مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد الثامن السنة الثالثة شتاء 2000
فهرس العدد صفحة الدوريات
 
نظرات ([1]) في التنمية ـــ عبد الوهاب محمود المصري

نظرات ([1])  في التنمية ـــ عبد الوهاب محمود المصري

مقدمة

لعل من أكبر مفارقات هذا العصر، أن "التنمية" قد أصبحت سيئة السمعة إلى حد كبير، بحيث صار يصح القول: "التنمية كلمة حق يراد بها باطل"! وقد لاحظ الخبير الاقتصادي الدولي الدكتور محبوب الحق، أن مخططي التنمية في الدول النامية قد "وعدوا كل فرد بعربة مرسيدس، وعلى الأقل بعربة هوندا، ثم تبيّن أنهم لم يستطيعوا إنجاز هذا الوعد إلا بالنسبة لأنفسهم، وبالنسبة لأقلية متميزة"(1)

ويرصد تقرير التنمية البشرية لعام 1996، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، خمسة أنواع لما أسماه "النمو الرديء" الذي تشهده البشرية في هذه الأيام..

* أولها النمو عديم الشفقة.. أي النمو الذي يؤدي إلى زيادة غنى الأغنياء، وزيادة فقر الفقراء.

* وثانيها النمو بلا مستقبل.. أي النمو الذي يأكل الأخضر واليابس، ويستنزف الثروات الطبيعية، ويحرم الأجيال القادمة، دون وجه حق، من نصيبها من الميراث.

* وثالثها النمو الأخرس.. فالثروة القومية تزداد، والقمع القومي وغياب المشاركة السياسية يزدادان أيضاً.

* ورابعها النمو بلا جذور.. حيث تضمحل الهويات الثقافية للشعوب، وتهمش الثقافات الوطنية.

* وخامسها النمو بلا فرص عمل.. فالدخل القومي يزداد، والبطالة تزداد أيضاً.(2)

وسنحاول هنا الوقوف على جوهر التنمية السليمة، وأبرز الأوهام المرتبطة بالتنمية، وأهم الجرائم المرتكبة باسم التنمية، والخطايا السبع التي يرتكبها المخططون، وأزمة النمور الآسيوية والدروس المستفادة منها، ونقدم نبذة عن ثلاثة أساليب غير تقليدية في التنمية، ونختم بالوصايا العشر التي نقترحها في سبيل التنمية السليمة.

أولاً- جوهر التنمية السليمة

في الشهر الأخير من عام 1996، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يتضمن "إعلان الحق في التنمية"، ويعتبر في مادته الأولى أن "الحق في التنمية حق من حقوق الإنسان غير قابل للتصرف، وبموجبه يحق لكل إنسان ولجميع الشعوب المشاركة والإسهام في تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية، والتمتع بهذه التنمية التي يمكن فيها إعمال جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية إعمالاً تاماً"(3).

وينطلق الإعلان المذكور من أن "التنمية عملية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية شاملة تستهدف التحسين المستمر لرفاهية السكان بأسرهم والأفراد جميعهم، على أساس مشاركتهم، النشطة والحرة والهادفة، في التنمية، وفي التوزيع العادل للفوائد الناجمة عنها"(4).

ونحن نرى أن جوهر التنمية، ونقصد التنمية السليمة، هو "التغيير نحو الأفضل"، لأن التغيير نحو الأسوأ ليس إلا عملية تخريب مع سبق الإصرار والترصد. إنه التغيير الذي يحسن الأنساق أو الأنظمة الاجتماعية القائمة في المجتمع (كالنظام الاقتصادي والنظام التعليمي وغيرهما)، باتجاه إشباع مزيد من الحاجات الحقيقية للبشر، لا الحاجات الوهمية التي تبتدعها ألاعيب المعلنين، وبأقل كلفة اقتصادية واجتماعية وبيئية ممكنة.

ويشمل تغيير أي نظام، تغيير كل أو بعض العناصر التالية: الظروف الموضوعية والإمكانات، والتنظيم والبنيان الإداريين، والوظائف والأهداف، والاتجاهات الفكرية والوجدانية(5) أو القيم الاجتماعية التي هي المعايير التي تضبط السلوك الفردي والجماعي(6)

وللتغيير أسلوبان هما: الإصلاح والثورة.. فالإصلاح، كما يرى الخبير الاجتماعي الدكتور محمد أحمد الزعبي، هو "تحسين النظام السياسي والاجتماعي القائم، دون المساس بجذوره أو أصوله، أي أنه تعديل غير جذري في شكل الحكم أو العلاقات الاجتماعية(7)".

أما الثورة فهي "التغيير الشامل والكامل الذي يحدث عندما تصبح القوى القائمة على اختلاف أنماطها وأشكالها غير قادرة على مواجهة متطلبات المجتمع القائم"(8). ولكل من الأسلوبين محاذيره... فالاصلاح يتصف بالبطء في خطواته، ومرور وقت طويل نسبياً قبل أن تظهر نتائجه. والثورة تتصف بالمغامرة وربما بالشطط أيضاً.. فهي عندنا تدفع المجتمع ليتقدم قفزاً وحرقاً للمراحل، فإنما تدفعه إلى اتخاذ خطوات قد لا تكون سليمة، وقد لا يستطيع العودة بعدها إلى المرحلة السابقة (التي تكون قد حرقت) إلا بعد بذل تضحيات كثيرة.

وهي عندما تشتط، فتدمر قيم المجتمع التي تجسد خصوصيته وتحل محلها قيماً أخرى، فإنما تعتدي على هوية المجتمع، وتصبح بذلك كالدب الذي يقتل صاحبه وهو يحاول أن يحميه من ذبابة وقفت على وجهه!!! ولذلك كله، فإن الاصلاح والثورة مطلوبان كلاهما وضروريان كلاهما، على أن لا يلجأ إلى الثورة إلا بعد استنفاذ كل إمكانات الاصلاح.. فالثورة في مجال علاج المجتمع هي مثل الكي -الذي هو آخر الطب- في مجال علاج الفرد.

والسؤال الآن هو: هل التنمية هي التقدم، أم هي النهضة؟... يقول الدكتور محيي الدين صابر، المدير العام السابق للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم: "إن سعي الإنسان قديم، لاستئناس الطبيعة، رفعاً لشرها، واستدناء لخيرها، يوظف في ذلك خصائصه النوعية من قدرة عقلية، ومن خيال منتج، يكتشف بهما قوانين الطبيعة، وينمي معارفه، ومن ذاكرته الحضارية، يستجمع بها خبرات الماضي، يمتد منها إلى جديد يواجه به حاجاته الحيوية والاجتماعية والمعنوية. وهذا السعي هو التطور، وهو التقدم، وهو النهضة، وهو التنمية"(9). وفي نفس الاتجاه، يقول الخبير الاجتماعي المعروف الدكتور نادر فرجاني: "إنه يمكن اعتبار التنمية مفهوماً تقاربياً للتقدم"(10). ويقول الدكتور فرجاني أيضاً: "التنمية عندنا مرادف للنهضة. والفارق الأساسي بينهما هو أن التنمية كما نتصورها هي جهد قصدي، بينما النهضة هي طور مجتمعي ينشأ في مجتمع ما نتيجة لتفاعل ظروف موضوعية تلقائياً. أما التنمية فهي عملية إنهاض إذا شئنا"(11).

ونحن نقول: حيث أن التعابير الثلاثة.. التنمية والتقدم والنهضة.. تشترك في أنها تعني تغيير أوضاع المجتمع نحو الأفضل، فإنه يمكن اعتبارها مترادفات، ونلاحظ أن تعبير "التنمية" يستخدم عادة في الكتابات الاقتصادية، وأن تعبير "التقدم" يستخدم عادة في الكتابات الاجتماعية، وأن تعبير "النهضة" يستخدم عادة في كتابات المفكرين والسياسيين.

ولا بد هنا من التأكيد على أن التنمية شيء آخر غير النمو.. فالتنمية -لأول وهلة- تستبطن التغيير الإرادي القصدي، بينما يستبطن النمو التغير العضوي الطبيعي.

كذلك، فإن التنمية شيء أكثر تعقيداً وشمولاً وعقلانية وعدالة من النمو... فالنمو يكاد يقتصر على الجانب الاقتصادي الذي يقاس عادة بمعدل النمو السنوي للناتج المحلي أو الدخل القومي، وهو قد يتم لصالح فئة قليلة من أفراد المجتمع، أو يتم دون اعتبار لما يحدثه من تدمير للبيئة. أما التنمية (ونقصد التنمية السليمة، أو التنمية الصحيحة(12)، أو التنمية الطيبة)(13)  فلا تعني مجرد زيادة الدخل القومي، بل تعني أيضاً ( من ضمن ما تعنيه) العدالة في توزيع الدخل، وإشباع حاجات الأغلبية الفقيرة في المجتمع، مع الحفاظ على التوازن البيئي والاستقلالية الوطنية الحقيقية.

