مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد الثامن السنة الثالثة شتاء 2000
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

الدولة الديمقراطية في الفلسفة السياسية والقانونية(1) ـــ حسب الله يحيى

يشكل مفهوم الديمقراطية وممارسة هذا المفهوم على أرض الواقع، عامل جذب وانتباه وحرص ونضال للأفراد والشعوب على مر العصور.‏

ومصدر هذا الاهتمام يكمن أساساً في رغبة البشر في ممارسة حق من الحقوق الإنسانية التي ظلت ومازالت مغتصبة في أزمنة وأمكنة كثيرة من بلدان العالم على الرغم من الإعلان المستمر الذي يشير إلى ممارستها بطرق وأساليب شتى، حتى أصبح استخدامها يوظف لصالح فئة دون سواها، وكأنها مرهونة بجماعة أو حتى أفراداً -تحديداً- في حين يراد بالديمقراطية: "حكم الشعب" أي ممارسة الشعب حقه في اختيار ممثليه في الحكومة.. وذلك عن طريق الانتخابات البرلمانية.. وصولاً إلى قيادة سياسية تعتمد العدالة في الحقوق والواجبات..‏

إلا أننا خلافاً لهذا المعطى الواضح لمفهوم الديمقراطية.. تم حصر الديمقراطية بمفردات محدودة مثل: "الديمقراطية الاشتراكية" ويراد بها حصر الديمقراطية بالفكر الاشتراكي حسب، فيما يعتقد بعض قادة البلدان النامية أو العالم الثالث بأن تكون "الديمقراطية موجهة" أي وفق مواصفات يحددها كل بلد من هذه البلدان وفق ما يراه مناسباً.‏

في حين توجهت الأنظمة الشيوعية التي أفل نجمها إلى ما أسمته:‏

"الديمقراطية المركزية" التي تعني حرية الحزب الشيوعي في اختيار ومناقشة مبدئية الحزب وشخصياته.‏

أما "الديمقراطية النيابية" فقد كان يقصد بها سلطة المجلس النيابي وإعطاء الثقة المتكاملة له لقيادة الأمة.‏

كما ساد في القرن العشرين مصطلح "الديمقراطية الاجتماعية" وكان حصراً بالحركات الاشتراكية والعمالية.. بهدف تحقيق سيادة على وسائل الانتاج وتحقيق رفاهية اجتماعية جراء هذه الهيمنة على الإنتاج.‏

ومع أن مفهوم الديمقراطية يرجع إلى اليونان القديمة، إلا أن الفكر الغربي هو الذي ساهم مساهمة فاعلة في نشر هذا المفهوم وتوسيع قاعدته.‏

وفق هذه المعطيات وسواها.. توجه الدكتور منذر الشاوي لدراسة معمقة تتعلق بـ "الدولة الديمقراطية" وذلك ضمن خطة شمولية تقوم على ثلاثة كتب هي: الفكرة الديمقراطية، النظام السياسي الديمقراطي، النظام القانوني الديمقراطي..‏

وقد جاء كتاب: "الدولة الديمقراطية في الفلسفة السياسية والقانونية" في تناوله الأول لمسألة: (الفكرة الديمقراطية) وذلك من منطلق يرى فيه د. الشاوي أن "السلطة والقانون يجدان تجسيدهما في الدولة التي هي ليست في الحقيقة إلا نظاماً سياسياً ونظاماً قانونياً.."‏

مؤكداً حقيقة أن "الفكرة الديمقراطية نشأت في أحضان المجتمعات الغربية" موضحاً أن "صورة الديمقراطية هي في الحقيقة صورة الإنسان في صيرورته ومصيره".‏

وفي معرض حديثه عن التمييز بين الحكام والمحكومين... يرى أن أسباب هذا التمييز يكمن في (القوة البدنية) و (القوة العسكرية) و (الهيبة) و (أن بعض الأفراد يتمتعون بنفود وبشخصية وبسطوة على المحيطين بهم) مضيفاً أن (القوة الاقتصادية يمكن اعتبارها من أهم الأسباب) مؤكداً أن: "تملك وسائل الإنتاج من أفراد أو طبقة تمكنهم من السيطرة على السلطة أيضاً"..‏

ولا يشير إلى أهمية أن هناك تمييزاً بين الحكام والمحكومين يتعلق بالثقافة المعمقة والتجربة الخلاقة والقيم الأخلاقية التي يمكن أن تميّز عدداً من الحكام وتجعلهم في مرتبة راقية أمام المحكومين، بحيث يجد هؤلاء في حكامهم المثل الأعلى والمتميز والمشجع على اختيار أولئك الحكام، أثناء الانتخابات الديمقراطية.‏

