مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد الثامن السنة الثالثة شتاء 2000
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

على هامش مقالة :د.علي عقلة عرسان: (مقاربة في الخطاب العربي) ـــ مصطفى خضر

الخطاب العربيُّ أمَام مَصِيره القَوْميّ!‏

يشتغل بعضُ النقدِ السياسي والاجتماعيّ والثقافيّ والنظريّ العربيّ الراهن على مفهوم الخطاب العربيّ. وكانت دراساتٌ سابقة قد اشتغلت على مفهومات الفكر القوميّ والأيديولوجيا القوميّة والأيديولوجيا الإنقلابيّة والنظريّة الثوريّة ونظريّة الثورة العربيّة وغيرها. وكأنّ أعمال هذا النقد الراهن ترى في مفهوم الخطاب العربي مفهوماً حديثاً وإجرائياً يساعد توظيفه على إعادة إنتاج تلك المفهومات في صورةٍ متطوّرة وحديثة، وإن اشتمل على أفكارٍ وقيمٍ واتجاهات أشاعتها تلك المفهومات من قَبْلُ في مرحلةً كان العمل القوميّ السياسيّ فيها ممكناً، وكانت قواه الجديدة قوميّة وغير قوميّةٍ تعلن أهدافها في التحرّر القوميّ والتحرّر الاجتماعيّ.‏

وترى في برامجها ومهمّاتها بديلاً لسلطة القوى القديمة!‏

وقد صعدت نخباتُ تلك القوى الجديدة، واستطاعت أن تصنع سلطتها الحديثة أو شبه الحديثة وأن تحافظ عليها في دولةٍ قطريّة حديثة أو شبه حديثة، يوجّهها "سلوك” قطريّ يخدم استقرارها في السلطة واستمرارها، ويوجِّه "وسائط تأثيرها الأيديولوجيّ التي تمتلكها "شعاراتٌ" قوميّة لم تستطع أن تتحوّل إلى "سلوك" قوميّ، ما دامت شعارات سلطةٍ تنطلق من مصلحة نخباتها أوّلاً، وما دامت الأمة لم تتحول إلى ذات فاعلة وما دام المجتمع لم يمتلك مؤسساته المدنيّة التي تمكّن الشعب من أن يمنح هذه السلطة أو تلك شرعيّتها النسبيّة بدلاً من أن تكون "القوة" معيار الشرعية، مهما كانت أشكالها أو تظاهراتها أو مظاهرها السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة.‏

وعلى أيّة حالٍ فإن نخبات الدولة القطريّة العربيّة شبه الحديثة ترى في الموضوع العربي علّة وجودها في السلطة وأحد عوامل استقرارها فيها واستمرارها، كما أن دولة النخبات العربيّة القطريّة شبه الحديثة تعلن عن التزامها بالموضوع العربي، فهو موضوع مستقبلٍ ومصير!‏

فأيّ مستقبلٍ هو مستقبلُ الخطاب العربيّ الذي يشكّل الموضوع العربي محوره الرئيس؟‏

وأيّ مصيرٍ ينتظر أهدافه القريبة والبعيدة سواء أكان الفعل الذي سينجزه هو فعل "أنظمةٍ" غير فاعلة وغير فعّالة أم كان فِعْل قوى وجماعات قوميّة واجتماعية يعكس واقعها الراهن تآكلاً وتكسّراً وتراجعاً في الفكر كما في السلوك!‏

ألا تدلّ وقائع الحياة العربيّة اليوميّة على انسحاب الموضوع العربيّ منها على الرغم من الإعلام العربيّ الذي يصدِّر لغوه القوميَّ، وهو يدرك أنه يصدر عن "سلوكٍ" قطري!‏

احتفلت مطالعُ الفكر القوميّ بالمشروع القوميّ العربيّ كمشروع حضاريّ إنسانيٍّ، له رسالته. ويُتوقع منه أن يتجاوز عوامل "النقص" في المشروع الحضاريّ الغربيّ الحديث الذي لم يؤسَّس على مواقف عادلة من الشعوب المختلفة والأمم المغايرة، وقد تماثل المشروع القومي العربي مع المشروع الإسلامي العربي أو العربيّ الإسلاميّ في إشاراتهما المتكرّرة إلى البعد الإنسانيّ الذي ينطلقان منه.‏

وقد نظرت نخباتُ كلٍّ منهما إلى مشروعها، الذي هو مشروع الأمّة في نزوعه الإنساني، كبديلٍ لحركة الرأسمالية وللحركة الشيوعيّة، بما تشتمل عليه كلٌّ منهما من ظواهر وعلاقات ومفهومات غير إنسانيّة.‏

وبعد وقائع متتاليةٍ محليّة وقطريّة وقوميّة وإقليمية وعالميّة، وبعد انتصاراتٍ وهزائم عربيّةٍ وغير عربيّة، وبعد انفجار هويّاتٍ وصعود هويّاتٍ، وبعد انهيار نظام عالمي سابق ومشروع نظام عالمي تالٍ، ستلاحظ مقارباتٌ نقديّة عربيّة راهنة تآكل مفهومات سابقة أو تراجعها، وإشاعة مفهومات جديدة أو مختلفة وحضورها، وستلحظ تبدّلاً واضحاً في مبادئ وسلوكات وقيم... وهو تبدّل سريع ومفاجئ بمعنى ما، ما دامت الوقائع التي تعكسه غير نهائيّة وغير مكتملة، وإن لم تكن طارئة ومؤّقتة، وتعبرّ عن صراع يستمرّ!‏

في المشروع القوميّ العربي الوحدويّ يجد بعضهم الدولة القطرية مدخلاً واقعياً إلى دولة الأمّة الواحدة، ويتقبل العمل التضامني العربي في إطار إقليميّ كحدٍ أعلى في الممارسة القوميّة، ويقبل على "أنوار" الدولة القطريّة سواء أكانت مشيخة أو إمارة أم مملكة أو جمهورية!‏

وهل يجسّد البديل القطريّ سوى مصلحة نخبةٍ أو فئة أو جماعةٍ اجتماعية؟‏

ويبرز الآن مفهوم المشروع النهضويّ العربيّ كبديل لمفهوم الثورة أو لمفهوم الثورة العربيّة. ويغلب الاهتمام بمفهومات الديمقراطية والعلمانيّة والتعدديّة وحقّ الاختلاف وحقوق الإنسان وحقوق الأقليّات والمجتمع المدنيّ وغيرها. ولا شكَّ في أن حضور هذه المفهومات يعبرّ عن متطلّباتٍ وحاجاتٍ هي منتمية إلى فضاء الخطاب العربي في تطوّره وتغيّره، ألاّ يلغي التقنّع بها الموضوع العربي الذي هو دليل هذا الخطاب ومحوره أيضاً...‏

