مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد الثامن السنة الثالثة شتاء 2000
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

مئوية الصهيونية(1) خمسينية "إسرائيل": حدود الاختلاف والتماثل ـــ محمود حيدر

فتحت الذكرى المئوية للحركة الصهيونية على سجال من نوع جديد، تركز بصفة خاصة حول ما إذا كان المشروع الصهيوني قد تحقق بقيام دولة إسرائيل. وعلى رغم أن هذا التساؤل يعود نصف قرن إلى الوراء، أي إلى اللحظة التي أعلن فيها قيام الدولة عام 1948، إلا أنه لا يزال تساؤلاً راهناً. وما يضيف إلى هذا السجال حيوية استثنائية هو الاستعداد الذي بدأه الإسرائيليون للاحتفال بخمسينية دولتهم في مستهل صيف العام 1998. وهكذا تبدو مئوية الصهيونية وخمسينية إسرائيل مناسبة نادرة لتفعيل أسئلة مركبة ومشتركة يستحيل فصلها أو تجزئتها، إذ إن كل سؤال يتعلق بالمشروع الصهيوني والتطورات التي رافقته سحابة الخمسين سنة من عمره، يتعلق حكماً وبالضرورة بالمشروع الإسرائيلي، فالهدف الشامل للحركة الصهيونية هو استكمال بناء المجتمع الإسرائيلي وقاعدة قوة دولة إسرائيل، لكي تستطيع هذه -كما يؤكد المؤسسون الأوائل للدولة -الاضطلاع بدورها "كما يليق بدولة الشعب اليهودي كله". وسنرى كيف أن البروفسور اليعيزر شافيد المحاضر في دائرة الفكر الإسرائيلي في الجامعة العبرية، يؤكد على أنه "ينبغي تحديد مهمات الصهيونية وفق الرؤيا الشاملة بشأن استكمال بنية دولة إسرائيل الديموقراطية والاستيطانية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لكي تصبح الوطن القومي لشعب إسرائيل برمته".‏

هذه الورقة تحاول انطلاقاً من التلازم العضوي بين الصهيونية وإسرائيل الإضاءة على بعض الأوجه الأساسية التي تربط بينهما، وعلى الأخص الجوانب المتصلة بأهداف المشروعين بوصفهما مشروعاً واحداً، سواء لناحية التحولات التي عصفت بهما في خلال الفترة التي شهدت قيام دولة إسرائيل، أو لناحية التغيرات الإجمالية على نظام الصراع العربي -الصهيوني مع بدء عملية السلام الأخيرة في المنطقة.‏

يفتح هذا السؤال على دائرة خلافية واسعة في مواقع الفكر الصهيوني -الإسرائيلي المختلفة. فهناك من يرى أن الصهيونية لم تنج من الإعصار الذي ضرب الأيديولوجيات بعد نهاية الحرب الباردة، وبالتالي فهي إما أن تسلم بموتها أو أن تتجدد. وفي كل الأحوال فهي مضطرة حتى تمنح نفسها قوة الاستمرار والديمومة، أن تنطلق من نموذجها الواقعي الذي هو دولة إسرائيل. وهكذا سنجد من أساتذة الفكر السياسي الإسرائيلي من يرى "أن الدولة في حاجة إلى المشروع الصهيوني، وهي قادرة على عمل الكثير لدفعه إلى الأمام، في حين أن الحركة الصهيونية هي الملزمة بتحقيقه بوساطة تعبئة الطاقات البشرية لدى اليهودي سواء في دولة إسرائيل أو في الشتات (اليعيزر شافيد، "أهداف الحركة الصهيونية الحالية"، مجلة سكيراه حودشيت 2-3-21/4/1985).‏

غير أن هذه المعادلة التي تعيد تأسيس عضوية العلاقة داخل المشروع الصهيوني الإسرائيلي، تبقى ناقصة إذا لم تستمر عملية التكامل في بنية الدولة والمجتمع الإسرائيليين. لذلك فثمة إصرار على تحقيق أكبر زيادة ممكنة في عدد السكان اليهود، وعلى توسيع الانتشار الاستيطاني اليهودي في الجليل وغور الأردن والنقب، فضلاً عن الضفة الغربية وغزة والجولان، وعلى وجوب التغلب على الاعتماد الاقتصادي المطلق تقريباً على الولايات المتحدة الأميركية، وعلى إيجاد السبيل الناجع لتحقيق التعايش بين المتدينين والعلمانيين. ومن دون هذه الآليات مضافاً إليها ما حمله "السلام العربي- الإسرائيلي" من عوامل توجب وضع استراتيجيات جدية لتحصين الدولة والمجتمع في إسرائيل، فإن استمرار تحقيق الفكرة الصهيونية لن يكون من الكماليات، كما يبين البروفسور اليعيزر شافيد.‏

إلا أن ما أنتجه النقاش المتجدد حول مقولة "ما بعد الصهيونية" يجد سنده من خلال أطروحات تندرج في سياق الاجتهاد الفكري والسياسي المتمحور حول تصور المستقبل الإسرائيلي، فهذا شمعون بيريس يرى "أن لا خيار للعرب ولا لنا سوى البديل الوحيد الذي بقي أمام تهديد الإبادة الشاملة في هذه المنطقة، هو بديل المفاوضات والحياة بسلام". ويقول "لم نكن شعباً، بل طوائف يهودية مشتتة من غير دولة ومن غير سيادة ولا جيران، ولا انتماء لأي طائفة كبيرة أو تنظيم ولم يكن لنا شركاء في اللغة أو في التاريخ أو تقرير المصير. وكنا أناساً معزولين حملوا على أكتافهم تاريخاً جماعياً لشعب فريد من نوعه، ولكننا تغيرنا فأصبحنا دولة وأصبح للدولة جيران وحدود ثابتة وعلاقات مع الشعوب المجاورة" (شمعون بيريس، "بين استقراء المستقبل ورؤية المولود"، فصل من كتاب إسرائيل على عتبة القرن الحادي والعشرين- الترجمة واردة في كتاب الكيان الصهيوني عام 2000، إصدار وكالة المنار للصحافة والنشر المحدود، قبرص -نيقوسيا: 1986).‏

أما البروفسور جفرائيل بن دور فيسوق تساؤلات في الاتجاه نفسه، قائلاً "هل يمكن التغلب على الإشكالية الكامنة في كوننا جزءاً من الشرق الأوسط، بينما في الوقت نرغب في الاستمرار والمحافظة على قيم المجتمع الغربي؟ ويرى بن دور "أن العقبة الكبرى هي المبالغة بقدرة دولة صغيرة اسمها "إسرائيل" على تغيير معطيات أساسية للنزاع العربي -الإسرائيلي في هذا الاتجاه أو ذاك.. فالعالم لا يدور حول "إسرائيل" حتى الشرق الأوسط لا يدور حولها، وأكثر من ذلك حتى النزاع العربي- الإسرائيلي لا يدور بالضرورة فقط حول المحور المسمى "إسرائيل".. إن توتر الجدل نابع من التناقض الحاصل بين رغبتها في أن تكون دولة كبقية الدول، وبين الرؤيا في أن تكون مختلفة" (جفرائيل بن دور، إسرائيل في الشرق الأوسط، نحو القرن الحادي والعشرين- الكيان الصهيوني عام 2000 مصدر سبق ذكره).‏

تشكل هذه الآراء اليوم مادة لتغطية خطاب التكيف في إسرائيل، بل حتى في أوساط وازنة داخل الحركة الصهيونية في الشتات، ومع هذا فإن أطروحة "ما بعد الصهيونية" لم تنح منحى انقلابياً، بحيث تطلق مسارات تصحيحية في بنية الأيديولوجية الصهيونية ومشروعها السياسي التقليدي. لقد تبين أن هذه الأطروحة لا تعدو كونها أحد أوجه النقاش العام السائد في إسرائيل. وبين النخب اليهودية في العالم. وهي ترمي أساساً إلى المساهمة في بلورة الأجوبة الممكنة على الأسئلة الكبرى التي تواجه الصهيونية وإسرائيل، وهما على عتبة القرن المقبل.‏

ومهما يكن من أمر، فإن الأسئلة الصهيونية هي ظاهرة إسرائيلية بامتياز. إذ إنها تبدو على الدوام محكومة بشروط تطور الوضع الإسرائيلي، إن لجهة استكمال البناء الداخلي للمجتمع الاستيطاني والحفاظ على شعار "أرض إسرائيل" و"دولة اليهود"، أو لجهة الانقسام الحاصل بشأن السلام وآليات التعامل معه، وبالتالي حول هوية إسرائيل ودورها وطبيعة وجودها في المنطقة.‏

مادة نظرية للنزاع السياسي.‏

على الرغم من أن أطروحة "ما بعد الصهيونية" تنطوي -عند القائلين بها- على رغبة محمومة في تفعيل وتحديث المشروع الصهيوني بما يلائم حاجات تطور إسرائيل، فإنها سرعان ما وجدت لها مكاناً في الصراع السياسي بين التيارات الإسرائيلية المختلفة.‏

