مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد الثامن السنة الثالثة شتاء 2000
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

فلسفة القومية العربية على ضوء التحول التاريخي الراهن * مقاربات نقدية بين طروحات الحصري والكسم وستالين حول القومية ـــ نزيه الشوفي

مدخل:‏

* نعيش نحن العرب فترة انتقالٍ تاريخي ذي طبيعة مزدوجة، تمتد من الماضي إلى المستقبل: الماضي، بتفككه وتخلفه وكل ما ينافي طبيعة الوجود القومي العربي، من تجزئةٍ استعمارية وفسادٍ اجتماعي ومسحٍ للعدالة وتشويهٍ للقيم وهدرٍ لإمكانات الأمة وتكبيلها، ومنعها من تحقيق وجودها القومي الواحد، كأمةٍ موحدة تؤدي رسالتها الإنسانية المتصلة بقيمة الإنسان والأمة معاً في هذا العالم..‏

* وقد امتد هذا الماضي إلى الحاضر العربي، الذي يقف /بازدواجيته وباستعصاءاته وحرجه وبما تجمّع فيه من رواسب الفساد الماضية ومظاهر الانحطاط السابقة، وواقعِ التجزئة والقطرية المقيم/ يقف على عتبة المستقبل بازدواجيته وصراعه المزمن بين قوى التجزئة، وراسب الماضي، وأنظمة اقتصادية تهدر إمكانات الملايين من أبناء الأمة وتحول دون انطلاقها وتمنع قيام الوحدة الحقيقة للأمة وفي المجتمع الواحد، وأنظمةٍ اجتماعية هي أقل ما يقال فيها أنها من تركة الماضي الضيق الأفق إلى حد الخرافة، وتبعيةٍ سياسية وثقافية تنيخ بكلكلها على صدر هذه الأمة منذ عصر الانحطاط العباسي إلى حالة التجزئة والاحتلال الصهيوني ذي التوليفة الدينية القومية، إلى القواعد الغربية وتابعها القطري في كثيرٍ من أرجاء الوطن العربي.. هذا من طرف، وقوى المستقبل، من طرف آخر، قوى النضال التقدمي (القومي) حيث تنمو بذور الانطلاق، وتومض ملامح المجتمع الحضاري الذي ننشده، ومفاهيمُ التطورِ والنهوضِ والحرية السياسية (الديمقراطية) والاجتماعية (الاشتراكية).. وكل ما ينسجم مع طبيعة وجودنا القومي ومستقبلنا المتجدد الذي توجهه القيم الحقة، ليعبر عن رسالة هذه الأمة المتمثلة في مبادئ وأسس وروابط تجربة تاريخية طويلة تفاعلت حركياً عبر العصور لتكوّن شخصية الأمة وهويتها، أنها القومية العربية..‏

وإذا كان هذا هو حاضرنا، وهذه هي طبيعته، وهو امتداد للماضي، فإنه أيضاً طريق إلى المستقبل، إلى بناء مجتمع متطور يتلاءم والتقدم الحضاري.. إنه انعطاف تاريخي جذري يتوقف عليه مصير الأمة وقدرتها على البقاء والتطورِ والتعبيرِ عن وجودها وتحقيق إنسانية أبنائها لتسهم في تحقيق إنسانية العالم..‏

* هذه النظرة إلى المستقبل، أو الانعطاف التاريخي الجذري على هذا النحو، تستدعي قراءة الحاضر بعين ناقدة وعقلية باصرة، تسمي الأشياء بأسمائها.. فالحقبة الراهنة أشبه ما تكون بالحقبة التي مرت بالأمة في الأربعينات والخمسينيات من هذا القرن المنصرِّم، من حيث تراجع الفكر القومي، وقوى المستقبل، بفعل الهجمات الخارجية التجزيئية وثقافتها وتوابعها القطريين.. فبعد أن تبوأ الفكر التقدمي النهضوي المركزي الرئيسي في الستينات والسبعينات، وانحسر الفكر الظلامي التبعي والتجزيئي التشكيكي في الهامش، بفعل تصاعد حركة التحرر القومي، وبقيام الوحدة بين سورية ومصر وثورة الجزائر والطبقجلي والشواف في العراق، وثورة حزب البعث العربي الاشتراكي في سورية، وثورة عدن.. إلى ما هنالك.. عاد هذا المد القومي إلى الهامش وتقدم الفكر المناهض إلى مركز الصراع من الماضي والمستقبل.. فقد تراجعت فكرة الوحدة، مثلاً، إلى فكرة التضامن العربي، ومن موقع الانطلاق القومي إلى موقع الدفاع عن الذات القومية وتوكيد هوية الأمة.. وقد تمثل ذلك في صورٍ وأشكال مختلفة في الحقبة السابقة، أما على شكل دعوات وحركات وأحزاب قطرية أو إقليمية وجدت تعبيرها في طروحات ثقافية (أدبية أو فكرية أو أيديولوجية) على شاكلة الأمة المصرية والأمة السورية والأمة اللبنانية، واستبدال أو تغيير اللغة الفصحى، والثقافة الفرعونية والثقافة المتوسطية والشرق أوسطية، أو الثقافة الأفريقية، والنزعة اليوربيانية في الثقافة... الخ.‏