ومهما كانت وجهة النظر في مفهوم الخطاب العربيّ ومواده وأنظمته، ومهما كانت الأحكام النقديّة التي تستخلصها هذه المراجعة النقديّة أو تلك على مضموناته وعوائده ونتائجه وقيمه ومبادئه التي اشتمل عليها، واشتغل عليها أيضاً، ومهما كانت طبيعة المؤثّرات الداخليّة والخارجية التي تدخّلت في تكوينه، فإن الخطاب العربيّ، يعبّر، باتجاهاته ومستوياته المختلفة، عن "حالات" وعي للذات أو عن مشروع الذات، على الرغم من أنّه قد يكون في بعض حالاته خطاب سلطةٍ أو ترجيعاً لخطاب سلطةٍ ومؤسّسةٍ، وخطاب نخبة أو صدى لخطاب نخبةٍ أو طائفة اجتماعية!‏

وعلى أيّة حال فالخطاب الذي يسود هو سلطةٌ بمعنى مّا، ويعبّر عن قوّة سلطة تتنكر فيه، أو يفصح عنها وتفصح عنه!‏

وقد ينتقل عبره تأثير الآخر والمختلف إذا استطاع أن يكون أحد عوامل تكوينه. ولذلك كان الغرب أحد مصادر الخطاب العربيّ من حيث نظام مفهوماته أو طرائق تفكيره، واستطاع أن يؤثّر على نحو إيجابي وسلبيّ في تشكيله!‏

وربّما كان الخطاب العربيّ منذ مشروع النهضة العربيّة الأولى هو مشروع خطابٍ عربيّ لم ينجز ذاتيّته أو استقلاليّته بَعْدُ. وربّما كانت مراجعاتٌ نقديّة حديثة ومعاصرة تعمل على تفكيكه، وهي جزء منه، لتعيد إنتاجه وفقاً لوقائع مختلفة تختلف فيها الرؤية، كما يختلف الفعل!‏

وقد اشتغل أكثرُ من عنوانٍ نقديّ دالّ على الخطاب العربيّ، فقبل كتاب د. محمد عابد الجابري (الخطاب العربيّ المعاصر) أصدر العروي (الأيديولوجية العربيّة المعاصرة) وقدّم إلياس مرقص كتابه (نقد الفكر القومي) وأنجز صادق جلال العظم كتابيه (نقد الفكر الدينيّ) و(النقد الذاتي بعد الهزيمة) وتناول ياسين الحافظ (اللاعقلانيّة في السياسة العربيّة) و(الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة). ولا يعني تذكّرُ هذه العنوانات تجاهلَ عنواناتٍ كثيرة قاربت الخطاب العربيّ الحديث والمعاصر عبر مراجعاتٍ متنوّعة ومختلفة قدّمها محمود أمين العالم وهشام شرابي وطيّب تيزيني وحسين مروّة وحليم بركات وسمير أمين وعزيز العظمة ومهدي عامل وغيرهم أيضاً!‏

وهل يتطوّر الخطاب، أيّ خطاب، بغير النقد؟‏

وهل النقد سوى إعادة إنتاجٍ لخطاب، أو إنتاجٍ لخطاب؟‏

من الأمثلة النظريّة التي تقارب الخطاب العربيّ مساهمة د. علي عقلة عرسان (مقاربة في الخطاب العربيّ) التي يتجّه فيها إلى موضوعه مباشرة، دون أن يردّد وجهات نظر سابقة، أو يكرّرها، أو يناقشها، وكأنّه يهدف إلى تقديم مقاربته المستقلّة مستعيناً بحديث الوقائع في بعض الأحيان وبوقائع التاريخ القريبة والبعيدة في أحيان أخرى...‏

ولكن! ما الخطاب العربيّ الذي يقاربه؟ أهو خطاب الفكر المحض والثقافة المحضة أم هو خطاب الفعل والسلوك؟ وهل تعالج مقاربته خطابَ سلطةٍ عربيّة ومؤسّسةٍ عربيّة أم تحلّل خطاب قومي وتنظيمات قد تمثّل أحوالَ طبقاتٍ وفئاتٍ أو نخباتٍ؟ وكيف تفكّك بنية هذا الخطاب؟ وكيف تعرضه أو تصفه؟ وما هي أبعاده التي تتوقف عندها؟ ولمَ تستلهم المعطيات القومية في المواجهة؟ إلخ إلخ...‏

إن الموضوع العربيّ القوميّ هو في أساس هذه المقاربة التي تريد أن تؤكّد على مبادئ وثوابت تلاحظ تآكلها، والتي تهدف، على ما يبدو لي، إلى تعبئة وجدانٍ عربيّ واستنفاره بعد أن مزّقه تراجعُ مشروعٍ قوميّ!‏

وتميّز أوّلاً الخطاب الثقافيّ من خطاب العصر.‏

الخطاب الثقافي يشتمل على المكونات الثقافية المختلفة الأدبية والتربويّة والفكريّة والفنيّة. ويتّصل بأداء الوعي البشري، على حدّ تعبير د. عرسان الذي يعني بخطاب العصر لغة المتقدّمين من أهله، وما وصلوا إليه في ميادين المعرفة والعلم، ولا سيّما ما تحقّق من تقانةٍ عالية أدّت إلى تفوّقهم في امتلاك القوّة واستخدامها وهيمنة قواهم على قرارات العالم وعلى بعض صيغ مستقبله... ص7.‏

الخطاب الثقافيّ، بمعنى ما، يعبّر عن ذاكرة أمّة وتجربتها الروحيّة والإبداعيّة. ويتصّل بوعيها لذاتها. أمّا خطاب العصر، كما اصطلح عليه، فهو خطاب الآخر المتفوّق الذي هو خطاب الغرب الأوربيّ، والأمريكي بشكل خاص؛ إذ امتلك القوّة الآن على نحو يحقّق له الهيمنة!‏

وربّما كان الخطاب دائماً هو خطاب الذات وخطاب الآخر؛ سواء أ أنتجه تفاعلٌ وتواصلٌ وتثاقفٌ أم أنتجه التحاقٌ وإلحاقٌ وهيمنة. ولكلِّ خطاب موادّه وعلاقاته التي تتدخل في تشكيله. ولكلّ خطاب إمكانياته واحتمالاته...‏

يتوقَّف د. عرسان عند البعدين القوميّ والإسلاميّ في الخطاب العربيّ؛ فالبعد القوميّ، برأيه، يؤكّد الثوابت القوميّة والمبدئيّة والقيميّة للأمّة العربيّة، ويعمل على تحقيق الأهداف بعد مرحلة حكم عثمانيّ وعهود استعمار غربيّ وصراع مستمرّ مع العدوّ الصهيوني... ص7. وهو خطابٌ مثقلٌ بالتحدّيات من داخله ومن الخارج... ص8.‏