ثانياً- التنمية علاجاً للتخلف

التنمية، إذن، هي عملية (أو عمليات) تغيير أحوال المجتمع، من أحوال سيئة اصطلح على وصفها بأنها "متخلفة"، إلى أحوال أخرى أفضل منها اصطلح على وصفها بأنها "متقدمة". وسنتحدث هنا عن مفهومي التخلف والتقدم..

عندما يذكر مصطلح "التقدم"، يتبادر إلى الذهن واحد أو أكثر من أبعاد التقدم.. البعد المكاني (أي التقدم من الخلف إلى الأمام)، والبعد الزماني (أي التقدم من الماضي إلى الحاضر)، والبعد الكمي (أي التقدم من القليل إلى الكثير)، والبعد الهيكلي (أي التقدم من البسيط إلى المركب)، والبعد التراتبي (أي التقدم من الأسفل إلى الأعلى)، والبعد الأخلاقي (أي التقدم من الوحشية إلى الرحمة).

ويرتبط التقدم، على نحو ما، بالنظام.. فتزداد درجة التقدم كلما اكتشف المجتمع مزيداً من أوجه النظام (أو مزيداً من القوانين) في ما يبدو أنه فوضى في الظواهر الطبيعية، وكلما قنن أو نظم مزيداً من الظواهر الاجتماعية، مثل الوقوف في الطابور عند شراء السلع والخدمات.

ويلاحظ الدكتور برهان غليون أن للتقدم عدة معان.. فالتقدم، بالمعنى الفلسفي رأى النور ليعبر عن نوع من الإيمان بتطور الإنسانية وتقدمها في مدارج الحضارة بشكل منتظم ونحو الأفضل. وقد كان ذلك عنصراً جديداً في التفكير الإنساني بالمقارنة مع فكر القرون الوسطى. وانبثق هذا الاعتقاد بتقدم الإنسانية نحو الأفضل من الشعور بأن الإنسان صارت له قدرة أكبر على السيطرة على الطبيعة بنتيجة تقدم العلم والتكنولوجيا". أما التقدم بالمعنى الأيديولوجي فيقوم على صلاحية العقل وأهميته وقيمته بالمقارنة مع الفكر اللاهوتي، وعلى حرية الفرد، ومرونة الحراك الاجتماعي، والعدالة الاجتماعية. وأما التقدم بالمعنى الاقتصادي فيقوم في النظريات الرأسمالية على "تحرير التجارة وتحرير الاقتصاد من ضغط الدولة. ويقوم في النظريات الاشتراكية على تدخل الدولة بشكل عام، ووجود سياسة مخططة للتنمية". ويقرر الدكتور غليون أيضاً أن "السيطرة على الطبيعة، أي التقدم التكنولوجي، هي أحد مصادر فكرة التقدم لكن التقدم في الغرب، وبمعنى السيطرة على الطبيعة، كان في الحقيقة نتيجة لسيطرة المجتمع على مقدراته ومصيره، وكان ثمرة التنظيمات السياسية والاجتماعية التي نشأت وتبلورت عبر سيرورة طويلة في المجتمع الغربي، وأدت إلى حدوث التقدم التكنولوجي فيه، وإلى تراكم المكتسبات الحضارية والعلمية والعقلانية. ويخلص الدكتور غليون إلى أن "المعنى الأساسي لمفهوم التقدم، إذن، هو السيطرة الذاتية للمجتمع على مقدراته(14)". فيكون التخلف (إذن) هو عجز المجتمع عن السيطرة على مقدراته.

ويرى بعضهم أن للتخلف أوجهاً ثلاثة تختلف حسب المعيار المعتمد للقياس..

فالمعيار إما أن يكون "الماضي"، أو "الآخر"، أو "الممكن". وفي حالة الأمة العربية خاصة، يطلق حافظ الجمالي على "أوجه التخلف الثلاثة" اسمين آخرين هما: "المآسي الثلاث" و "الفضائح الثلاث"، ويشرح ذلك قائلاً:

"المأساة الأولى أو الفضيحة الأولى هي مأساة الحاضر بالقياس إلى الماضي.. كنا سادة الدنيا، أو سادة على الأقل، وفي أدنى الدرجات لم يكن غيرنا أفضل منا. أما الآن، فقد أصبحنا بالنسبة إلى ماضينا نفسه هزيلين جداً. ويحق للماضي، لأجدادنا، لقادتنا القدماء، أن يفخروا علينا، وينظروا إلينا بالكثير من الرثاء والإشفاق، وربما الخجل أيضاً، بل الخجل بالدرجة الأولى. ولنتصور على سبيل المثال وحده، أن عمر بن الخطاب، أو معاوية، أو عبد الملك بن مروان، أو موسى بن نصير، أو عبد الرحمن الداخل، أو هارون الرشيد، قد عادوا جميعاً، أو عاد واحد منهم على الأقل إلى الحياة، لكي يروا ما صنع الدهر بأمتهم. لا ريب أن كلاً منهم سيفضل أن يعود إلى قبره مباشرة، وأن ينسيه موته الثاني هذا الذي رأته عيناه أو سمعته أذناه.

"أما الفضيحة الثانية، فهي مأساة حاضرنا بالنسبة لحاضر الأمم المتقدمة المعاصرة.

فأين نحن، وأين هي؟ وكم الفرق بيننا وبينها، على كل مستوى، وعلى كل صعيد؟ فهي تبتكر العلم، ونحن لا نحس حتى تمثل مكتسباته تمثيلاً صحيحاً. هي تنشئ الحضارة، ونحن نعيش على فتاتها، أو ما ترميه إلينا من هذا الفتات. والأهم من ذلك، أنها تتصرف بنا، وتنسج قدرنا، وتصنع لنا تاريخنا، ونحن لا نستطيع حيالها شيئاً.

"وتبقى الفضيحة الثالثة بعد ذلك كله، أي مأساة الواقع بالنسبة إلى الممكن.. فواقع العرب فقير، فقير جداً، ولكنهم يملكون أكبر ثروات الدنيا وواقعهم متخلف، مفرط في التخلف، وفي وسعهم أن يملكوا أكبر حضارة. وفيهم ضعف كبير، ولديهم كل أسباب الحضارة"(15).

ونحن نقول: إن التقدم هو تحقيق مزيد من اكتشاف قوانين الظواهر الطبيعية، ومن تقنين (أو قوننة) الظواهر الاجتماعية، باتجاه إشباع مزيد من الحاجات البشرية الحقيقية، وبأقل كلفة ممكنة. ومن الواضح أن التقدم يتفق مع التنمية والنهضة في أن الوسيلة هي التغيير، وأن الغاية هي إشباع الحاجات. وبذلك تكون التنمية (ويكون التقدم والنهضة) علاجاً لقلة إشباع الحاجات، أي علاجاً للتخلف.

ثالثاً- المستفيدون من التنمية

لعل تحديد الفئة (أو الفئات) المستفيدة أو المستهدفة في العمليات التنموية من أكبر المشكلات التي تواجه المخططين والمهتمين بشؤون التنمية. ويرى الكثيرون أن التنمية السليمة تستهدف الفقراء. وللفقر نوعان: فقر مطلق، وفقر نسبي..

ففيما يتعلق بالفقر المطلق، يعتبر البنك الدولي، ولأغراض المقارنة، أن خط الفقر المطلق هو 370 دولاراً أمريكياً، أي أن الفقير هو الذي لا يتجاوز دخله السنوي 370 دولاراً أمريكياً. ومن الواضح أن الأمر يتطلب تغيير هذا الرقم من فترة إلى أخرى ليلائم التغيرات في الأسعار، وقد كان هذا الرقم في أوائل السبعينات مثلاً 50 دولاراً فقط.

وفيما يتعلق بالفقر النسبي، يعتبر البنك الدولي أن الفقراء نسبياً في بلد معين، هم كل الأفراد الذين يقل دخلهم السنوي عن ثلث المتوسط القومي لدخل الفرد في ذلك البلد. ومن الواضح أن خط الفقر النسبي يتغير من سنة إلى أخرى تبعاً للتغيرات في الدخل القومي للبلد المعني، ويختلف من بلد إلى آخر.

وفي مجال تنمية الريف خاصة، لاحظ بعض خبراء التنمية أنه قد تم تصميم مشاريع وبرامج تنمية الريف، وتوجيهها -المرة تلو المرة- إلى الناس الأكثر فقراً، ولكن أغلبية المنافع تذهب فعلاً إلى الناس الأقل فقراً. وهذا يعني أن مردود (أو كفاءة) تلك المشاريع والبرامج كان قليلاً جداً. وهكذا، برزت ضرورة أن يجرى لكل مشروع أو برنامج (أو إجراء)، قبل تنفيذه، تحليل يظهر من يكسب ماذا، ومن يخسر ماذا، ومتى، وأين، وكيف(16).

