مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد الثامن السنة الثالثة شتاء 2000
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

الصهيونية و تشويه التراث العربي ـــ جودت السعد

لابد بادئ ذي بدء من التساؤل عن ماهية الثقافة المطروحة للدراسة، هل هي ثقافة عبرية أم "إسرائيلية" أم يهودية أم صهيونية، والوقوف لحظة تأمل على صيغ مدرسية تسعى إلى تجسير هذه المفاهيم، باعتبارها "مترادفات" موحدة المدلولات بالنسبة للصهيونية. بل إن التداخل بينها يمارس كحالة اعتيادية عند الكثير من الكتاب العرب والمؤرخين منهم على وجه الخصوص. فكم كاتب يأخذ بالصياغة اليهودية "الهادفة" مثل السامية التي تنساب إلى عقول العرب وغير العرب وكأنها حالة تاريخية صحيحة في حين أن اللفظة نحتها الباحث الألماني شولتزر عام 1781م للدخول إلى لوائح الأمم الأسطورية الواردة في التوراة.‏

قد يكون جزءاً من التشويه أو حالة تشويهية أن قيم الديانتين، الإسلامية والمسيحية تعزف على أنغام الديانة اليهودية في كثير من أطروحاتها وهي مايطلق عليها باحثون إسلاميون ومسيحيون "بالإسرائيليات". فلو انتقد مسيحي أو مسلم سلبيات اليهودية وشخوصها وأحداثها لوجد أمامه صفوفاً لاتنتهي من أبناء دينه تتهمه بالردة والإلحاد.‏

لقد سطت الديانة اليهودية على آلهة سكان العراق القديم وبلاد الشام ومصر، فعبدت ايل، وتموز، دجون، بعل، عشتار وغيرها بل سطت على المفاهيم الدينية والألفاظ والمناسك والأطر العامة لكثير من الديانات فالديانة اليهودية بالمحصلة فرعونية -آشورية- بابلية- كنعانية.‏

بدأ السطو على تراث المنطقة من قبل اليهود -بعد تأسيس اليهودية وكتابة التوراة -في القرن السادس ق.م ومابعده، فكانت الأسفار الأولى سرقاتٍ للثقافة العربية القديمة وأساطيرها، أو تشويهٌ لفلسفة الحياة التي كان يؤمن بها إنسان ذلك العصر، ولنأخذ مثالاً قصة طوفان نوح الواردة في التوراة، فكتبة التوراة الذين كان يقودهم عزرا وأثناء وجودهم في بلاط الملوك البابليين والفرس اطلعوا على خلاصة علوم ذلك العصر سواء كانت من مصر أو بلاد الشام أو العراق، وجيروا ماشاؤوا وغيروا الأسماء والمفاهيم والأحداث، وتحولت إلى قصة الطوفان التي يبدو أنها كانت شائعة في المنطقة بدليل اكتشاف ثلاث قصص طوفان مختلفة الشخوص ومتوافقة الأحداث.‏

هناك قصة بطلها (أوتو- نبشتم) جد جلجامش والثانية بطلها (زيو سدرا) والثالثة بطلها (ارهاسيس) وجميعها تؤرخ لفترة زمنية أبعد بكثير من زمن (نوح التوراة) ومع ذلك نرى التطابق بالنصوص بين الأقدم والأحدث فقد جاء في اللوح السومري على لسان اوتو نبشتم:‏

فتحتُ الكوة فغمر الضوء وجهي، والسفينة استقرت على جبل نصير، الذي أمسك بالسفينة ومنعها من الحركة.‏

أما نوح فتقول التوراة عنه: وفي اليوم الأربعين فتح نوح كوة في السفينة التي عملها، واستقرت السفينة في الشهر السابع في اليوم السابع عشر من الشهر على جبال أراراط.‏

وكما فعل أبطال الطوفان البابلي عند انتهاء الطوفان فعل نوح حيث قدم القرابين للآلهة فتذكر التوراة ذلك نصاً وكأنه مقطوع من لوح سومري:‏