ولقد تمكن اليمين الإسرائيلي من الأخذ بفرصة إضافية للتعامل مع الأطروحة كمادة سياسية وتعبوية ضد تيار العمل والتيارات اليسارية الصهيونية الأخرى، آخذاً على القائلين بنهاية الصهيونية أو الحديث "عما بعدها" خيانة المبادئ التي قامت عليها دولة إسرائيل. وفي سياق توظيفاته السياسية مضى الخطاب اليميني في إنكار تأثر الصهيونية بصدمة التحولات، حتى أن الكاتب الإسرائيلي آري شفيط ذهب إلى خلع أوصاف عجائبية على الحركة الصهيونية وفكرها، معتبراً "أنه من بين كل الأحلام الكبيرة لنهاية القرن الماضي، كان حلم هرتزل الحلم الوحيد الذي تحقق ووقف على قدمه (...) ومن بين كل الأفكار الطوباوية الغامضة التي أورثها القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين ظلت الفكرة الصهيونية الفكرة الوحيدة التي لم تفشل بعد وأضاف "أنه من بين كل الثورات التي كان القرن العشرون حقل اختبارها، كانت الثورة الصهيونية هي التي ظلت ربما الأكثر غرابة وإصابة بجنون العظمة والتي نجحت أيضاً"، وإن هذه الثورة -برأي شفيط- التي لم تكن مرتبطة بعزل قيصر أو أحكام سيطرة "دوتشيه" ولا بتغيير النظام السياسي أو النهج الاقتصادي فحسب، هي الوحيدة التي دامت.. وهذه الثورة المستحيلة بالذات التي سعت إلى نقل مجموعة سكانية كاملة من قارة إلى قارة. وسعت إلى احتلال أرض وخلق أمة وإحياء لغة ميتة وتحريك تاريخ قومي كان في حالة جمود على امتداد 1800 سنة.. هذه الثورة بالذات تبين أنها ممكنة. (آري شفيط- ثلاث خطايا وأجوبة، هآرتس 29/8/1997).‏

لكن في مقابل هذا الكلام يتجه آخرون وفي مناسبة المئوية الأولى، إلى التشكيك في النموذج الذي قدمته الصهيونية، سواء لجهة الإنجاز التاريخي ممثلاً بقيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين، أو لجهة المبادئ التي وضعتها المنظمة وإمكان تطبيقها بعد قيام الدولة.‏

الكاتب الإسرائيلي دان ليون كتب في جيروزاليم بوست في 25/7/1997 ما يبعث على الريبة من صدقية قادة الحركة الصهيونية في كتابتهم للتاريخ، فيرى "أن السؤال الكبير المطروح على الحركة الصهيونية هو قبل كل شيء أنها لا تستطيع التحقق من ماضيها ولا بناء خريطة لمستقبلها بشكل نزيه.. فمن دواعي السخرية أن الصهاينة هم من يعيدون كتابة التاريخ وليس المؤرخون الجدد".‏

إن السجال الذي فتحته المئوية الأولى للحركة الصهيونية، ينطوي اليوم على مفارقات كبرى. فالمسألة الأساسية هي في كون الفكرة الصهيونية باتت اليوم ضمن وعاء تاريخي واقعي اسمه دولة "إسرائيل" لذا لا يمكن التعاطي معها بعد باعتبارها مجرد فكرة. لقد تحولت هذه إلى مؤسسة محكومة بشروط بنائها، وبعوامل تطورها في نطاق واسع من التحولات الجذرية العالمية. وبهذا المعنى سنجد أن الفكرة التي تمأسست، باتت موضوعة في قفص الاتهام، وبالتالي عرضة للمحاكمة، بما يجعلها غير قادرة على ابتعاث نفسها مجدداً من دون الاعتراف بنواقصها وخطاياها وعيوبها.‏

من وجهة نظر أبنائها الذين يخوضون سجالاً صامتاً حيناً، وعلنياً حيناً آخر، فإن الصهيونية وقعت خلال تجربتها الطويلة في خطايا كثيرة، أهمها أنها تأخرت في المجيء، فلو استبقت ميلادها بعشرين عاماً، ولو وصلت عام 1897 إلى الإنجازات التي حققتها في العام 1917، ولو أنها حظيت منذ العام 1927 بالاعتراف الذي منح لها في العام 1947، لكانت تحولت إلى الحركة القومية الأكثر عدالة في القرن العشرين. وبحسب هذا التأويل، فإنه لو قدر للصهيونية أن تسلك هذه الآلية "لكانت تحولت إلى الحركة القومية الوحيدة التي أنقذت عملياً حياة ثلث أبناء شعبها، وكذلك إلى الحركة القومية الوحيدة التي حالت الدولة التي أنشأتها عملياً دون قتل ستة ملايين من البشر".‏

والخطيئة الثانية هي كون الصهيونية ولدت ضريرة. وعندما قررت في مؤتمر "بال" البحث عن ملجأ آمن في أرض إسرائيل، كانت حملت عيباً أخلاقياً منذ الولادة، حال دون أن ترى أن البلاد التي كانت تطالب بها لنفسها هي بلاد مأهولة.. بلاد أناس آخرين.. كما منعها من أن ترى أن الظلم وفعل الظلم سيصبحان جزءاً لا يتجزأ من حياتها.‏

أما الخطيئة الثالثة فهي أن الصهيونية تسببت - وهي مرشحة بعد للتسبب أيضاً- في شبه كارثة بيئية واسعة النطاق في جزء ملحوظ من تلك الأرض الصغيرة والحساسة جداً، والتي تعتبر أرضاً مقدسة في نظر معظم سكان الكرة الأرضية. كانت الأحلام الصهيونية ترنو إلى حفر مسار تنموي شامل، إلا أنه مسار ما كان بمقدوره إلا أن يكون عنيفاً.. مسار ما كان بمقدوره إلا أن يكون وحشياً وفظاً. وهو مسار تمكن في نهاية الأمر وفي ختام مئة سنة، من أن يقيم على مكان يفترض أن يكون موقعاً مقدساً، معسكراً ضخماً للاجئين راح يخفي جزءاً كبيراً من سهول وشواطئ وهضاب أرض التوراة تحت باطون وإسفلت الدولة الحاضرة العملاقة والمزدهرة والمعروضة للبيع والشراء والصاخبة جداً" (آري شفيط، المصدر نفسه).‏

إن هذا الاعتراف بالخطيئة لدى من يظهرون الغيرة على ما آلت إليه الصهيونية، يخفي لدى هؤلاء الرغبة القوية في إعادة ترميم الصدع الحاصل في بنيتها، وبالتالي تجديدها على نحو لا يجعلها تعيش آلام الشعور بدنو مدتها كأيديولوجيا نشأت أصلاً على المكر والمخادعة والشر.‏

وعلى هذا النحو سيتبين لنا أن الرؤية النقدية للذات عند هؤلاء لا تلبث أن تعود لتظهر المكابرة المختزنة داخل الفكرة الصهيونية، فترى أنه على الرغم من أن هناك احتمالاً في أن تنتهي الصهيونية إلى كارثة، ومن أنها لا تزال تبدو كأحد الأعمال الأكثر حماقة التي حصلت في العصر الحديث، فهي -أي الصهيونية- قد أحرزت ما لا مثيل له على صعيد التحدي للقدر وأخذه في الأيدي. فلو لم يكن الأمر هذا - على رغم أمثال هؤلاء من الصهاينة- لما كانت الحركة الصهيونية قد وصلت إلى حيث وصلت. ولو لم يكن الأمر هكذا، أي لو لم يكن الجوع كبيراً جداً للصهيونية والحاجة ماسة إليها جداً، لما كانت هذه الحركة القومية الغريبة قد نجحت باستغفال كل أعدائها، ولما كانت نجحت في المناورة بين الأوصياء عليها، واستغلال كل فرصة وفرها لها القرن العشرون من أجل صنع ما لا يصدق، وأن تخلق من العدم هذا النسيج الحياتي المفعم بالنشاط، والذي ظهر فجأة على الشواطئ الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، وبالتالي لما كانت نجحت في أن تقيم في داخل هذا القرن الحديث النبؤة شبه التوراتية المتعلقة بعودة اليهود إلى "وطنهم"، وبإقامة الهيكل الثالث، أي ظهور هذا المخلوق التاريخي المعافى. المفزع والغريب، وربما حتى الشيطاني الذي على الرغم من كل شيء، هو كما يبدو أكبر من عيوبه، وأيضاً أكبر من كل خطاياه (آري شفيط، المصدر نفسه).‏

قتل "الأب الأكبر"‏

لم يكتف الفكر الصهيوني الحديث بما يمكن اعتباره نقداً بناءً لعيوبه الأيديولوجية. فقد تعرض تيدور هرتزل، شأنه شأن معظم صانعي الأيديولوجيات الساحرة، لتفكك الإجماع من حوله. فمن متمسك يقيني بمبادئه وأفكاره حتى الاعتقاد بصلاحها الأبدي، إلى ناقد يشكك بتلك المبادئ والأفكار، فإلى قائل بعدم تلاؤمها مع تطورات العصر العالمي، وإثر قيام الدولة الصهيونية في فلسطين بعد خمسين عاماً من تنبؤ هرتزل بقيامها، انفتحت بوابة السجال على مصراعيها بين تيار الحركة ومنطق القائمين على الدولة، حتى أن ريتشارد فريدمان -الباحث اليهودي الأميركي- كان من أبرز الذين انبروا إلى نزع صفة القداسة عن هذا الرجل التاريخي وقال "إن هرتزل، وإن كان هو الذي أطلق الحركة الصهيونية في العام 1897، فلا فضل له بإقامة الدولة على أرض الميعاد في فلسطين". ولقد تجرأ فريدمان على المؤسس الأول لليهودية السياسية حين رأى أنه إذا كان أدولف هتلر وراء الهولوكست الجسدي الذي تعرض له اليهود، فالثابت أنه لولا عمليات الاستدراك التي ساهم فيها آرثر بلفور بوعده الشهير، لكان على اليهود أن يواجهوا الهولوكوست اللاهوتي أيضاً.. وحجة فريدمان أن هرتزل لم يفكر في فلسطين التي كان يجهل وجود سكان عرب فيها إلا بعدما جوبه بمعارضة حادة من يهود متشددين. وهو كان قد اقترح أوغندا ملاذاً لليهود الروس الذين كانوا يواجهون وضعاً معقداً للغاية إبان العهد القيصري.‏