لذلك، صنف الخبير الاجتماعي روبرت تشامبرز تلك المشاريع والبرامج تحت أربعة أنماط تبعاً لنتيجة المشروع أو البرنامج. وهي على الوجه التالي:

* النمط (أ): وفيه مكسب للصفوة الريفية، وخسارة للريفيين الأكثر فقراً. ومن أمثلته: السماح للصفوة الريفية أو تمكينها من الاستئثار بموارد الملكية المشاعة (كالأرض والمياه الجوفية والأسماك) وانكارها على الآخرين، واعتماد تقانة تؤدي نتيجتها النهائية إلى فقدان أسباب الرزق كالكومبينات الحاصدة ومبيدات الأعشاب.

* النمط (ب): وفيه مكسب للفريقين.. الصفوة والريفيين. ومن أمثلته: الخدمات الجديدة التي تتاح للجميع كالصحة والمياه والتعلم، ومعظم الأشغال العامة التي تخلق بنية أساسية جديدة، واصلاح الري من القنوات التي يفيد منها كل المزارعين.

* النمط (جـ): وفيه لا يحدث تغيير في مكاسب الفريق الأول (الصفوة)، بل يحدث مكسب للفريق الثاني أو الريفيين. ومن أمثلته: الائتمان لإقامة المشاريع لأجل الفقراء، وتقديم حصص مدعمة للفقراء، وتقديم تكنولوجيا ملائمة (كالبذور والأدوات) للفقراء.

* النمط (د): وفيه تحدث خسارة للصفوة، بينما يحدث مكسب للريفيين.

ومن أمثلته: الاصلاح الزراعي بدون تعويض مناسب، وتطبيق تشريع الحد الأدنى للأجر.

ويرى تشامبرز أن "تجاهل سلطات الصفوة المحلية ومصالحها كان مسؤولاً عن الفشل في إفادة الفقراء، ربما أكثر من أي عامل آخر. والفرصة متاحة الآن للإفادة من تبصر العلوم السلبية بصورة إيجابية. وإن تحليل المصالح يخلق مجموعة جديدة من الأسئلة وذخيرة جديدة من الترتيبات تتضمن الموازنة والحلول الوسط كجزء من واقعية جديدة. ويظل توفير أسباب الرزق الآمنة واللائقة هو الهدف طويل الأجل للجميع.

ولهذا، فإن حلول النمط (د) قد تكون ضرورية في نهاية المطاف. ولكن، في المدى الأقصر، يتحقق الهدف من خلال برامج النمطين (ب)و (جـ) للحصول على مواقع استراتيجية من خطوط دفاعية وهجومية هنا وهناك، وتدعيم قدرة الفقير وتمكينه من أن يعمل من أجل نفسه بدرجة أكبر"(17).

رابعاً- أوهام حول التنمية

من المسلم به أن التنمية شيء معقد وصعب وتعترضه العقبات في كل مجال، الأمر الذي أدى إلى نشوء بعض الأوهام في أذهان مخططي التنمية والمهتمين بشؤونها. ومن أبرز تلك الأوهام: التنمية تعني مزيداً من الاستثمارات، والتقانة المتقدمة المستوردة هي الحل، وكثرة السكان نقمة دائماً. وسنعالج هنا، وبإيجاز، تلك الأوهام الثلاثة..

* الوهم الأول: التنمية تعني مزيداً من الاستثمارات!

يعتقد كثير من المخططين والمهتمين بشؤون التنمية أن التنمية تتطلب باستمرار، وبالضرورة، توظيف أو استثمار موارد مالية. والواقع هو أن هذا القول ينطبق فقط على التنمية الأفقية، أي التنمية القائمة على إنشاء وحدات إنتاجية جديدة مثل استصلاح الأراضي. ولكن.. هناك نمط آخر للتنمية لا يتطلب كثيراً من المال، وربما لا يتطلب مالاً على الإطلاق، وهو نمط التنمية الرأسية، أي التنمية القائمة على زيادة إنتاجية الوحدات الإنتاجية القائمة فعلاً، أي زيادة إنتاجية الهكتار مثلاً. ويمكن أن تتم هذه التنمية الرأسية بوسائل كثيرة مثل: تدريب العاملين والمزارعين، وتحسين الدورة الزراعية، وتحسين مواعيد وطرق تنفيذ العمليات الزراعية، وتموين الزراعة كما يمكن تقليل الحاجة إلى الموارد المالية الخارجية خاصة، بتنفيذ المشاريع ذات الكثافة في العمالة مثل زراعة الخضر والصناعات الريفية.

* الوهم الثاني: التقانة المتقدمة المستوردة هي الحل!

التقانة (أو التكنولوجيا) هي ما يفرزه العلم من خبرات نظرية وعملية في إنتاج السلع (والخدمات)، واستخدامها، وصيانتها. وهي تهدف إلى توفير الجهد، ورأوا توفير الوقت، ورأوا توفير الإمكانية (أي إمكانية إنجاز أعمال لم تكن في الماضي ممكنة)، وتهدف -في النهاية- إلى إنتاج سلع وخدمات أرخص، وأكثر فائدة ومتانة.(18)

ويلاحظ أن البعض يراهنون على أن التقانة المتقدمة المستوردة هي العلاج الشافي من مرض التخلف.. فتراهم منهمكين في التنظير لنقل التقانة، أو توطين التقانة، أو ردم الهوة التقانية، أو ما شابه ذلك من مصطلحات ما أنزل الله بها من سلطان!.

إنهم يفعلون ذلك متناسين أن التقانة المستخدمة كانت، ولا تزال، وبالاً على الشمال والجنوب في آن معاً.. ففي الشمال، تحولت التقانة إلى وحش يسحق الناس (حسب هارولد ويلسون)، وأصبح الناس سجناء الإنجازات التقانية (حسب أوريليوبيشي)، وصارت التقانة عائقاً أمام المشاركة الشعبية (حسب باتريك هامليت)، وعاملاً في استثارة الغرائز المضمرة (حسب انطون مقدسي)، وسبباً في فقدان الحياة معناها وحدوث أمراض الحضارة كالاضطرابات العضوية والنفسية والاجتماعية (حسب رينيه دوبو)! أما في الجنوب، فقد أدت التقانة المستوردة إلى تفاقم مخاطر المديونية الخارجية، وتكريس التبعية (للشمال) في كافة المجالات، وتبديد الموارد على تقانة كثيراً ما كانت قليلة الكفاءة، وملوثة للبيئة، ومحابية للأقلية الفنية على حساب الأكثرية الفقيرة، ومدمرة للقيم الاجتماعية(19).

لذلك، فإن على دول الجنوب أن تعتمد على الذات (بصورة جماعية)، لإنتاج تقانة أخرى، ليست هي -بالضرورة- التقانة المستخدمة في دول الشمال، وليست هي التقانة التي تخلى عنها الشمال لسبب من الأسباب، وليست آخر صيحة في المخترعات، وليست -أيضاً- التقانة الوسيطة التي يبشر بها البعض.. فهذه التقانة الوسيطة لا تحل مشكلة التبعية، لأنها تعني -ضمناً- أن الفاصل بين دول الجنوب ودول الشمال هو مجرد فاصل زمني، ولذلك فإن الجنوب بحاجة إلى تقانة شمالية ولكنها أقل تقدماً، أي تقانة وسيطة(20).

المطلوب إذن.. تقانة تقوم على إعادة الاعتبار للتقانة المحلية.. تقانة وظيفية، بمعنى أنها تقانة ذات فائدة عملية مباشرة في تلبية الحاجات الاجتماعية الحقيقية(21).. تقانة تحقق أكبر كفاءة اقتصادية ممكنة في الظروف المحلية، وتركز على حاجات الأكثرية الفقيرة، ومع الحفاظ على نسق القيم الاجتماعية والتوازن البيئي وحقوق الأجيال القادمة(22).

* الوهم الثالث: كثرة السكان نقمة دائماً!

- بالرغم من أن العلماء قد أثبتوا بطلان نظرية مالتس حول السكان، وخاصة بسبب مغالاتها المفرطة في توقعاتها لنمو السكان، كي تدعم بصورة غير مشروعة مقولة مقررة بشكل مسبق(23).. (انظر الجدول رقم /1/).

- وبالرغم من أن الخبراء يؤكدون "أن معدل نمو السكان متغير تابع للنمو، وليس متغيراً مستقلاً يؤثر بالسلب على عملية التنمية"(24)..

- وبالرغم من أن الخبراء الاستراتيجيين في قوة الدولة يعتبرون أنه "كلما زاد حجم السكان كان ذلك في صالح قوة الدولة بصورة عامة"(25)، وأن عدد السكان (كما يقرر الخبير المعروف الدكتور اسماعيل صبري عبد الله)، سيكون عاملاً في تحديد الدول الخمس الكبار في القرن الواحد والعشرين(26)..