"وبنى نوح مذبحاً للرب، وأخذ من كل البهائم الطاهرة ومن كل الطيور الطاهرة، واصعد محرقاتٍ على المذبح فتنسم الرب رائحة الرضا".‏

والمعروف أيضاً أن موسى هو رسول اليهود، إلا أن شخصية هذا النبي التاريخية مجهولة تماماً، أو هي تزاوج مجموعة صور لشخوص إشكالية، فهل تبعد سيرة ولادته كما جاءت بالتوراة عن قصة ولادة سرجون الأكدي، كما أن إسم موسى فضح عملية التشويه والسرية، فهي لفظة فرعونية تعني "الابن" تأتي عادة مركبة مع اسم أحد الآلهة فقد ذكرت اللوائح الفرعونية أسماء عدة فراعنة تنطبق عليهم هذه الحالة طحوط -موس، بتاح -موس، أُح- موس، والذي يستوي معناها عند التركيب حيث يصبح ابن الإله طحوط، ابن الإله بتاح، ابن الإله أُح.‏

إضافة إلى ذلك فإن المؤرخين يجمعون على أن أحداث قصة موسى إذا كان لها أن تحدث أو توجد فستكون في القرن الثالث عشر قبل الميلاد وفي هذا الوقت لم تكن ثمة لغة اسمها العبرية تجعل ابنة الفرعون أو زوجته، في بعض الروايات، تطلق اسم موشيه على موسى والتي تعني حرفياً المنقذ من الماء. ومن المؤكد أن هناك اختلافاً بين موشيه وموسى.‏

إذا كانت لمجموعة السبي ميزة فقد تميزت بقدرتها على السرقة الفكرية... لقد سجلوا معلومات عصرهم وما تناهى إلى عصرهم دون الإشارة إلى المصادر فظهرت كأنها من إبداعاتهم، لكن إمعان النظر فيها وبالاتكاء على علم الآثار تتكشف مواطن الغموض والأسرار، التي تحيق بالمزامير مثلاً.‏

شاعت قصة جنة عدن بين الناس عن طريق التوراة، فبداية الخليقة كانت فيها -كما تقول التوراة- لكن الجنة هذه وبدليل التوراة ذاتها لابد أن تكون بأرض الرافدين أو قريبة منها حيث تقول: "والنهر الثالث حداقل (دجلة) وهو الجاري شرقي آشور، والنهر الرابع الفرات"(1).‏

لقد ترك الأدب السومري أثره العميق على كتبة التوراة، ومن المؤكد أن السومريين ماكان بإمكانهم التأثر بهؤلاء لأنهم كانوا قد زالوا من الوجود قبل ظهور التوراة بآلاف السنين، ولكن لايوجد أدنى شك في أن السومريين قد أثروا تأثيراً عميقاً بالكنعانيين كما أثروا في جيرانهم الآشوريين والبابليين والحثيين.‏

وكان البابليون قد عينوا موضع "أرض الأحياء" الخالدين أنها أرض "دلمون" كما تذكر في الآثار السومرية والأكدية وبنفس المواصفات ترد في التوراة، بتحريفات اقتضتها الظروف المستجدة وقتها، فأسطورة "ادابا" البابلية -السومرية شبيهة بقصة آدم الواردة في التوراة. أما حواء التي "خلقت من ضلع آدم" كما تقول التوراة فقد أخذت تفاصيلها من الأسطورة السومرية (أنكي وننخر ساج) التي تتحدث عن الفردوس. ففي هذا الفردوس انبتت الإلهه (ننخر ساج) ثمانية أنواع من النباتات، وتنخر ساج هي (الآلهة الأم) العظمى عند السومريين، وقد انبتت هذه الأنواع من النباتات بعد عملية معقدة شملت ثلاثة أجيال من الإلهات، ولدن كلهن من إله الماء. وأكدت الأسطورة أن ولادتهن تمت دون آلام المخاض. لكن أنكي أراد تذوق طعم تلك النباتات، ولما علمت ننخر ساج أنه قطف منها، غضبت ونطقت بلعنة الموت على الإله (أنكي) ولكي لا تتراجع عن قرارها ابتعدت عن مجمع الآلهة واختبأت.. بدأت صحة أنكي تتردى ومرضت ثمانية من جوارحه، ولما كاد أنكي يشرف على الموت حزنت الآلهة عليه حتى أنليل إله الهواء -وملك الآلهة السومرية- لم يستطع عمل شيء لأنكي. فجاء الثعلب وقال لأنليل إنه قادر على حمل الآلهة تنخر ساج على العودة إلى مجمع الآلهة وتشرف على علاج إله الماء المحتضر.‏