ولاحظ فريدمان بنوع من الانتقاد القصور الفكري لدى مؤسس الحركة الصهيونية، كما اتهمه بالبلاهة حين تساءل كيف سيكون بمقدور الجماعات البشرية التي ترعرعت بين الثلوج، أن تعيش في ذلك العراء الاستوائي.‏

المشكلة بالنسبة لهرتزل. تكمن في أن الدولة التي تنبأ بها قد أوجدت قطيعة مضمرة مع فلسفته السياسية. لقد نظر هو إلى الدولة بوصفها حقبة تاريخية في الفكر الصهيوني، أي باعتبارها وسيلة الملاذ الآمن لليهودي ةالمضطهدة في أوروبا. وخلافاً للوهم الشائع بأن قيام الدولة اليهودية هو الغاية الأخيرة لهرتزل، يرى بعض النظار في المسألة الصهيونية أن الأمر هو عكس هذا تماماً. فلقد اعتبر هرتزل ذلك الكيان المنشود بداية الحل الصهيوني للمشكلة اليهودية في العالم، وأن الإعلان عن إنشاء "دولة إسرائيل" في منتصف أيار /مايو 1948 كان الحلقة السادسة في مجرى العمل لتحقيق الأهداف الصهيونية الثابتة، وهي حلقات تبدأ بمؤتمر بال، يليها وعد بلفور 1917، ثم صك الانتداب البريطاني على فلسطين حيث التزمت عصبة الأمم المتحدة تحقيق ذلك الوعد (1922) الذي دعا جهاراً إلى قيام "الدولة" ونقل الولاء الصهيوني الدولي من بريطانيا إلى الولايات المتحدة، ثم قرار التقسيم في التاسع والعشرين من تشرين الثاني / نوفمبر 1947، وأخيراً إعلان قيام "الدولة" ليل الرابع عشر /الخامس عشر من أيار/ مايو 1948.‏

وعلى أي حال، فإن التوكيد على الالتباس الحاصل في فكر هرتزل حول جغرافية الدولة اليهودية الموعودة، يجب ألا يقود إلى الاعتقاد أن فلسطين لم تكن أصلاً في صميم الاستهداف الاستراتيجي لدى المؤسسين الأوائل للصهيونية، وفي مقدمهم هرتزل، فلقد أكدت الصهيونية منذ انطلاقتها أن فلسطين يجب أن تكون هي الوطن الذي يبحث عن شعب شتته التاريخ ووحده الشقاء، علماً أن الصهيونية التي انطلقت من منطلقات "قومية علمانية"، أبدت في مرحلة مبكرة استعداداً جدياً لتجاوز الاعتبارات الدينية والعاطفية التي تجعل من فلسطين "أرض الميعاد" الوحيدة. فهرتزل نفسه طرح في كتابه الصادر عام 1896 الخيار ما بين فلسطين والأرجنتين. ومع أنه أظهر ميلاً إلى فلسطين، إلا أنه أبدى استعداداً لأخذ ما يعطى له. وفي المؤتمر الصهيوني السادس الذي انعقد عام 1903. وأفقت غالبية المندوبين على إرسال وفد إلى شرق افريقيا بناء على اقتراح تقدمت به وزارة المستعمرات البريطانية ليبحث بصورة عملية إمكان إقامة مستعمرة يهودية هناك (الصهيونية في مائة عام- من النشوء إلى الأزمة.. إلى ما بعد الصهيونية، د. ماهر الشريف، السفير 12/9/1997).‏

لقد بدا هرتزل هنا كنموذج صارخ لتمثيل العصب اليهودي في اندفاعه إلى البحث عن كيان قومي. وعلى الرغم من الانعطافة الكبرى التي تحققت في خلال الصيرورة التاريخية للصهيونية عبر قيام دولة إسرائيل. فإن روح هرتزل لم تغادر الحقب التالية للانعطافة التي أعقبت تأسيس الدولة في 1948. ولو سلمنا بأن قيام إسرائيل هو حلقة تاريخية ضمن الأهداف الصهيونية الكبرى، فلسوف تبرز أمامنا حقيقة جوهرية مؤداها سعي الصهيونية الدؤوب لإبقاء الكتلة اليهودية في العالم مضبوطة بحالة تحشيد واستنفار وتوتر، غايتها إحياء العصب اليهودي ومده بعوامل الحيوية والاستمرار. وهذا ما لاحظه أركان الصهيونية المعاصرة عندما أكدوا على ضرورة التزام نظرية هرتزل ومن بعده نظرية تلميذه جابوتنسكي القائلة بأهمية المقاومة السياسية الدائمة.‏

إن أبرز ما أورثته الصهيونية لأبنائها المعاصرين هو هذا النزوع اللامتناهي إلى القوة، وربما لهذا السبب ذهب ريتشارد فريدمان إلى القول إن إسرائيل التي حافظت على تماسكها داخل الخندق، أي داخل أسوار القوة المحضة، ستواجه مأزقاً حقيقياً حين تصبح خارجه، فلا مكونات سوسيولوجية ولا ديناميات ثقافية (بنيوية) مشتركة، وإنما هي تجمع بشري يقوم على التعبئة الآنية والفوضى.‏

ضرورة الغطاء الأيديولوجية للدولة‏

لا تزال تتأكد حقيقة أن إسرائيل هي المولود الطبيعي للصهيونية، فبعد قرن على ولادة الحركة، ونصف قرن على ولادة الدولة، لا يبدو في التحولات التاريخية ما يشير إلى القطيعة، ذاك أن جوهر الصلة الوثقى لا يزال على حيويته، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه في مجال التداول بين الأوساط اليهودية العالمية في إسرائيل بالذات، هو معرفة ما إذا كان بمقدور الدولة بمعزل عن المؤسسة الأيديولوجية للحركة الصهيونية، أن تستكمل بناءها الذاتي، وهي لما تزل في طور التكوين.‏

الأجوبة الصهيونية والإسرائيلية تبدو متباينة وأحياناً متفارقة ومتناقضة إلى حد بعيد نسبياً، هناك اجتهاد إسرائيلي لا يزال يحرص على التزام مبدأ المحافظة على التلازم التاريخي والأيديولوجي بين المبادئ الأصلية للمنظمة الصهيونية وضرورات استكمال بناء الدولة والمجتمع الاستيطاني فيها. وحجة أصحاب هذا الاجتهاد "أن إسرائيل كدولة، قادرة على القيام باستكمال بنائها الذاتي من زاوية معينة فقط، وهي زاوية حيوية حقاً، ولكنها غير كافية في مطلق الأحوال: إنها قادرة على توفير ظروف مالية وأدوات تنظيمية، وهي قادرة على توفير القاعدة المادية بزخم لا يقاس بزخم أي مؤسسة حركية سبقتها، لكنها -الدولة- غير قادرة على توفير المضامين الفكرية والدوافع والإرادة والوفاء والتماثل (اليعيزر شافيد -أهداف الحركة الصهيونية الحالية- مصدر سبق ذكره).‏

هذه الحجة يرد عليها تيار حزب العمل بنظرة مغايرة مؤداها "أن الحركة الصهيونية قد بلغت عمر الشيخوخة، فقد تجاوزت المائة عام وحلت محلها دولة إسرائيل، وعلى هذه الأخيرة أن تحفر مجرى خاصاً يحفظ وجودها من خطر الإبادة الشاملة، وهو مجرى السلام والتفاوض والاندماج في المنطقة".‏

لكن منطق "الدولة المكتفية بذاتها، والتي ينظر لها اليسار الصهيوني - الإسرائيلي" لا يلبث أن يُواجه بحقائق قاسية لناحية المقولة التي تدعو إلى الاندماج في المنطقة من طريق السلام. بعض المفكرين الإسرائيليين ينبري إلى كشف عناصر الخلل في هذا المنطق، ويبين عقم النظريات التي لا تزال تحرص على التبشير بالاندماج في المنطقة، بهدف جلب التحديث والتقدم، إذ لا فائدة برأيه، من الكلام على دمج العقل اليهودي والمال السعودي وقوة العمل المصري.. فبدلاً من ذلك يجب الحديث عن الدمج الصهيوني الحقيقي بين المال اليهودي والعقل اليهودي والعمل العبري.. أما الذين يريدون التعاون معنا، فيجب التعامل معهم كانداد في جميع الحالات، وليس على أساس الدماغ اليهودي الذي يستعين بالعمال العرب، ولا يكتفي هذا القطاع من المفكرين بمجرد رفض نظرية الاندماج والتكيف، بل هو يقدم حلاً "عقلانياً" لمشكلة وجود إسرائيل في الشرق الأوسط، يرتكز إلى ثلاثة نقاط هي:‏

1-عليها في الدرجة الأولى أن تكون دولة عاقلة.. تعيش بسلام ولو من دون محبة مع جيرانها؛‏