ونسوق أمثلة على ذلك، فنذكر دعوة طه حسين إلى ثقافة مصرية وثقافة متوسطية، والطهطهاوي الذي وقف عند فكرة الوطن المصري المتصل عبر التاريخ، وجهد إلى فك الارتباط مع الوطن العربي. وحذا حذوه عبد الله النديم فطرح فكرة قومية مصرية تضم المسلمين والأقباط بدون الأجانب الأوروبيين وبدون الدخلاء السوريين الذين هم مرابون وأدوات الأجنبي".. ولعل بعض القادة السياسيين في العقد الثاني من هذا القرن خضعوا لتأثير هذه الأفكار الوافدة، فقد وقع سعد زغلول في هاوية "مصر أمة" ضد الانقسامات والأحزاب ومواقف حكومة عدلي باشا/ وكذلك طرح حسين مؤنس أفكاراً لا يجسد عليها فقال: "إن العرب محرومون من غريزة الإحساس بالمستقبل. وإن تاريخ الشرق والمسلمين والآسيويين لا يكوّن حبلاً متصلاً ولا يعرف التطور والتدرج بل يقوم على الجمود والانفجار".. وإن الصين، مثلاً، لا تزال بلفة كونفوشيوس".‏

وذهب أنطون سعادة مذهباً آخر فرفض أن تكون اللغة عنصراً في تكوين الأمة. بل هي في نظره "وسيلة من وسائل قيام الاجتماع لا سبب من أسبابه.. أنها أمر حادث بالاجتماع، وليس بالاجتماع أمراً حادثاً باللغة".. ثم قامت جماعة عربية بالدعوة إلى جامعة إسلامية وقد غذاها الأفغاني في مقال.‏

وتتابعت هذه الدعوات بتطاولها على قيم الأمة، واللغة العربية فدعا عيسى اسكندر المعلوف إلى استبدال الفصحى بالعامية وأثنى على ظهور رواية زينب لهيكل باللهجة السوقية، وألف معجماً مطولاً جمع فيه ألفاظ العامية لاستخدامها في كتابة العلوم وقال بأن هذا سبب للارتقاء وأن الفصحى تخلف ثقافي. ولعل تأثره بالإنكليز والمستشرقين دفعه إلى هذا الموقف.. وقد وجد في الخمسينات من يكمل المشوار مثل طه حسين، وسعيد عقل الذي دعا إلى التجديد وتغيير حروف اللغة باللاتينية.. الخ..‏

وقد انحرف بعض الشعراء عن الخط القومي والوجود التاريخي والاجتماعي والثقافي للأمة، فنجد أن شوقي نفسه في عصر أتاتورك قد انزلق إلى فترة في هذا المنزلق.. ولا ننسى قصيدته في مدح أتاتورك:‏

ألله أكبركم في الفتح من عجب‏

يا خالد الترك جدد خالد العربِ..‏

ومن شوقي إلى طه حسين ثم مالك بن نبي ودعوتهما لثقافة متوسطية ولشمال إفريقية..‏

إلى دعوة التحديث في الشعر وهجر عمود الشعر بل والغوص في الإبهام والغموض وكسر الوزن وعلق بعضهم مشانق للمتنبي والمعري والأصالة العربية.. لكنها، انكفأت (هذه الحركة المضادة) في ستينات وسبعينات هذا القرن، لتطل برأسها من جديد في العقدين الأخيرين من هذا القرن، بطروحات مكملة من شاكلة البنيوية والتفكيكية والتشكيكية والشرق أوسطية والحوار مع الآخر وسلام اللغات والتطبيع والعولمة إلى ما هنالك من بدع وظواهر سلبية.‏

وفي الماضي كان قد انبرى للرد على هذه الظواهر، عدد كبير من المفكرين، من مثل بطرس البستاني، واليازجي، ثم ساطع الحصري، في الأربعينات والستينات، والدكتور بديع الكسم منذ الأربعينات حتى الآن أيضاً..‏

ولعل ما طرحه المفكر الكسم هو بشكل أو بآخر أكثر راهنية يجيب على استقصاءات الحاضر وحرجه في مسعاه لإعادة التوازن القومي المفقود للفكر العربي راهناً ومستقبلاً..‏