- وبالرغم من أن خبراء اللجنة العالمية للبيئة والتنمية قد أثبتوا، في عام 1987،

أعداد السكان في بريطانيا العظمى حسب توقعات مالتس

مقارنة بأعداد السكان الفعلية حسب الإحصاءات

خلال مائة عام (الأعداد بالملايين)

العام

عدد السكان حسب توقعات مالتس

عدد السكان حسب الإحصاءات

نسبة أرقام مالتس إلى أرقام الإحصاءات

نسبة الزيادة في أرقام مالتس عن أرقام الإحصاءات

1801

5ر10

5ر10

100%

 

1811

9ر13

0ر12

116%

16%

1921

3ر18

2ر12

150%

50%

1831

2ر24

3ر16

148%

48%

1841

9ر31

5ر18

172%

72%

1851

0ر42

8ر20

202%

102%

1861

0ر55

1ر23

240%

140%

1871

0ر73

1ر26

280%

180%

1881

0ر97

7ر29

327%

227%

1891

0ر128

0ر33

386%

286%

1901

0ر168

0ر37

454%

354%

المصدر: هـ. كول وآخرون، الرد على مالتوس.. دراسة نقدية لكتاب "حدود النمو"، ترجمة ابراهيم خوري، وزارة الثقافة، دمشق 1987، ص 276.

إن الأرض تستطيع، وفقاً لأنماط الاستهلاك والإنتاج الحالية، أن تعيل ضعف سكان الأرض.. فكيف إذا أخذنا بعين الاعتبار زيادات الإنتاج التي تنتج عن القفزات غير المتوقعة في التقانة، وإمكانية استخدام باقي الموارد الأرضية والمائية غير المستثمرة حالياً(27)، وضرورة استعادة الأراضي التي تدفع أمريكا لحائزيها التعويضات المجزية لقاء عدم زراعتها، من أجل الابقاء على الأسعار الاحتكارية!!!

- وبالرغم من أن الأمين العام السابق للأمم المتحدة (الدكتور بطرس غالي)، قد لاحظ في عام 1993أن "العالم ينتج من الطعام ما يكفي لتوفير لقمة العيش لكل الشعوب، ولكن مشكلة الجوع وندرة الطعام ترجع لأسباب فنية وسياسية واجتماعية"(28)..

- وبالرغم من حقيقة أن الدعوة إلى تحديد النسل التي ترعاها الدول الرأسمالية والمنظمات الدولية "تشتم منها غالباً رائحة الاستعمار الجديد" كما تقرر الخبيرة الاجتماعية الدكتورة سوزان جورج(29)، وأن تلك الدعوة (وما يتبعها من ممارسات لفرض تطبيقها) ما هي إلا "حرب بيولوجية ضد العالم الثالث" كما قرر المؤتمر النسائي الدولي للسكان في بنغلاديش عام 1993(30)..

- وبالرغم من أن مجمع الفقه الإسلامي في جدة قد اطلع على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع تنظيم النسل، واستمع للمناقشات التي دارت حوله، ثم استند إلى أن من مقاصد الزواج في الشريعة الإسلامية الإنجاب والحفاظ على النوع الإنساني، وأنه لا يجوز إهدار هذا المقصد، لأن إهداره يتنافى مع نصوص الشريعة وتوجيهاتها الداعية إلى تكثير النسل والحفاظ عليه، والعناية به باعتبار حفظ النسل أحد الكليات الخمس التي جاءت الشرائع برعايتها"، فقرر مجلس المجمع في دورة انعقاده الخامسة في الكويت عام 1988، أنه "لا يجوز إصدار قانون عام يحد من حرية الزوجين في الإنجاب"(31)..

- وبالرغم من أن التنمية التي ينادون بها تستبطن الحفظ والتعظيم الكمي والكيفي للموارد القومية، وأهمها البشر وسيلة التنمية وغايتها..

وبالرغم من ذلك كله، فإن بعضهم مازالوا يرددون، ويرددون، ويرددون: كثرة السكان نقمة، فيجب الحد من تزايدهم. ونحن نختم، هنا، الحديث في هذا الموضوع، بأن نطلب من "أعداء السكان" إياهم، أن يجيبوا عن تساؤل الخبيرة الاجتماعية الدكتورة عواطف عبد الرحمن عندما تقول: "إن السؤال هو: كيف نطلب من الفقراء أن يتوقفوا عن ممارسة الاختيار الوحيد في حياتهم.. إذا كانوا لا يختارون حكوماتهم، ولا يشاركون في وضع خطط التنمية المزعومة، ويعانون من التهميش في كافة مجالات الحياة السياسية والثقافية، ويتحملون عبء الضرائب، بل والمطلوب منهم أن يلزموا مواقعهم كمتفرجين، يرون بأعينهم، ويسمعون بآذانهم، كل يوم، عن عشرات الفضائح المالية والسياسية والسرقات المخيفة(32)"؟!؟

خامساً- جرائم باسم التنمية!

قيل قديماً: "كم من الجرائم ترتكب باسمك أيتها الحرية"! ونحن نقول اليوم: "كم من الجرائم ترتكب باسمك أيتها التنمية"! فمن الواضح أن كثيراً من الجرائم ترتكب تحت راية التنمية، وأبرزها الجرائم ضد الفقراء، وضد الشعوب الأخرى، وضد الاستقلالية، وضد القيم الاجتماعية، وضد البيئة. ونقدم فيما يلي بعض التفصيل في ذلك..

1- ضد الفقراء

تشير الأرقام المتاحة إلى أن العقود الأخيرة قد شهدت زيادة في غنى الأغنياء، وزيادة في فقر الفقراء أيضاً، وعلى كافة المستويات، وبحيث يصح القول إن ما تم في الجنوب تحت اسم التنمية، وفي الشمال تحت اسم التقدم، قد كان على حساب الفقراء. فعلى المستوى العالمي مثلاً(33)، وخلال الفترة الممتدة من عام 1960 إلى عام 1991، ازدادت حصة الخمس الأغنى من البشرية من 70% من الدخل العالمي إلى 85%، بينما انخفضت في الفترة نفسها حصة الخمس الأفقر من البشرية من 3ر2% إلى 4ر1%. ومن ثم، فإن نسبة حصة الخمس الأغنى إلى حصة الخمس الأفقر قد ازدادت أو تضاعفت من 30/1 إلى 61/1. وعلى المستوى الوطني(34)، يفيد تقرير أصدره معهد التخطيط القومي في القاهرة مثلاً، أن نسبة حالات الفقر قد ازدادت على مستوى الجمهورية من 29% من مجموع السكان في عام 1982، إلى 35% من مجموع السكان في عام 1995. وقد صار الناس يعيشون في شقق يصل ثمن الواحدة منها (في عمارة المليارات) إلى ستة عشر مليون دولار(35)، بينما يعيش في مقابر القاهرة وحدها 350 ألف إنسان(36). وهذا ما دعا أحدهم إلى القول: بعضهم غارق في بحر البارفان، والآخرون غارقون في بحر المجاري(37).

2- ضد الشعوب الأخرى

من الثابت تاريخياً، أن الرفاهية التي ينعم بها الغرب في هذه الأيام، قد تمت نتيجة للنهب الذي مورس ضد الشعوب الأخرى في أمريكا اللاتينية وقارتي آسيا وأفريقيا. ولولا ذلك النهب متعدد الأشكال لما استطاع الناس في الغرب الاستمرار في شرب شاي الساعة الخامسة، والمحافظة على نمط الحياة الأمريكية، ورعاية الكلاب والقطط بحيث تعيش حياة يحسدها عليها أكثر من مليار إنسان في هذا العالم!

لقد دمروا حضارات الأزتك والمايا وغيرها من الحضارات القديمة في أمريكا اللاتينية، وأبادوا أكثر من سبعين مليون إنسان من شعوبها الأصلية، ونهبوا كميات هائلة من الذهب كانت في معابد المكسيك وغيرها، وخطفوا أكثر من 15 مليون أفريقي واستعبدوهم في المزارع والمصانع(38)، ونهبوا، ومازالوا ينهبون، المواد الأولية من آسيا وأفريقيا عبر عدة آليات أبرزها التبادل اللامتكافئ..

* ففي عام 1959، كانت الدول النامية تدفع طناً من النحاس، وتحصل على 39 أنبوباً خاصاً بأشعة روتنجن.

* وفي عام 1982، صارت الدول النامية تدفع طناً من النحاس أيضاً، ولكنها لا تحصل إلا على 3 أنابيب فقط!!!

* وفي عام 1994، أصبحت الدول النامية تدفع طناً من النحاس أيضاً، ولكنها لا تحصل إلا على أقل من أنبوب واحد!!!

إن الغرب يحصل الآن على برميل النفط بسعر حقيقي لا يزيد عن 6 دولارات بدولار 1973(39)!!! بل إن الغرب يحصل في أواخر التسعينات على برميل النفط (وفقاً لما قاله أحد المسؤولين العرب في جلسة خاصة) بسعر يقل في الواقع عن مثيله قبل ثورة النفط في أوائل السبعينات!!!