2-عليها ألا تديم الاحتلال لمناطق يعترف الغرب والعالم بأنها مناطق محتلة؛‏

3- عليها أن تستكمل استيعاب المهاجرين وتطورها الاقتصادي.. باختصار عليها أن تستكمل "الثورة الصهيونية"..‏

لقد حاولت وجهة النظر هذه للباحث والأكاديمي الإسرائيلي جفرائيل بن دور أن تؤسس طريقاً للعثور على نقطة وسطى لتقويم الجدل المحموم حول العلاقة بين الحركة الصهيونية كتنظيم مؤسسي وأيديولوجي، وبين إسرائيل كدولة صنعت لنفسها قيمها السياسية والأمنية والاقتصادية، وحتى الثقافية على امتداد نصف قرن من انخراطها في نزاع المنطقة.‏

وعلى النسق ذاته سنرى كيف سعى أحد التيارات الفكرية الصهيونية في اتجاه ضرورة إزالة بعض أوهام التناقض بين الصهيونية وإسرائيل، إذ من الممكن التوصل إلى صياغة دقيقة لمهمات الصهيونية، إذا ميزنا بين مهمات دولة إسرائيل وأهدافها، وبين مهمات الحركة الصهيونية وأهدافها، ذلك أن مثل هذا التمييز لا يمكن أن يكون مطلقاً، وإنما نسبي فحسب، في حين أن دولة إسرائيل والحركة الصهيونية لن تستطيعا تحقيق أهدافهما إلا إذا أنشأتا تعاوناً بينهما، وعندئذ يمكن التمييز بين ما هو من اختصاص الدولة منذ البداية، في حين يتوجب على الحركة الصهيونية إعانتها على ذلك، وبين ما هو من اختصاص الحركة الصهيونية منذ البداية، في حين يترتب على الدولة تقديم المساعدة لها.‏

ويدعو هذا التيار شأنه شأن معظم المفكرين الإسرائيليين الصهاينة، إلى البحث عن مخرج وسط يتوسل عبره نقل النقاش حول مستقبل العلاقة بين دولة إسرائيل والحركة الصهيونية من دائرة التناقض إلى المساحة التي تفضي إلى التكامل.وسنجده يعيد إلى الذاكرة مقولة وجوب الفصل الوظيفي في أدوار ومهمات كل من الحركة الصهيونية والدولة الإسرائيلية، وهو فصل ضروري لتحقيق مبدأ التكامل. وهذا ما ذهب إليه منذ البداية أول رئيس حكومة لدولة إسرائيل ديفيد بن غوريون حين برر هذا المبدأ (التكامل) بوصف كون الدولة الوليدة الوريثة الشرعية للمنظمة الصهيونية. وأما أهداف الصهيونية فإنما هي أهدافها، وبالتالي عندما يبحث اليهود في أهداف الصهيونية إنما يبحثون في الواقع في أهداف دولة إسرائيل. ومع أن كلام بن غوريون يومذاك قد جرى توظيفه لمصلحة مؤسسة الدولة وإعطاء الأولوية الكبرى لهذه الأخيرة، فإنه لم يتجاهل حقيقة أن الرؤيا الصهيونية لم تتحقق أو تكتمل بقيام الدولة، بل على العكس، فقد كشف عن يقظة غير عادية إزاء العيوب الكبرى، وإزاء الحاجة الماسة إلى استكمال البنية التحتية الديموغرافية والاستيطانية والاقتصادية ولهذا الغرض سعى بحزم، وأنجز أيضاً مسعاه إلى حد بعيد إلى هجرة واسعة وتوطين النقب وتطوير الاقتصاد إلى مستوى تكنولوجي علمي رفيع، إلا أنه عرَّف جميع هذه الأهداف بأنها مهمات رسمية، وعهد في تحقيقها إلى وزارات الحكومة، لأنه آمن بالأولوية المطلقة للأجهزة الإدارية الرسمية التي تعمل بسلطة الحكم. وهكذا تماثلت الصهيونية مع الدولة، وبالتالي تجلت صهيونية الفرد في مواطنيته المخلصة في دولة إسرائيل على حد قول البروفسور اليعيزر شافيد الذي تساءل عن دور الصهيونيين في المنفى، ثم أجاب "لما كانت هناك دولة وأبوابها مشرعة، فإن كل من يعتبر نفسه صهيونياً ويهاجر إليها يصبح مواطناً إسرائيلياً. أما الذي لا يهاجر فلماذا يسمى صهيونياً؟" (راجع اليعيزر شافيد، مجلة سكيراه حودشيت 2- 3، 21/4/1985).‏

الحدود الفاصلة بين أهداف الدولة وأهداف الحركة‏

إذا كانت المئوية الصهيونية قد أعادت وضع السجال مجدداً حول وجوب تعيين الحدود الفاصلة بين أهداف الدولة الإسرائيلية وأهداف المنظمة الصهيونية، فذلك يعود إلى الالتباس الكثيف الذي بات يغلف العلاقة بينهما. والأمر الذي زاد من كثافة الالتباس يكمن على ما يبدو، في ما حملته التحولات التي عصفت بالمشروع الصهيوني وبدولة إسرائيل في آن.‏

هناك اتجاه في الفكر الصهيوني- الإسرائيلي لا يزال يرى أن المسؤولية التاريخية مشتركة بين الدولة والحركة على رغم كل التحولات الحاصلة. وهذه المسؤولية تتم بحسب هذا الاتجاه، من خلال توزيع واضح للأدوار: الدولة تتكفل بخلق الظروف المادية اللازمة، والحركة تتكفل ببلورة نوع الإنجاز واأشكال الاجتماعية والفكرية لهذا الإنجاز. وعلى أساس هذا التمييز ينبري هذا الاتجاه في الفكر الصهيوني إلى وضع الآليات المثلى لتحقيق الأهداف الصهيونية من خلال إلقاء الضوء على خطين تاريخيين رافقاً تجربة الحركة منذ تأسيسها عام 1897: خط "الصهيونية السياسية" من جهة، وخط "الصهيونية العملية" من جهة ثانية.‏

لقد طالبت الصهيونية السياسية كما عبر عنها هرتزل، بلا "ملاذ آمن بموجب قانون صريح" للشعب اليهودي. ومعنى القانون الصريح هو القانون الدولي، بينما طالبت الصهيونية العملية بإرساء المشروع الصهيوني على الاستيطان وكان آباء الصهيونية السياسية يفكرون في المفاهيم القانونية والشرعية، وسعوا لنيل موافقة شعوب العالم على هدف الصهيونية. أما آباء الصهيونية العملية فقد اعتبروا أن الأساس الجوهري يكمن في قوة الشعب اليهودي وأعماله، فتحدثوا عن الاستيطان في بعض الأحيان، وعن النضال والسلاح في أحيان أخرى، غير أن الأساس في رأيهم كان "قوة الشعب اليهودي الذاتية". (يعقوب حسدائي، ثمن القوة في أن تكون يهودياً، يديعوت أحرونوت 31/5/1985).‏

والواضح أن الاجتهادات المتولدة من كل من هذين الخطين لم تفسد خطوط التواصل والتكامل بينهما. فقد جرت العملية التاريخية على نحو باتت معه الحركة الصهيونية تقبل بيسر الدمج بين الطريقتين السياسية والعملية، وعمل زعماؤها في الساحة السياسية من خلال بناء الييشوف اليهودي في أرض- إسرائيل. ولم يتوقف النقاش في شأن الطريقة المثل للصهيونية، لكنه حُسم في إسرائيل. فهنا وتحت وطأة "التهديد العربي" وفي ظل خيبة الأمل الذي وُضع في السلطات البريطانية، تبددت الأحلام بالتأييد الدولي لإقامة الوطن القومي، فحسم المستوطنون الرواد في البلد موقفهم بإنتاجهم سبيل الإنجاز والقوة. وعلى مثل هذه النتيجة يذهب الاتجاه الغالب في الفكر الصهيوني إلى وجوب العودة إلى بعض أنماط الثقافة وطرائق التفكير التي كانت عند الآباء الأوائل، وأهمها أنه يجب إهمال حلم "الانخراط" في الشرق وعدم البحث عن شركاء (...). وباختصار -كما يقول العقيد في الاحتياط يعقوب حسدائي "يجب أن نكون أقل إسرائيلية وأكثر يهودية" (يعقوب حسدائي، المصدر نفسه).‏

وعلى الإجمال، فإن الفكر الصهيوني في خطّيه السياسي والعملي يؤول إلى التأكيد على الوصل العضوي بين مهمة الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل مهما حصل من تحولات راديكالية في أنظمة القيم في العالم. لذلك فإن الحدود الفاصلة بينهما ضرورية لإعطاء الفعالية لوظيفة واختصاص كل من الدولة والحركة في أداء مهماتهما التاريخية على الصعد المختلفة، حيث إن المهمة الملقاة على عاتق الصهيونية هي، كما يقول يعقوب حسدائي، "السعي من أجل الوصول إلى الشعب، لا سيما الشبان، من طريق القيادة الروحية من أجل تعميق التضامن اليهودي وإضفاء تعبير عملي إنجازي على هذا التضامن بوساطة هجرة غايتها المساهمة في استكمال إنجاز المشروع الصهيوني بأكبر قدر ممكن من العمل المنظم". أما المهمة الملقاة على عاتق دولة إسرائيل، فهي -كما يبيّن معظم منظّري الصهيونية العملية- تتلخص في مأسسة التخطيط الصهيوني الاستراتيجي والأيديولوجي، وجعله كينونة واقعية تحفظها عوامل القوة والمؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والثقافية وسواها. والواضح أن ما تقوم به مؤسسة الدولة في إسرائيل يطابق بلا أي لبس، ما عملت من أجله الصهيونية العالمية -ولا تزال تعمل- وهو تعزيز الهوية اليهودية في الشتات، وطرح المطالبة باعتبار بناء دولة إسرائيل وطناً للشعب كله على أنه المهمة المركزية، وبالطبع تعميق الروابط بين دولة إسرائيل ويهود الشتات، حتى على المستوى الاجتماعي الشعبي (يعقوب حسدائي، المصدر نفسه).‏