ينتمي هذا الخطاب إلى هويّة قومية إسلاميّة أنجزت من قبل، ويفترض أن تنجزها الأمّة من داخل صراعٍ حديثٍ ومعاصرٍ مع الغرب الأوروبيّ المستعمر في مرحلة، ومع حركة صهيونيّة استيطانيّة، وهيمنة أمريكيّة، في هذه المرحلة من الصراع... ولذلك يتساءل د. عرسان عمّا إذا كان الخطاب العربي في خارج العصر الذي يدلف إلى العَوْلَمة؛ بما هو خطاب وحدةٍ وتحرّر وتحرير وانتماء وأصالة ومصالح مشتركة، ما دام عصر القوميّات قد زال، كما يزعم بعضهم، وإن كانت القوميّات تتفتّح في أمكنةٍ مثل روسيا الاتحاديّة!‏

إن المشروع القوميّ العربيّ هو مشروعٌ قيد الإنجاز من قبل والآن، وفيما بعد. وهو مشروعٌ يعبّر عن هويّة قيد الإنجاز في داخل الصراع. وقد أنجز بعض مهمّاته في هذه المرحلة التاريخيّة السابقة أو تلك. ولكن مهمّته الكبرى في إنجاز الدولة العربية الكبرى الواحدة يتأخّر إنجازها، بل إن بعض مواد الخطاب العربيّ تشكّك في إمكانية إنجازها، أو العمل على إنجازها، بما هي تعبيرٌ واقعيّ عن الأمّة كذات فاعلة، وعن وعي لحظتها الذاتيّة كهويّة تؤسّس لاستقلالها ولذاتيّتها...‏

وسيلاحظ د. عرسان ممارسةَ دويلاتٍ قطريّة يمكن أن تتحالف مع الشيطان ضدّ الأمة العربيّة لتعلن موت الحلم القوميّ العربيّ!‏

ومع ذلك فقد لا يكون تصنيفه الدول العربيّة، تبعاً لعلاقتها مع الكيان الصهيونيّ، معياراً لتقدّم المشروع القوميّ أو تراجعه، ولتآكله أو تكامله، فهو مشروعٌ أهدافه تعبّر عن احتمالاتٍ تاريخيّة تنتمي إلى صراع أمّة مع ذاتها ومع الآخر، ويُتوقّع من هذا الصراع أن ينتج استقلالها ووحدتها ووعيها بذاتها. وإذا أقامت الآن "دولٌ" عربية تمثيلاً دبلوماسياً مع الكيان الصهيونيّ، واعترف بعضها به، وإذا مارست التطبيع الاقتصاديّ أو الثقافيّ، وإذا تنكّرت للعمل العربيّ المشترك والدفاع المشترك والتضامن العربيّ، فهل يعني ذلك نهاية مشروع تاريخ عربيٍّ حديثٍ ومعاصر بإمكانيّاته واحتمالاته التي يحرّكها حلمٌ قوميٌّ بأمّةٍ واحدةٍ ومجتمعٍ عربيّ حديث وبدورٍ حضاريّ إنسانيّ؟‏

وأيّة دولٍ هذه الدول العربيّة بمشيخاتها وإماراتها وملكيّاتها وجمهوريتها ما دامت لا تمثّل إدارة شعب أو أمّة، ولا تعكس مزاج أغلبيّة اجتماعيّة، ولا تلبّي متطلّبات خطاب عربيّ يؤسّس لمشروع قومي، ولا تتطابق أفعالها مع حاجات جماعةٍ قوميّة كبيرة تبحث عن مكانتها، وتهدف إلى تحقيق ذاتها!‏

وهل يفترض التطبيعُ، أو علاقات طبيعيّةٌ مع إسرائيل، إمكانيّة إلغاء الصراع مع إسرائيل وحَذْفه، أم أن هذا الشكل من التطبيع وذاك قد يؤجل الصراع الذي يُخْتَزَل إلى علاقةٍ بين دولة ودول وإلى علاقة بين حكومة وحكومات!‏

ألا تنتظر إسرائيل "التطبيع" مع أمّةٍ حاولت، وتحاول، أن تنجز ذاتها؟ ألا تتوقّع في مرحلةٍ تلي التطبيع، أو تصاحبه، الهيمنة على إمكانيّاتها وتوجيه الاحتمالات التي تتطابق مع مصالحها كمشروعٍ صهيونيّ استيطاني في المنطقة العربية؟‏

ومن هم (أهل الخطاب الثقافيّ العربي...ص9)؟ ومن هم (العرب الذين يتنكّرون لبعد الهويّة القوميّة والأصالة والوحدة والتحرّر والتحرير... وهي مقولات يحاربها الغرب والصهيونية... وقد أخذ العرب يحاربونها بأشكال مختلفة بعد تراجع التيّار القوميّ، وما أصاب الأمّة من إحباط... الخ ص9) حسب تعبير د. عرسان.‏

إن الموضوع الرئيس في الخطاب العربيّ هو الموضوع العربيّ، وما الموضوع الفلسطينيّ إلا أحد مدخلاته.. أما القضيّة الرئيسة في الخطاب العربيّ فهي قضيّة الأمّة. وليست القضيّة الفلسطينيّة سوى عنوان من عنوانات قضيّة الأمة أيضاً.‏

وقد يكون تراجع التيّار القوميّ "مناسبة" لنقد الذات، إذا كان ثمّة تيّار قوميّ موحّد في هذه المرحلة التاريخية أو في مراحل تاريخيّة سابقة، وإذا لم تدفع تناقضات قواه ونخباته ومصالحها المختلفة إلى أكثر من مواجهة مسلّحة وغير مسلّحة فيما بينها!؟‏

وإلى أيّ مدى يعبّر هذا التيّار القوميّ أو ذاك عن المشروع القوميّ الذي هو مشروع الأمة كلّها، بقواها المختلفة والمتنوّعة، التي تنتجها الأمّة، وتنتج، بدورها، تاريخ الأمّة باحتمالاته المختلفة والمتنوّعة أيضاً. وليست حقبة ثورة الجزائر وصعود الناصريّة والبعث- وهي حقبةٌ ليست طويلة، إن لم تكن قصيرة- مثالاً كاملاً وبهيّاً على تقدّم الأمّة أو على تقدّم المشروع القوميّ فقد حفلت هذه الحقبة بالاختلالات والتناقضات، ولم تستثمر "إمكانيات" الأمّة حقّاً، وقد طغت خلافاتٌ واختلافاتٌ على قضية الأمة، وطَفَتْ، وأنتجت فيما بعد النظام القطريّ بسلطته القطريّة التي لا تستطيع أن تكون "سلطة" وأن تكون "وحدوية" في الوقت نفسه، ولم تستطع أن تكون ديمقراطيّة لأنها ليست وحدويّة!‏

