في
المجتمع المدني ـــ د:علي عقلة عرسان
مدخل:
يكاد الحديث عن المجتمع
المدني يرقى إلى الحديث عن المسيرة التي قطعتها البشرية في
انتقالها من مجتمع الصيد والرعي والزراعة إلى
المجتمع الحضري حتى لا نذهب إلى أبعد من ذلك فنتكلم عن بدايات
التجمع البشري. ولكن المدلول الذي
ينصرف إليه المصطلح المتداول اليوم ـ بصرف النظر عن ظلاله السياسية واستخداماته
غير البريئة في كثير من الحالات والبلدان ـ ينصرف إلى
مجتمع متكامل في دولة عصرية ، أو في دولة هي في طريقها إلى
أن تكون عصرية، قادرة على التواصل بكفاءة مع الدول الأخرى، وقادرة في الوقت ذاته
على تلبية الاحتياجات العصرية لمواطنيها، وعلى جعلهم يشعرون
بمقومات شخصيتهم، بوصفهم أفراداً متمايزين ولهم دور وحضور وكرامة وحريات وحقوق
وعليهم واجبات ومسؤوليات؛ وقادرة أيضاً على تحقيق
ما تتطلبه حياة الناس وعلاقاتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية من مقومات ومعارف
وتقنيات ومعطيات، ومن تغيير في مناخ الأداء
الاجتماعي العام يقتضيه العيش في عالم يزخر بالتطور والمتغيرات؛ لكي تصبح
بنى ذلك المجتمع أقوى وأسلم وأكثر قدرة على توفير الحماية لذاتها ومصالحها من جهة،
وعلى مشاركة فعالة لأفرادها في جميع مجالات الحياة
وأوجه العمل من جهة أخرى. ويأتي فوق ذلك وبدرجة بارزة من الأهمية
والضرورة ـ من حيث مدلول المصطلح المتداول سياسياً وإعلامياً ـ يأتي موضوع
تداول السلطة وكيفية انتقالها، أي
تداولها، وأسلوب الحكم، والحياة
الديموقراطية بمفهومها العميق العام بوصفها
سلوكاً أيضاً؛ في ظل احترام لحقوق الإنسان الأساسية وحرياته العامة
ومكانته في الدولة والمجتمع ومسؤوليته عن الدولة والمجتمع.
ويذهب من يعملون في هذا
الإطار أو تحت هذا الغطاء إلى الكلام على أن إحياء
الهيئات الأهلية وتكوينها وتفعيلها، هو مما يجب العمل في مجالاته والانطلاق منه
وبه في إطار من الحرية: شامل وتام، وفي تطلّع
نحو مجاوزة
لكل القوانين والأنظمة والعلاقات والممارسات التي تعوق
ذلك التوجه أو تحد من قدرته على الأداء ومن انتشاره.
وإذا ما دققنا في هذا
الكم من المعطيات التي تنضوي تحت هذا المصطلح، في إطار تداوله السياسي والإعلامي
اليوم ومدلوله العام، لا سيما في بلداننا، نجد كمّاً لا
يستهان به يشكل الدولة بكل سلطاتها ومقوماتها وأطرها
واختصاصاتها، ونجد بتخصيص أضيق وأدق السلطات الثلاث: / التشريعية
والتنفيذية والقضائية/ والمجتمع المنظم أو غير المنظم، الذي تسوسه قيادة
الدولة من خلال قواتها ومؤسساتها المدنية والعسكرية وهوامش تلك المؤسسات. كما نجد
من يريد أن يخرج على السلطات الثلاث والمجتمع واضعاً كل ذلك في سلة واحدة متروكة
وغير قابلة للحمل، من وجهة نظره، إلا إذا
أعاد ترتيبها هو وحده وفق هواه ورؤاه ومصالحه
وبرنامجه السياسي، وربما ارتباطاته والبرنامج المختار لـه!! كما نجد
هوامش تتعلق بذلك المتن تجعل لكل قوة خارجية، ذات مأرب
أو مصلحة أو برنامج طموح، مدخلاً إلى الدولة
والمجتمع يراد تسويغه بذرائع كثيرة، حتى لو كان ذلك
على حساب السيادة والبنى الأساسية والسلطات الداخلية
في الدولة، وعلى حساب استقلالها وقدرتها على الدفاع عن نفسها وعن نوع
الحضور العصري الذي تتطلع إليه... واضطرارها لمراعاة ـ أو
ضرورة مراعاة- مصالح القوى الكبرى الاستعمارية منها على الخصوص،
ونفوذها وتداخل ارتباطات المرتبطين بقوى معادية أو بطروحات معادية تتجاوز الدستور
والقوانين والمصالح العليا للدولة والمجتمع ومقومات الهوية
الحضارية والانتماء، وتريد أن
تتسلح بالمجتمع المدني أو الأهلي، وأن تحتمي بسطوة
قوى خارجية تزعم أنها تحميه وترعاه. وهي تستخدمه حتى لا
نقول توظفه في استراتيجيتها العامة، وهي تفعل ذلك
لتنال
غِطاءً سياسياً ـ
إعلامياً ودعائياً من جهة، ولتعمل على هواها في الداخل من جهة
أخرى.
ومن البديهي أن يرى
المرء أنه على من يريد أن "يلعب" لمصلحة جهة داخلية أو أجنبية، باسم
المعارضة أو الإصلاح أو الاندفاع الوطني، عليه أن "يلعبها" بوضوح، ولكن
هذا لا يحصل في أغلب الأحيان. ومن حق المرء أن يفترض أن من يقوم بهذا العمل بدافع
وطني أو سواه مدرك لما يفعل ولما يترتب على فعله أخلاقياً وقانونياً، وأن عليه ألا
يفسد مفاهيم المجتمع المدني السليمة وهيئاته وأهداف تلك الهيئات، وألا يشوش
أداءها ويحرفها عن وظائفها وغاياتها ليستظل بها ويسخرها لخدمة أغراضه أو ارتباطاته
أو مصالحه؛ فتلك البُنى تشكل الوطن والمجتمع والمناخ والبيئة
الاجتماعية التي يعيش فيها الجميع. ومن ثم ينبغي ألا تكون وسيلة من الوسائل التي
يتوسل بها أصحاب الأغراض والمصالح والأطماع إلى أهدافهم، سواء أكانوا في السلطة
ويريدون المحافظة عليها وعلى مواقعهم فيها، أم في المعارضة ويريدون الوصول إلى
السلطة.