ولكي لا يتسلل "العجز" إلى العصب الصهيوني جراء الأعاصير المدوّية التي ضربت منظومة القيم في خلال الربع الأخير من القرن العشرين، شاع مناخ من السجال محوره ضرورة تفعيل الأهداف الصهيونية بما ينسجم وضرورات تفعيل الدور الإسرائيلي تبعاً للتحولات الإقليمية والدولية. ولعل من أبرز النقاط التي طرحت على هذا الصعيد هي:‏

1- إعادة إنشاء حركة صهيونية كحركة شعبية تعمل على الصعيد الاجتماعي، سواء في إسرائيل في الشتات. ولمقتضى هذا الغرض ينبغي استخدام أجهزة قائمة مجدداً انكمشت حيويتها، والمبادرة إلى إنشاء أجهزة جديدة في نواد خاصة ومراكز جماعية ولدى جماعات قائمة من أجل حمل عدد كبير من الأعضاء على ممارسة نشاط فكري تربوي ونشاط تنظيمي- تمثيلي يوفّر الأدوات اللازمة للقيام بمبادرات إنجازية.... ويرى عدد من المفكرين والمخططين الصهاينة "أن مجرد وجود حركة نشطة في هذه الاتجاهات يشكل مساهمة مهمة للمجتمع اليهودي في إسرائيل والشتات، إذ إن هذه الحركة ستوفّر مضامين روحية، وتحيي خلايا اجتماعية، وتمنح المجتمع والأفراد توجهاً إلى أبعد من المصالح الخاصة؛‏

2- تعزيز النشاط التربوي اليهودي- الصهيوني في إسرائيل والشتات بوساطة مبادرة إغنائية في المؤسسات التربوية القائمة، وأيضاً بوساطة إنشاء المزيد من المؤسسات التربوية حيثما تتطلب الحاجة في أماكن عدة وبين جماعات مختلفة؛‏

3- تعزيز الهجرة إلى دولة إسرائيل، ولا سيما بذل الجهد الرامي إلى توجيه المهاجرين بصورة منظمة ومخططة مسبقاً إلى مشروعات استيطانية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتربوية، يتطلبها استكمال بنية دولة إسرائيل التحتية. ولن يكون النشاط في هذا الاتجاه مقتصراً على المهاجرين الجدد فحسب، بل ينبغي في الوقت ذاته مزاولة نشاط واسع بين الشبيبة الإسرائيلية، وأيضاً بين جمهور الناضجين لكي يلتحقوا بالمشروعات الانجازية، ويقصد المخططون الصهاينة من وراء هذه المشروعات الانجازية تنفيذ ما يلي:‏

أ- استيعاب المهاجرين على الصعيد الاجتماعي القيمي: إنشاء علاقات شخصية ولا سيما بالنسبة إلى مشروعات أساسها اقتصادي، من شأنها أيضاً أن تلجم هذا النشاط بالفعل "حتى النهاية" إذا تجاهلته وامتنعت عن دعمه، أو إذا حاولت السيطرة عليه بوساطة إدارة سلطوية، فمن هذه الناحية يتوجب على الدولة احترام استقلال الحركة الصهيونية لكي تستطيع الدولة التحرك بوساطة قيادة روحية وقيادة من المعلمين والمدربين ورجال الانجاز الرائد؛‏

ب- بلورة نوى استيطانية في مناطق ينبغي توسيع انتشار الاستيطان اليهودي فيها.؛‏

ج- تنظيم مشروعات تعليمية هدفها التقريب بين المهاجرين من بلدان مختلفة، وبين المتدينين والعلمانيين؛‏

د- تجديد الفكر الاجتماعي في اتجاه تنظيم جماعات في نشاط روحي وتفاعل متبادل على الصعيد الشخصي أو الصعيد العائلي في المستوطنات الجديدة أو في المدن (المصدر نفسه).‏

صهيونية ما بعد السلام‏

واجهت الصهيونية، وعبر الوعاء الإسرائيلي بالذات، أسئلة لم تعتمد عليها في مرحلة السلام مع العرب. فكان عليها (الصهيونية) وعلى دولة إسرائيل أيضاً أن تواجها حرباً شرسة مع الذات، كما لو أن السلام قد فرض عليهما إعادة البحث عن هوية الكيان وسط زحام التحولات الهائلة التي حصلت في العقد الأخير من القرن العشرين، أو كان السلام مع محيط مترام من الأعداء قد جعلهما مدفوعتين دفعاً نحو إجراء توازن دقيق، وبل مستحيل بين منطق الحركة ومنطق الدولة، وتالياً بين المخزون الأيديولوجي اللامتناهي للحركة الصهيونية وبين مقتضيات الحياة الواقعية السياسية لدولة إسرائيل في ظل التغيرات التي طرأت على النظامين الإقليمي والدولي.‏

لقد تركز السؤال الإسرائيلي - الصهيوني أساساً حول ما إذا كانت الصهيونية لا تزال تؤلف السياج الأخلاقي- الترشيدي لدولة إسرائيل، وكذلك حول الإمكان التاريخي الذي يؤمنه الفكر الصهيوني ويحول دون انهيار السقف الأيديولوجي الذي يحمي الكيان الإسرائيلي من الانهيار.‏

الإجابة عن هذا السؤال المركب بدت ملتبسة وحائرة، وأحياناً متناقضة بين تيارات الفكر السياسي الصهيوني، لكنها -أي الإجابة- ظلت تستمد من السجال الذي أعقب قيام الدولة مباشرة في العام 1948، حرارة الانقسام الشهير في الرأي بين كل من ديفيد بن غوريون وناحوم غولدمان. ففي حين رأى بن غوريون - بصفته أول رئيس لحكومة دولة إسرائيل الناشئة- ضرورة أن تضطلع مؤسسات الدولة بالمسؤوليات الأساسية التي كانت مناطة بالمنظمة الصهيونية، رأى غولدمان- بصفته زعيم المنظمة- ضرورة المشاركة الفعالة للقيادة الصهيونية العالمية في تقرير مصير الدولة والمجتمع في إسرائيل. وبعد حرب حزيران /يونيو 1967 انتقل الحديث عن انحسار الصهيونية إلى طور متقدم، ولا سيما بعدما انتقلت مسؤولية الاشراف المباشر على حركة الهجرة إلى أيدي الحكومة الإسرائيلية، في حين أقر المؤتمر الصهيوني العالمي الذي انعقد في القدس عام 1968 بمركزية إسرائيل في حياة "الشعب اليهودي". ومنذ مطلع السبعينات اعتبر الكاتب والبرلماني الإسرائيلي يوري افنيري أن الزمن قد تخطى الصهيونية، وأن الحركة الصهيونية صارت تستبدل تاريخياً بما يمكن تسميته "القومية الإسرائيلية" وفي الآونة الأخيرة اعتبر عدد من الباحثين الإسرائيليين أن عصر "العولمة" وما بعد الايديولوجيات قد أذن بدخول إسرائيل في مرحلة "ما بعد الصهيونية" في حين يرى بعض المؤرخين الجدد، ومنهم بيني موريس، أن على الحكومة الإسرائيلية أن تفرض قيوداً على الهجرة اليهودية إلى إسرائيل، وأن تبطل بالتالي إحدى الوظائف الرئيسية للصهيونية، وذلك على اعتبار أن الشعور بالاكتظاظ السكاني في الدولة بدأ يحتل مكاناً في وعي إسرائيليين كثيرين، الأمر الذي يجب أن يؤدي في المستقبل إلى فرض قيود على الهجرة لأسباب عملية وليس أيديولوجية (د. ماهر الشريف، الصهيونية في مائة عام، السفير 12/9/1997).‏

لقد أطلقت رحلة السلام أسئلة مضاعفة في حدتها حول دور الفكرة الصهيونية الأصلية في قيادة دولة إسرائيل. حتى أن الكاتب الإسرائيلي دان ليون تساءل بشيء من المرارة الممزوجة بالسخرية: "ماذا بإمكان الصهيونية اليوم أن تقدم للسلام من دون الاعتراف بأن أرض إسرائيل يعيش فيها شعبان اثنان وليس شعباً واحداً فحسب، وأن الشعب الآخر [الشعب الفلسطيني] لديه كامل الحق الشرعي في تحقيق هويته الذاتية والوطنية"، مضيفاً: "أنه في مناسبة الذكرى المئوية لانطلاقتها، هناك سؤال كبير يطرح نفسه حول مستقبل الحركة الصهيونية التي لا تستطيع التحقق من ماضيها ولا من بناء خريطة لمستقبلها بشكل نزيه فمن دواعي السخرية(..) أن الصهاينة هم من يعيدون كتابة التاريخ وليس المؤرخون الجدد" (دان ليون، الصهيونية، حديث في الفراغ، جيروزاليم بوست 25/7/1997).‏