وليس مستند الخطاب القوميّ في قدرةٍ ماديّةٍ أو سندٍ دوليّ أو تضامن أنظمةٍ كما يرى د. عرسان ص9، بل إن المشروع القوميّ هو مستند هذا الخطاب الواقعيّ والعمليّ والنظريّ أوّلاً. وليست الحرب أو إمكانية الحرب ولا السلام أو إمكانيّة السلام من المدخلات الرئيسة إلى مشروع قوميّ ينجز ذاته، أو هو قيد الإنجاز، ويستمرّ في إنجاز ذاته... يطوّر قواه، ويعيد إنتاجها في كلّ مرحلة تاريخية، ما دامت الهويّة ليست معطى نهائياً، وما دامت الأمّة أيضاً ليست معطى مطلقاً، بل تكتشف ذاتها، وتعيد اكتشافها أيضاً... وإذا كانت مفهومات العولمة والسلام والديمقراطية وحقوق الإنسان هي من أقنعة خطاب العصر الأمريكيّ، فهي مفهومات لا تتعارض مع خطاب الهويّة.‏

ولكن! إلى أيّ مدى نستطيع أن نقول مع د. عرسان: إن (خطابنا نحن العرب خطاب أخلاق يملك الحقّ ولا يملك القوّة) ص10؟ وهل (خطاب العصر هو خطاب قوّة) فحسب و(خطاب استلابي، استعلائي، عنصري) ص10؟‏

ألا يفترض بنا أن نعيد النظر في (أهل الخطاب العربي) فنميّز خطابَ سلطةٍ قطريّةٍ من خطاب العباد وخطاب مؤسّسةٍ من خطاب نخبةٍ وخطابَ قوى متحالفةٍ من خطاب قوى معارضة؟‏

ألا يفترض بنا أن نميّز خطابَ إعلامٍ رسميٍّ وشبه رسميّ من خطاب غير رسميّ قد يتواصل مع مزاج كتلة اجتماعية عربية في بعض جوانبه، وقد يتقاطع معه، أو يقطع معه في جوانب أخرى؟‏

وهل يمتلك (خطاب العصر الذي هو خطاب قوّة) عناصر ثابتة ومتجانسة، أم أنّه خطاب قابلٌ للتغيّر، تصاحبه عناصر إيجابية أو تنويريّة لابدّ من توظيفها في هذه المرحلة أو تلك! ولا بدّ أن نتفاءل مع د. عرسان بالتاريخ (فقوى اليوم ليست قوى خالدة لأن تداول الدول سنّة الحياة وقانون في ضوء دروس التاريخ وتجارب الأمم واستقراء الواقع... الخ ص11 على حد تعبيره!‏

وما دامت الدولة زائلة والحكومات زائلة فإن استراتيجّية إسرائيل هي إقامة علاقات طبيعيّة مع الأمّة، إذ أدركتْ حكوماتُها المتعاقبةُ والمتنافسةُ على تحقيق المشروع الصهيوني أن الصلح والسلام ممكنان مع الشيخ أو الأمير أو الملك أو الرئيس، لأن مصلحة كلّ منهم تتمثّل في استملاكه السلطة وتوريثها. وهذا الصلح أو السلام مِعْبَرٌ إلى هدفها البعيد!‏

إن قضيّة الصراع إذاً هي قضيّة المستقبل، وليست قضيّة الحاضر وحده، وليست قضيّة الماضي فحسب!‏

ومن هذه الزاوية يمكن أن نتأمل تحذير "هنتغتون" الذي أشار إليه د. عرسان، من مستقبلٍ يتعاون فيه المسلمون والصين ضدّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة والغرب. وردّه عليه بأن الثقافة الحقّة تصنع التعارف بين الأمم وتعزّز السلام ما دامت في خدمة الإنسان والمبادئ والقيم والأخلاق... ص11.‏

ولكن الثقافة ينتجها صراع قد يكون عادلاً أو غير عادلٍ، كما أن الشعوب تعلن صراعاتها أو تضمرها، وتستكشف تناقضاتها الداخليّة والخارجيّة، وتطوّر تحالفاتها أو تغيّرها في هذه الحقبة التاريخيّة أو تلك تبعاً لوعيها بلحظتها الذاتيّة التي تكثّف مصالحها ورهاناتها وإراداتها...‏

وإذا كان خطاب العصر الصهيوني- الأمريكي يصف الأصوليّة القوميّة والأصوليّة الإسلاميّة بالإرهاب فلأن كلاً من الخطابين اللذين ينتميان إليهما يحاول نَقْضَه أو دَحْضَه مدركاً تناقضه الرئيس معه من داخل تطوّرات محليّة وإقليميّة وعالمية!‏

ألا يعزّز البعدُ القوميُّ في الخطاب الثقافي العربي المقاومة ويناصرها، ويأخذ بالتحرّر على حد تعبير د. عرسان ص11؟‏

ألا يتكامل البعد الإسلاميُّ أو الشقّ الديني في الخطاب الثقافي العربيّ مع الشقّ القوميّ وفقاً لتعبير د. عرسان أيضاً ص14؟‏

أليس خطاب العصر -وفقاً لمصطلح د. عرسان هو الخطاب النقيض الآن للخطاب الثقافيّ العربيّ، والخطاب الثقافي العربي هو الخطاب المضادّ؟‏

تتناول مقاربة د. عرسان البعد الديني في الخطاب الثقافي العربي. وعلى الرغم من أنه يجده متأصلاً في هذا الخطاب، فإنه يتساءل عمّا إذا كان الخطاب الديني متخلّفاً أم يؤدّي إلى التخلّف من حيث مرجعيّاته وغيبيّاته وأدواته ووسائله وأساليبه، وإن استنكر تساؤله فيما بعد، لما لهذا الخطاب من رصيد في الوجدان الشعبيّ وفي الإرث الثقافيّ. ويتساءل أيضاً عمّا إذا كان خطاباً عصرياً له مستقبل أو يفيد الناس في المستقبل...‏

ويقرّر وجودَ بعدٍ دينيّ إسلاميّ ومسيحيّ يتجلّى في منظومات قيم ومحرّمات، وإن وُجِّهت إليه تهمٌ أو نُسِبَ إليه تطرّفٌ.. الخ ص12‏

ويلاحظ أن الخطاب الدينيَّ هو جزء من الهويّة، ولا مصلحة في تهميشه لأنّه موجود مؤثّر... الخ ص13.‏

والمصدر الإسلاميّ الأساس في ذلك الخطاب هو القرآن ثم الحديث ثمّ السنّة الثابتة قولاً وعملاً، والمراجع كثيرة بالإضافة إلى حقّ الاجتهاد لمن ملك القدرة عقلياً وشرعيّاً وعلمياً... إلخ ص13.‏