3- ضد الاستقلالية

يلاحظ أن العمليات التنموية في الدول النامية قد ترافقت، أو أدت إلى، التبعية وفقدان الاستقلالية.. فقد أدى الاعتماد المتزايد على الموارد الخارجية (أو القروض والإعلانات) لتمويل مشاريع التنمية إلى رهن استقلال كثير من الدول النامية لدى الدول الرأسمالية الدائنة، وبدا ذلك واضحاً جداً في حرب الخليج الثانية 1991.

وكذلك الحال فيما يتعلق بالتقانة.. فقد أدى الهوس باستيراد التقانة الحديثة، إلى ربط اقتصاديات كثير من الدول النامية بمصالح ونزوات الدول المتقدمة.

وقد نبه إلى هذه الحقيقة المرة (من ضمن كثيرين نبهوا إليها)، أحد الخبراء الزراعيين عندما قال: "إن امتناع الدول المتقدمة، لسبب ما، عن تزويدنا بأجداد الدواجن، سوف يحول محطات الدواجن في بلادنا إلى مستودعات للبصل"!!!

وفيما يتعلق بالسلع، يلاحظ الخبير الاقتصادي المعروف الدكتور جلال أمين أن "الذي يحدث في غمار ما يسمى بالتنمية، ليس مجرد زيادة في سلع غير معروفة، عديمة الهوية والطعم والرائحة، بل هي زيادة في سلع بعينها، لها صفات محددة، وهي بالتحديد سلع أثمرتها ثقافة (أو حضارة) بعينها هي الحضارة الوافدة على العالم الثالث. وقد اقترن هذا الوفود بمختلف صور الضغط من ناحية، والإذعان من ناحية أخرى(140). ويضيف الدكتور جلال أمين: "إذا وصفنا ما يحدث وصفه الصحيح، لكان علينا أن نقول إن الذي يحدث ليس مجرد تنمية، بل وليس تنمية، بل هو دائماً تغريب.. أي إحلال مجموعة من السلع المحددة والآتية من تلك الثقافة أو الحضارة الغربية، محل سلع وخدمات من نوع مختلف"(41).

بل إن الأمر يتعدى السلع المستوردة إلى السلع المنتجة محلياً.. فمعيار النجاح لدى معظم مخططي البلدان النامية، هو أن تتمكن بلدانهم من إنتاج السلع نفسها التي تنتج في الغرب.

وهكذا... فإن مثل الدول النامية كمثل "من يحفر قبره بظلفه".. إنها تقع، مختارة، في فخ التبعية مثلث الأضلاع.. التبعية المالية، والتبعية النقابية، والتبعية السلعية فكم هو جميل، وكارثي أيضاً، هذا المشهد الدراماتيكي!!!

4- ضد القيم الاجتماعية

من المعروف أن القيم الاجتماعية هي التي تجسد ثقافة المجتمع وخصوصيته، أي أنها هي التي تعبر عن هوية المجتمع كما تعبر بصمات الأصابع عن هوية الفرد. فالقيم الاجتماعية تنتمي -بلغة قدماء الفلاسفة- إلى الجوهر، لا إلى العرض، ومن المؤسف أن البعض قد فهموا تغيير القيم في سبيل التنمية على أنه اجتثاث القيم من جذورها، واحلال قيم أخرى في ضمائر الناس، بدلاً من تنظيف تلك القيم الأصلية والأصيلة، وتطهيرها مما علق بها أو ارتبط بها من غبار وخبث وصدأ وانحراف. ولذلك، فإنه ليس من المستغرب أن تشن على القيم الوطنية حرب غير مقدسة.. حرب لا هوادة فيها.. حرب في كافة الميادين، وخاصة في ميداني السلع والتقانة.

ففي ميدان السلع، تلعب السلع المستوردة من ثقافة أخرى دوراً كبيراً في تدمير القيم الاجتماعية السائدة، واحلال قيم أخرى مكانها، هي القيم التي تحملها السلع المستوردة.

كذلك الأمر، وربما بشكل أكثر خطورة، في ميدان التقانة.. فالتقانة ليست -لسوء الحظ- حيادية من حيث القيم.. إنها كتلة من القيم صماء وغاشمة تدمر كل القيم الأخرى التي تواجهها. "وكان الأناس المعروف ألفردمترو قد وضع في الخمسينات من القرن العشرين دراسة تحت عنوان: ثورة الفأس. وقد تحدث فيها عما أحدثه دخول الفؤوس الحديدية على حياة بعض القبائل التي لم تكن تعرف الحديد من قبل، ناهيك بالفأس الحديدية. لقد كان دخول هذه الفأس مدعاة لتخريب نظام مجتمعي بكامله، ونسف نمط حياة كان ما يزال صامداً في وجه أسباب التغيير منذ قرون.. تغيرت وتيرة الحياة، وطبيعة القيم والتبادلات والعلاقات المجتمعية والاقتصادية، بل ونصوص أساطير متوارثة منذ آلاف السنين. مما آل إلى حالة تسيب كاملة مالبثت أن أدت إلى انهيار فعلي تفككت على أثره هذه القبائل، وتاه أفرادها في الفيافي، وما لبثوا أن انقرضوا، شأنهم شأن جديس وطسم وأهل الرس!

"ويخلص الأناس المذكور إلى أن اختلال النظام المجتمعي، الذي يحصل بناء على ظواهر كهذه، إنما ينتمي إلى ما يمكن تسميته "علم أمراض المجتمعات البشرية"، الذي لاقى العلماء كثيراً من العنت، وبذلوا كثيراً من الجهد، لتحديد ورصد معالمه. بل إن الباحث المذكور لا يتردد في القول إن هذه القبائل المصابة بالمرض المذكور كانت ضحية وفرة في الخيرات التي أتاحتها التقنية الجديدة، وليس -كما قد يسرع إلى بعض الأذهان- نتيجة لإدقاع مادي أو اقتصادي. لقد انهار النظام المجتمعي بانهيار مقوماته جميعاً، رغم أن المستوى الاقتصادي كان قد ارتفع. وقد كان تبني الفأس الفولاذية، رغم كونها تقنية أشد اتقاناً وفعالية من الفأس الحجرية مرعية الاستعمال (بسبب كونها أشد فعالية)، هو الذي أدى إلى انهيار النظام المجتمعي، وإلى تفسخ الجماعة"(42).

5- ضد البيئة

لعل من أكبر حقائق هذا العصر، أن التنمية تتم -في معظم الحالات- على حساب البيئة، وبالتالي على حساب الأجيال القادمة.. فقد صاحب معظم العمليات التنموية "خروج عن النص البيئي"، أي اخلال التوازن في الأنظمة البيئية، الأمر الذي أدى إلى حدوث مشكلات بيئية أبرزها: التصحر، والتلوث، وفقدان التنوع البيولوجي(43). ونقدم فيما يلي بعض التفصيل في ذلك..

* التصحر: إن التصحر، وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر 1994، هو "تردي الأراضي في المناطق القاحلة وشبه القاحلة والجافة وشبه الرطبة، نتيجة عوامل مختلفة من بينها الاختلافات المناخية والأنشطة البشرية"(44). وينشأ التصحر، وفقاً لدراسة أجرتها المنظمة العربية للتنمية الزراعية عام 1992، عن: سوء الأحوال المناخية، وطبيعة التربة، وسوء استغلال الغطاء النباتي (في المراعي والغابات) والعمليات الزراعية الخاطئة، وسوء استخدام الموارد المائية، والهجرة من الريف. وواضح أن النشاطات البشرية هي السبب الأكبر في إحداث التصحر(45).

ويقدر الخبراء أن التصحر يؤثر على سدس سكان العالم، و 70% من الأراضي الجافة، وربع مساحة اليابسة، وفي المؤتمر الآسيوي الأفريقي لمكافحة التصحر الذي عقد في بكين (آب/ أغسطس 1996)، قدر وزير الغابات الصيني قيمة الخسائر الناجمة عن التصحر في العالم، بحوالي 42 مليار دولار سنوياً(46). أما في الوطن العربي، فإن دراسة المنظمة العربية للتنمية الزراعية المشار إليها سابقاً، تقدر أن 68% من أراضي الوطن العربي متصحرة، وأن 20% أخرى من أراضي الوطن العربي معرضة للتصحر(47)!

*التلوث: يعرف التلوث بأنه "كل تغير كمي أو كيفي في مكونات الكرة الحية، في الصفات الكيميائية أو الفيزيائية أو الحيوية للعناصر البيئية، يزيد عن طاقة الكرة الحية على الاستيعاب، وينتج عنه إضرار بحياة المكونات الحية من إنسان وحيوان، أو بقدرة النظم البيئية على الإنتاج"(48).

وإن أكثر ما يثير القلق، كما يقرر الخبير الدولي الدكتور سعيد محمد الحفار، كون الزراعة الحديثة مصدراً كبيراً للتلوث.. إذ تؤدي، مثلاً، كثرة استعمال الأسمدة الآزوتية إلى تكاثر هائل للجراثيم والأشنيات في الماء يسبب نقصاً في الأوكسجين المنحل في الماء. وإذا ما تسرب الآزوت إلى مياه الشرب، فإنه قد يتحول في جسم الإنسان إلى نترات سامة تقلل من قدرة الدم على حمل الأوكسجين، وتسبب -بالتالي- تدهوراً في صحة الأطفال. وفي حال تسرب الأسمدة ومنظمات نمو النبات إلى باطن الأرض واختلاطها بمياه الأنهار والآبار، تصبح المياه الملوثة بهذه الطريقة مسؤولة عن كثير من حالات الإصابة بأمراض القلب والسرطان(49).