إن ما يذهب إليه "نقاد الصهيونية الأصلية" هو الكشف عن محنتها في السيرورة الفعلية للسلام، فمنذ توقيع اتفاقات كامب ديفيد، ظهرت في دوائر السجال الفكري بدايات التناقض بين الثوابت الأيديولوجية وآليات العمل السياسي وقد اعتبر كثيرون من المشاركين في هذا السجال أن حكومة مناحيم بيغن أقدمت على تنازل عن "أرض يهودية" هي جزء من أرض إسرائيل الكبرى الممتدة من النيل إلى الفرات، ثم تضاعفت كمية الشكوك بعد دخول حكومة رئيس الوزراء السابق اسحق شامير إلى مؤتمر مدريد للسلام، حيث انبنت هذه الشكوك على فرضية مؤداها حتمية اضطرار إسرائيل للتنازل عن أراضٍ تعتبر جزءاً من المقولة الأيديولوجية الصهيونية، وامتداداً حيوياً للأمن القومي الإسرائيلي.‏

ولقد دلّت تجربة المسارات التفاوضية، وخصوصاً على الجهتين الإسرائيلية -الفلسطينية والإسرائيلية- السورية، على المأزق الذي يعيشه الفكر السياسي الإسرائيلي حيال مبدأ التنازل عن الأرض، وما من ريب في أن السلام الذي بدأت رحلته في مدريد 1991 فتح على سجال أكثر حدة وحيوية بين تيارات المجتمع الإسرائيلي، وثمة من يذهب إلى الاعتقاد بأن السلام الجاري على ارتباك بعد سبع سنوات، قد أسس لملامح زمن إسرائيلي جديد تتكثف فيه المساءلات حول وظيفة الدولة ودورها وهويتها ومستقبلها، وأساساً حول علاقتها بالصهيونية.‏

إن من أبرز وجهات النظر التي رصدت تحولات السلام وآثارها في الوضع الإسرائيلي، تلك التي رأت بروز ظاهرتين أساسيتين في كل من الجانب الإسرائيلي والجانب الفلسطيني معاً:‏

الأولى: استبعاد فكرة "إسرائيل الكبرى" أو "أرض الميعاد" وبالتالي استبعاد كل الدعاوى الصهيونية التاريخية والدينية والأيديولوجية التي تعتبر الضفة الغربية وقطاع غزة جزءاً لا يتجزأ من أرض إسرائيل، من دون أن يعني ذلك استبعاداً تلقائياً لما يسمى الضرورات الأمنية، وما إلى ذلك من مبررات تسمح بالتفاوض حول وجود إسرائيلي ما بشكل دائم أو مؤقت في تلك المناطق:‏

الثانية، استبعاد فكرة "وحدة التراب الفلسطيني" [على الأقل من جانب الطرف الفلسطيني المفاوض] وبالتالي استبعاد الحجج التاريخية والدينية والأيديولوجية التي تعتبر أن إسرائيل بكاملها كياناً مغتصباً لأرض فلسطينية، من دون أن يعني ذلك بطبيعة الحال استبعاداً تلقائياً تاماً للهوية الفلسطينية، يبين البروفسور المصري قدري محمود حفني- وهو أحد مستشاري الوفد المصري إلى مؤتمر مدريد- أن قراءة متأنية لهاتين المسلمتين- أي استبعاد فكرة إسرائيل الكبرى، وفكرة وحدة التراب الفلسطيني -كفيلة بإبراز أن الثمن المطلوب سداده من إسرائيل إنما يتمثل من الناحية العملية في التنازل عن أحد الأركان الأساسية للصهيونية، أي فكرة أرض الميعاد، ويضيف: "إذا كان الفلسطينيون قد عاشوا طويلاً محرومين تماماً من تحقيق أملهم في تحرير كامل التراب الفلسطيني دون أن يتنازلوا عنه أو يكفّوا عن النضال من أجله، ثم تطالبهم التسوية بالتنازل عن حلمهم.. فإن الإسرائيليين الصهاينة كانوا قد حققوا الجانب الأكبر والأساسي من الحلم الصهيوني في حزيران / يونيو 1967، باستكمال استيلائهم على أرض فلسطين كاملة، إضافة إلى هضبة الجولان وشبه جزيرة سيناء، إلا أن هذا الواقع ما لبث أن اهتز بعنف في حرب تشرين/ اكتوبر 1973 وأخذ يتقلّص باستعادة مصر لسيناء في 1982. ثم ها هو التفاوض يجري على جزء لا يمكن الادعاء بحال أنه خارج جوهر الحلم الصهيوني بأرض الميعاد.‏

إن التحولات التي طرأت على ديناميات المشروع الصهيوني، باتت من الجذرية، بحيث لم يعد من الجائز التعاطي معها بوصفها تفصيلات عارضة، ذلك أن كثيرين من الباحثين (عرباً وإسرائيليين) لا يزالون مأخوذين بعدد من المحطات التاريخية التي أفرزت نتائج باهرة من الانتصارات لإسرائيل والمشروع الصهيوني، مثل تأسيس الدولة عام 1948 وطرد الشعب الفلسطيني من أرضه والحروب المنتصرة التي خاضتها إسرائيل لاحقاً: حرب 1956 وحرب 1967 وحروب الاستنزاف عامي 1970-1973 ناهيك بحروب لبنان في 1978-1982-1993-1996. والاتفاقات السياسية مع العرب بدءاً من كامب ديفيد وصولاً إلى أوسلو ووادي عربة.. الخ، في حين نجد في الجانب الآخر من الصراع الذي لم يبلغ نهاياته بعد، نوعاً من النكوص الذي أصاب المشروع الصهيوني، وخصوصاً لجهة العطل الذي ألمّ بأساسياته وعناوينه الكبرى ومنها على التعيين أهدافه بـ "عودة كل يهود العالم إلى وطن الشعب اليهودي" وباستكمال الاستيطان على "أرض الميعاد".‏

تحولات النموذج الإسرائيلي‏

ولئن كان النموذج الإسرائيلي بوصفه الابن الشرعي للمشروع الصهيوني، هو الميدان الأكثر دلالة على اختيار التقدم أو التراجع، فإن الوقائع الراهنة تفصح عن جملة من الحقائق، أبرزها مايلي:‏

1-حقيقة تحول إسرائيل إلى دولة عادية بمجرد دخولها في رحلة التحولات الإقليمية والدولية، ولقد كان عليها شاءت أم أبت، أن تتكيّف مع الظروف الجديدة، حتى ولو وصل هذا التكيّف أحياناً إلى درجة الاحتكاك مع الثوابت الاستراتيجية، مثلما حصل على سبيل المثال لا الحصر أثناء وبعد حرب الخليج الثانية، حيث افتقدت القيادة الإسرائيلية ولأول مرة في تاريخ الدولة، ما يسمى المبادرة الاستراتيجية على صعيد الأمن القومي: في هذه الحرب تعرض مفهوم الأمن لصدمة في العمق، إذ إن هذا المفهوم الذي انبنى أساساً على قاعدة جيوستراتيجية تمتد لتشمل شبه "القارة الشرق أوسطية"، وعاد ليتقلّص إلى الحدود الأمنية التقليدية المعروفة لدولة إسرائيل.‏

2-حقيقة وجود عيب تكويني يتصل بالوجود الإسرائيلي على أرض فلسطين، ومؤداه أن الدولة اليهودية لم تستطع أن تنتقل بكيانها من حيّز القوة إلى حيّز الشرعية الفعلية، فلقد أخفقت في مدّ جذورها إلى قلب المنطقة لتتحول إلى عضو فعّال في نسيجها التاريخي والحضاري بل على العكس، فقد بقيت على رغم مرور نصف قرن على استيطانها في منطقة الشرق الأوسط، مجرد كيان مطوّق بعوامل الحذر والعداء المطلق للآخر.‏

والواقع أن هرتزل كان قد تنبه إلى ذلك قبل حصوله، فدعا إلى التعويض عن رفض "أهل البلاد" أي عرب فلسطين، بطردهم طرداً كاملاً من البلاد، ومن ثم إلى تأمين حماية أجنبية مستمرة للكيان الصهيوني، وهنا مكمن الخطأ الذي وقع فيه. فمن الجهة الأولى توهم أن إخراج الناس من ديارهم عنوة سيقطع ارتباطهم بأرضهم، وسيمحو ديارهم من ذاكرتهم، أي أنه أخطأ في تقدير قوة التشتيت، وظن أنه سينهي تماماً مشكلة الغربة اليهودية في أرض ليست لهم، وتوهّم من الجهة الثانية أن الدعم الخارجي (العسكري والمالي والسياسي) بديل من الانتماء الطبيعي والقومي للأرض والمكان، لقد نجح هذا الدعم في قيام إسرائيل وبقائها حتى اليوم، لكنه لم يستطع أن يجعلها بنت المنطقة وأحد شعوبها. (أنيس صايغ، الصهيونية نجحت في إقامة الدولة وعجزت عن بناء المجتمع، السفير 30/5/1997).‏