في القومية:‏

لضرورة البحث نبدأ من التعريفات والتوصيفات التي درجت في الفكر العربي القومي، فقد أجمع المفكرون العرب على تعريف القومية العربية، على أنها (القومية) هي الوجود الحي للأمة بما فيه من روابط وتجارب ومعطيات حضارية ومدنية وثقافية عبر التاريخ. وتشكل بمجملها وجودها القومي وتميزُها عن بقية الموجودات القومية الحية، أي تعطيها هويتها.. وبذا لا تنفصل القومية والهوية عن الأمة في هذا التعريف. وقد ذهب الأستاذ الحصري إلى تعريف القومية العربية في إطار مقارنته ما بين القومية والوطنية فقال: "إن الوطنية هي حب الوطن والقومية هي حب الأمة.. والوطن قطعة من الأرض والأمة جماعة من البشر. وإن مفهوم الوطنية لا يختلف في الحقيقة عن القومية، ذلك الاختلاف، لأن حب الوطن يتضمن بطبيعته حب المواطنين الذين ينتمون إلى ذلك الوطن.‏

كما أن حب الأمة يتضمن في الوقت نفسه حب الأرض التي تعيش عليها الأمة. وإن منبع الوطنية وبذرتها الأولى حب الوطن وأما منبع القومية الأصيلة فحب الأهل" ويبني الأستاذ الحصري عوامل القومية على عاملين حاسمين هما اللغة والتاريخ، ويضيف إليهما، هنا وهناك، عوامل أخرى هي بالدرجة التالية لهذين العاملين؛ كالأرض أو الاتصال الجغرافي، والإيمان القومي، والاجتماع.. وأخذ عنه بعض الكتاب القوميين هذه الفكرة وطوروها ليكوّنوا تعريفاً آخر/ الحكم دروزة وحامد الجبوري فقالا: "إن القومية العربية هي الشخصية الجماعية المتميزة لتلك المجموعة من البشر التي يطلق عليها اسم العرب أو الأمة العربية، أو بكلمة: هي واقع الحياة التاريخي واللغوي والثقافي والاجتماعي الشامل/ بما فيه من وحدة في العادات والتقاليد والمصالح والأهداف والتجارب...) وإن القومية العربية هي وجود تاريخي اجتماعي ناتج عن تفاعل جميع الروابط القومية اللغة والتاريخ والثقافة والأرض والمصلحة".‏

أما الدكتور الكسم فيذهب أبعد من ذلك فيقول: "إن القومية العربية ليست مجرد واقع تاريخي واجتماعي ولكنها فوق ذلك عقيدة. والحق أن فلسفة القومية العربية تعني أول ما تعني أن القومية العربية نفسها هي نظرة شاملة متفتحة ذات قيمة حضارية وموقف واعٍ مسؤول يحمل رسالة إنسانية أي أنها فلسفة"..‏

ثم يصف الدكتور الكسم هذه الفلسفة فيقول: "هي فلسفة إنشائية تقوم على فهم الإنسان في طبيعته ومُثُلِه، وتهدف إلى حلٍ أخلاقي مباشر للمشكلات العربية، وإلى إعطاء العالم نموذجاً خيِّراً لمضمون الحياة القومية، من شأنه إذا ساد وانتصر، أن يعيد إلى العالم توازنه المفقود".‏

وكأننا بالدكتور الكسم يعارض المقولة السابقة التي ترى القومية العربية وجوداً أو واقعاً تاريخياً اجتماعياً ناتجاً عن روابط اللغة والتاريخ والثقافة والأرض والمصلحة ويضيف: “فدعوة القومية العربية أولاً، بوصفها دعوة قومية، قد أدركت أن الفرد لا يستطيع تحقيق ذاته إلا خلال عمل مشترك مع الآخرين، فالمجتمع هو الجو الطبيعي الذي يتنفس فيه. ولكل مجتمع إنساني شخصية حية دائمة تميزه من المجتمعات الأخرى وتجعل منه قومية مستقلة تتصف بمجموعة من الشروط المادية والروحية تطبع تقاليده وتطلعاته بطابع الاستمرار".‏

لقد عرّفنا الكتاب والمفكرون العرب، في فترة الخمسينات، بكثير من التحديدات للأسس والروابط القومية، وبخاصة تلك التي دخلت في الكتب المدرسية وجعلت من العادات والتقاليد والآمال و المشتركة والأهداف والمصالح.. الخ روابط أساسية لفكرة الدعوة القومية.. إلا أن الدكتور الكسم يحدد هذه الروابط تحديداً حاسماً ويجملها في القول: ".. وإذا كانت هناك روابط كثيرة تربط الفرد بالمجتمع القومي، فإن المحبة أكثر هذه الروابط عمقاً وشمولاً لكونه يقدم شيئاً من ذاته إلى مواطنيه. وفي هذا العطاء المتبادل هو الأساس الأول للمحبة القومية. والرابطة القومية بهذا المعنى تعبّر عن حقيقة التضامن الفعلي بين الفرد والمجتمع تتجاوز كل رابطة طائفية أو طبقية"..‏