أما الذين يعملون وفقاً
لبرنامج جهة خارجية ويدورون في فلك خططها واستراتيجياتها، فلا يعنيهم هذا النوع من
الحرص أو الحكم الخُلُقي أو القانوني أو الاجتماعي على فعلهم؛ لأنهم اختاروا قوة
خارج الوطن، وسيَّرتهم مصلحة ما هي التي تشكل قانونهم الأخلاقي والمدني والاجتماعي
معاً.. ومن الطبيعي ألا يكون المجتمع محكوماً بوجهة نظرهم وبتفسيرهم للأمور
والظروف والقوانين ، وكذلك الدولة، أياً كانت السلطة التي تمثلها.
فما يقوم به من يخلِّون بالقانون يدخل في صيغة من صيغ الخروج
على العقد الاجتماعي وعلى الدولة والمجتمع، وعلى الحالة التي فيها المواطن في
المجتمع المدني، هو حكماً مواطن في الدولة ومسؤول عنها وفيها. أما الذين يختارون
اختياراً غير وطني ومرتبطاً بقوى خارجية فأولئك لهم تعريف وحكم في القانون والعرف
والمجتمع والدولة وسلّم القيم الخلُقية.
ـ 1 ـ
مقاربة مفهوم المجتمع المدني
إن هيئات المجتمع
المدني كثيرة ومتنوعة، منها ما يشكل قوام الدولة الحديثة ويدخل في صلب تكوينها،
ومنها ما يقع على الهوامش القريبة منها وينبت على جذعها ويقوم ببعض واجباتها،
ومنها ما يقوم بمهام يصعب على الدولة أن تقوم بها أصلاً ويصعب على المجتمع
أن يستغني عنها.
والهيئات أو الجمعيات
المشار إليها متنوعة، وقد تكون أهلية التمويل
أو تتلقى مساعدات من الدولة، فضلاً عمَّا تحصل عليه من تبرعات واشتراكات وإعانات وما تقوم به
من تنمية
لأموالها بالاستثمار المشروع ضمن القوانين والأنظمة والضوابط الرسمية للاستثمار
الواردة في أنظمتها، وقد تعتمد على مصادر تمويل من خارج البلد الذي هي فيه.
ومصادر التمويل
المشار إليها قد تكون من مواقع صديقة، أو من مواقع معادية، وقد تأتي من
مصادر معادية عبر قناع صديق أو محايد هو طرف ثالث وتحت شعار
إنساني عام، وقد تأتي من مواقع بريئة أهدافها خالصة لخدمة
اجتماعية عامة أو خاصة، ويتجلى فيها الهدف الخيِّر والنفع العام والرغبة في تقديم خدمة
ضرورية للبشر، أو قد تكون مقيدة بأهداف واستراتيجيات وبرامج
سياسية واقتصادية قريبة الأجل أو بعيدة الأمد.
والمجتمع المدني ليس هو
فقط الهيئات الأهلية، التي هي جزء من تكوينه، بل هو الشرائح
الاجتماعية الواسعة المنضوية تحت ألوية تنظيمات يضبطها نظام إداري
واجتماعي عام وواسع، يحكمه دستور وقوانين وأنظمة مما
يشكل العمود
الفقري لنظام الدولة وقوامها بشكل عام.
وقد تطور الأداء السياسي ـ الاجتماعي-
القانوني حتى وصل إلى صيَّغ وأطر مقبولة هي صيغ
مجتمع مدني وأطره بشكل عام، ومرَّ ذلك بمراحل عديدة :
في الغرب: تم الانتقال من مجتمع الكنيسة والملوك
إلى مجتمع الملوك والكنيسة والإقطاع ثم إلى مجتمع الإقطاع والملوك في تضاد مع
الكنيسة أو تفاهم معها أحياناً؛ حيث فُصِل
الدين عن الدولة في المجتمع الأوربي خاصة والمسيحي عامة.
ثم تم الانتقال من
مجتمع الملوك والإقطاع إلى مجتمع البورجوازية والمِلْكِيات
بمستوياتها المتعددة بالتوافق مع النظام الجمهوري أو بالتضاد معه ومع المطالبين
به.
وفي ظل
الجمهوريات نشأت تحالفات لا بد منها أحياناً بين البورجوازية صاحبة رأس المال وبين
السلطة، وأخذت تلك التحالفات تحكم الديمقراطية وتفسِّرها وتسيِّرها وتصنِّعها
وتتحكم بصيغها وبنتائجها. تلك الديمقراطية التي كانت في نشأتها التاريخية
الأولى حكراً
على المالكين ولا تتاح للناس كافة. ففي
"أثينا" اليونانية، مهد الديمقراطية الأول، كانت
الديموقراطية للمالكين المواطنين ولا يشارك فيها الجنود والعبيد والنساء. وفي
ديموقراطية عصر النهضة الأوربية كانت الديموقراطية وقفاً على المالكين وليست لمن
لا يملك حتى لو لم يكن عبداً. ولم تشارك في مراحل تطبيقها الأولى النساء، وكان
يتحكم بنتائجها رأسُ المال... وما زال يفعل ذلك على نحو ما حتى في أيامنا هذه.
وقد اتسعت هوامش الظلم
وهوامش الفقر، وحل روح الظلم الملكي والإقطاعي حتى في البورجوازية، التي كانت
خروجاً ثورياً على الإقطاع والحكم الملكي.
واتسعت هوامش الظلم والفقر أيضاً في مراكز الأنظمة الجمهورية
المتحالفة مع البورجوازية ورأس المال. وقد عزز ذلك كله التوجه نحو ديمقراطية
مدروسة على نحو ما في إطار المصلحة العليا للأعلين من المالكين والحكام
في النظام البرجوازي، أي سدنة ذلك النظام بشكل عام.
وقد ضيق هذا التحالف الخناق على:
-طلاّب العدل والحرية.
-طلاّب السلطة.
-أصحاب الطموح المشروع.
واحتاج إلى صراع ممن لا
يملكون المال ولا التحالفات المؤدية إلى السلطة والنفوذ ليصلوا إلى شيءٍ من العدل
والحرية والاحترام والأمل. وقد أدى هذا الوضع إلى
حالة توتر شديد بين فئات اجتماعية مقهورة وأخرى قاهرة، فنشأت
التحالفات التي كونتها طبقات فقيرة: عمالية وغير عمالية، وقامت الثورات لتصل تلك
الفئات إلى السلطة وتحقق أهدافها ومطالبها التي كان على رأسها العدالة الاجتماعية
وفق تصريحاتها.