وبمقارنة أحداث هذه الأسطورة مع ماورد في التوراة نطلع على عملية الاقتباس والسرقة التي مارسها كتبة التوراة، فولادة الآلهات التي كانت تتم دون ألم تلقي ضوءاً على اللعنة التي لعنت بها حواء وبذلك أصبحت المرأة تلد -بناء على اللعنة- الذرية بالغم والأسى. كما أن أكل الإله (أنكي) من النباتات الثمانية يذكرنا بأكل آدم وحواء -في التوراة- من شجرة المعرفة.‏

لعل أهم نتيجة يمكن الوصول إليها من التحليل المقارن ذلك التفسير الذي تقدمه لنا الأسطورة السومرية هذه لموضوع خلق حواء "أم البشر" من ضلع آدم فلماذا خلقت من الضلع؟ ولماذا الضلع بالذات دون سائر أعضاء الجسم لتخلق منه المرأة التي يعني اسمها -حواء- تلك التي تحيي؟ يتوضح السبب بمجرد الاطلاع على النص السومري لأسطورة (دلمون) ففي هذه الأسطورة كان أحد أعضاء الإله أنكي الذي أصابه المرض هو الضلع والكلمة السومرية التي تدل على الضلع هي (تي) ودعيت الآلهة التي خلقت من أجل شفاء ضلع الإله أنكي (نن-تي) أي سيدة الضلع ولكن الكلمة السومرية (تي) تعني أيضاً أحيا أو جعله حياً أو خلق، وعلى ذلك كان اسم الآلهة (نن-تي) السيدة التي تحيي أو سيدة الضلع، فاستغلت التوراة أو كتبتها الأسطورة ووظفت على أنها تراث توراتي.‏

والهيكل، كذلك، جُيّر يهودياً، فمناسك الديانة اليهودية جاءت متأخرة نسبياً في المنطقة، فالهيكل هو البيت الكبير الذي اعتقد إنسان بلاد الرافدين ضرورته لسكن الآلهة، فمكان الآلهة هو السماء، وإذا رغبت النزول إلى الأرض فلا تكون إقامتها إلا في بيوت كبيرة ملائمة (الهيكل). وتقول التوراة إن سليمان بنى هيكله في السنة الرابعة لحكمه ليضع فيه تابوت العهد، وكان اتجاه أعمدة المعبد نحو الشرق حيث يمكن -على حد تعبير التوراة- رؤية الشمس المشرقة، وهذه الأعمدة تذكرنا بالأعمدة الآشورية، كما أنه يماثل المعابد الكنعانية (السورية) المعروفة من أوغاريت وقطنا ودمشق. وتقول التوراة نفسها إن المعبد بني من أرز لبنان، كما ذكرت اسم حيرام الصوري كشخص ساعد في هذا البناء.‏

شوهت الصهيونية الدينية والصهيونية السياسية وأحياناً سطت على مفهوم العابيرو ساعدها الباحثون التوراتيون على هذا التشويه أو السطو، وهم يعتبرون العبريين أنفسهم العابيرو. والعابيرو أو الخابيرو لفظة غير أكدية ربما استقرت في الأكدية وغيرها من اللهجات العربية قادمة من اللغة السومرية وقد وردت بهذه القراءة في مخطوطات ماري ورسائل العمارنة وبعض المسلات المصرية يرادفها لفظة (سار جاز) في المصادر الآشورية والبابلية ونعني "قطاع الطرق و المرتزقة"(2).‏