بطبيعة الحال نلاحظ هنا أن الدكتور الكسم يعالج عدة قضايا كانت تطرح على المفكر العربي في الحقبة الماضية. منها ذلك الجدل بين الحصري وآراء ستالين حول عوامل تكوين الأمة والقومية. بحيث أن ستالين كان يرى أن اللغة والتاريخ والاتصال الجغرافي (التي طرحها الأستاذ الحصري) هي عوامل تكوينية صحيحة. ولا يمكن فصل أحدها عن الآخر وأضاف إليها عاملاً رابعاً هو التكوين النفسي والثقافي وخامساً هو المصالح الاقتصادية القائمة على انتصار قوى الإنتاج في مجتمع الأمة الموحد، وهو رابطة طبقية بالطبع. تقوم على الصراع الطبقي، وقد علل الأستاذ الحصري هذه المسألة بأن الاقتصاد شأن من شؤون الدولة، والدولة ناتج من نتاجات وأنشطة الإنسان عبر التاريخ. فيما استبدل الدكتور الكسم هذا العامل أو الرابطة من الصراع إلى المحبة التي تعبر عن حقيقة تضامن الفرد والمجتمع، في جملة الروابط التي رددها الكتّاب والمفكرون فيما مضى. كما رأينا.‏

* الثقافة القومية واللغة:‏

قلنا آنفاً أن حالة اليوم شبيهة بحالة الأمس، حيث أن القلق وضعف الأمة ينتجان حاملهما الفكري، وقد أنتجت حالة الأمة السابقة انهيارات متعددة، وبالتالي مفكرين وكتّاباً أنجزوا بدعوات الأغيار خارج حدود هذه الأمة وقدموا آراءً ووجهات نظر تجزيئية، وخاطئة حول الثقافة القومية واللغة العربية (عاملي التكوين القومي العربي) ووجدوا أنهما لا يصلحان للمستقبل، بل إن قيام ثقافة متوسطية أو شمال أفريقية هو فعل موضوعي أقرب إلى الواقع.. ومن هؤلاء طه حسين ومالك بن نبي.‏

وكان للأستاذ ساطع الحصري إسهام كبير في الرد على هذه الدعوات، وبإسهاب، فيما كانت ردود الدكتور الكسم موجزة ومعمقة وربما هي أشمل وأكثر راهنية..‏

وقبل عرض أفكار الدكتور الكسم، أتوقف عند نقطة أساسية يقتضيها البحث، وهي: أن نظريات تكوين الأمة أو القومية قد طرأ عليها بعض الاستزادات النظرية ودراسات سياسية وانتروبولوجية واجتماعية متعددة طرداً مع تقدم العلوم الإنسانية والتطبيقية معاً..‏

فقد أجمع علماء الاجتماع والأنتروبولوجيا على أن عوامل تكوين الهوية أو القومية للأمة تنحصر في أربعة هي:‏

اً- الأرض (الجغرافيا)، وهي عامل طبيعي ومجال قيام الحضارة والمدنية وكل الأنشطة والفعاليات المادية والروحية للبشر (العمران والثقافة)..‏

2ً- الإنسان (جماعةً وأقواماً وشعباً وأمة) وهو منتج هذه الفعالية المادية والروحية. عبر العصور (وهذا عامل انتروبولوجي برز في النص الثاني من هذا القرن).‏

3ً- التاريخ وهو حصيلة اجتماع العاملين السابقين.‏

و4ً- اللغة (كوعاء للثقافة التي تشمل كل المعارف والأنشطة الروحية والمفاهيم والآراء والفلسفات).‏

وبذا فإننا نوافق الدكتور الكسم، بأن القومية العربية ليست مجرد كيان تاريخي اجتماعي بل عقيدة، لكن هل العقيدة أو الفلسفة وحدهما يشكلان عوامل تكوين القومية آنفة الذكر؟..‏

* الحضارة والمدنية والثقافة القومية:‏

يقول د. الكسم في هذا السياق: إن لفظة الحضارة (أو المدنية) إما أن تستخدم إطلاقاً لتعني حضارة الإنسان الواحدة عبر الزمان والمكان وإما أن تنسب إلى شعب معين أو جملة من الشعوب(...) وفي جميع هذه الأحوال لا تحمل لفظة الحضارة (أو المدنية) معنىً تقويمياً وإنما تقتصر على معناها الوصفي الذي يتصل بتقرير الواقع لا بالحكم عليه (...) وأذكر هنا أن الأستاذ ساطع الحصري يقول في محاضرة له عن "الثقافة العربية وثقافة البحر الأبيض المتوسط".‏