ويفترض في هذا الخطاب أن يعزّز الإيمان، والإيمان كلٌّ لا يتجزّأ. ومن حسن دينه حسن إيمانه وسلوكه وأداؤه... إلخ ص13.‏

ويرى د. عرسان أن خطابنا الدينيّ القائم على الإيمان والداعي إليه لا ينقض العلم، ولا يضعفه، بل يعزّره... ص14 وإذا شكلَّ عائقاً في وجه تقدّم الإنسان ونموّ قدراته توجب تقصّي أسس الفهم والتفسير والتأويل والتدبّر والتدبير... والخطاب الدينيّ ليس مصدر اعتراضٍ على النزوع القوميّ والتمايز القوميّ.... ومن غير المقبول أن يتعارض الشقّ الدينيّ من خطابنا الثقافيّ مع الشقّ القومي، فالأساس هو التكامل... الخ ص14.‏

ويستخلص أن وضع العروبة في مقابل الإسلام والإسلام في مقابل العروبة يؤدّي إلى إضعاف الطرفين... ص15.‏

وليس ثمة من شكّ في أن الإسلام مصدر هويّة وذاكرة حضارة وفضاء لغة، أعاد إنتاج العروبة مدنيّةً وثقافةً وعملاً وروحاً في حقبة تاريخيّة تمثّلت فيها الكثرة في الوحدة والوحدة في الكثرة.‏

وتجاوز خطابُ العقل وخطابُ النقل، كما صاحب التفلسفُ التصوّفَ والعلمُ العملَ والتشككُ اليقين والفتحُ الانفتاحَ...‏

وفي حقبة انحطاطٍ تاريخيّ تراجع الإسلام إلى إسلام فرقٍ ومللٍ ونحلٍ وخاصّةٍ وعامةٍ وتقاليد ودَرْوَشة بعامة!‏

وقد نستطيع أن نميّز في حياة العرب الحديثة والمعاصرة إسلاماً رسميّاً وشبه رسميّ من إسلام شعبيٍّ واجتماعيٍّ وإسلاماً منفتحاً على الحداثة والعصر من إسلامٍ مغلقٍ على أصول وتقاليد وإسلاماً يحتكم إلى سلاح الحوار من إسلام يحكمه حوار السلام وإسلامَ تفكيرٍ من إسلام تكفير...الخ‏

وإذا كان الخطاب الثقافيّ العربيّ خطاباً متعدّداً ومتنوّعاً، يعاني من انقساماتٍ واختلافاتٍ، وتمثّله اتجاهاتٌ وميولٌ وتيّاراتٌ مختلفة ليبراليّة وقوميّة وماركسيّة وإسلامية، فإن الخطاب الإسلاميّ هو خطابٌ متعدّدٌ ومتنوّع، وتدّعي امتلاكه أكثر من فئةٍ وأكثر من جماعة، وتوظّفه أكثر من سلطة في مصلحتها...‏

ولكنّ الإسلام الذي هو كثيرٌ بُعْدٌ من أبعاد الخطاب العربيّ الذي ينجز مشروعَه القوميّ، وينجزه مشروعُه القومي!‏

وكيف يمتلك هذا المشروع القوميّ هويّته، ويعيد إنتاجها، إن لم يمتلك عروبته وإسلامه؟ وكيف يعيد إنتاج عروبته وإسلامه إن لم ينتج حداثته أيضاً؟‏

هكذا يلاحظ د. عرسان فيما بعد ما في خطابنا من (الانفعاليّة والشعاراتيّة والعصبيّة والعاطفيّة) كما يلاحظ (انكفاءه في حضن القديم... يضفي قداسةً على ما ليس مقدّساً... ص15).‏

بالإضافة إلى تعلّقه بخطاب الآخر وثقافته (بنوع من التبعيّة...) (بعيداً عن المعطى العلميّ والتواصل مع معطيات العصر... ص16)‏

ويستخلص د. عرسان أهميّة التغيير وضرورته... والمدخل (مراجعةٌ دقيقةٌ وجريئة للذات ولما في خطابنا من معطيات يراها العقل النقديُّ السليم عيباً فيه أو حجاباً له عن العصر ومعطياته وعن التأثير في مجرياته والقدرة على التغيير من موقع بناء... ص16) وربّما كانت المراجعة النقديّة هي اختبار لحقبة الانهيار العربيّ والهزيمة العربيّة كما اصطلحت عليها كتابةٌ عربيّة جديدة ومختلفة!‏

وقد تحمل المراجعة النقدية علامات ما بعد المراجعة النقديّةَ!‏

في فقرةٍ تالية من مقاربته يميّز د. عرسان خطابَ القوّة من قوّة الخطاب. وخطاب القوّة، برأيه، يُعْنَى بالمصالح ويضع المبادئ والقيم في خدمتها، وإن لم يمتلك قوّة الخطاب التي يراها تستمدّ مقوّماتها من الاستناد إلى الحقّ والاعتماد على ثوابت مبدئيّة وقيميّة وخلقيّة وإنسانيّة... إلخ.‏

بينما تستند قوّة الخطاب إلى (معطيات خلقيّة وحقانيّة وإنسانية في الأغلب الأعمّ...) وتستفيد من قيم ومقوّمات تمنح الخطاب (القوّة الروحيّة التي تبقى مجرّد كمونٍ للقوّة... إلخ ص17).‏

ويقرّر أن العرب تمتلك قوّة الخطاب التي تفتقد إلى خطاب القوّة... ص18) ولكنّ (الرغبة والحماسة لا تكفيان، والاستقالة من الموقع والمسؤوليّة غير ممكنة وغير مقبولة... ص18)‏

ويتساءل عمّا إذا كنّا نقبل بوضع قوّة خطابنا المهزوم أمام خطابِ القوّةِ القاهرة! ص18.‏

ويقرّر أن الطريق المؤديّة إلى خلاصٍ ممكن تبدأ بالعلم والإيمان والعمل بهما على مستويات فرديّة وجماعيّة، قطريّة وقوميّة، عربيّة وإسلامية... إلخ ص18.‏

ولكن! إلى أيّ مدى يمتلك خطابنا، نحن العرب، قوّة الخطاب مادام يعكس واقعه تناقضاً بين أنظمةٍ وقوى واتجاهات وتيّارات، وما دامت هذه الحكومة أو تلك تعتبر نفسها الممثّل الشرعيّ للأمة أو للشعب، وتفوّض نفسها باتخاذ القرارات، وقد افترضت أنّها تمثّل الإرادات!‏