أطلق اسم العابيرو لأول مرة على المحاربين من نارام -سن سنة 2170 ق.م من ملوك السلالة الأكدية القديمة. وذكر الاسم ثانية في رسائل ماري في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وألواح نوزي في القرن الخامس عشر ق.م وهذا يدل على أن جذور حركات الخابيرو كانت في العراق ولم تأت من مصر.‏

وظهر مصطلح خابيرون Ha-bi-ru في رسائل العمارنة المكتوبة باللغة الأكدية وبالخط المسماري، وقد اهتز الباحثون التوراتيون طرباً وظنوا أنهم وضعوا أيديهم على مادة تاريخية تؤكد مايؤمنون به أو ماتذكره التوراة من وجود العبريين.‏

الباحث (ادوارد كامبل) Edward. F. Campell يطابق كلمة خابيرو حي كتابتها باللاتينية Hebrew مع كلمة عبري Hebrew المكتوبة بالحرف اللاتيني أيضاً ليخرج بنتيجة متسرعة وفجة بناء على هذه المقارنة أن الخابيرو هم العبريون. ويرى البرفسور (سايس) A. Henry Cayce أن فكرة العابيرو ليست ظاهرة اتحاد بين مناوئين للفرعون. بينما يرى (بترييه) W. M. Flinders Petrie أن كلمة خابيرو مشتقة من كلمة حبرون(3) لكن (كوندر) يرى أن كلمة خابيرو لاتعني الاتحاد ولايمكن استخلاصها من الحبرونيين لعدم وجود حرف النون في الاسم.‏

وتساءل (ايميل كرينغ) Emill G.Kraeing على لسان أحد الباحثين عن وجود فارق بين كتابة وقراءة Hapiru في رسائل العمارنة وكتابة وقراءة Aperu في الألواح المصرية (مسلة سيتي الأول في بيسان) فمن الواضح أن الإجابة عن هذا التساؤل ستجعل استنباط العبريين من اللفظة صعباً وستكون أسس التشييد فوقها أصعب بكثير.‏

تؤكد رسائل تل العمارنة أن حركة العابيرو بدأت بالزحف من منطقة حلب وشمال سوريا متجهة نحو الجنوب، حيث سيطر (عبد عشرتا) وهو ملك عموري غير مختلف فيه. (فعشرتا) هي إحدى الآلهات الخاصة بالعموريين. وقد كان جاداً في إنشاء دولة أمورية عربية في سورية تقف في وجه فراعنة مصر وحثيي آسيا الصغرى.‏

سعت الحركة الصهيونية إلى ركوب موجة المكتشفات الآثارية وتجنيدها لخدمة الأهداف اليهودية الدينية والاغتصابية وتشويه كل ما يتناقض معها. فبعد أن عثر أحد الأطفال العرب صدفة على مخطوطات في أحد كهوف التلال الواقعة على شاطئ البحر الميت عام 1947، قامت الدنيا ولم تقعد، حتى الآن، واعتبر هذا الاكتشاف من الإنجازات التاريخية العظيمة التي سترسخ المفاهيم الصهيونية -التوراتية وتعطى الحجة المادية على طروحاتها، وأخضعت "مخطوطات البحر الميت" للدراسة المعمقة وصدرت مئات الكتب في أطراف الأرض التي تؤذن "للحقيقة التوراتية"، فخطفت الأضواء عن "مخطوطات الجنيزا" التي عثر عليها أثناء ترميم كنيس عزرا في القاهرة عام 1896.‏

معظم مخطوطات البحر الميت كتبت بلغة أطلق عليها أحد الباحثين "لغة سورية قديمة" وباختبارات الراديو- كاربون على غطاء الكتان تبين أن عمرها يتراوح بين 168 ق.م إلى 233 ميلادية(4)، ويرى الباحثون أن المخطوطات تعود إلى الفرقة الدينية المعروفة باسم "الأسينيين" واستنتجوا ذلك من وجود مجموعة من القبور لذكور ليس بينها نساء، كما أن سفراستير غير موجود بين المخطوطات مما يؤشر استبعاده قصداً لأن هذه الفرقة لاتقبل النساء بين صفوفها وقد أيد هذا الطرح عدد من الباحثين منهم سومر، A.Dupent- Sommer ووليم أولبرايت.‏