إن مفهوم الحضارة يشمل جميع مآثر الحياة المادية والفكرية والخلقية عند الأقوام من علوم وصناعات وعادات... ولكنه يقرر في المحاضرة نفسها: "إن الحضارة تتمثل بأحسن الصور وأجلاها في العلوم والصنائع بوجه عام. أما الثقافة التي تدل على أساليب التفكير والتحسس والعمل والتي تتصل بالأمور الذهنية والمعنوية فتظهر بأجلى مظاهرها في اللغات والآداب بوجه خاص" ويتابع الدكتور الكسم: "فالأستاذ الحصري إذن يستخدم لفظة الحضارة ليعني بها جملة النتاج بوجه عام والمظهر العلمي والآلي منه بوجه خاص ويستخدم لفظة الثقافة ليعني بها المظهر المعنوي وحده. ومن هنا ينتقل إلى نقطة هامة فيقول: "لهذا السبب نجد أن الحضارة بطبيعتها قابلة للانتقال من أمة إلى أخرى بسهولة وقابلة للانتشار بين الأمم بسرعة. وأما الثقافة فتبقى خاصة بكل أمة على حدة. وأن تراث ثقافات الأمم المختلفة بعضها في بعض قليلاً أو كثيراً" ثم يؤكد هذه الفكرة بقوله: "الأمم تتميز بعضها عن بعض بثقافات خاصة وتشترك بعضها مع بعض بحضارات عامة. فالثقافة تكون في حد ذاتها قومية والحضارة تكون بطبيعتها أممية". ولكننا نعتقد/ والقول.. للدكتور الكسم/ أن من الأوفق حين نريد التمييز بين الجانب الروحي والجانب المادي من نتاج الحضارة أو المدنية، أن نحصر استخدام لفظة الحضارة للإشارة إلى الجانب الروحي، واستخدام لفظة المدنية للإشارة إلى الجانب المادي. أما لفظة الثقافة فمن الأنسب أن نطلقها على الفعالية الشخصية في تمثلها لإبداعات الحضارة الشاملة بحيث تنتهي إلى أن تتخذ تجاهها موقفاً فكرياً يدفع إلى السلوك العلمي (...) والمدنية بإيجاز وليدة النشاط الذهني البحت في اتجاهه نحو الطبيعة بغية الكشف عن قوانينها والسيطرة عليها والإفادة من ذلك كله لإنتاج الوسائل الآلية التي تحقق المزيد من الرفاه المادي. والحضارة بإيجاز وليدة النشاط التأملي والعاطفي في اتجاهه نحو الإنسان بعد الكشف عن حقيقته والتعبير عن موقفه من الوجود الكلي وتنظيم حياته الاجتماعية بصورة تكفل تحقيق إمكاناته الروحية"..‏

وفي موقع آخر يرى الكاتب (د. الكسم) أن معنى الحضارة والمدنية يدل على واقع متحقق بالفعل، "ويكوِّن وحدة شاملة تجسد جهود الإنسان عبر الأجيال ويمكن أن نصطلح. على تسميتها بالتراث البشري. وهو يشمل لديه معتقدات فلسفية واجتماعية وأنظمة سياسية واقتصادية وآثاراً فنية وعلمية ويشمل فوق ذلك كيان الأمم المستقلة والكتل السياسية ومناطق الاستعمار والنفوذ كما يشمل المستشفيات والمطابع والطائرات والقنابل الذرية".. والثقافة في هذا الصدد هي موقف من التراث الشامل لدى الدكتور الكسم يحكم على وجود الرق والإقطاع والاستعمار والطغيان والتعصب وعلى استخدام القنبلة الذرية. ولا يمكن أن يحصر نفسه ضمن مشكلات محلية. ورأى الدكتور الكسم أن العقائد الدينية انتقلت من أمة إلى أخرى، بالظروف التاريخية. وعليه فإن نتاج الإنجليز في الفلسفة مطبوع بطابع واحد يميزه عن النتاج الفلسفي في ألمانيا أو فرنسا. فبرادلي الإنكليزي أقرب إلى فيلسوف ألماني كهيجل منه إلى فيلسوف إنجليزي كهيوم... وإنه لمن الصعب أن نجد رابطة قومية بين فلسفات ديكارت وباسكال وبيرغسون على الرغم من أنهم جميعاً فرنسيون ثم خلص إلى القول/ في رده على معالجة الأستاذ الحصري حول الثقافة الخاصة ببلدان البحر المتوسط/ "إننا نوافقه على إنكاره مثل هذه الوحدة الثقافية دون أن نعد الثقافة في حقائقها الكبرى وقيمها العليا. مختلفةً باختلاف الأمم (...) وأن الثقافة ليست من الأمور التي يمكن اقتباسُها ونقلُها من الخارج نقلاً وأنها من الأمور التي لابد من تكوينها في النفوس تكوينياً"..‏