وجاءت أنظمة حكم
اشتراكية أو شيوعية تميزت بالشمولية وطبعت عقوداً من الزمن بطابعها وعقولاً
بمنطقها، وسيطرت أحزاب "تقدمية" على الحكم في كثير من البلدان، وفرضت،
باسم العدالة والديمقراطية المركزية أو المركزية الديموقراطية والتقدمية وثورة
الفقراء، فضلاً عن ثورة خاصة على مستوى البلدان ضد الهيمنة الدولية أو
الإقطاع الدولي
ـ
الاحتكار الرأسمالي ـ إن صح التعبير، فرضت نظاماً كانت
سمته العامة: السيطرة بالقوة من خلال التنظيم على كل من هم خارج التنظيم، كما ظهرت
فيه صراعات داخل تيارات الأيديولوجيا والتنظيم ذاته من أجل
الوصول إلى السلطة والنفوذ أو الهيمنة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية
واستخدام الديكتاتورية لفرض تلك الهيمنة واستمرارها. فلعبة الوصول إلى السلطة لم
تستثن أحداً، ولم ترحم أحداً في أي نظام، ولم تكن بريئة في أي وقت..
ولا يُحكَم على
الاستثناء، فالاستثناء ليس قاعدة.
-لم يرسِّخ هذا التوجه الأخير ممارسة
ديموقراطية شاملة ودقيقة وسليمة، على الرغم من تمسكه بشعار الديموقراطية والظهور
بمظهر المحتكِر لها نظرياً على الأقل، فقد كانت الديموقراطية:
1- تغيب أو
تغيَّب، أو تشوه مفاهيمها وممارستها.
2- وكانت
تركز أحياناً في أطر التنظيم أو في بعض أطره ومستوياته،
وكان
هذا يؤدي إلى حرمان بقية أفراد الشعب من الممارسة الديمقراطية.
3- وكانت الجهات
المعنية المشرفة أو الوصية، سياسياً واجتماعياً، تكوِّن
إطاراً معيناً للديمقراطية وتقدمه للناس وتحصر مفهومها للديمقراطية فيه وفي
الهوامش التي تتيحها مما تقدمه وتراه صالحاً وكافياً، بصرف النظر عن موقف الآخرين
ورؤيتهم وآرائهم وحقوقهم.
- 2 -
في مقاربة تعريف للمجتمع المدني ومناقشة بعض المفاهيم
تساق تعاريف كثيرة
للمجتمع المدني ، ويصح فيها القول: إن أسباب الاختلاف فيما بينها تنمُّ على اختلاف
في الزمن والبيئة والمعطيات والانتماء الفكري ومحاولة حشره في التعريف أو إيجاد
تعريف يعبر عنه. وربما صح القول إنها نبتت في حوض العقد الاجتماعي، ثم انتقلت
غراسها في بقاع الأرض ومنابت الفكر وتيارات السياسة لتأخذ ألواناً متعددة وتحمل
نكهة واحدة تقريباً. ومن تلك التعاريف الكثيرة نقدم بعض النماذج ومن مواقع مختلفة.
يقول د . سعد الدين
إبراهيم ، الذي تبنى هذه الموجة من موجات الفعل السياسي المستند إلى أرضية فكرية
مشوبة بأغراض قيل إنها ليست بريئة، يقول:[1])
"لذلك فإن أحد تعريفات
المجتمع المدني هو "شبكة التفاعلات والتنظيمات التي توجد بين الأسرة
والدولة". وهذا الفضاء أو المجال بين الأسرة والدولة هو الذي أطلقنا عليه ...
"فضاء الحرية"، وهو فعلاً الفضاء الحر الوحيد الذي يدخله الفرد ويخرج
منه بملء إرادته وحريته...)/ سعد الدين إبراهيم .
جريدة الحياة: العدد:
13917 التاريخ: 23/4/2001. و العدد 13921 التاريخ: 27/4/2001. و العدد
13928 التاريخ: 4/5/2001
وهو تعريف يعارض إلى حدٍّ ما تعريف
آدم فرغيسون ADAM FERGUSON
الذي يقول: "المجتمع
المدني هو ذلك النمط من النظام السياسي الذي ينظم ذاته ويحمي فنونه الإنتاجية
والتجارية ومنجزاته الثقافية ومضامين الشعور العام التي تنتشر في فضائه، كل ذلك
بواسطة الحكومة المنظمة"([2]). فالأول لا يرى الدولة
– حسب تعبيره- طرفاً في المجتمع المدني لأنه الفضاء الذي يمتد بينها وبين الأسرة،
والثاني يرى الحكومة لا الدولة – أي
السلطة التنفيذية تحديداً- تنظم أداء المجتمع المدني من خلال وجودها المنظم وتحكمه أو
تتحكم به من خلال القوة التي تسيطر عليها وتوجهها. وهذا الاختلاف في
النظرة إلى المجتمع المدني وتحديد إطاره العام ومفهومه ومن ثم أدواته وما يشكل
بنيانه
العام...
يفسح في المجال أمام تعدد الرؤى والاجتهادات إلى الحد الذي لا يمكن معه أن نقصي
السلطة التي يثور عليها دعاة المجتمع المدني عن جوهر تكوين المجتمع المدني ذاته
وحامي تنظيمه وضابط إيقاع الأداء ضمن ذلك
التنظيم
وفق منظورها.
وحين نأخذ بمقولة فضاء
الحرية الفردية والاجتماعية الممتد بين الأسرة والدولة مما يشكل المجتمع المدني
ومجالات عمله وفق رأي سعد الدين إبراهيم، يطرح نفسه
علينا سؤالٌ وجيه في ضوء ما قد ينشأ من أوضاع حين يزداد
هامش المجتمع المدني المطلوب لفضاء الحرية على حساب الدولة وقوتها، والسؤال يقول:
ـ ماذا لو لم تكن هناك
دولة قوية مع وجود تنافس قوي على المصالح والنفوذ بين أفراد ومؤسسات ونقابات
وشركات وقوى ذات مصالح لا تحكمها قوة قانون أو قوة تطبق القانون؟! وإذا أخذنا
برأي غرامشي:" المجتمع المدني مجموعة الهيئات التي توصف بأنها هيئات
خاصة"، ألا نكون في مجتمع مدني داخل مجتمع ودولة، وهو
محكوم على نحو ما بقوانين الدولة وأنظمتها ومصلحة
المجتمع الأوسع.. مجتمع الدولة"!؟.
ـ وماذا لو أصبحت هيئات
المجتمع المدني، الذي تدفع باتجاهه وترعى تنظيماته وتوجهاته الآن جهاتٌ أجنبية في
بعض البلدان ـ غربية وأمريكية على الخصوص ـ تحت السيطرة التامة للمموِّلين
الذين تحكمهم سياسات الدولة الأعظم وبرامجها وخططها المريبة، أو يقوم بينهم وبينها
تحالف، تبادل مصالح، وهي ذات الرؤى والمصالح الخاصة والحليف والشريك والحامي
لعدونا الصهيوني الذي يحتل أرضنا ؟! ألا يكون ذلك هو الاستعمار بصورة من الصور..
