرض فالثقافة بوصفها هوية هي التي تحفظ التمايز والتوازن لدى الأفراد وتخلق لديهم شعوراً بالانتماء. فالرموز الثقافية المشتركة كوحدة الانتماء إلى أصل مشترك -ولايعني هنا الأصل بدقة بل الشعور بوحدة الأصل، والتقاليد العامة والإبداع المتنوع والشعور بالمواطنة أي الانتساب إلى أمة حرة والانتماء إلى رموز الثقافة المبدعة، والانتماء إلى التاريخ وانتماء التاريخ إلى الأفراد كل ذلك من قبيل الهوية الثقافية الشاملة.‏

ومع ذلك نجد ضرورياً من الاختلاف داخل كل أمة من الأمم على مستوى الثقافة بوصفها نمط حياة، وهذا ينسحب على روسيا كما على فرنسا كما على الوطن العربي. أي ليس الوطن العربي نشازاً من هذه الزاوية بل أقول أكثر من ذلك أن التشابه في الثقافة الضيقة بين مدينتين في قطرين عربيين يبلغ حداً أكثر بكثير من التشابه بين مدينتين تنتميان إلى دولة قطرية واحدة.‏

وهذا يعني أن التقسيم السياسي إنما تم لا بدواعي ثقافية أو اتنيّة أو جغرافية، بل بدواعي مصالح متعددة خارجية أساساً وداخلية في بعض الأحيان.‏

من هذه الزاوية لايشكل الاختلاف في الثقافة الضيقة نبذاً لثقافة الهوية -أي لثقافة الانتماء.‏

وإذا نظرنا إلى المسألة من زاوية الثقافة الموعى بها، أي المبدعة فإن القطرية ثقافياً تغدو أمراً لا وجود لها إطلاقاً.‏

ذلك أن اللغة العربية بوصفها تغدو حاملاً للإبداع تجعل المبدع قومياً بالضرورة ناهيك أن النزعة السائدة لدى معظم النخب المبدعة هي نزعة قومية.‏

فعبد الرحمن منيف وسعد اللّه ونوس وجبرا إبراهيم جبرا، ومحمود أمين العالم، وبدوي الجبل، وعمر أبو ريشة والجواهري وغيرهم وغيرهم لامعنى لهم أصلاً خارج فكرة الثقافة العربية الواحدة.‏

هذا وإن الدولة القطرية لاتستطيع إطلاقاً خلق ثقافة على هواها فشروط نشأة الثقافة وتطورها وانتشارها ليس من قبيل الأمر الذي يمكن التحكم به.‏

إذ ذاك فإن صفة شاعر مصري، روائي سعودي، ومسرحي سوري صفة ليست هوية إطلاقاً أنها جد ثانوية.‏

ثالثاً: إن العولمة بما هي واقع موضوعي لحركة الرأسمالية لاتفضي بالضرورة إلى الاعتقاد بزوال الثقافة القومية بل اعلموا أنها بطبيعتها التوحيدية على مستوى العالم للسوق تقع في تناقض مع الوحدة على مستوى الأمة، أو تفضي بالضرورة إلى زيادة الوعي بالمصالح القومية.‏

العولمة إنجاز دول حققت وحدتها القومية قبل كل شيء، أي أن الرأسمالية لم تتحول إلى امبريالية إلا بعد توحيد السوق القومية، فلماذا يجب علينا أن نرضى بتشرذم السوق القومية للدخول في عالم العولمة.‏

أليس من المنطقي للدخول في عالم العولمة أن نوحد السوق القومية قبل كل شيء.‏

ويشهد العالم الآن على بروز تكتلات اقتصادية تأخذ بعين الاعتبار المصالح المشتركة بين دول ذات حدود مشتركة.‏

أولى بالعرب وهم الذين يحوزون على المتحد الثقافي والهوية القومية أن ينجزوا تكتلاً كهذا.‏

ليس من الصعب أن نشتم رائحة الأيديولوجيا القطرية من القيل حول أن فكرة الوحدة السياسية والثقافية القومية أمر متناقض مع الدول أي مع منطق العصر.‏

المشكلة لا في العولمة بل في استغلال هذه العولمة لتأكيد التذرر.‏

اعلموا: إن العولمة إذا كانت توحد العالم ثقافياً فحري بها أن توحد مايحوز على وحدة أساساً.‏

وبالتالي فإن اتساع وسائل الاتصال وتبادل المعلومات والمعرفة وتزايد حالات الانتقال كلها عوامل إيجابية في تعزيز الهوية. إننا باستطاعتنا أن نستغل منجزات العولمة لتحقيق مالم نستطع أن نحققه قبل ذلك.‏

وبالتالي فالثقافة العربية تجد الآن مناخاً أصلح وأرحب لقيامها بفاعلية التوحيد.‏

إن تحقيق أمن ثقافي عربي بالمعنى الذي أشرت إليه ليست مسألة ثقافية، بل سياسية قبل كل شيء.‏

فالفاعلية السياسية المنطلقة من فكرة الهوية الثقافية والمصالح المشتركة لأمة تبحث لها عن مكان في عالم العولمة هذا هي وحدها القادرة على إنجاز الوجود الكامل للأمة أي الوجود السياسي وهذا أمر يستدعي معالجةً مستقلة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244