ونجد في العبارة الأخيرة معنى خاصاً بتلك الآراء والدعوات التي تستند على الخارج وتلبس لبوسه بصبغة محلية أو قومية. ولم يكتفوا بل نقلوا نقلاً حرفياً عن الخارج، بل تبنوا ما نقلوه وراحوا يروجونه وجعلوا من أنفسهم أبواقاً لتلك الظواهر الغربية، ففشلوا في مسعاهم، ذلك، لأن تلك الظواهر هي نسيج مجتمعاتهم وتعنى بوجودهم وكيانهم، وقد أخصبت فيها لكنها لم تنمُ في مجتمعاتنا لكونها جسماً غريباً في أرضٍ يلفظ ملحها وترابها كل الأجسام" غير القابلة للإخصاب أو النمو فيه.‏

وفي الرد على مفهوم الثقافة القومية عند مالك بن نبي، الذي بنى أفكاره على مدرستين هما المدرسة الغربية: التي تعد الثقافة ثمرة الفكر، والمدرسة الماركسية التي تعد الثقافة ثمرة المجتمع والتجربة المادية والتاريخية لأفراده.. ويقول ابن نبي بأن هذين المفهومين يختلفان عن بعضهما في أنهما صادران عن نظامين مختلفين للحياة في كلا المجتمعين: "إن تعريف الثقافة بصورة أو بأخرى مكتمل ضمنياً في فكر عالم الاجتماع الأميركي أو في فكر الكاتب الماركسي. والسؤال الذي يرد أمام كليهما في صورة "ما هي الثقافة"؟ يأخذ لديه نفس الاتجاه ونفس المعنى: فهي تتصل لديهما بفهم واقعي اجتماعي معين موجود بالفعل في نطاق تاريخي معين أو موجود في حيز القوة في نطاق فكري معين أيضاً"، ويقول ابن نبي: "إن كل ثقافة معنية هي انعكاس من حيث شكل مفهومها لمجتمع معين حسب التعريف الماركسي (الصيني) وأما إذا وضع هذا السؤال في العالم العربي أو الإسلامي فإنه يأخذ معنى آخر مختلفاً تمام الاختلاف: إذ هو يتصل بخلق واقع اجتماعي معين لم يوجد بعد.. وغني عن البيان أن حلاً يجعل من عالم الأشياء هيكل الغباء الثقافي لا يمكن تطبيقه في البلاد العربية والإسلامية حيث لم تملك بعد عالم الأشياء" (...) "ولقد يحدث أن يخطئ الفتى المسلم في تقديره للمشكلات والأشياء فهو غالباً ما يخطئ عندما يعتقد أن الذي ينقصه في وضعه الراهن إنما هو الصاروخ أو على الأقل البندقية التي يؤدي بها كما يتوهم واجبه الكامل. فضميره هنا قد أصيب بانحراف لأنه يحسب حساب حضوره الفذ وسط عالم يشعر بأنه لا مكان له فيه ولكنه يفسر أصل دائه تفسيراً خاطئاً حين يعزوه إلى نقص "أشياء" على حين إنما ينقصه إنما هو الأفكار".. ويناقش الدكتور الكسم هذا الرأي أو الدعوة، بالقول: ".. وربما استطعنا أن نفهم من ذلك أن العالم العربي لا يملك اليوم مدنية مادية ولا حضارة روحية.. غير أن ما ينقصه فعلاً هو الأفكار.. ولكننا نسأل الأستاذ ابن نبي: ما هي الأفكار التي تنقصنا؟ هنا يبرز أمامنا مفهومه الإقليمي للثقافة: فهو يرى أن الطبيب الإنكليزي والراعي الإنكليزي، على الرغم من أنهما لا يلتقيان في المكونات الخاصة التي تمليها المهنة، يتشابهان تشابهاً عجيباً في سلوكهما الخاص.‏