يقول البرفسور (يوجين الريخ) من جامعة توتردام والمحاضر في معهد روكفلر في القدس: إن مانشر من مخطوطات البحر الميت قد تعرض للتسرع والخطأ، وإن 75% منها يعتوره الشكوك. وأول من يتحمل مسؤولية ذلك الباحث (جوزيف فيليك) الذي عمل عشرات السنين في دراسة هذه المخطوطات(5).‏

أهم المناحي التي اخترقها اليهود المنحى اللغوي: فمن المعروف أن اللغة الآرامية -وهي إحدى شعب العربية- سيطرت على التعامل الدولي من الهند حتى مصر بعد أن أزاحت الأكدية كلغة تعامل، وقد تبنى عزرا إحدى اللهجات الآرامية واعتبرها اللغة المقدسة لتكون البديل عن اللغة "الكنعانية" "النجسة".‏

فعندما دخل الموسويون أرض كنعان -كما تدعي التوراة- تحدثوا بلغة أهل البلاد الكنعانيين والأصح أنهم تعلموها لإنجاز مهمة أوكلت إليهم من قبل الفرعون تتعلق بحالة الغليان والثورة التي كان يقودها العموريون بقيادة عبد عشرتا وولده عزير والدليل على عدم وجود لغة تحمل اسم العبرية أن هذه اللفظة لم تذكر بكل أسفار التوراة، التي كتبت بعد القرن الرابع ق.م إلا بصيغة "اللغة المقدسة". وحتى الحوار الذي تذكره التوراة بين القائد الموالي للآشوريين (الربشاقى) وبين رجال حزقيا لم يرد ضمن أي نص أو حوليه لسنحاريب والذي حصل هو المزاوجة بين الرواية كما أوردتها الحوليات وما جاء في التوراة -كنوعٍ من التشويه- فالحوليات تذكر أخبار الحرب بينما الباحثون الغربيون ذوو الخلفيات التوراتية يفسرون النصوص المسمارية تلك على ضوء ماورد في التوراة. ومن أهم الكتاب الذين درسوا حملات سنحاريب الباحث (لوكنبل) D.D Luchenbill (دانيال ديفيد لوكنبل)، لكن قراءة ولو سريعة لكتاب سنحاريب الذي أعده هذا الباحث ستظهر مدى اعتماده على التوراة في تفسير الأحداث، فعلى سبيل المثال يرد بالنص الأكدي جملة "حزقيا من يهوذا" فيترجمها الباحث إلى الإنجليزية Uezekia The Jew (حزقيا اليهودي)، ومن المؤكد أن المعنى في العبارتين مختلف تماماً، فالنص الأكدي يشير إلى مكان كان فيه حزقيا وهذا المكان هو يهوذا كموقع جغرافي معروف وهو الاسم المرادف لمنطقة أورشليم، بينما النص الإنجليزي فيربط حزقيا بالديانة اليهودية التي لم تكن قد تبلورت ولم تذكر بالاسم في التوراة أيضاً.‏

أما النص الذي اعتمده الباحثون التوراتيون لإثبات وجود اللغة العبرية فهو: "وقال الياقيم بن حلقيا وشبنه ويؤاخ لربشاقى، كلم عبيدك بالآرامي لأننا نفهمه ولا تكلمنا باليهوذ في مسامع الشعب الذي على السور"(6) لكن الربشاقي- وكما تقول التوراة- هو من (لخيش)(7) وهي المعروفة بمنطقة (تل الدوير) اليوم وبذلك تتوضح الصورة فلخيش منطقة قرب يهوذا ومحاذية لها وسكانها لابد أن يكونوا كنعانيين كما هو الحال في يهوذا ، فإذا صحت الرواية التي توردها التوراة وتحدث الربشاقي بلغة غير الآرامية فستكون الكنعانية وهي لغة المنطقة، ما أن تتحول الكنعانية إلى العبرية كما يفعل كثير من الكتاب الغربيين وعلى رأسهم وليم أولبرايت الذي يتعمد كتابة (اللغة العبرية) بين قوسين كلما وردت اللغة الكنعانية للإيهام أنها نفسها.‏