على أن د. الشاوي يحدد أن "أول طرق القبض على السلطة هو طريق الانتخابات" ونحن نرى أن استخدام مفردة (القبض) هنا تعطي معنى الهيمنة والاغتصاب والقسرية أكثر منها في تسلم منصب مؤهل صاحبه له.. إضافة إلى أن "الوراثة" و "الاختيار الذاتي" طرقاً لاحقة للتمييز بين الحكام والمحكومين، شواهد متباينة في تولي السلطة، وسبل مختلفة للوصول إلى كراسي الحكم.‏

وفي حديث المؤلف عن (شرعية سلطة الحكام) يتساءل د. الشاوي: "متى تجب طاعة السلطة؟ ومتى لا تجب هذه الطاعة؟ أي متى تكون السلطة شرعية وبالتالي تجب طاعتها؟ ومتى لا تكون السلطة شرعية حيث لا تجب طاعتها؟"‏

دون أن يضيف أسئلة أخرى تتعلق بمن يحدد الشرعية.. وما هي موجبات الطاعة.. وهل أن مجرد امتلاك الحكام للشرعية يؤهلهم لأن تتم طاعتهم حتى لو كانوا على خطأ؟.‏

من هو المؤهل لتحديد الخطأ أصلاً..؟‏

إن سلطة ديمقراطية منتخبة بشكل عادل وسليم.. سلطة لا بد أن تكون ممتلكة دراية في كل قرار يتخذ.. دون أن تجرب هذا القرار أو ذاك.. لأن التجربة قد تكون حالة صحية ومفيدة لدى الأفراد، لكنها اجتماعية تكون عرضة للإخفاق مما يؤدي إلى كوارث لا يسهل حلها.. إذا ما اتخذ قرار غير مدروس وغير معروف في نتائجه.‏

وفي رأي لاحق يرى د. الشاوي: "أن السلطة السياسية ضرورية لتصنع قواعد السلوك الاجتماعي للأفراد وتفرض عليهم بالارغام عند الحاجة، مراعاتها..".‏

ونحن نرى أن السلوك الاجتماعي هو من صنع الأفراد أصلاً، تؤكده أسس وقيم يحترمها ويصونها المجتمع.. ويتفق الجميع عليها، ويمكن للسلطة السياسية أن تنظم هذا السلوك الاجتماعي، وتقيم أسساً مضافة، ووفق متغيرات الزمن يمكن للسلطة إلغاء بعض التقاليد والأعراف الاجتماعية التي لم تعد تلائم العصر.. بطريقة موضوعية تعتمد الاقناع ومخاطبة وعي الإنسان لا (إرغامه) على إتباعها مكرهاً، فمن شأن أي سلوك يُكره المرء على إتباعه.. أن ينتج عن ممارسته حالة من النفور وأحياناً التمرد..‏

وإذا كانت قد "مرت على الإنسانية فترة لم يكن فيها التمييز موجوداً بين مصدر السلطة وبين من يمارس هذه السلطة" فإن هذا ليس خللاً في تاريخ الإنسانية وليس حالة استثنائية ينبغي ألا تكرر... بل إن الأمر على العكس من ذلك، ينبغي تأمل ومراجعة ذاك الماضي، والبحث عن إمكانية إلغاء الفوارق.. إلى جانب وجود المميزات بين سلطة يفترض أن تكون الأكثر دقة ووعياً وتجربة وفدائية في الدفاع عن حقوق الآخرين.. ذلك أنها دون هؤلاء... لا معنى لوجودها. باعتبار أن وجودها مرهون بوجودهم.. وأن "أعضاء المجتمع هم مصدر السلطة" وأن "هذه هي في الحقيقة الفكرة الديمقراطية" كما يقول د. منذر الشاوي.‏

وفي حديثه عن الحرية يشير المؤلف إلى أن: "الحرية تعني أولاً حرية كل فرد أي أن الفرد يحدد سلوكه بنفسه، وتعني ثانياً حرية المجموع أي أن يحدد المحكومون بأنفسهم مصيرهم الجماعي" وأن "الديمقراطية تنشد تطابق الحكام والمحكومين.."‏

إلا أن حرية الفرد ليست بمعزل كلي عن المجتمع.. إنها مرهونة به وتقاس وفق أعراف اتفق المجتمع على احترامها. والخروج عنها قد يؤدي إلى حالة من الفوضى واللامألوف..‏

أما التطابق بين الحكام والمحكومين في المعطى الديمقراطي، فليست قاعدة، وإلا تحول المجتمع بكامله إلى استنساخ بشري، لا وجود فيه للفوارق الفردية.. ولا للرأي الآخر.‏