ومثل هذا التشابه لا يمكن مطلقاً أن نجده بين الطبيب الإنكليزي والطبيب المسلم الذي درس في إنكلترا وفاق زميله الإنكليزي معرفة وذكاءً. وكذلك يورد الأستاذ ابن نبي نهاية قصة عطيل لشكسبير عندما يقتل عطيل ديدمونا وينتحر. فالطبيب والراعي الإنكليزيان يتصرفان في ظنه بصورة واحدة أمام حل هذه العقدة لأنهما يمثلان نموذجاً ثقافياً واحداً. أما جذور المتفرج المسلم فإنها تمتد في أرض أخرى. فذاتيته واستعداده للتقبل والانفعال مختلفان. ولذلك فقد يحدث كما يقول ابن نبي أن نراه يضحك حين يؤدي الموقف بالمتفرج الأوربي إلى البكاء.‏

وكذلك ملاحظة التقابل الذي لا يقوم بين أمة وأخرى ولكن بين مجموعة من الأمم يسود فيها دين واحد وأخرى يسود فيها دين آخر. ومع هذا يرتب ابن نبي على هذه الفروق ضرورة قيام ثقافة أفريقية ويخصص رسالتها بأن العبقرية الأفريقية لا تستطيع مستحدثه في تحليل الذرة ومن ثم فإن ما ينبغي أن نقدمه لخدمة السلام هو الضمير وليس العلم! (...) ولا أعتقد أني بحاجة إلى مناقشة طويلة لهذه النظرات على اختلاف الثقافات ثم تسمح بأن تأخذ ثقافة معينة صورة عربية وصورة إسلامية وصورة أفريقية بصورة متتالية أو في وقت واحد.‏

والخلاصة التي ينتهي إليها الكتاب هي أن الثقافة القومية ثقافة شعب معين تنزع إلى أن تطبق على الإنسانية. ولكننا نقلب هذه العلاقة ونقول: إن الثقافة القومية هي الثقافة الإنسانية المطلقة في نزوعها إلى أن تطبق على شعب معين.. وأن الثقافة القومية هي النظرة التقويمية النقدية إلى الأوضاع المدنية والحضارية في شعب معين بغية العمل على أن تتحقق فيه بصورة متزايدة القيم الإنسانية المطلقة..‏

فالمفكر الذي ينزع إلى حل مشكلات المجتمع الإنساني لابد أن ينزع أولاً إلى حل مشكلات المجتمع الذي يعيش فيه". ويخلص الدكتور إلى هذه الفكرة الجوهرية العظيمة فيقول:‏

"إن الرابطة التي تربط الفرد بأمته أعمق من رابطة الأخوة الإنسانية.. إنها رابطة المحبة التي يولدها كون كل فرد خلال عمله وجهده يقدم شيئاً من ذاته ولعل حرص المثقف على إشاعة القيم داخل أمته أن يكون المقياس الصحيح الذي يقاس به صدق حرصه على الاهتمام بمشاكل المجتمع الإنساني.‏

إذن الثقافة القومية لدى الدكتور الكسم موقف فكري مسؤول يهدف إلى الارتقاء بالأمة. وهي لا تنحصر مطلقاً في وعي الواقع ولا تهدف مطلقاً إلى تجميده وتسويره، "إنها قبل كل شيء سعي إلى تطوير هذا الواقع في خط القيم المطلقة.. ويقول: "ولا أدل على ذلك من نضال العرب في سبيل الاستقلال والوحدة فهو ليس إلا تطبيقاً مباشراً لمبدأ ثابت هو مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها ومن أن نضالهم لتحقيق الحرية والعدل هو تطبيق مباشر لقيمة مطلقة هي قيمة الكرامة الإنسانية"..‏