3-حقيقة وجود خلل خطير يتمثل في عجز الحركة الصهيونية عن إقامة "المجتمع اليهودي المتشدد في دولة إسرائيل" فلقد بدا واضحاً أن بناء الدولة شيء وبناء المجتمع شيء آخر، فالأول سهل نسبياً بينما الثاني أصعب، وتستطيع مؤامرة ما أن تستولي على بلد بالقوة وبالدعم الخارجي أو بوساطة استغلال ضعف السكان الأصليين وعدم قدرتهم على مواجهة عدو ماكر أقوى منهم عسكرياً ومادياً، وأكثر تقدماً علمياً وحضارياً، وأقدر على التحايل والتآمر، لكنها لا تستطيع أن تخترع أو تصطنع مجتمعاً موحّداً من شتات مبعثر (..) وهكذا لم يستطع الصهاينة أن يقيموا المجتمع اليهودي في "إسرائيل" بعد خمسين سنة من المحاولات لا بسبب عدم "نقاوة" المجتمع لوجود مليون عربي تقريباً داخل الأرض المحتلة عام 1948، ومليونين في الأراضي المحتلة عام 1967، بل لأن الخليط اليهودي الوافد إلى فلسطين هو نفسه لا يملك مقومات الأمة ولا يستطيع أن يتجانس بعضه مع بعض فوق أرض هي نفسها ليست له ولا حق له بها ولا تصلح لأن تكون منطلقاً لطموحاته المجتمعية التجانسية، لأنها أرض مغتصبة، وهو دخيل عليها ومرفوض منها (أنيس صايغ، المصدر نفسه).‏

استئناف السجال الأصلي‏

غداة المئوية الأولى للصهيونية عاد السجال في جدل العلاقة بين دولة إسرائيل والصهيونية ليتخذ أبعاداً أكثر حدة فإذا كان النقاش بعد قيام الدولة عام 1948 قد رسا على ضرب من المهادنة حتمتها ضرورات بناء الدولة والاعداد لتنفيذ استراتيجيات التوسع، فإن النقاش الحالي جاء ليعكس التحولات العميقة التي حدثت في أنظمة الاستقطاب الدولي بعد الحرب الباردة، وآثارها في راهن الدولة الصهيونية ومستقبلها. ولقد بدا واضحاً أن مناسبة المئوية الأولى للصهيونية وخمسينية الكيان الإسرائيلي أعادتا الحيوية إلى السكون الأيديولوجي والفكري بعد الهدنة الطويلة المشار إليها. ومؤخراً ذهب بعض التيارات الصهيونية الحديثة إلى الكلام على مرحلة ما بعد الصهيونية، اعتقاداً منهم بأن ما أصاب الأيديولوجيات من تصدّع وهزال في الحقبة المتأخرة من القرن العشرين، أصاب في الوقت عينه الأيديولوجيا الصهيونية، وإن بدرجة أقل من سواها، أما مؤدى هذا الكلام فكان يحمل رغبة لدى أصحابه، وغالبهم مما سمي "اليسار الصهيوني" في وجوب تجديد الصهيونية من خلال ملاءمتها مع منطق التحولات، غير أن الدعوة "اليسارية" الصهيونية إلى التجديد، ثم محاولة التأسيس الفكري لـ "ما بعد الصهيونية" لم تجد في الأوساط اليهودية العالمية وفي إسرائيل من يحملها على محمل الجد، وظهر كما لو أن أطروحة "ما بعد الصهيونية" مقصورة على إعجاب بعض النخب اليهودية، أولئك الذين يجتهدون ضمن الفضاء العام للصهيونية وليس خارجها وفي هذا المعنى كان من الطبيعي أن يحتفظ الفكر اليميني في إسرائيل بقدرة أكبر على تقديم خطاب متماسك بفعل تمسكه بالثوابت الأيديولوجية للصهيونية، الأمر الذي كان له فعالية ملموسة في اتجاهات الرأي العام اليهودي. والواضح أن التحولات والتبدلات التي جرت في الخريطة السياسية الصهيونية منذ قيام الكيان الصهيوني وإلى الآن، تتمثل في زيادة وتعاظم وزن اليمين الصهيوني، وانزياح الخريطة السياسية بأكملها نحو اليمينية، الأمر الذي يتجلى في زيادة التطرف وتصاعد الروح الشوفينية والغطرسة العنصرية الحربية، والتي لها انعكاساتها الأكيدة على مسار الصراع العربي -الصهيوني ودفعه في اتجاه الاحتدام والتصاعد، وذلك على الرغم من "مسيرة السلام" الجارية، ما يؤدي إلى إفراغها من أي مضامين أو نتائج عملية وإفشالها في نهاية المطاف، بصرف النظر عن الجهود المبذولة لانقاذها (محمد رشاد الشريف، المشروع الصهيوني في مائة عام، الانزلاق نحو اليمين والتطرف، مجلة شؤون الأوسط، العدد 67/ تشرين الثاني / نوفمبر 1997).‏

بالطبع لم يقتصر المسعى اليميني الإسرائيلي الحاكم على التشدد في الجانب السياسي المباشر.. بل امتد إلى الجانب الفكري - الأيديولوجي، فراح يساجل دعوات "تكييف الصهيونية" مع الزمن الجديد بعصبية لافتة.‏

وها هو زعيم الليكود ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ينظر لـ "الصهيونية الأصلية الصافية"، ويبين في كتابه المعروف مكان تحت الشمس "أن نظرية ما بعد الصهيونية تعتبر أكثر خطورة على مستقبلنا من هجمات خارجية، حيث إن تنازل دولة إسرائيل عن المبادئ الصهيونية يعتبر تنازلاً عن مصدر حياتها، وعندئذٍ تبدأ بالذبول".‏

مثل هذا الكلام يفصح عن الخلفية التي توجه العقل السياسي الإسرائيلي في الأوقات التي يواجه فيها سؤاله الوجودي، وبالتحديد عندما يصير النقاش مباحاً حول علاقة الصهيونية بإسرائيل، فلقد أظهر الاتجاه الغالب في التفكير الإسرائيلي ميلاً جامحاً إلى وجوب وقف كل سجال من شأنه وضع الكتلة اليهودية في إسرائيل والشتات أمام الاختيار الشاق بين الأيديولوجي والسياسي. ذلك أن تغليب أي من طرفي هذه المعادلة على الآخر، يعني الإخلال بوحدانية المشروع الصهيوني الأصلي القائم على التكامل غير القابل للتجزئة والفصل بين الدولة الإسرائيلية وفضائها الروحي. وإذا كانت رحلة السلام في المنطقة قد فتحت ثغرة ما في المعادلة التاريخية الكبرى بين الإسرائيلي والصهيوني، فذلك لأن رحلة كهذه فاجأت الكتلة اليهودية بمستحقات ليست مهيأة لها، لا على المستوى السياسي ولا على مستويات الأمن والثقافة والاجتماع والهوية. ولهذا السبب بالذات سنجد كيف ينبري القادة الصهاينة -الإسرائيليون إلى اعتماد الحد الأقصى من خطاب التشدد والرفض، وإلى الدعوة المحمومة إلى عدم المساس بالمقدس الذي يؤلفه التكامل في ثنائية الصهيوني /الإسرائيلي. والأكيد أن الخطاب الإسرائيلي المبني على أطروحة أن الصهيونية ضرورة تاريخية لم تنته بالنسبة لدولة إسرائيل يترجم سعي هذا الخطاب إلى إسقاط الأوهام حول المواجهة المزعومة بين "المقولة الإسرائيلية" و"المقولة الصهيونية".‏

ولئن كان حرص اليمين الإسرائيلي على إعطاء السجال بعده الفكري والأيديولوجي والتاريخي، يهدف إلى ملء الفراغ الذي أحدثه انهيار نظام القيم العالمي، فهو إضافة إلى ذلك، يهدف أساساً إلى تعزيز وجوده وسيطرته على المجتمع والسلطة السياسية واتجاهات القرار الاستراتيجي. لذا ليس من باب التبسيط أن يأخذ الجدل الراهن حول مستقبل إسرائيل والصهيونية بعده السياسي في الصراع بين التيارات والأحزاب المختلفة. وعلى هذا النحو يمضي نتنياهو في اتهام معارضيه ممن يدعوهم بـ "اليساريين" بخيانة الفكرة الصهيونية، ويقرر أنه "منذ ظهور الحركة الصهيونية السياسية وبدء عملها الحاد للنهضة القومية اليهودية بدأت تظهر بين يهود أوروبا الشرقية حركات يسارية متطرفة تحقد بشدة على الصهيونية وأهدافها، مثل "البوند" التي نادت بمستقبل يهودي اشتراكي في المجر، والشيوعيين اليهود الذين اعتبروا الحركة الصهيونية أداة الامبريالية البريطانية، وأخذوا يثيرون الجماهير اليهودية في الشتات ضد الصهيونية وإبراز أخطائها وإخفاء انجازاتها. وقد تضاعف هذا التحريض بشكل خاص في أعقاب أعمال المقاومة العربية الأولى في البلاد عام 1920، وذلك عندما استخدموا المقاومة العربية التي نظمها الحاقدون على اليهود من البريطانيين كدليل على أن الصهاينة يحاولون احتلال أرض ليست لهم واقتلاع العرب منها، وهم أصحابها الحقيقيون". (بنيامين نتنياهو، مكان تحت الشمس، ص 34).‏