وتعتبر المبيدات الزراعية من أخطر المواد الملوثة. وتشير إحصاءات منظمة الصحة العالمية إلى أن هناك شخصاً واحداً يتسمم بالمبيدات في كل دقيقة في هذا العالم، ويموت نتيجة لذلك، أكثر من خمسة آلاف شخص سنوياً(50).

* فقدان التنوع البيولوجي: إن التنوع البيولوجي هو تنوع الحياة على الأرض، بكل ما فيها من نظم إيكلولوجية (أو بيئية). وهو الأساس الذي تقوم عليه التنمية القابلة للاستمرار. كما أنه ركيزة الصحة البيئية لكوكبنا، ومصدر الأمن الاقتصادي والبيئي للأجيال المقبلة(51).

ويقدر الخبراء أن عدد الأنواع الحية (النباتية والحيوانية) يتراوح بين 5-30 مليون نوع، ويفقد العالم منها -حسب تقديرات الخبير العالمي الدكتور مصطفى كمال طلبة- عدداً يتراوح بين 40-140 نوعاً في اليوم الواحد. ويرى بعض الخبراء أننا فقدنا منذ مطلع القرن العشرين وحتى الآن نحو 75% من أشكال التنوع البيولوجي (وبالتالي التنوع الوراثي) في المحاصيل الزراعية(52).

ويعتقد الخبراء أن الخطر الأكثر غدراً، هو استبدال النباتات البرية بنبات واحد أو عدد صغير من النباتات المزروعة.. فالنبات البري أشبه ما يكون بمجموعة من "المفاتيح"، وكل منها قادر على حل مشكلة بيئية معينة، سواء كانت هذه المشكلة هي القحط، أو الصقيع، أو الهجوم الفطري، أو غير ذلك. وفي حين أن النبات المزروع يصلح لحل المشكلة البيئية التي زرع من أجلها، إلا أنه لا يتمتع بجميع مزايا النبات البري. وهكذا، فإننا بقضائنا على الأصناف النباتية البرية، إنما نجهض حلول المشكلات التي لم تنشأ بعد. وعندما تزول النباتات البرية، يصبح الأمل في استعادتها ضعيفاً، لأن تطورها استغرق مئات ملايين السنين، و لا يمكن ضغط مثل هذه المدة في خطة خمسية مثلاً. وإن مجرد حقيقة أن النباتات البرية استطاعت البقاء طول هذه المدة هو دليل على قدرتها التكيفية(53).

سادساً- الخطايا السبع

في كتابه "ستار الفقر"، قدم الخبير الاقتصادي الدولي الدكتور محبوب الحق نصائحه إلى مخططي التنمية، ومركزاً على "الخطايا السبع" التي اقترفوها في الماضي، لعلهم لا يعودون إلى مثلها، وهي (مع التصرف والاختصار) على الوجه التالي:

1- الافتتان بالأرقام، والافتراض، عادة، أن كل ما يمكن قياسه يكون مناسباً، وكل ما لايمكن قياسه يمكن تجاهله في يسر. وهكذا، فإن قدراً لا نهاية له من العمل يذهب إلى نماذج القياس الاقتصادي، وقدراً غير كاف منه يذهب إلى صياغة السياسة الاقتصادية أو إلى تقييم المشاريع.

2- الشغف الغريب بالضوابط الاقتصادية المباشرة، والافتراض، بسهولة شديدة، أن تخطيط التنمية يعني تشجيع القطاع العام، وفرض مجموعة متنوعة من الضوابط الإدارية لتنظيم النشاط الاقتصادي، وخاصة في القطاع الخاص. وإنها لظاهرة غريبة أن المجتمعات نفسها التي تفتقر بوجه عام إلى الإدارة الجيدة، هي التي تعمد إلى تجربة أكثر الضوابط الإدارية تعقيداً وتعويقاً.

3- الانشغال الدائم بمستويات الاستثمار، والاهتمام الزائد بتصاعد معدل الاستثمار أو انخفاضه، وعدم الاهتمام كثيراً بمم يتكون مستوى الاستثمار من الناحية الفعلية، ولا مدى إنتاجية هذا المستوى، ولا ما تعنيه زيادة الاستثمار في الموارد البشرية عن الاستثمار في التسهيلات المادية، ولا مقدار التسهيلات المادية العاطلة بسبب حاجتها إلى المدخلات الجارية، ولا مدى أولوية النفقات الجارية بالنسبة للاستثمار المقبل.

4- إدمان "موضات التنمية"، تلك الوصفات المستحدثة، جزئياً لأن المخططين يكونون عادة ضحايا (بإرادتهم) لهذه المستحدثات المتغيرة، لأنهم يجب أن يكونوا عند المستوى المطلوب في سياق التنمية، وجزئياً لأنهم يمكن ألا يظفروا إلا بمساعدة أجنبية قليلة للغاية إذا لم يقروا بالتفكير المستحدث الجاري في البلاد المانحة.

5- الانفصال التام بين التخطيط والتنفيذ، ويجادل المخططون بأنه بينما تكون مسؤوليتهم هي تخطيط التنمية، فإن التنفيذ هو مسؤولية النظام السياسي والاقتصادي بأسره.

6- الإغفال العام للموارد البشرية، بسبب الطول المفترض لفترة التصور والتطوير اللازمة لاستثمار تلك الموارد، والافتقار إلى أية علاقة مقررة كمياً بين مثل هذا الاستثمار والناتج.

7- الافتتان بمعدلات النمو العالية في الناتج القومي الإجمالي، مع نسيان الهدف الحقيقي من التنمية.. ففي بلد بعد آخر، نرى النمو الاقتصادي مقترناً بزيادة التفاوت في الدخول الشخصية وفي الدخول الإقليمية، وبتصاعد البطالة وزيادة الخدمات الاجتماعية سوءاً، وتفاقم الفقر المطلق والنسبي(54).

سابعاً - دروس من أزمة "النمور الآسيوية"

لا تزال ما وصفت بأنها النمور الآسيوية (التي هي: كوريا الجنوبية، هونغ كونغ، تايوان، سنغافورة، تايلند، ماليزيا وأندونيسيا) تعيش منذ منتصف عام 1997 أزمة خطيرة عصفت باقتصادياتها وأفقدتها 30-50% من قيم عملاتها، واضطرتها إلى اللجوء للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والخضوع لشروطهما الكارثية.

وقد عالج كثير من الخبراء الاقتصاديين تلك الأزمة، وكتبوا في تحليلها وتعليلها كثيراً من المقالات والدراسات. ونستطيع في ضوء ذلك كله، أن نستخلص الأسباب الرئيسة لتلك الأزمة، لتكون دروساً عملية تفيد منها بقية الدول النامية..

فلقد كانت للأزمة أسباب خارجية، وأبرزها: رغبة الشركات الأمريكية والأوروبية في الاضرار باقتصاديات النمور الآسيوية بعد أن نافستها تلك النمور في عقر دارها وبكل قوة واقتدار، ومنافسة البضائع الصينية التي طرحت في السوق بأسعار منافسة.

ولكن الأسباب الداخلية لتلك الأزمة أهم وأخطر من الأسباب الخارجية، ويمكن إيجاز أبرزها في مايلي:

1- تحويل مهام التنمية إلى القطاع الخاص، واطلاق حريته في الاقتراض من الخارج، وممارسة المضاربات في الداخل.

2- كبر نسبة المكون الأجنبي في الاستثمارات ومع كون تلك الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل، الأمر الذي أدى إلى حدوث الاضطرابات في الاقتصاد، عندما تأثرت هذه الاستثمارات الأجنبية بعوامل أخرى، وحاول بعضها الانسحاب  من السوق(55).

3- استخدام معظم تلك الاستثمارات الأجنبية في استيراد السلع الاستهلاكية، وفي المضاربة بالعقارات والأسهم والعملات، بدلاً من توجيهها نحو الإنتاج.

4- الإفراط في الاعتماد على التصدير، الأمر الذي جعل مستقبل النشاط المحلي مرهوناً باتساع الأسواق العالمية، وهي أسواق تبذل الدول الصناعية، وفي مقدمتها أمريكا، جهوداً مضنية من أجل اقتناصها والسيطرة عليها(56).

5- عدم التوازن بين حجم ما سمي "التحرر الاقتصادي" وبين حجم "التحرر الديمقراطي" في دول النمور... فغالبيتها تحكم من قبل أنظمة تسلطية، ومساحة الديمقراطية المتاحة لاتتناسب مع "الانحلال الاقتصادي الذي شهدته تلك الدول(57).