مع الإشارة إلى أن الاستعمار في هذا العصر لم يعد قوة احتلال مباشرة فقط؟! ألا تنحسر
الحرية الفردية ويضيق فضاء المجتمع المدني – فضاء ما بين الأسرة والدولة- ومن ثم فضاء
الديموقراطية إلى الدرجة التي يصبح معها الفرد"
الحر" محكوماً بمصالح النافذين في القوى الاجتماعية الحاكمة والمرتبطة
بالحاكمين أو المسيطرة والمرتبطة بالمسيطرين، على نحو
مؤثر؟! ألا يضيق
ذلك الفضاء حتى الاختناق الاقتصادي واختناق الرأي والرؤية والروح، ويصبح
تبعية من نوع ما لفرصة العمل والرغيف والمصلحة التي يملكها شخص أو مؤسسة خاصة أو قوة
عظمىأو
تحالف قوى؟! ومن ثم ألا يتسمم ذلك الفضاء بالقمع والضغط والتبعية
إلى
درجة الاختناق عندما تتآلف سلطة الدولة مع سلطة نافذين في مجتمع مدني يصلون إلى
السلطة بأموالهم وأموال ونفوذ من يواليهم ويوالونه
حسب المصالح والمنافع والارتباطات؟! وهل كان ذلك النوع من علاقات ذلك الفضاء
بعيداً عن هذه الصيغة من المواصفات والصلات والعلاقات عبر تاريخ الدول والمجتمعات
والتنظيمات؟!.
ومن يرَ أن الاستعمار /
المباشر أو غير المباشر / أفضل من دولة قوية قد تكون لها أخطاء لا يُدخل
دُبَّ الشك إلى كرمه فقط بل يدخل الخراب إلى كيان أمته بما فيها
مجتمعها المدني بأفراده وأسره وهيئاته كلها وربما أفكاره وقيمه. ولا يجوز
له من بعد أن يقول: لماذا تتهمونني بهذا النوع أو ذاك من الاتهامات عندما
يسعى الشك على قدمين مواكباً لمؤشرات وأحداث!؟ فمن يفعل ذلك يفتح على نفسه باباً
لا يغلق في هذا الاتجاه.
ـ يذهب رأي بعض
المفسرين إلى القول: "ما أراده فرغيسون يتمثل في خلق وتطوير روابط اجتماعية
مستقلة، أي خلق مجتمع مدني داخل المجتمع المدني"([3]) وعلى الرغم
من خطورة مثل هذا التوجه في دول تتعرض لتهديد واحتلال وحصار مكشوف أو
خفيٍّ ومحنٍ وامتحانات
قاسية، نسأل : ما هي العلاقة بين هذين المجتمعين في حال وجودهما في دولة
واحدة مجتمع مدني داخل المجتمع المدني!؟ ما هي الروابط
والمفاصل والضوابط والمعايير؟!، وهل يحددها قانون أو
عرف أو
قوة من أي نوع، أم تراها مما يفرضه أو يقيمه النفوذ الذي لكل منهما!؟ وما
هي الضوابط التي تضبط الإيقاع بينهما في حال وجود تنافس ساخن على النفوذ والمصالح والسلطة،
ولماذا نفعل ذلك أصلاً في مجتمع واحد ولأي هدف!؟
قال ماركس:
"المجتمع هو ساحة تضاريس وتناقض وتصارع المصالح الاقتصادية في إطار القيم
البرجوازية والحياة الاجتماعية بصفة عامة".([4])
وهنا ينهض سؤال تُلقى
تبعة الإجابة عنه على أتباع ماركس والمتمسكين بنظريته ونهجه. والسؤال يقول: إذا
كان المجتمع ساحة تضاريس وتناقض وتصارع مصالح، وأنتم منحازون إلى طبقة من طبقاته
تخوض صراعاً ضد المجتمع البورجوازي وقيمه وسلطته؛ والمجتمع الذي يروِّج اليوم
لمفاهيم المجتمع المدني ومبادرات الأفراد وحرياتهم واقتصاد السوق وللديموقراطية ـ
وفق المفهوم الغربي البورجوازي للديموقراطية ـ "التي لا يقوم مجتمع مدني من
دونها"، في إطار احترام الملكية الخاصة وانفتاح السوق وحركة رأس المال وسهولة
تدفقه وحرية
تنقله وحماية هوامش ربحه، حتى لا نقول استغلاله للآخرين، بالقانون
والقوة المسلحة والتفوق المعلوماتي والعسكري، وكذلك تدفق
السلع والأموال في كل الاتجاهات/ أي منظور العولمة الحالي تقريباً/. إذا كان ذلك
المجتمع هو مجتمع برجوازي مرفوض من جهة، ولا
تنادون بمفهوم للمجتمع المدني ومؤسساته وفق منظور إسلامي ـ قومي يزخر به وبمعطياته
تراثنا وتاريخ مجتمعاتنا من جهة أخرى؛ وكنتم تاريخياً ضد البورجوازية وضد هذا
النوع من المجتمعات واقتصادها ومفاهيمها للملكية وللاقتصاد وللحريات وللفردية وحتى
للتراث الذي يمثل تقاليد مجتمع غير مقبول لأنه ديني أو قومي " شوفيني "
وغير تقدمي من وجهة نظركم؛ انطلاقاً من رؤية للعدالة تتعارض مع سيطرة رأس المال والملكية
الفردية و"انفلاش" المجتمع خارج حدود ما تقرره وتخطط لـه الدولة
المنشودة لديكم، التي تمثل الحزب والطبقة العاملة ومصالح الفقراء والعمال، وتضبطها
ديكتاتورية البروليتاريا .. إلخ؛ فكيف توفِّقون الآن بين الماضي القريب
وأيديولوجيته ومنهجه وبين التوجه الحالي المريب ومخاطره وارتباطاته ونتائج تلك
الارتباطات!؟ هل تُقرِّون بأن النظرية الماركسية وليس الدولة السوفييتية قد سقطت؟!
وفي هذه الحالة يمكن إعلان الرأي وقبول التوجه الجديد والتصرف المبني عليه أو
المستمد منه أو تسويغهما واستحسان تفسيرهما للأمور؟! أم أنكم تقولون بتغير
المواقع والمواقف بتغير المعطيات والحسابات الخاصة والقوى وتأثير
المتغيرات بصرف النظر عن المبادىء والأيديولوجيا
..