وفي دفاعه عن اللغة العربية حيال طروحات المستشرقين من مثل جاك بيرك، ولوي غاوريه وريجي بلاشير وجان بول شارنيه وروجيه أرنلديز ودافيد كوهين وجيرار لوكونث، وبعض مناصريهم مثل ربحي كمال وشفيق شحاتة ومحجوب بن ميلاد.. الذين اعتقدوا مع ماسينيون بأن الأضداد في اللغة العربية مثال يدل على أن الحدود الأساسية في الثقافة العربية ذات مدلول مزدوج. وبيّنوا وجهات نظرهم في أمور ثلاثة هي التي استرعت اهتمام الدكتور الكسم واهتمامه، وهي: الأضداد، في اللغة، والاختلاف في الفقه الإسلامي، والجدل في الفكر العربي. ففي إطار الأمر الأول ذكّر الكاتب بشارة الأنباري إلى أن أهل الاستهزاء، أي الذين يحبون أن يسخروا من اللغة العربية قد اتخذوا ظاهرة الأضداد حجة على ضعف هذه اللغة وعجزها عن التعبير الواضح وهو يذهب في رده على، إلى أن وجود الأضداد في العربية هي من فرائد هذه اللغة وأنها دليل على الغنى لا على الغموض والإبهام. وساق الكاتب مثالاً طريفاً على الأضداد فقال: "ورد في الأبحاث التي يضمها الكتاب أن الفعل "ركد" وهو في اللغة الدارجة مخفف "ركض" يدل في سورية ولبنان على الجري السريع بينما يدل عند القاهري على السكون" ويرد الدكتور الكسم ذلك التفسير أو الاجتهاد الهازيء لدى أولئك بأنهم لم يستندوا إلى المراجع الصحيحة. حيث أن سوق هذا القياس على العربية وحدها هو فهم مجزوء. خاصة فيما يخص مبدأ/ الذاتية أو الهوية، على أنه الخصم الأول للأضداد لديهم، فيشير الكاتب د. الكسم إلى مدى احترام الفكر العربي لمبدأ الذاتية هذا. وبين بأن في أبحاث هؤلاء ما يبين أن "ظاهرة الأضداد ليست مقتصرة على العربية وحدها، بل تكاد تكون عامة في جميع اللغات أما أن يحاول أحد أن يقفز من ذلك إلى تمييز عقل إنساني عن عقل إنساني آخر فمغامرة خطرة. ثم ينتهي إلى الاختلاف الفقهي فيشير إلى أن وجود الاختلاف تحت أسماء أخرى في جميع المذاهب القضائية، هو أن الفقه الإسلامي يكشف عن مرونة خصبة حيث يقرر مثلاً اختلاف الأئمة رحمة وأن الضرورات تبيح المحظورات..‏

ففي هذين المبدئين وحدهما ويشهد بقدرته على استيعاب الظروف المختلفة وعلى التلاؤم مع مقتضيات الحياة الواقعية وهذه القدرة هي التي تطبعه بطابع الانفتاح"..‏

خاتمة:‏

إن ما طرحه المفكر العربي د. بديع الكسم على مدى نصف قرن من طروحات، يصعب عرضها وتقديمها في وقفة عجولة، وليس لكونها موجزة بدقة وعمق شديد، تحتاج إلى دراسة متأنية، بل لكونها ذات دلالات فلسفية ووليدة تجربة عاشها الكاتب مع الأمة بكل ما فيها من تحول متعدد الوجهات، ولأنها فلسفة المستقبل وليست تتوقف عند الحقبة الغابرة..‏

ولعلنا نلخص مفهوم القومية أو فلسفة الكسم المستقبلية في النقاط التالية:‏

1ً- أنها فلسفة قومية عربية- أي عقيدة اجتماعية سياسية ترتكز على مبادئ الحقوق الطبيعية للإنسان وإلى رابطة المحبة بين أفراد المجتمع وتهدف إلى الإصلاح الاجتماعي والارتقاء الأخلاقي ضمن الوطن العربي.‏

2ً- أن الحركة القومية هي حركة نحو رابطة المحبة والتعاون والاهتمام بمصير الشعب كوحدة تتضمن بالضرورة أن يكون الشكل السياسي للحكم شعبياً ديمقراطياً يفسح المجال الكامل لكل فرد أن يسهم في قيادة أمة.‏

3ً- أنها تستلزم الكفاح القومي بوصفه كفاحاً أخلاقياً. بحيث أن من خصائص التفتح الأخلاقي هو تعميق معنى الحرية والمسؤولية. فالحرية في مستوى الأخلاق تعني توكيداً للذات فرداً أو مجتمعاً. والمسؤولية هي نتيجة لاحقة بها.‏

وفي الختام أعود لأطرح السؤال الذي أوردته في المتن، وهو يخص العوامل التكوينية للقومية العربية، والتي عرفتها بأنها الأرض والإنسان والتاريخ واللغة (كوعاء للثقافة) حيث أن هذه العوامل لا تجتمع كلها في أمة كما تجتمع في الأمة العربية، ولنا من الواقع التاريخي العام للأمم دليل على هذا القول. فهل الفلسفة (فلسفة القومية الإنشائية) التي ذكرها الدكتور الكسم تتضمن هذه العوامل؟‏

ثم ما صحة هذه المقولة التي أنجزتها الدراسات الفكرية- السياسية التاريخية والأنتروبولوجية الاجتماعية، في رأي الدكتور الكسم؟ هذا ما نتمنى أن المفكر العربي د. الكسم الذي نعتز به. وبكل ما كتب.‏

المصادر:‏

- دفاعاً عن العروبة -ساطع الحصري.‏

- . - بديع الكسم.‏

- مشكلة الثقافة - مالك بن نبي.‏

- نشوء الأمم - أنطون سعادة.‏

- آراء في القومية العربية - حامد الجبوري وعزة دروزة‏

- المسألة القومية - ي. ف. ستالين‏

- E. M. Michel, The lnditety.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244