وهل الخطاب مجرّد ألفاظٍ وكلامٍ وإعلامٍ أم أنه فِعْلٌ وعمل وسلوك أيضاً؟‏

وما الاحتمالات التي يفتحها شعارٌ ينادي بتغيير جذريّ يبدأ بالعلم والإيمان والعمل بهما؟‏

ألا يتطلّب هذا التغيير المفترض تحديد مفهوم العلم وتحديد مفهوم الإيمان؟ وهل يتطابق مفهوم العلم مع مفهوم الإيمان؟‏

إن مفهوم التغيير هو الذي يدفع د. عرسان فيما بعد إلى التساؤل عن مفهوم الخطاب السياسيّ، على ما يبدو!.. فهل الخطاب (لغة ذاتيّة أم لغة موضوعيّة) أي (هل هو كلام صاحب الخطاب أم خطاب صاحب المسؤوليّة والصلاحية في التعبير عما ينتهجه نظام من سياسة... الخ ص19)‏

(وهل الخطاب كلامٌ في المبدئيَّة والأخلاق والثوابت القومية والوطنيّة والقيم الإنسانيّة، أم أنه مجرّد صياغاتٍ كلاميّة مدروسة بعناية... الخ ص19).‏

(وهل هو خطابٌ يلتزم بالاستراتيجيّة السياسية والأيديولوجيا أم أنه تكتيك ومناورات وعوامل تمويه... ص19).‏

وهل ينطوي الخطاب السياسي، أو ينبغي له أن ينطوي على الصدق أم أنّه فضاء يراوغ المتكلّم في مجالاته للوصول إلى الأهداف والمنافع والأغراض الشخصيّة أو العامة؟... ص19)‏

ويلاحظ د. عرسان أن سؤال الأخلاق والسياسة سؤال مركزيّ. ولكن السياسة التي تستند إلى مبدئية خلقيّة وثوابت الحقّ قد تفلس ما دامت لا تملك القوّة. وما دامت السياسة فنّ الممكن في بعض الاجتهادات فهي مصالح عند الكثير من السياسيّين، وإذا انطوت على منظومات قيم وأخلاق عند بعضهم، فإن بعضهم الآخر يتنكّر لمنظومات القيم والأخلاق... إلخ ص19.‏

ويقرّر أهميّة التوقف عند الخطاب السياسيّ من أجل فهمه والتعامل معه لأنه يتعلّق بالحياة والمصير، وفيه ثوابت وأساليب تعبير عنها، وفيه ما هو مضمر أو منسيّ أو ما يُراد له أن يكون منسيّاً من تلك الثوابت، وفيه المسكوت عنه أو ما لا يشاء السياسيّ أن يصرّح به... إلخ ص20.‏

ويذكّر بمراحل وحالاتٍ مرّ بها هذا الخطاب منذ موجة الاستقلال الوطنيّ القطريّ، كما يذكّر بتغيّرات طرأتْ على أسلوبه ولغته ومفرداته وطريقة تعبيره، ليتساءل عمّا إذا كان يحمل في طيّاته ازدواجيّة الوجه والقناع، وليتساءل أيضاً عمّا إذا كان الخطاب السياسيّ العربيّ هو خطاب شخص الحاكم أم خطاب النظام أم خطاب الدولة، أي مؤسّسات المجتمع المدنيّ... وعمّا إذا كان الخطاب الذي يُتوجَّه فيه إلى الداخل يتناقض مع الخطاب الذي يُتوجَّه به إلى الخارج... إلخ ص20.‏

وإذا كان لهذا الخطاب السياسيّ العربي تأثيره في مصائر النّاس ومصائر البلدان فما مصير هذا الخطاب؟ وما مستقبل علاقته بقضايا الحاضر والمستقبل كقضية الوحدة القومية والديمقراطية والتنمية والصراع العربيّ الصهيونيّ وحقوق الإنسان العربيَّ والأمن القطريّ والقوميّ والإسلام والعلاقة مع الغرب وغيرها...‏

إن هذا الخطاب هو مشروعُ أكثر من خطاب ينتمي إلى هذه السلطة القطريّة أو تلك، وينفتح إلى هذا الحدّ أو ذاك على مشروعِ خطابٍ عربيّ قوميٍ هو جزءٌ من مشروع قومي يُنْتَجُ، ويعاد إنتاجه في هذه المرحلة التاريخية أو تلك!‏

وربما كانت المراجعة النقديّة أحد مدخلات إنتاجه وإعادة إنتاجه وتحرّره وتحريره وتغيّر وتغييره، وعندها قد يمتلك قوّة الخطاب التي هي مدخل إلى خطاب القوّة، وفقاً للمصطلح الذي يستخدمه د. عرسان في مقاربته...‏

ويخطر في البال أن نتساءل عن العلاقة بين الخطاب الثقافي العربي الذي تناوله د. عرسان في مطالع مقاربته والخطاب السياسي العربي فيما بعد!‏

أليس خطاب السياسة خطابَ ثقافةٍ وخطاب الثقافة خطاب سياسة؟ ألا تصاحب السياساتِ ثقافاتٌ، وتصاحب الثقافاتِ سياساتٌ تتـناقض مع سياسات قوى وثقافات قوى، وتختلف معها؟ ألا يوظِّف خطابُ سياسةٍ مّا خطابَ ثقافةٍ مّا لخدمة مصالحه، وبخاصة عندما يمتلك وسائل التأثير الأيديولوجية العلنيّة وحده، بالإضافة إلى مؤسّسة التأثير "الأمنيّ"؟‏

يرى د. عرسان فيما بعد أن الخطاب السياسي العربي، ولا سيّما خطاب العقود الثلاثة الأولى من نصف القرن العشرين الثاني، هو خطاب استنهاض وليس مسؤولاً عن الهزيمة أو سبباً لها في مناخ عربيّ ممزّق وتابع... الخ ص21 بل (إن حرب حزيران لم تكن إلاّ مؤامرة شاركت فيها، بالإضافة إلى عوامل القصور والتقصير، قوى عديدة منها الأصدقاء السوفييت إمّا عن غفلة أو عن تسميم إعلاميّ أميركي، صهيوني، وإمّا بإدراكٍ ووعيٍ قامت به عناصر مواليةٌ للصهيونية من داخل الحكم السوفياتيّ... إلخ إلخ ص21)‏

ومع ذلك فهو لا يقرّ خطاب اليأس أو خطاب الهزيمة... فالخطاب السياسيّ العربي (يحتاج إلى مراجعة، ليكون أقلّ عاطفيّة وشعاراتيّة وانفعاليّة وطوباويّة وأكثر موضوعيّة وعلمية وواقعيّة ومعلوماتية..). إلخ ص22 وأن يأخذ فيما يتعلّق بالصراع العربي، الصهيوني، بالاعتبار الواقع من جهة والممكن من جهة أخرى، وأن يعزز مقوّمات القرار والقوّة والحساب، على ألا تُسوَّغ إعادة النظر بالحقِّ والمبدأ... إلخ ص22.‏