وأن
الغاية
تبرر الوسيلة لا غير وفق ميكيافيلية مطوَّرة؟! أم تراكم تأخذون
بتغيير الاقتناع والمواقف والأفكار من خلال
تغير المصالح
والمنافع، فالسلطات النافذة القرار.. تصبح نافذة الرأي والرؤية ومصدر
البصيرة والاستبصاروالإلهام... على نمط القول ذي الدلالة:
"كلام الوزير وزير الكلام"؟! ، أم أن
الجهات التي تمسك بالخيوط التي تحرك الدمى وتوجه "اللاعبين" وتدفع قيمة
الحركة
قد تغيرت فاستوجب ذلك تغييراً لا يهم ارتباطه بأصول وثوابت طبقية وعقائد
ومبادىء أيديولوجية وتاريخ!؟ أم أن المعارضة من
أجل الوصول إلى السلطة تبيح كل شيء بما في ذلك مصلحة الوطن .. لأن مفهوم الوطن
والمواطنة أخذ يرتبط بالسلطة وبمن يجلس في سِدّة الحكم؟! وكل تفسير أو اختيار من
تلك التفسيرات والاختيارات يحتاج إلى إفصاح وبعض الإفصاح فضَّاح وربما قتّال؟!
ـ 3 ـ
ولنا أن نعرج الآن على
هيكلية المجتمع المدني وبناه الموجودة في بلدنا التي يستهدفها الحوار .. أو الشجار
، وفق المنطق المتداول والأشخاص الذين يصخبون ، وما يطرح من رأي عبر وسائل معينة
وبأساليب قد تكون مدعاة للتأمل والتفكير والتدبُّر.
إن الهياكل العامة
لمؤسسات المجتمع المدني في دولة مثل سورية قائمة ولكن علاقتها بالحكومة وإشراف
الحكومة عليها والعلاقة بينهما ومكانة تلك المؤسسات في الدولة واستيعاب مفهوم
الدولة الذي يستوعب بدوره تلك المؤسسات ، وكذلك القوانين التي تحكم تلك العلاقة
والممارسات التي قد تتم باسم تلك القوانين من السلطة التنفيذية، مختلفة أولاً عن
تلك التي تكون في مجتمعات أخرى غربية، أو في بلدان العالم النامي، أو حتى في
البلدان العربية ذاتها، وقد يكون فيها شيء من تعسف في الممارسة وتعطيل للأهداف
التي قامت من أجلها تلك الهيئات والمؤسسات، كما قد يكون هناك بالمقابل شيء من
الاستفزاز ذي التوظيف الإعلامي ـ السياسي أو الأيديولوجي من جانب أفراد في تلك
المؤسسات أو في خلفية الحديث عنها أصلاً ويتم تحريكه وتسكينه في تزامن أحداث لافت
للنظر.
ولكن كل
هذا
لا ينفي وجود الهيكل العام للمجتمع المدني وإمكانية البناء في
فضائه وإدخال التعديل عليه من جهة، ولا أهمية استمرار الدعوة لبناء
مؤسساته وترميم القائم من تلك المؤسسات والهياكل من جهة أخرى.
من الحقائق شبه الثابتة
أنه لا يمكن فصل أي بلد من البلدان عن تاريخه والسيرورة الاجتماعية والثقافية فيه
ولا عن واقعه الداخلي ومحيطه الخارجي العام، ولا عن الصراعات
التي يخوضها أو تلك المفروضة عليه والتحديات التي يواجهها. ومن ثم لا يمكن فصله
عما يعكسه ذلك الوضع العام في أساليب العمل السياسي والثقافي
وفي التكوين الاجتماعي والتحرك ، وكذلك في نظرة ذلك
البلد للتجمعات والتنظيمات والأندية والجمعيات والنشاطات
المختلفة التي تتم داخل بنيته وتأثيرها في أهدافه وعلى علاقاته وتأثير ذلك في
البلد وارتباطاته وتحركه بشكل عام.
فبلد محتلة أرضه ويتعرض
للاستفزاز والتحدي والتهديد ولأشكال الحصار من عدوه ومن حلفاء ذلك العدو، تختلف نظرته
في معظم
الأمور أو فيها
كلها
عن بلد لا يعاني من هذه الظروف ولا يخضع لضغطها وتهديدها ولا تدخل في حساباته. ومن
ثم فإن هذه الظروف الخاصة ومعطيات الواقع تنعكس حساسية سياسية واجتماعية وأحكاماً
قانونية وتعاملاً عاماً مع الأحداث والأشخاص والمعطيات
كلها، ونظرة عامة للأشخاص والأفعال والأقوال في مجالات العمل ومستوياته وتفاعلاته
كافة.
-4-
في مناقشة وضع خاص
بالتحرُّك باتجاه المجتمع المدني في سورية، شاركت فيه عناصر من أتباع الماركسية
بهوامشها وبعض أصحاب رؤوس أموال ما كانوا على اتفاق مع الماركسية بشكل من الأشكال في يوم من
الأيام،
ومثقفون وسياسيون من مشارب مختلفة وفي موقع جغرافي وسياسي واجتماعي له خصوصية تنبع
من واقعه وأوضاعه ومعطيات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتعقيداتها
فيه. نتوقف عند سورية التي انتشرت فيها دعوة المجتمع المدني بصورة مثيرة للانتباه
وخَمَدَت بصورة مثيرة أكثر للانتباه؛ ونتوقف بداية عند سؤال : هل في سورية ملامح
مجتمع مدني أو مقوماته أم أن كل شيء غائب حتى تلك الملامح فضلاً عن تلك المقومات،
وأن
الدعوة التي جاءت
" لإحياء المجتمع المدني " وهيئاته ومؤسساته ، وأدانت أو اتهمت أو شككت
بدور الحزب القائد للدولة والمجتمع، وفق أحكام الدستور السوري، وبالدولة وأدائها
على مدى الأربعين السنة الماضية، وفي قدرة
الحزب وقدرة الدولة على قيادة البلاد نحو أي نوع من أنواع البناء والتحديث
والتطوير وتعزز وجود مؤسسات مجتمع مدني مؤثرة وبنية اجتماعية عامة سليمة حاملة
لأعباء المرحلة ومتطلباتها وقادرة على الاستجابة لتحديات
العصر في
إطار التوجه نحو الاستجابة لاستحقاقاته وتحدياته: بنية وقدرة على الأداء يمكن
الانطلاق منهما من جديد.. هل هي دعوة جديدة ومحقة وجديرة بالاهتمام!؟ وإلى أي مدى
كانت تلك الدعوة موضوعية ومخلصة لمفهوم المجتمع المدني وخالصة في جهدها لأهدافه
البعيدة في مجتمع تتكامل فيه الهيئات والبنى والأدوات والمؤسسات، تسوسه
دولة قوية ذات سيادة ويحكمه مشروع قومي وتاريخ نضالي
وتطلعات
عصرية...ورؤية تؤسس لنهضة وقوة وتحرير وتطوير وتحديث
ومواجهة بأدوات العصر ومعطياته لما تطرحه قوى العصر من تحديات!؟.