نعم قد يكون هناك توافق، وهو حالة صحية من الأفضل أن تتكرر وصولاً إلى نتائج منطقية باهرة.. ولكن الديمقراطية لا يمكن أن نعدها توافقاً كلياً ولا إنصهاراً في الآخر بأي حال من الأحوال..‏

ومع إيماننا بما أورده د. الشاوي كون: "الديمقراطية هي حكومة الشعب من قبل الشعب، وعليه فإن دولة ما تكون ديمقراطية حين يكون المحكومون فيها حكاماً في ذات الوقت أو على أي حال عندما يسهم العدد الأكبر من المحكومين مباشرة في ممارسة السلطة"؛ إلا أننا نعد الديمقراطية.. فكراً.. وكل فكر قابل للمناقشة.. وقد تنبه د. الشاوي إلى الأبعاد الأيديولوجية للديمقراطية باعتبار أن "الأيديولوجية هي نظام متناسق من الأفكار والمعتقدات يفسر موقف الإنسان من المجتمع ويؤدي إلى تبني طريقة للتصرف تعكس هذه الأفكار والمعتقدات وتنسجم معها، كما يمكن تعريف الأيديولوجية بأنها نظام من الآراء- تلاحظ كلمة (آراء) وليس رأياً واحداً- يستند إلى نظام للقيم، يحدد موقف وتصرف الأفراد من أهداف مرادة لتطوير المجتمع، الفئة الاجتماعية أو الفرد" وأن "الفكرة المركزية في الأيديولوجية الديمقراطية هي الحرية أو الرغبة في تطابق الحكام والمحكومين".. ومن شأن الحرية الفكرية، احترام الأفكار الأخرى وإجراء حوار فاعل ومتواصل معها، مما يجعل الخبرات والمعارف في وضع نابه ومتجدد ومفيد ومؤثر.‏

وفي كتاب د. الشاوي أربعة أبواب وضع عناوينها كما يلي:‏

الباب الأول: نشأة الديمقراطية.‏

الباب الثاني: الديمقراطية الليبرالية.‏

الباب الثالث: الديمقراطية الاجتماعية.‏

الباب الرابع: الديمقراطية الماركسية.‏

في الباب الأول يشير المؤلف إلى أن الفلاسفة والمفكرين السياسيين الإغريق والرومان، لم يتساءلوا عما إذا كانت السلطة السياسية شرعية أو ما هو أصل هذه السلطة، فقد تناولوا السلطة كواقعة ضرورية..." والواقع أن الشرعية قائمة ومستمدة من الشعب مصدر الحكم.. وضرورة السلطة تكمن في اختيارها، ولا توجد ضرورة من لا شيء.. أما ربط مشكلة الديمقراطية و "محاولة حلها منهجياً.." وأن الأمر يعود إلى "علماء اللاهوت المسيحيين في العصر الوسيط.." فإنه ربط ضيق ومحدود.. وحتى لو أنه عولجت الديمقراطية على هذا الوجه، فإننا نقلل من أهمية الديمقراطية عندما نربطها بالفكر المسيحي حسب.. فمثل هذا الربط أساساً يجعل من فكرة الديمقراطية، فكرة ثيوقراطية غربية مجردة من الجدل الإنساني الشمولي...‏

من ناحية أخرى نعلي الفكر المسيحي ونجعل منه تنويرياً -وهذا حسن- ولكننا لا يمكن أن نهمل الفكر التنويري لأديان وشرائح اجتماعية أخرى.‏

وفي مناقشته لمدرسة النقد الاجتماعي كما قدمها روسو، يؤكد على أهمية أن تقوم الدولة بموافقة الأفراد، الأمر الذي يجعل السيادة قائمة بشكل شرعي.‏

ومن منطلق الذعر الذي عاشه توماس هوبز الذي قال "أنا والخوف توأمان" وأن ظروف الخشية من غزو الملك الإسباني للإنكليز.. هي التي جعلته يعيش حالة الخوف تلك.. ويؤكد على أن لكل إنسان مثيله ومنافسه" موضحاً أن المنافسة وعدم الثقة المتبادلة والرغبة الجامحة في المجد والشهرة، تكون نتيجتها الحرب الدائمة لكل واحد ضد كل واحد، للكل ضد الكل، والإنسان عندها، سيكون ذئباً بالنسبة للإنسان، ومثل هذه الحرب ستكون عائقاً لكل بناء ولكل حراثة ولكل راحة ولكل علم وأدب ولكل ملكية، وباختصار لكل مجتمع، وأفظع من ذلك إنها تؤدي إلى الخوف الدائم من الموت العنيف، وهذا هو الوضع البائس للإنسان في حالة الطبيعة" كما يرى ذلك: جان جاك شغالييه (المؤلفات السياسية الكبرى من ميكافيلي إلى اليوم) -كما ينقل لنا د. الشاوي ذلك.‏