ويؤكد المؤرخ اليهودي (أبراهام بن يعقوب) أن الذين سباهم الملك الآشوري كانوا يتكلمون الآرامية(8)وهذا يتناقض مع نص التوراة آنف الذكر. فإذا عدنا إلى أحداث التوراة نجد أن:‏

1-محادثات موسى وهارون مع الفرعون وتكرارها مراراً تدلل أنها -إذا حصلت- فلا بد أن تكون باللغة المصرية بحكم تربية موسى في البلاط الفرعوني.‏

2-أن مكوث من تسميهم التوراة الموسويين 430 سنة في مصر (من عصر يوسف وحتى خروجهم مع موسى) يجعلهم مضطرين إلى تعلم اللغة المصرية والتحدث بها، إذا لم تكن لغتهم الأصلية.‏

3-عدم ورود أية إشارة ولو تلميحاً إلى معرفة الموسويين أية لغة غير المصرية في أثناء مكوثهم في مصر.‏

4-اللغة التي تحدثوا بها عند دخولهم إلى كنعان كانت الكنعانية كما قالت التوراة ذلك صراحة.‏

يقول الباحث ماكلستر R.A.S. Macalister: "إن الموسويين تكلموا لغة كنعان وخدموا آلهة كنعان"(9) فمن الحرف الكنعاني اشتق الحرف الآرامي الذي تطور عن الفينيقي. والنصوص الآرامية القديمة لاتختلف عن الفينيقية من القرن الحادي عشر ق.م حتى القرن السابع ق.م ثم أخذ بالتمايز بسماته الخاصة بعد ذلك. وقد تحدث (عزرا) وجماعة السبي بإحدى اللهجات الآرامية واستعار الحرف الآرامي وسماها "اللغة المقدسة" ومع مرور الزمن تغلب اسم العبرية على الآرامية، وكان ذلك في مرحلة متأخرة جداً. ويقول البرفسور (درايفر) G.A.Driver أستاذ اللغة العبرية في جامعة أوكسفورد في مقالة له في دائرة المعارف البريطانية إن كلمة عبري وعبراني هي صياغة من قبل حاخامي فلسطين في وقت متأخر والدليل على ذلك أن كلمة عبري لم تكن مستعملة في روسيا للدلالة على اليهود إلا بعد القرن الخامس عشر الميلادي.‏

ويقول الباحث (هيرمان ستراك) إن موضوع التقديس والدنس بالنسبة للغة العبرية ليس له علاقة بجوهر الأحداث، فاليهود الذين يكنون الكره للكنعانيين اعتبروا اللغة الكنعانية -رغم استعمالها مدة طويلة- لغة دنسة بينما اعتبروا الآرامية لغة مقدسة(10).‏

ويؤكد الباحث الإسرائيلي (موشيه ديفيد كاسوطو) أن بني إسرائيل تعلموا طرق الفن نتيجة وجودهم بين أمم كبيرة، بين المصريين من جانب والبابليين من جانب آخر. ويقول: "واللغة العبرية ليست سوى لهجة انفصلت عن الجذع الكنعاني، وهذه الفرضية لايمكن دحضها"(11).‏

لقد شوه اليهود كل مايتعلق بقيم وتراث الشعوب وأفكارهم فتغلغلوا في الديانات وخربوا جوهرها وعملوا في الأحزاب الأممية إلى درجة القضاء عليها.‏