وإذا كان الغرب والشرق قد شاركا في إقامة "إسرائيل"، وإذا كانت خلافاتهما قد أفادت العرب، فإن العرب لم تكن لديهم فرصٌ واختياراتٌ كثيرة، على حد تعبير د. عرسان ص23 وقد كان ثمة تحكّم بالتخطيط العربي والقرار والإرادة لا يسمح بالتجاوز مادام يستند إلى مصالح وتحالفات والتزامات سياسيّة وغير سياسيّة حيال الكيان الصهيونيّ... إلخ ص22- ص23.‏

وسيستنتج د. عرسان أنّنا (كنّا وكان خطابنا السياسيّ وقرارنا السياسيّ وإرادتنا في الفخّ على نحو مّا... ص24)‏

ولكن هذا الوضع، برأيه، لا يسوّغ الخطاب الانهزامي أو خطاب الهزيمة و"واقعية" الموالين للصهيونية والغرب الاستعماري، فمازال المشروع الاستعماريّ العنصريّ الاستيطاني هو المشروع النقيض لأيّ مشروع نهضويّ عربيّ يحقق حضوره الفاعل... ص24- ص25.‏

ولكنّ عوامل القصور والتقصير تفترض نقداً ذاتياً واسعاً، وبخاصة عندما تتعلّق بتأخّر أمّة وتأخّر مجتمع، كما تتعلّق بتأخّر نخبات وأنظمة وسلطات. وتعكس تأخّراً في خطاب الثقافة وفي خطاب السياسة. وليست سمة "الاستنهاض" في خطاب السياسة العربيّة خلال هذا العقد أو ذاك مسوّغاً لإعفاء هذا الخطاب أو تلك السياسة من مسؤوليّة مباشرة أو غير مباشرة عن هذه الكارثة القومية أو تلك الهزيمة القوميّة. ولا تغني هنا أن تشتغل المراجعة النقديّة الراهنة أو المتوقّعة على إنتاج فكر هزيمة وهزيمة فكرٍ يلغي احتمال إنتاج اجتماعٍ عربيّ مختلف وإنتاج تاريخ مستقبلٍ عربي مختلف، بل نعني التفاؤل بهذا الاحتمال!‏

سيلاحظ د. عرسان أيضاً أن ثلاث معادلات متناقضة يُشَدُّ إليها الخطاب السياسيّ العربيّ، ولا سيّما في الأقطار العربيّة المحيطة بفلسطين المحتلّة: في المعادلة الأولى تُسْلم الرؤيةُ مصيرَها للموقف الأمريكيّ من الصراع العربيّ الصهيونيّ، وهو موقف لا يحتاج إلى فهم أو تحليل أو تعليل. وفي المعادلة الثانية تلاحظ الرؤيةُ قوميّة الموضوع الفلسطينيّ. ولكنها تنوس بين خطابٍ علنيّ وآخر سريٍّ ما دامت تهدف إلى المحافظة على سلطة نظامها القطريّ أمّا المعادلة الثالثة فتجسدها رؤيةٌ بُنيَتْ على سياسة العرب التي بدأت منذ عام 1948 بشعار تحرير فلسطين، ثم أخذتْ تتراجع أو تنكشف عن عجزٍ أو تواطؤٍ أو تبعيّة للاستعمار... إلخ إلخ ص25- ص26 ويمثّل د. عرسان لأنموذجين في حرب 1973: أنموذج حرب تحريك في قرار السادات وأنموذج حرب تحرير في قرار الأسد. ويشير إلى تجلّي الضعف والتمزّق العربيّين في حصار بيروت 1982، وإلى تجلّي تعارض الموقف والتآمر الصريح على الأخ الشريك في القضيّة والمصير في مؤتمر مدريد وما بعده، وإلى الانفجار الكارثيّ للوضع العربي في أثناء غزو العراق للكويت وما أسفر عنه... إلخ إلخ.‏

ويتساءل عمّا إذا كانت تناقضات الخطاب السياسيّ العربيّ ناتجةً عن استخدام الغموض في النصوص...‏

ولكنّه يراها كامنة في الفرديّة الأنانيّة المتورّمة، وفي التنافس الظاهريّ أو المظهريّ على خدمة ما هو قوميّ، وفي ضعف المؤسّسات أو غيابها... إلخ إلخ ص27- ص28 وسيجد أخيراً أن القوميّ ينتفي لمصلحة القطري، وأن القطريّ ينتفي أمام المصلحة الشخصية، ليضيع العام لدى اقترابه من الخاص... إلخ ص29.‏

فأيّ ضعف هو هذا الضعف العربي!‏

وأي ضياع هو هذا الضياع العربي!‏

ألا يجسّد هذا الضعف وهذا الضياع ضعف خطابٍ عربيٍّ سائد وضياع خطابٍ عربيٍ سائد هو ضعف أنظمةٍ وسلطات أولاً وضياع قوى ونخباتٍ أو شبه قوى ونخبات سائدة أولاً؟‏

وماذا يعني اختراق ميثاق الدفاع المشترك وانتهاكه بأشكال مختلفة كما يبرز ذلك د. عرسان ص28؟‏

وماذا يعني أيضاً جدلُ الدول العربيّة الموقّعة على اتفاقياتٍ مع إسرائيل حول موضوع التضامن العربيّ وحدوده، وحول تفعيل المقاطعة العربيّة وموضوعات التطبيع ومظاهره وأشكاله، كما أشار د. عرسان أيضاً ص28؟‏

وسيلاحظ أخيراً (الروح القطريّة والتنافسيّة والمصلحيّة المسيطرة على بيئة الخطاب العربيّ وبيئة القرار القوميّ، كما تتجلّى في عدم رؤية المستقبليّ (..) وعدم رؤية قوة الكلّ (..) وعدم التأسيس لعمل الجماعة (...) بالإضافة إلى عامل التواكل وعامل التآكل في الإرادة... إلخ إلخ ص30-31.‏

وكان قد رأى أهميّة سيكولوجيّة اتخاذ لقرار لأنّها تفضي إلى تحليل سيكولوجية الخطاب السياسيّ العربي... إلخ ص30 وسيستخلص أن السؤال المحوريّ أو السؤال الأعلى على حدّ تعبيره يحدّده مدى انصياع القطريّ للقوميّ والالتزام به أو التنازل له أو الانضواء تحت لوائه، وفي مدى انصياع المصلحة الآنيّة الضيقة لشخص أو فئة أو قطر للمصلحة الدائمة والواسعة... إلخ.‏