ونحن نرى أن ما يماثل وما ينافس، لا نعده بالضرورة على الضد منا، بل ويمكن أن يكون نقيضاً لنا، غير أننا لا نعده بالضرورة خصماً نناصبه العداء، وإنما يمكن أن يكون عامل إثراء لنا.. وهذا أحد معالم التحضر والبناء الإنساني الحر على خلاف ما ذهب إليه شفاليه..‏

من هنا كانت "دولة هوبز هي دولة الحكم المطلق، وإن كانت في منطقها تقوم على إرادة الأفراد" في حين كانت "دولة لوك تقوم منطلقاً ومآلاً على الإرادات الفردية وتضمن الحريات الفردية. مذهب لوك يقوم على تأكيد الثنائية الأساسية بين الفرد والدولة، لذلك فهو المؤسس الحقيقي للاتجاه الليبرالي..".‏

لذلك نجد أنفسنا أقرب إلى لوك منا إلى هوبز.. باعتبار أن لوك يعتمد الثنائية بين الفرد والدولة، بينما نجد هوبز يفكر بدولة مطلقة.. هي بالنتيجة ستعتمد على تحديد مصالحها أولاً...!‏

وفي صفحات لاحقة يعطينا المؤلف تصوراً عن دولة روسو:‏

"الدولة في تصور مدرسة العقد الاجتماعي ليست ضرورة طبيعية، بقدر ما هي ضرورة عقلية، هي لا تفرض وإنما تنشأ، لا يتحملها الإنسان بل يريدها، لأن مصلحته التي أظهر عقله فوائدها، فرضت عليه ذلك، فدولة مدرسة العقد الاجتماعي هي دولة الفرد والعقل، فهي دولة فردية عقلانية"‏

لكن الأفراد.. يتشكلون من وعي يصبح نهجاً عندما يعتقد ويدافع عنه مجتمع يتوجه لبناء دولة العدل والرفاهية والمساواة.‏

وينقل المؤلف تعريف توكفيل للفردية كونها "الوضع الذي وجد فيه الفرد بعد زوال النظام الاقطاعي بفعل الثورة الفرنسية، فقد كان الفرد في المجتمع الإقطاعي مؤطراً ضمن تدرج اجتماعي وقانوني يوفر له الحماية والمساعدة.‏

وزوال هذا النظام فجأة جعل الفرد يواجه مصيره لوحده وبدون حماية، فضاع الفرد، إثر ذلك وانعزل، إذ لم يعد مرتبطاً بروابط ذات طبيعة تدريجية كانت تحتضنه وتحميه في المجتمع الإقطاعي".‏

ومثل هذا المهفوم للفردية مرهون بزمان ومكان معينين، بينما الفردية تشكل انتماءً للذات لا للجماعة، ولاء للنفس لا ولاء للمجتمع.. الأمر الذي يجعل نمط التفكير ينصرف كلية لمصلحة ذات وحدها دون غيرها...‏

إلى جانب ذلك "تنطلق الفردية الليبرالية من مسلمة: الفردية قيمة مطلقة" مؤكدة ما ذهبت إليه "الفلسفة الأغريقية التي جعلت من الإنسان معيار كل شيء" فهل يمكن في هذا العصر المليء بالمتغيرات والأفكار أن نعزل الفرد ونجرده عن محيطه ونجعله في حالة انفرادية تعبيراً عن حريته المطلقة؟‏

إن مثل هذا التوجه مضاد للإنسان كونه الكائن الاجتماعي الوحيد من بين سائر المخلوقات.. ومثله، ولا أهمية لوجودها ما لم تكن هناك نظم وأعراف وقوانين يمكن قياس الأشياء بموجبها.‏

ويشير د. الشاوي إلى ما ذهب إليه بردو في كتابه (الليبرالية): "القانون.. ترتيب للحريات لا يرغمها ولا يوجهها، لأن دوره ستاتيكي وشكلي: فهو يحدد الأطر، أما الحركة، الحياة، الديناميكية التي بها يتأكد.. تفتح الفرد في ذات الوقت الذي يظهر فيها تقدم المجتمع، فإن الحرية وحدها تقوم بها... فالحرية خلاقة..".‏