6- حدوث عمليات فساد كبرى خربت كثيراً من الإنجازات الاقتصادية. وقد حال غياب الديمقراطية دون كشف تلك العمليات والحد منها في الوقت المناسب(58).

ثامناً- أساليب غير تقليدية في التنمية

في سبيل تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الكارثية التي تعيشها أغلبية الدول النامية، لا بد من بذل جهود غير عادية، واتباع أساليب غير تقليدية في العمليات التنموية، ونقدم فيما بعد موجزاً عن ثلاثة من تلك الأساليب..

1- المتر المربع السحري: ضمن نطاق الجهود الرامية إلى تأمين الغذاء الكافي للسكان، يجري في الفيليبين حالياً، تطبيق تجربة أطلق عليها "المتر المربع السحري" Magic Square Meter ، من أجل الإنتاج الغذائي المكثف، لتلبية حاجات الأسرة الفيليبينية من الخضر والفاكهة والإنتاج الحيواني والداجني على مدار العام.

حيث يتولى أفراد الأسرة الفيليبينية استثمار مساحة محددة من الأرض في الزراعة وتربية الحيوان والدواجن، تحت إشراف أخصائيين، ووفقاً لبرامج إرشادية مخططة، من أجل إنتاج ما يكفي لتغذية الأسرة تغذية صحية سليمة.(59)

2- زراعة النباتات الملحية: توصل الباحثون في هولندة، وبعد تجارب عديدة، إلى نتائج مشجعة في مجال استصلاح وزراعة المناطق المتاخمة لسواحل البحار بالنباتات الملحية التي تروى بماء البحر. وقد نجح الباحثون في استنباط سلالة من نبات منها تنتج العلف والزيت، وأطلقوا عليها اسم "سوس 7" -7.SOS(60)

3- الإدراك الحي في نباتات الحنطة: ذكرت جريدة "الشعب" المصرية أن الباحث العراقي المتخصص في فسيولوجيا النبات، الدكتور رعد محسن المولى، قدم بحثاً فريداً من نوعه إلى المؤتمر العلمي السنوي الثالث لجمعية البارا سايكولوجي العراقية، الذي عقد في بغداد مؤخراً. وكان البحث تحت عنوان "الإدراك الحي في نباتات الحنطة". وقد برهن الدكتور المولى في بحثه، واستناداً إلى تجارب علمية أجراها في كلية العلوم بجامعة بغداد، أن نباتات القمح التي تتلى عندها آية الكرسي وسور يس والإخلاص والفاتحة من القرآن الكريم تحقق إنتاجية أعلى من المعدلات العادية بنسبة تصل إلى 175%.(61).

تاسعاً- والمقترحات.. قواعد عشر!

نقدم، أخيراً، عشر قواعد يمكن اعتبارها ركائز كبرى، أو مبادئ أساسية، لا بد من الالتزام بها من أجل أية تنمية سليمة..

1- العدالة الشاملة.. العدالة في الثواب والعقاب، والعدالة في تبادل السلع والأموال، والعدالة في توزيع المواد الاقتصادية والدخل.

2- المشاركة الشعبية.. في التخطيط والتنفيذ والتقييم.. مشاركة طوعية، حقيقية، مؤسسية، وفاعلة.. فمثل التنمية بدون مشاركة شعبية، كمثل مسرحية هاملت بدون هاملت!

3- الحفاظ على هرم القيم الاجتماعية الأصلية في وجه القيم الغريبة الغازية، بحيث لا تطغى (مثلاً) قيمة المال، أو قيم الاستهلاك، على القيم الأخرى في المجتمع.

4- الاعتماد على الذات، وبصورة جماعية، في الوطن العربي، وفي الدول النامية، لإنتاج تقانة تنسجم مع قيم المجتمع وظروفه الاقتصادية والاجتماعية، وتشبع الحاجات الأساسية للأكثرية الفقيرة.

5- الحفاظ على التوازن البيئي.. فلا يضحي بالتوازن في الأنظمة البيئية على مذبح الشهوات والنزوات، ولا يضحى بمصالح الأجيال القادمة على مذبح أطماع الأجيال القائمة.

6- ترشيد الاستهلاك، بحيث ينسجم نمط الاستهلاك مع الموارد المتاحة كماً وكيفاً.. فإن تستغني عن شهوة من شهواتك، يعني أن تدمر سلاحاً من أسلحة العدو.

7- التركيز على التعليم والتدريب والحوافز المعنوية والمادية مفاتيح للتنمية، وبدائل تغطي العجز في الموارد المادية اللازمة للتنمية.

8- اعتماد نظام التعاون، في الإنتاج والتوزيع والتبادل والاستهلاك، عموداً فقرياً للمجتمع، فهو النظام الوحيد الذي يحقق مصالح الفرد والجماعة والمجتمع جميعاً.

9- التركيز على التنمية الرأسية، ودون إهمال للتنمية الأفقية.. لأن التنمية الرأسية هي الأقل تطلباً للمال والتقانة، والأسرع في طرح الثمار، والأكثر تلاؤماً مع ظروف الفقراء.

10- الانطلاق من قومية التنمية، والابتعاد عن النزعة القطرية التي هي ضلالة ابتدعها المستعمرون لتحقيق مصالحهم، وثبت على وجه اليقين أنها ضارة بالأمة في كل ميدان.

إننا نطرح هذه القواعد العشر بمثابة ورقة عمل أولية، لتكون أساساً لحوار شامل ومعمق، يساهم فيه كل من يهمه مستقبل هذه الأمة العظيمة.

الخلاصة:

* إن جوهر التنمية السليمة هو "التغيير نحو الأفضل".. أي معالجة تخلف المجتمع، بإشباع مزيد من الحاجات الحقيقية للأكثرية الفقيرة، بأقل كلفة اقتصادية واجتماعية وبيئية ممكنة.

* ويحيط بالتنمية كثير من الأوهام، وأبرزها: أن التنمية تعني مزيداً من الاستثمارات، والتقانة المتقدمة المستوردة هي الحل، وكثرة السكان نقمة دائماً!!!

* بل إن عدة جرائم ترتكب باسم التنمية.. إنها جرائم ضد الفقراء، وضد الشعوب الأخرى ، وضد الاستقلالية، وضد القيم الاجتماعية، وضد البيئة والأجيال القادمة.

* ومن أبرز أخطاء المخططين: الافتتان بالأرقام، والانشغال الدائم بمستويات الاستثمار، وإدمان "موضات التنمية" وإغفال الموارد البشرية، والانفصال بين التخطيط والتنفيذ.

* وإذا كان "الحكيم من اتعظ بغيره" فلا بد من أخذ العبر من أزمة (أو كارثة) النمور الآسيوية، التي هي نتيجة منطقية لهشاشة اقتصادياتها الناشئة (بدورها) عن الإفراط في الاعتماد على الخارج تمويلاً وتصديراً، وعن عقابيل الخصخصة، وحمى الاستهلاك، وآفة المضاربة، وفيروس الفساد.. وكل ذلك في غياب الديمقراطية.

.. هكذا، فالمطلوب إذن: تنمية تقوم على العدالة الشاملة، والمشاركة الشعبية، والاعتماد على الذات، وترشيد الاستهلاك، والحفاظ على القيم الاجتماعية والتوازن البيئي، والتركيز على نظام التعاون والتنمية الرأسية والتعليم والتدريب والحوافز، والانطلاق من قومية التنمية... فالتنمية تكون قومية أو لاتكون!

الهوامش والمراجع

1- محبوب الحق، ستار الفقر.. خيارات أمام العالم الثالث، ترجمة أحمد فؤاد بلبع، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1977، ص 37.

2- انظر: محمود المراغي، أرقام، مجلة "العربي" -الكويت، العدد 457، ديسمبر (كانون الأول) 1996، ص77.

3- الأمم المتحدة (إدارة الإعلام)، إعلان الحق في التنمية، تشرين الأول (نوفمبر)، 1990.

4- المرجع السابق.

5- عبد الوهاب محمود المصري، العوامل المؤثرة في تطوير العنصر البشري كعامل محدد في التنمية الريفية، من أعمال المؤتمر الفني الدوري الثالث لاتحاد المهندسين الزراعيين العرب، بغداد - آذار (مارس) 1977.

6- عبد الوهاب محمود المصري، نظرية الأمن والإيمان، مؤسسة الرسالة (بيروت) والدار المتحدة (دمشق)، الطبعة الأولى، دمشق 1993، ص 115.

7- الدكتور محمد أحمد الزعبي، التغير الاجتماعي بين علم الاجتماع البرجوازي وعلم الاجتماع الاشتراكي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة، بيروت 1991، ص 124.

8- المرجع السابق، ص 125.

9- الدكتور محيي الدين صابر، محاضرة نشرت في "المجلة العربية للثقافة" -تونس، السنة السابعة، العدد 12، مارس (آذار) 1987، ص ص 9-14.

10- الدكتور نادر فرجاني، عن التقدم والتنمية، مجلة "لوموند ديبلوماتيك"، سبتمبر (أيلول) 1989، ص 2.