أصدر (إسحاق أبيشور) الأستاذ في الجامعة العبرية كتاباً عام 1982 تناول فيه ما أسماه "الأهازيج اليهودية في العراق" ورغم أن الكتاب صدر بالعبرية إلا أن نصوص الأهازيج كانت بلغة مشوشة ومختلطة بالعربية، والأهازيج سرقة علنية للتراث العربي في هذا المجال، فالعراقيون مازالوا يتغنون بها ويتلونها في أثناء مواسم زيارة المراقد والأضرحة وهي نفسها اقتبسها اليهود وهم يزورون قبور أنبيائهم وحاخاماتهم مع تغيير الأسماء... فبدلاً من الحسين بن علي يذكر عزرا وحزقيال العباس بن علي وهكذا.‏

تُركز الآلهة العنصرية على تشويه تراث "الآخر" عن طريق التربية الموجهة للأطفال اليهود الذين يحصلون على حيز واسع من التوجيه عن طريق الصحافة والتلفزيون والراديو والسينما والمسرح إضافة للتدريس، وأهم القضايا التي تطرحها هذه المؤسسات أنهم أفضل من غيرهم، لأنهم أبناء الشعب المختار، وأنهم فوق الجميع وتمادياً في القهر والسطو على القيم والتراث كان كبار العنصريين الصهاينة هم الذين انتدبوا أنفسهم لموضوع تربية الطفل اليهودي وتوجيهه، فالصهيونية المغرقة في عنصريتها (جيئولا كوهين) عضو الكنيست السابق عن حزب "هاتحيا" متخصصة في الكتابة للأطفال اليهود. كما أن (مائير كاهانا) كان أيضاً كاتباً للأطفال. وليس مستغرباً أن صحيفة هاتسوفيه وهي الناطقة بلسان حزب المفدال الديني تصدر ملحقاً أسبوعياً واسعاً خاصاً بالأطفال، وكذلك صحيفة هاموديع الدينية. والتشويه ليس مقتصراً على التاريخ الحديث بل شمل الأدب العربي منذ ماقبل الإسلام.‏

فكلنا قرأ المقولة "مروءة السموأل خلدت ذكره" وهي مقولة وفكرة سربها اليهود إلى الفكر العربي عن طريق حفيد السموءل (دارم بن عقّال) والتي تظهر أن السموءل وهو يهودي اسمه (صموئيل) رفض تسليم "الأمانة" التي وضعها الشاعر امرؤ القيس عنده قبل ذهابه إلى القسطنطينية، ويرفض السموءل -كما تقول الرواية اليهودية- تسليم الأمانة للحارث بن مظالم مما أدى إلى قتل ابنه. والحقيقة أن امرأ القيس استدان أموالاً بالربا من السموءل مقابل رهن دروع ونساء وأولاد. وقال الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان إن السموءل رفض تسليم هذه الرهينة للحارث إلا إذا دفع له ماله الذي أقرضه لامرئ القيس. مما أدى إلى قتل ابنه ليس مروءة بل بسبب حبه للمال أكثر من ولده.‏

ويواصل اليهود تشويه وسرقة الذات، فقد أتيحت لي فرصة الاطلاع على أعداد من مجلة Bublical Arcologist وفيها يظهر الزي الفلسطيني المعروف "بالثوب الفلسطيني الذي يتميز بالتطريز والتزويق على أنه تراث يهودي، كما ذكرت بعض الأكلات الشعبية مثل الفلافل والبصارة والمجدرة على أنها انحدرت إليهم من جدودهم الأوائل.‏

(1) تكوين 2: 14.‏

(2)The Assyrian Dictionary. Chicago 1956 Vol 6.‏

(3)W.Flinders Petrie, History of Eygpt P. 315.‏

(4) Edmand Wilson, The Dead Sea Scrolls 1969 p.54-55.‏

(5) J.A. Sanders, The Dead Sea Psalis Scrolls 1965.‏

(6) الملوك الثاني 18: 26.‏

(7) الملوك الثاني 18: 17.‏

(8) الطوائف اليهودية في كردستان. ابراهام بن يعقوب. القدس (عبري).‏

(9) A Century Of Excavation In Palestine P. 161.‏

(10) Humann L. Strack, Hebraica Vol 2 Number 1 Octo 1885. July 1886 p 214.‏

(11) الآلهة عنات (عبري) ص19.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244