وسيستخلص أيضاً أن (الخطاب السياسيّ العربيّ ملغمّ ومخترق في مصداقيّته...) ص29 ويمثّل لذلك بالخطاب المراوغ الذي يفضي إلى قرارٍ لا يلتزم به صاحب القرار السياسي كما في انتهاك توصيات قمّة بغداد 1978 وتعريب كامب ديفيد... إلخ ص29- ص30‏

هذا هو الخطاب السياسي العربي السائد إذاً...‏

وهو يعبّر عن مواقف رسميّةٍ أو شبه رسميّة بمعنى مّا!‏

ولكن! أهو الخطاب السياسيّ الوحيد في حياتنا العربية بما تشتمل عليه من وقائع يوميّة اعتياديّة وغير اعتياديّة، مفاجئة وطارئة، عنيفة وهادئة...‏

أليس ثمة أكثرُ من خطاب سياسيّ عربي غير مسموع وغير مرئيّ تضمره الكتلة الاجتماعيّة العربيّة الكبرى التي أقالتها أنظمةٌ وسلطاتٌ قطريّة من العمل السياسي، وأفقها من العمل الوطنيّ والقوميّ، بل من الاهتمام بالحياة العامة!‏

وما علاقة هذا الخطاب السياسيّ العربيّ السائد بمعاناة الكتلة الاجتماعية العربيّة الكبرى؟‏

وهل سينفجر هذا الخطاب عن خطاب بديلٍ أو عن "خطابات" بديلة؟ وكيف يبتدئ احتمالُ خطابٍ قوميٍّ عربيّ مختلفٍ وبديل؟ وما مستقبل هذا الخطاب بعامّة؟‏

إن الخطاب السياسيّ العربي السائد هو خطابُ أنظمةٍ قطريّةٍ سائدة بقواها ونخباتها السائدة التي يشكّل الآن استقرارها في السلطة واستمرارها فيها هاجسها الأوّل على ما يبدو. أمّا بالنسبة للمشروع القوميّ العربي، الذي هو موضوع الأمّة فهي قادرة على شحنه إعلاماً ودعاوة فحسب، لتضفي شكلاً من أشكال الشرعيّة القوميّة على سلطتها القطريّة، ما دامت تستطيع أن تدفع الكتلة الاجتماعيّة في هذا القطر العربي أو ذاك إلى مبايعات تقليدية لحكّامها...‏

وقد ينتهي سلوك هذه السلطة القطريّة إلى أن تكون ضدَّ مشروعها القوميّ الذي تتغنّى أجهزتها به، وقد حاصرتها "عولمة" أو "هيمنة" لا تمتلك متطلّبات أيّة مواجهةٍ نسبيّة في تضادّها معها، ولم توفّر للكتلة الاجتماعيّة العربية الكبرى الصامتة والممنوعة من المشاركة أيّةَ استعداداتٍ للتكيّف معها، إِذْ ألغت إراداتها، وحذفتْ أدوارها أيضاً...‏

وأيّة احتمالاتٍ لتكوين بدائل سياسية يقترحها غيابٌ قوميٌّ عربيّ؟ وأيّة إمكانيّات لمشاركاتٍ وطنيّة وقوميّة في اتخاذ القرارات الوطنيّة والقوميّة؟‏

ألا يفترض وضع الخطاب السياسي العربي، بل أوضاعه وشروطه، مراجعةً نقديّة كبرى، وهو الخطاب "الملغّم" و"المخترق" وفقاً لتعبير د. عرسان؟‏

وكيف تؤسّس الأمّةُ لخطابها المضادُ، ولوعيها الضديّ؟ كيف تطوّر إراداتها ورهاناتها؟‏

وقد تؤثّر هيمنةٌ أمريكيّة وصهيونيّة في أوضاع "الخارج العربيّ والعلاقات العربية الخارجيّة إلى هذا الحدّ أو ذاك.‏

وقد تفرض "شروطاً". وقد تدفع إلى اتخاذ "قرارات" غير قوميّة. ولكنّ أوضاع "الداخل" العربيّ في هذا القطر أو ذاك تمتلك إمكانيّاتٍ غير محدودة في المواجهة إذا استطاعت الكتلة الاجتماعية القوميّة الكبرى أن تنتج قواها الوطنية والقومية الديمقراطية التي تعبّر أفكارها وأفعالها ومواقفها وقيمها عن المشروع القومي العربي!‏

وليست الهيمنة الأمريكيّة الصهيونية "قدراً" موضوعياً...‏

وليست المؤسّسة القطريّة العربيّة الحاكمة "قدراً" موضوعياً أيضاً... وللتاريخ تطوّراته واحتمالاته دائماً!‏

هكذا تلتزم مقاربة د. عرسان للخطاب العربي بموقف قوميّ عربيّ ينطلق من المشروع النهضويّ العربيّ في علاقته مع الموضوع الفلسطينيّ بشكل خاص. وتلاحظ، بكل ما تحمله من شجنٍ قوميّ، غيابَ الإرادةِ العربية المستقلّة وتآكل المصلحة القوميّة العليا في خطابٍ سياسيٍّ عربيٍّ راهن يتراجع أمام خطاب مضادٍّ، هو خطاب مضادٍّ، هو خطاب العصر، كما تصطلح عليه. وهو خطابُ تفوّقٍ واستعلاء تمثّله هيمنةٌ أمريكيّة صهيونيّة تلغي أيّ بعد للحوار والتفاعل والتواصل...‏

إن موضوع المشروع القوميّ العربي هو موضوع الأمّة أوّلاً... وهل الموضوع الفلسطيني غير مدخل إلى موضوع الأمة في الخطاب العربي المعاصر؟‏

إن للخطاب العربيّ، بعامّة، جذوره التي تنتمي حضارات الشرق العربي القديم التي هي جزء من التاريخ الحقيقيّ للعرب بالإضافة إلى أبعاده العربيّة والإسلاميّة. وهي حضارات تدخّلت في تشكيل ما دُعِيَ بالمعجزة اليونانية التي تفاعلت معها، ومع سواها، حضارةٌ عربيّةٌ إسلاميّة كانت أنموذجاً لحوار حضاراتٍ وتفاعلها وتواصلها. وكان لها دورها في نهضة الغرب الحديثة...‏

فكيف ينتج المشروع القوميّ العربيّ المغاير الذي يتطابق فيه الكلام مع السلوك والوعي مع الفعل؟‏

وأيّ مستقبلٍ يُتوقَّع من خطابٍ عربيّ راهن إذا لم ينجز مراجعةً نقديةً كبرى لمفهوماته ولغته وأفعاله وبناه وقواه؟ وأيّ اختبارٍ سيواجهه في المستقبل؟‏

* د. علي عقلة عرسان، مقاربة في الخطاب العربيّ، ص7- ص31، مجلّة الفكر السياسيّ، صيف 1999، فصليّة تصدر عن اتحاد الكتّاب العرب بدمشق.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244