وقبل أن نناقش الآراء
والمواقف والوقائع والوثائق والتوجهات المطروحة في هذا المجال ننظر قليلاً وبإيجاز
شديد في البنية العامة أو الهيكلية العامة القائمة في الجمهورية العربية السورية ،
لنرى هل هناك هيكل جوهري ماثل لمجتمع مدني راسخ أم أن هناك غياباً تاماً أو شبه
تام لهذا النوع من الهيكلية، وأن الأمر يحتاج بشكل عام إلى تأسيس وبناء جديد وليس
إلى إحياء بنى مجتمع مدني كانت موجودة وتحتاج إلى بعث الروح فيها والزيادة عليها
بما يحقق مجاراة للعصر وتلبية للحاجة!؟
لدينا في سورية هياكل
مجتمع مدني متماسك تحتاج منا إلى تعزيز وترميم وتفعيل وإضافة، وهي هياكل عامة رئيسة
تحتاج إلى أن نكسوها المزيد من اللحم ونقيم بينها شبكة الأعصاب المنتظمة لكي تعمل
بتناسق أدق
وفاعلية
أفضل،
إنها
بنية
موجودة تحتاج
إلى توسع في دوائر أدائها، وإلى ترميم وبعث حيوية
ونشاط في أوصالها. ولكن مجتمعنا ليس بحاجة إلى شكل كلي
الجدة
شامل
التأسيس مما يسمى :" بنية المجتمع المدني" بالمفهوم
المتداول اليوم. وقد لا نجد في ما كان قبل أربعين سنة ـ أي قبل قيام ثورة آذار1963
- بنية متكاملة
نحييها لتعوّض عن شيء غير موجود في الحياة اليوم أو عما هو
قائم فيها مما يعطل التقدم والتحديث والعَصْرَنَة أو يشلها.
وإذا أخذنا المقومات الرئيسة للمجتمع المدني نجد أنه يقوم على:
مبدأ فصل السلطات:
التشريعية والتنفيذية والقضائية، وعلى وجود: أحزاب ـ ونقابات مهنية ومنظمات شعبية
ـ وأندية:" فنية وثقافية ورياضية وسياسية واجتماعية..إلخ" ـ وجمعيات
خيرية وذات نفع عام ـ ومؤسسات وقفية ـ وجامعات ومعاهد ـ ومؤسسات
دينية...إلخ ومن أهم المظاهر التي تميز المجتمع
المدني فصل
السلطات،
وفي سورية يوجد فصل واضح للسلطات يقرره الدستور الدائم للبلاد ويصونه.. ففي سورية
:
أولاً: مجلس شعب "برلمان"، وهو
مؤسسة قائمة عندنا منذ الاستقلال ولكنها تعرضت لهزات وتوقف عن العمل في بعض
المراحل من عمر هذا البلد، وهي مستمرة في أداء مهامها منذ بداية السبعينيات/1973/ بموجب
الدستور
الدائم للبلاد الذي أقر في مجلس الشعب بتاريخ 20/2/1973 ونشر
عملاً بالمرسوم رقم 208 تاريخ 13/3/1973 في الجريدة الرسمية بعد إعلان نتيجة
الاستفتاء الشعبي بتاريخ 13/3/1973. ويتم انتخاب مجلس الشعب
بشكل مباشر من الشعب، وتساهم في عملية
الانتخاب كل جماهير الشعب، وتمارس فيها دوراً بارزاً: أحزابٌ ومنظمات
شعبية ونقابات
مهنية وهيئات أهلية وشرائح اجتماعية من كل الفئات والاتجاهات
والتيارات، وعشائر، ومؤسسات
دينية وخيرية واجتماعية.. وألوان الطيف الاجتماعي
والسياسي المختلفة سواء أكانت المشاركة إيجابية أم سلبية. وكل تلك الهيئات والفئات
تنشط بالطريقة التي تراها ملائمة لتساهم في إقامة
هذه المؤسسة الرئيسة التي تضع الإطار التشريعي، وترعى الدستور،
وتمنح الثقة للحكومة كلياً أو جزئياً، وتحاسبها، وتسحب الثقة منها جزئياً أو
كلياً، وتشرِّع كل ما يحتاج إليه المجتمع وتحتاج إليه الدولة من قوانين.
قد يكون لنا الكثير من
الملاحظات على الطريقة التي يتم بها انتخاب مجلس الشعب، وملاحظات أيضاً على مجلس
الشعب ذاته
في
تكوينه وأدائه
فضلاً عن دوره وفعاليته، ولكن هذا لا يلغي حقيقة أنه قائم ويمارس
دوراً ويحقق بأدائه ضوابط كثيرة في عمل الحكومة، ويطرح مشكلات الناس
ومصالحهم، ويقوم بإيصال صوتهم والمساهمة في صنع القرار الوطني باسمهم؛ كما يساهم
في بناء الدولة وعملها. ولا بد من تصحيح الأخطاء ومعالجة بعض القصور الذي يعتري
الأداء سواء أكان ذلك لجهة طغيان دور الحكومة: السلطة التنفيذية على دور
المجلس: السلطة التشريعية، أم لجهة ضبط القيادة السياسية لكل من دور الحكومة
والمجلس وتوجيههما وإخضاعهما أحياناً لإرادة أعلى؛ أم لجهة دراسة مدى
تمثيل المجلس للناس والشرائح الاجتماعية والقوى السياسية كافة وبشكل يحقق عدالة
تامة، الأمر الذي يخدم مصلحة البلد بشكل عام، بوصف المجلس هيئة رئيسة تمثل الشعب
وتعبر عن إرادته، وهيئة من أهم هيئات المجتمع وأكبرها، وركناً أساسياً
هاماً من أركان
الدولة، وعماداً للديموقراطية ومرآة لها وضمانة قوية لممارستها
بشكل سليم ودقيق ونظيف.