فلسفة القوة كجامع للمقدس اليهودي‏

يقول بن غوريون "إن إسرائيل لا يمكن أن تبقى إلا بقوة السلاح.. إن مقولة كهذه ستكرس المفهوم الأساسي الذي نشأت منه دولة إسرائيل، مثلما تشكل الترجمة الحقيقية لجماع الفكر الصهيوني، وعلى الرغم من الحشد الهائل لعوامل الاجتهاد والاختلاف والتباين بين الصهاينة، تبقى فلسفة القوة ونفي الآخر العصب الداخلي الذي يتوحد الجميع حوله، بل هي الجامع المشترك الذي يحمي المقدس اليهودي من الاضمحلال، وهذا هو إيغال آلون ينحو إلى الواجهة إياها، فيبين أن كل شيء يمكن إدخاله في لعبة المساومة إلاّ فلسفة القوة والغلبة، ولذلك يؤكد "أننا دائماً بحاجة إلى جيش قوي للحيلولة دون نشوب حرب، ولجعل الزعماء العرب والشعوب العربية يدركون أن ليس ثمة احتمال للتوصل إلى حلٍ ما في ساحة القتال، وسنكون بحاجة إلى جيش قوي، ولو توصلنا ذات يوم إلى تسوية ما، للحيلولة دون أن تسوّل لأي شخص نفسه بخرق التسويات. وإذا لم تتحقق التسوية فنحن بحاجة إلى جيش قوي كي ننتصر إذا نشبت الحرب. (مجلة سكيراه حودشيت، شباط /فبراير -آذار/ مارس 1983- أمن إسرائيل القومي خلال 35 عاماً من عمرها، العقيد ايلون).‏

لقد كان مبدأ القوة والتفوق في أساس النظرية التأسيسية التي أنجبت دولة إسرائيل. وعندما قال بن غوريون بهذا المبدأ، فإنما ليؤكد الحقيقة التي ذهب إليها أسلافه من المؤسسين الأوائل للصهيونية وواضعي نظرياتها، وعلى أساس هذا المبدأ سعت الصهيونية لإنشاء قوة عسكرية تحقق أهدافها المتمثلة في قيام إسرائيل. وحينما تم الإعلان عن قيام هذه الدولة عام 1948، تحددت أهداف هذه القوة في الدفاع عن السكان اليهود في فلسطين والأراضي التي يسيطرون عليها، ثم الاستيلاء على الأراضي التي حُددت لإسرائيل في قرار الأمم المتحدة، ومن ثم توسيع الأراضي قدر المستطاع من طريق تدمير أكثر ما يمكن تدميره من القوات العربية المتجمدة في المنطقة (المصدر نفسه).‏

وعلى رغم الاتفاقيات الأمنية التي عقدت بعد أعوام المواجهة 1948-1967-1973 وصولاً إلى مواجهات حرب جنوب لبنان، ظلت نظرية بناء المؤسسة العسكرية المتفوقة تسيطر على العقيدة الإسرائيلية، وتشكل العامل الحاسم في نظريات الأمن اللاحقة.‏

وفي المراحل المتأخرة للصراع العربي - الصهيوني لم تظهر التحولات الكبرى في النظامين الإقليمي والدولي ما من شأنه بعث الأوهام حول التخلي الصهيوني- الإسرائيلي عن نظريات القوة والعنف والتفوق. فالسلام الذي أدخل المنطقة في تجربة جديدة من الصراع، أضاف تعلقاً إسرائيلياً محموماً بفلسفة القوة. ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو راح يؤكد هذا التعلق على صعيدي السلوك السياسي العملي والنظري، سواء لجهة التشدد في بناء وتوسيع حركة الاستيطان في الأراضي العربية المحتلة التي هي موضع اتفاقات للانسحاب، أو لجهة تعبئة الشارع الإسرائيلي والوسط الصهيوني بوجوب التمسك بالثوابت الصهيونية العليا، واللافت أن الدخول العملي في تجربة التسوية مع العرب حمل الزعامة الإسرائيلية على إعادة الاعتبار لعامل آخر من عوامل مبدأ القوة، عنينا المقاومة السياسية: هذا العامل الذي ركز عليه جابوتنسكي زعيم "التيار" الإصلاحي الصهيوني". فالأخير بحسب بنيامين نتنياهو، هو الوحيد من بين تلاميذ هرتزل الذي فهم أهمية المقاومة السياسية، وقال إنه من الممكن ويجب مقاومة الضغوط التي تتعرض لها الصهيونية، وأكد جابوتنسكي أهمية ما سماه "نظرية الضغط الجماهيري" إلى جانب بناء القوة العسكرية اليهودية التي تتولى حماية المستوطنين اليهود. ويضيف نتنياهو الذي يفتخر بولائه الأيديولوجي والفكري لجابوتنسكي "أن السياسة لا تتحمل الفراغ، فإذا مارس أحد الأطراف الضغط السياسي والدعائي، في حين بقي الطرف الثاني مكتوف اليدين، سيضطر الطرف السلبي للرضوخ للضغط في نهاية الأمر لذلك قال جابوتنسكي إن الطريق الوحيدة المتوافرة للشعب اليهودي هي مقاومة الضغط الذي تتعرض له الصهيونية، لممارسة ضغط مضاد يكون موجهاً ضد الحكومات الأجنبية وجماهير المواطنين فيها.. ومن أجل القيام بذلك يجب أن يبدي اليهود روحاً قتالية في المعركة السياسية لا تقل عن تلك المطلوبة في المعركة العسكرية". (نتنياهو مكان تحت الشمس ص422-423).‏

القوة إذاً، هي التي تُبقي الأيديولوجيا الصهيونية حية ومتحركة مهما بلغت درجة التحولات السياسية والواقعية ثم إنها -أي القوة- ظلت العامل الأساسي في انبعاث الصهيونية المتجددة وفي إعادة إنتاجها مثلما ظلت العامل المركزي في الحفاظ على ديمومة الكيان الصهيوني من أي خطر على وجوده.‏

ولئن كانت فلسفة القوة هي علة الصهيونية وإسرائيل معاً، فهي تجد في مقولة الأرض ومفهوم الجغرافيا والملجأ المفتوح أمام يهود العالم، الوعاء الذي تصب فيه. إن هذا الأمر ليس بجديد، فقد تبلور هذا البعد على يد الحاخام الأكبر أبراهام اسحق كوك (1865-1935) الذي قال بفكرة التماهي بين الصهيونية والأرض، بوصفها الفكرة التي أخذ بها حكام إسرائيل على اختلافهم، ليجعلوا لدولتهم حزاماً ميتافيزيقياً يحفظ عصبها الداخلي واستمرارها.‏

إن منطق القوة هو الجذر الفلسفي العملي لآليات تحقق الفكرة الصهيونية منذ استيلائها على فلسطين، بينما إسرائيل هي التجلي الفعلي لمنطق هذه الفكرة فالصهيونية باقية ما بقيت إسرائيل في الوجود. أما ما يقال عن تباين أو تناقض تفترضه التحولات التاريخية بين الأصل الصهيوني والفرع الإسرائيلي، فإن هو إلاّ اجتهاد في الآليات التي غايتها حفظ الكينونة اليهودية من الذوبان، أو الحؤول دون العودة إلى فضاء الشتات. لقد بينت كتابات هرتزل إعجابه الشديد بالقوة، حيث سعى إلى إقناع يهود العالم بأن الصهيونية القوية والاستيطان هما المثل الأعلى الذي يجب اقتداؤه. وهكذا فعلى الرغم من العيوب الكبيرة التي عصفت بالتجربة الصهيونية على امتداد قرن كامل، وبالتجربة الإسرائيلية على مدى نصف قرن، سيظل مبدأ القوة والتحفز واستنفار العصب الصهيوني الأصلي هو العلاقة التي تنظم حاضر ومستقبل الكتلة اليهودية، وفي هذا المعنى، فإن الخلل الذي يصيب الصهيونية في أفكارها ومقدساتها يصيب إسرائيل في مجتمعها السياسي وأمنها ووجودها في المنطقة، فالتكامل بين الحركة والدولة هو تكامل وجودي، ولسوف يؤول إلى نتائج واحدة، وتبدو إسرائيل، وهي تخوض أطوارها الجديدة من الصراع مع العرب، ومع البيئة الحضارية الواسعة في المنطقة، مجالاً حيوياً لاختيار موت الصهيونية أو تجددها.‏

لقد وضعت الصهيونية مقاصدها العليا في الدولة الإسرائيلية، وبهذا صارت الأيديولوجيا الصهيونية هي الظاهرة الإسرائيلية عينها، ولا فصل بين الفكرة الصهيونية والدولة الإسرائيلية ما دامت هذه تغتذي منها وتتحصّن بها في لحظات الخطر الكبرى، وما دامت الصهيونية قد كفت عن كونها مجرد أيديولوجيا، وإنما هي ظاهرة واقعية وتاريخية خاضعة لتبدلات الأحوال السياسية وموازين القوى وتحولات أنظمة القيم.‏

إن المشهد الإسرائيلي بعد السلام، وتعييناً بعد الحرب الباردة، يعكس إلى أبعد الحدود تناقضات الفكرة الصهيونية، ويضع وجهها الأيديولوجي في امتحان عسير مع وجهها السياسي الواقعي، ولعل استعادة اليمين الإسرائيلي الثوابت الصهيونية ومنطلقاتها الأيديولوجية في عملية السلام، إنما يكشف عن فضاء تلك التناقضات بأسطع صورها وأشكالها وهو يرمي من وراء هذه الاستعادة إلى توظيف الثوابت الأيديولوجية لمنع الانحدار السياسي، وإعادة ترميم مفهوم القلعة الإسرائيلية كخط دفاع استراتيجي أخير عن الأطروحة الأصلية للفكرة الصهيونية.‏

(1) محامي وباحث‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244