11- الدكتور نادر فرجاني، عن غياب التنمية في الوطن العربي، مجلة "المستقبل العربي" -بيروت، السنة السادسة، العدد 60، شباط (فبراير) 1992، ص 14.

12- الدكتور يوسف صايغ، التنمية العربية والمثلث الحرج، في: عادل حسين وآخرون، التنمية العربية.. الواقع الراهن والمستقبل، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى 1984، ص 108.

13- الدكتور محمد الأطرش، التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية في سورية، محاضرة في ندوة الثلاثاء الاقتصادية، دمشق 13/2/1998.

14- الدكتور برهان غليون، في ندوة الوحدة حول التقدم والتخلف، مجلة "الوحدة" الرباط، السنة الثانية، العددان 22و 23، تموز (يوليو) وآب (أغسطس) 1986، ص 116.

15- حافظ الجمالي، بين التخلف والحضارة، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1978، ص 21و 22.

16- عبد الوهاب محمود المصري، الاعتبارات الرئيسية للتكاليف الزراعية، مجلة "الزراعة والتنمية في الوطن العربي"- الخرطوم، السنة 16، العدد الأول، يناير، فبراير، ومارس (كانون ثاني، شباط وآذار) 1997، ص ص 15- 23.

17- روبرت تشامبرز، التنمية الريفية.. وضع الأواخر أوائل، ترجمة الدكتور محجوب عمر، ميدتو للتنمية والرعاية الصحية، الطبعة الثانية، نيقوسيا 1991، ص 182و 183.

18- آلان ي. تومبسون، نحوفهم المستقبلية.. مدخل إلى دراسة علوم المستقبل، ترجمة ياسر الفهد، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق 1983، ص 75.

19- عبد الوهاب محمود المصري، تهافت الخرافات الثلاث.. دراسات في التكنولوجيا والسكان والمشاركة، دار الإيمان، دمشق 1995، ص 54-55.

20- الدكتور حامد إبراهيم الموصلي، نحو تكنولوجيا ملائمة، مجلة "الحوار". استراليا السنة الثانية، العدد السابع، خريف 1987، ص 26.

21- الدكتور محمد رضا محرم، ترشيد الفهم العربي لنقل التكنولوجيا، مجلة "المستقبل العربي"- بيروت، السنة السابعة، العدد 74، نيسان (ابريل) 1985، ص 107.

22- انظر:

* الدكتور الموصلي، نحو تكنولوجيا، المرجع الأسبق، ص 27.

* الدكتور رمزي زكي، الاعتماد على الذات بين الأحلام النظرية وضرورة الواقع والشروط الموضوعية، المعهد العربي للتخطيط (الكويت) ودار الشباب للنشر والترجمة والتوزيع (قبرص) 1987، ص ص 135-137.

* الدكتور رمزي زكي، فكر الأزمة، مكتبة مدبولي، القاهرة 1987، وخاصة ص 137.

23- انظر: هـ . كول وآخرون، الرد على مالتوس.. دراسة نقدية لكتاب حدود التنمية، ترجمة إبراهيم خوري، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق 1978، ص 275و 276.

24- الدكتور مدحت حسنين، أدوات التحرير الاقتصادي بين الفعل والفاعلية، مجلة "الأهرام الاقتصادي" -القاهرة، العدد 1164، 6/5/1991، ص 19.

25- جمال علي زهران، قياس قوة الدولة.. إطار تحليلي لدراسة الصراع العربي الإسرائيلي، مجلة "المستقبل العربي" -بيروت، السنة 13، العدد 146، نيسان (إبريل) 1991، ص 52.

26- الدكتور اسماعيل صبري عبد الله، الخمس الكبار في عام 2020، جريدة "الأهرام" القاهرة، 27/8/1997.

27- اللجنة العالمية للبيئة والتنمية، مستقبلنا المشترك، ترجمة محمد كامل عارف، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، سلسلة "عالم المعرفة"، العدد 142، أكتوبر (تشرين الأول) 1989، ص 154و 155.

28- الدكتور بطرس غالي. في تصريح نشرته جريدة "الأهرام" -القاهرة، 2/12/1993.

29- الدكتورة سوزان جورج، كيف يموت النصف الآخر من العالم؟ ترجمة كمال خوري، وزارة الثقافة والارشاد القومي، دمشق 1981، ص 84.

30- الدكتورة نوال السعداوي، تحت شعار الحد من السكان وتنظيم الأسرة.. الولايات المتحدة الأمريكية تقود حرباً بيولوجية ضد العالم الثالث، جريدة "العربي" - القاهرة، الاثنين 3/1/1994.

31- انظر: الدكتور وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، دار الفكر- دمشق الطبعة الثانية 1997، الجزء التاسع، ص 554و 555.

32- انظر تحليل الدكتورة عواطف عبد الرحمن لقضية السكان في: سلامة أحمد سلامة، حق الاختيار الوحيد، جريدة "الأهرام"- القاهرة، 25/9/1993.

33- برنامج الأمم المتحدة الانمائي، تقرير التنمية البشرية لعام 1996، ص 13.

34- انظر: جريدة "البعث" - دمشق، 11/8/1996.

35- جريدة "العربي" القاهرة، 28/3/1994.

36- مجلة "المشاهد" -لندن، العدد 30، 14/10/1995، ص 20.

37- عن جريدة "أخبار الأدب" - القاهرة، 23/6/1997.

38- الدكتور مصطفى محمود، إنهم يعدون للحرب، جريدة "الأهرام" القاهرة، 8/6/1996.

39- الدكتور اسماعيل صبري عبد الله، الخمس الكبار، المرجع الأسبق.

40- الدكتور جلال أمين، تنمية أم تغريب؟ مجلة "الهلال"- القاهرة، اكتوبر (تشرين الأول) 1995، ص 26.

41- الدكتور جلال أمين، تنمية ...المرجع السابق، ص 27.

42-الدكتور حسن قبيسي، من قضى ومن ينتظر، مجلة "الفكر العربي"- بيروت، السنة السابعة، العدد 45، آذار (مارس) 1987، ص 5.

43- عبد الوهاب محمود المصري، الإنسان والبيئة في البادية (العوامل البشرية وأثرها على الاتزان البيئي، ومقترحات لتطوير العنصر البشري في البادية بهدف حمايتها وتحسين الأوضاع المعيشية لسكان البادية)، من أعمال "الندوة الاقليمية حول تطوير البادية" التي نظمتها المنظمة العربية للتنمية الزراعية في دمشق، 18-20/12/1995.

44- انظر: الجمعية العامة للأمم المتحدة، وثيقة "وضع اتفاقية دولية لمكافحة التصحر في البلدان التي تعاني من الجفاف الشديد و/ أو من التصحر وبخاصة في أفريقيا"، رقم 27/ 241. A/AC ، 12 أيلول (سبتمبر) 1994.

45- المنظمة العربية للتنمية الزراعية، الآثار البيئية للتنمية الزراعية في الوطن العربي،الخرطوم 1992.

46- جريدة "الأهرام" -القاهرة، (التصحر يهدد مليار شخص في العالم)، 12/8/1996.

47- المنظمة العربية للتنمية الزراعية، المرجع السابق.

48-الدكتور سعيد محمد الحفار، الإنسان ومشكلات البيئة، جامعة قطر، مطبعة مؤسسة دار العلوم، الدوحة 1981.

49- الدكتور الحفار، المرجع السابق.

50- ديفيد دير ومارك شابيرو، دائرة السموم.. المبيدات والناس في عالم جائع، ترجمة محمد عبد العزيز، اتحاد المهندسين الزراعيين العرب، دمشق 1982.

51- منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، نشرة "الاستفادة من تنوع الطبيعة"، روما 1993.

52- الدكتور مصطفى كمال طلبه، انقاذ كوكبنا... التحديات والآمال (حال البيئة في العالم 1972-1992)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1992.

53- منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، نشرة...، المرجع الأسبق.

54- محبوب الحق، ستار الفقر، المرجع الأسبق، ص ص 38- 51.

55- الخبير الاقتصادي علي نجم، في: عبد الناصر عارف، نمور آسيا المريضة، جريدة "الأهرام" - القاهرة، 17/1/1998.

56- الدكتور محمد محمود الإمام، خدعونا فقالوا: إن النمور أقوى من الضباع، جريدة "العربي"- القاهرة، 24/11/1997.

57-الدكتور محمد السيد سليم في: عبد الناصر عارف، نمور آسيا، المرجع الأسبق.

58- الدكتور سليم، المرجع السابق.

59-الدكتور أحمد نور زهران، أساليب غير تقليدية في التنمية، جريدة "الأهرام"- القاهرة، 8/10/1997.

60- الدكتور زهران، أساليب...، المرجع السابق.

61- نشر الموضوع في جريدة "الشعب" المصرية، ونقلته: جريدة "المجد"- عمّان-8/12/1997.


([1]) - باحث اقتصادي واجتماعي

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244