ويمكن ببساطة طرح سؤال
أو أكثر مما يتعلق ببنية المجلس ومدى تحقيقه
للمصلحة العليا للدولة والمجتمع، في ظل تحديات العصر وتطوراته
وواقع الاحتلال ومقتضيات مواجهته ومرحلة التطوير والتحديث التي غدت نهجاً
راسخاً وضرورة ملحة. والأسئلة المطروحة كثيرة منها ما يتعلق بالمستوى
الثقافي والمعرفي العام، أو بالقدرة على الأداء والمكانة الاجتماعية، أو بالنزاهة
والنظافة وحسن التمثيل والتعبير واستقلال الرأي والقدرة على المتابعة وتكوين الرأي
من جهة، والتأثير في الرأي العام من جهة أخرى. ومن بين الأسئلة البارزة سؤال مطروح
يتعلق بجدوى التمسك بالتوزيع الحالي للفئتين :
أ و ب، حيث يطغى حضور العمال والفلاحين في المجلس على حساب الحاجة لعناصر من
اختصاصات وقدرات علمية ومعرفية عميقة ودقيقة ومتنوعة تشمل مجالات العمل والعلم
الواسعة، وتستطيع أن تساهم في مواجهة المتطلبات والتحديات العصرية التي
تتطلب في جوهرها قدرات علمية ومعرفية وتخصصية عالية لا
يلبيها أو لا يحققها التكوين الحالي لمجلس الشعب عندنا.
ثانياً : لدينا في
سورية سلطة تنفيذية ، حكومة ، تتولى ممارسة السلطات والصلاحيات التي يحددها
الدستور. ولعلها من أكثر الحكومات عدد وزراء في العالم. وقد تتجاوز في سلطاتها
وممارساتها السلطات الأخرى ، وقد تعطل جزئياً بعض أحكام الدستور والقوانين أو تسيء
استخدامها وتفسيرها، ولكن هذا ليس من الأمور التي يمكن أن تستمر أو يتم السكوت
عليها، ولا هي مما يقره الدستور ولا توجد جهات رسمية في الدولة مخولة بمراقبة ذلك
وبوقفه عندما يحدث؛ وفي الوقت ذاته ليس مما ينبغي أن يحجب عنا الوجود القانوني
لتلك السلطة ولا ضرورة وجودها ودورها وإنجازاتها والخدمات الحيوية والرئيسة التي
تقدمها للوطن والمواطن، وهي كثيرة جداً، ويمكن الوقوف عليها بالمقارنة بين ما كنا
عليه وما أصبحنا عليه بين عقد من الزمن وآخر، مع مراعاة تزايد السكان وكثرة
المستجدات والمشكلات التي ينبغي أن توضع لها حلول .
ثالثا: السلطة القضائية:
لدينا في سورية سلطة
قضائية مستقلة عن السلطات الأخرى بموجب الدستور والقوانين النافذة، ومجلس أعلى
للقضاء ومحكمة دستورية عليا؛ أي أن الأطر التي يستوجبها استقلال القضاء ودستورية
القوانين وسلامة تطبيقها موجودة. ولا يخلو الوضع الذي هي فيه من مآخذ عليها وتجاوز
لبعض صلاحياتها تستوجب المراجعة وتأكيد أهمية دورها وأهمية أن تمارس هذا الدور
باستقلالية ونزاهة واقتدار.
رابعاً : لدينا في
سورية:
1 ـ نقابات مهنية
تحتل مواقع هامة في كل قطاع من قطاعات المجتمع، وهي هيئات اجتماعية واختصاصية ذات دور
علمي وعملي وذات خصوصية وحضور وأهمية، وتقوم بدور
اجتماعي وثقافي وسياسي وبخدمات لا تقوم بها السلطة، وقد لا تستطيع أن تقوم بها
حيال شرائح اجتماعية وفي ميادين مهنية واجتماعية
وإنسانية كثيرة. وتمثيل هذه الهيئات والاستفادة منها في مواقع
تنفيذ الخطط وتكوين الرؤى والسياسات العامة والاستراتيجيات الشاملة واتخاذ القرار
من الأهمية بمكان. وقد تحتاج أوضاعها إلى تدقيق في نوع الأشخاص والخبرات والقدرات المعرفية
والنظافة السلوكية والصلاحيات وكيفية ممارستها، أو في العدد الذي
يستطيع تحقيق نسبة تمثيل ملائم للشرائح الاجتماعية والتيارات
السياسية والفكرية والاختصاصات العلمية والقدرات المختلفة.
2 ـ منظمات شعبية كثيرة
وكبيرة، وهي تمثل شرائح اجتماعية واسعة، وتقوم
بخدمات في المجال الاجتماعي والصحي والتنظيمي، وتساهم في
التكوين السياسي والاجتماعي والتربوي والثقافي لا يستهان به؛ وهي في اهتماماتها
وتشعب تنظيمها وأدائها تمس حياة أفراد في المجتمع
وشرائح اجتماعية قد لا تصل إليها هيئات
أخرى. ولا تحمل
هذه المنظمات بصمات الهيئات النقابية والاجتماعية الأخرى وهي
عديدة نذكر منها: اتحاد الفلاحين الذين
يحق لهم كما العمال أن يعبروا عن وجودهم وينظموا أنفسهم ويدافعوا عن مصالحهم
ويساهموا في رسم سياسة الدولة، لا سيما أن العدد العام
للفلاحين في بلدنا يزيد في نسبته على عدد العمال،
فبلدنا زراعي بالدرجة الأولى، والفلاحون فيه أكثرية اجتماعية
واضحة.
وهناك اتحاد للعمال
يتمتع بصلاحيات واسعة وله نفوذ كبير وتأثير أكبر في الحياة والعمل والسياسة
والإنتاج. ويبدو لي أنه يتمتع بما لا يتمتع به اتحاد الفلاحين من صلاحيات وتأثير
وقدرات.. وربما ارتبط ذلك بتاريخ التنظيم العمالي عامة وبتاريخه في بلدنا بشكل
خاص، وبنظرة التنظيمات التقدمية اليسارية إلى الفلاحين على أنهم من البرجوازيين؛
لأن ثورة لينين قامت على العمال ولم تقم على الفلاحين شأن ثورة ماو. وقد أجد
مناسبة للسؤال: لماذا يكون هناك حق ونفوذ للعمال لا
يكون مثله للفلاحين في بلدنا؟
ولدينا اتحاد الطلبة؛
واتحاد الشبيبة، وهما تنظيمان يضمان عدداً كبيراً من المواطنين يشكلون مستقبل
الدولة والمجتمع، ولدينا أيضاً اتحادات:
"الحرفيون
ـ النسائي العام ـ الرياضي العام. ومنظمة للطلائع ، ونقابات
: المعلمون ـ المحامون ـ الأطباء ـ أطباء الأسنان ـ المهندسون ـ المهندسون
الزراعيون ـ الفنانون ـ الفنانون التشكيليون ـ الصيادلة . واتحاد الكتاب العرب ـ
واتحاد الصحفيين. وكلها قطاعات تمثل فئات اجتماعية وعمرية واختصاصات واهتمامات
متنوعة وكثيرة ، وتقدم عن مجتمعنا صورة المجتمع المنظم بشكل شبه تام. و لدينا بنى
المجتمع المدني الأخرى مما أشرت إليه في موضع سابق هنا وهياكل تنظيمية لتلك
البُنى.