كذلك فإننا يمكن أن نجد في القوانين.. مراعاة لنشر العدالة في المجتمع وليس خدمة الأفراد بعينهم.. كما يصبح عطاء الحرية.. عطاء خلق وإبداع وفاعلية.‏

من هنا تتأكد حقيقة ما ذهب إليه د. الشاوي كون: "الفردية لا يمكن أن تكون مطلقة.. وإنما هي أيضاً اجتماعية، فالفرد المعزول عن المجتمع لا يمثل الحقيقة الإنسانية، فالإنسان ككل هو كائن فردي، وكائن اجتماعي في ذات الوقت"‏

وذلك باعتبار أن الإنسان لا يولد في فراغ ولا يعيش في فراغ.. وإنما هو عرضة للتأثر والتأثير في المجتمع الذي يعيش فيه.‏

ومع أن المؤلف يعترف بمعاداة ميكيافيلي صاحب (الأمير) /1513 للحرية.. فإنه يرى فيه: "قدم خدمة لا يستهان بها بالنسبة لمنهج البحث الذي اتبعه لأنعتاقه من كل تعصب فكري، فقد استبعد في بحثه كل النظريات والأحكام الأخلاقية أو اللاهوتية الجاهزة، واقتصر على استقراء وملاحظة الوقائع"‏

فإذا تجرد البحث في أي تعصب فكري واستبعد كل النظريات.. مثلما استبعد حرية الإنسان إلى جانب ذلك فهل نعد مثل هذا موقفاً سليماً. هل نسلم تماماً بما جاء به من اجتهادات تخدم دكتاتورية الفرد أكثر من إنارة وجوده الإنساني؟.‏

إن المؤلف وهو يؤكد أن "مصدر الحرية كان في الذكاء والتصور والتصميم عند الإنسان.." يناقض تماماً التصور السابق عن ميكيافيلي.‏

كما أن الليبرالية التي تقدم مجتمع الحرية نجدها في المجتمع الليبرالي "تتضمن اللامساواة في الأوضاع الاقتصادية.. مما أدى إلى أن تكون ممارسة الحرية حكراً على أصحاب الامتيازات".‏

إذن الحرية التي تنادي بها الليبرالية، تكون قد اختفت.. وانتهى فعلها في حياة المجتمع باعتبارها تعطي أهمية لشخصيات تميّزهم عن سواهم..‏

بينما يؤكد د. الشاوي أن الديمقراطية "تمثلت في الحرية، بمعنى تحرير الإنسان من كل تحكم سلطوي" وهو ما لا تقدمه الليبرالية بشكل عادل..‏

وإذا كان المؤلف يرجح الاقتصار على وجهين للحرية كما يعرفها الفكر السياسي.‏

"الحرية: استقلال ذاتي، والحرية: إسهام"‏

الأول تعريف لا يكره على شيء، إلى جانب مشاركته إن أراد ثانية..والمشاركة هنا تعني السلطة.. باعتبارها حقاً مشروعاً من حقوق كل فرد..شاء المجتمع أن يحل فيه الفرد في الموقع الذي يراه مناسباً وجديراً به.أما الأساس العقلاني للديمقراطية الاجتماعية فيبنى على الإخاء والتضامن..‏

مما يجعلها على تماس مباشر بالحياة والمجتمع معاً.. وسيادة المجتمع بدلاً من سيادة الفرد..‏

وفي الطروحات الاشتراكية العليا مبدأ يقول: "لكل حسب حاجته" بدلاً من: "لكل حسب كفاءته" ونفهم من هذا أن الكفاءة ينبغي أن تكون في خدمة الآخرين لتوفر حاجاتهم قبل أن تحقق لنفسها الحضور الذي تنشده.. وأنه إذا كان روسو يريد "إلغاء الامتيازات" فإن ماركس يريد:‏

"إلغاء الطبقات"... فهل هذا يعني أن تتمتع طبقة اجتماعية متميزة بكامل الامتيازات دون غيرها!‏

إن (الفكرة الديمقراطية) كما تناولها د. منذر الشاوي في الكتاب الأول من:‏

"الدولة الديمقراطية في الفلسفة السياسية والقانونية"؛ كتاب مثير للجدل.. يعمق تجربة الديمقراطية، ويعطيها بعداً شمولياً جديراً بالمراجعة والتأمل.. وبالتالي إثارة المناقشة... وصولاً إلى أبعاد جديدة لمعطيات الفعل الديمقراطي.‏

(1) الدولة الديمقراطية في الفلسفة السياسية والقانونية.، الكتاب الأول/ الفكرة الديمقراطية، ت: د. منذر الشاوي، منشورات المجمع العلمي. بغداد 1998‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244