وإذا كانت لنا مآخذ أو ملاحظات
عليها وعلى
مطالبها الديمقراطية أو الاجتماعية أو المهنية وعلى التمثيل فيها وعلى أدائها
والتزامها، فلذلك كله مكانه ومجاله ووجاهته
وأسلوب معالجته وهو أمر مشروع وضروري، كونها من
بنى المجتمع المدني الهامة والضرورية التي لا بد من
وجودها وصلاحها والمحافظة عليها وتطوير أدائها وتمكينها من أداء دورها باقتدار.
وهي جميعاً تنظيمات
تدخل في صميم بنية المجتمع المدني وتقوم بخدمة أهدافه العامة وبأداء خدمات
اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية كبيرة وضرورية. وواقع الأمر أنها منظمات
مفتوحة لكل الشعب وتقدم خدماتها لكل من يتصل بها من الناس وفق
قوانينها وأنظمتها واهتماماتها، فهي ليست للحزب القائد ولا
للحزبيين فقط ولا لأحزاب الجبهة التقدمية، ولها مهام قومية ووطنية واجتماعية و
مهنية وثقافية وسياسية ثابتة وواضحة وأساسية.
وهذا لا يعني أن هيئات
المجتمع المدني عندنا مكتملة ومثالية، ولكنه لا يعني
أيضاً أن هذه المنظمات والنقابات والهيئات الاجتماعية
ليس لها وجود وليس لها علاقة بالمجتمع المدني وبنيته
ومهامه، وأننا نفتقدها ونفتقد دورها وأداءها كلياً، وأننا لا بد من أن نبدأ من
الصفر ونذهب مع رعيل "الكشف المتقدم في ريادته" إلى المدى الذي يراه
ويروجه في الادعاء والدعوة " لكشفه وريادته"!؟.
وهذا يقودنا إلى القول:
إن المجتمع
الذي وصلنا إليه ونعيش فيه هو مجتمع مدني في إطار نوع من الممارسة
الديموقراطية، التي قد يكون لنا عليها ملاحظات ومآخذ ولكن ذلك لا يلغي
أبداً حقيقة أن هياكلها موجودة وأن عليها أن تطور هذه
الهياكل وترممها وتجددها لكي تقوم بدورها بشكل دقيق وتتلافى ما عليها من ملاحظات،
وأن المطلوب بجدية هو تحسين تركيب تلك الهياكل
وتحسين أدائها كما لا
يلغي أن أسلوب وصول عناصرها إلى مواقع المسؤولية يحتاج
إلى إعادة نظر لوضع حد لتجاوزات
وممارسات تسببها علاقات وصلات ليست موضوعية ولا
هي في
مصلحة المؤسسة
والأفراد
والمجتمع والدولة ولا مما يقدم صورة صحية للممارسة الديمقراطية
ويعمل على ترسيخها.
وأن قضيتنا الأساس هنا
هي احترام الحرية ومناخها السليم وتحقيق مبدأ المساواة
أمام القانون للمواطنين كافة وتطبيق القوانين عليهم من دون تمييز أو
انحياز أو تجاوز أو فساد معايير وشيوع أساليب مريضة وتأثير مواقع
وأشخاص
في الاختيارات والنتائج ، والانطلاق من نظرة شاملة
لمصلحة الدولة والمجتمع تجعل مصلحة الوطن فوق الجميع وتجعل
القانون سيداً حاضراً: نصاً
وروحاً، وتجعل المواطن مطمئناً إلى العدالة والمساواة والحرية ومناخها السليم.
إن الهامش المتروك
للهيئات الأهلية هو هامش واسع وينبغي أن يتسع وعلى الدولة أن ترعى هذه
الهيئات وأن تراقبها وتضبط أداءها لتبقى ضمن القانون
و في ظله،
وضمن الالتزام الاجتماعي والوطني والقومي وفي إطاره
حتى لا تنحرف عن أغراضها الإنسانية العامة أو تقع تلك الهيئات
في
متناول
أيد
أجنبية، أو تحيد كلياً
أو جزئياً عن الأهداف العامة للأداء الذي يتطلبه كيان الدولة وأهداف
المجتمع ومتطلبات الدفاع عن هويته ووجوده ومصالحه وقضاياه العادلة وسلامة
بنيته وأهدافه التي وجدت تلك المنظمات والتنظيمات من أجل
تعزيزها.
وينبغي أن يكون واضحاً
أن هذه الهيئات ضرورية، ولكنها ليست المجتمع بل هي جزء منه وفي متنه القوي وليست
بديلاً عنه، ولكن هامش أدائها يجب أن يتسع
ليصبح متناً ذا شأن في الدولة وليس الدولة أو قيادة لها أو حصاناً للانقضاض
على قوامها ومقوماتها وصلاحيات سلطاتها ومؤسساتها. وتهميش ذلك الأداء ضار
بها وبالمجتمع. وأداؤها مؤثر في تقدم المجتمع،
وهوامش تحركها هي هوامشه التي ينبغي أن تقوى وتتسع، لأن
هناك مهاماً لتلك الهيئات ينبغي أن تقوم بها ولا تستطيع
الدولة أن تقوم بها. لذلك فإن على الدولة أن تفسح مجال
العمل أمام هذه الهيئات وأن تحملها مسؤوليات وأن تساعدها وأن تحميها وأن تضبط أداءها وفقاً للقوانين
والأنظمة النافذة وأن تستفيد من جهودها وآرائها ونوعية أدائها في كل مجال.
وإذا كان هناك من يريد أن يدخل من
مدخل النقابات والمنظمات والهيئات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني أو أن يندس فيها
ليجعلها
ستاراً لعمله السياسي الهادف إلى الوصول إلى السلطة أو مقاومة
من هم في السلطة، أو يريد أن يسخرها لتخدم
أهدافاً خاصة به وتجعله يصل إلى السلطة
أو يستفيد منها أو يبتزها، فعليه أن يعرف أن هناك من يحرص على الوصول إلى السلطة
وهناك من يحرص على البقاء فيها، وأن "لعبة"
السلطة هي جزء من أداء المجتمع المدني ككل وليست خارجه على
الإطلاق،
بل هي أساس عمل من ينادون بإحيائه وفي صلب منطلقاتهم
السليمة، ولكن أطراً
سياسية موجودة
في صلب تكوينه هي أقرب إلى ممارسة "لعبة" السلطة
وأقدر عليها وهي الأحزاب التي هي جزء من بنية المجتمع المدني ولكن حيز عملها مختلف
عن مؤسسات وأندية ومنتديات أهلية وخيرية ونقابية
واجتماعية وإنسانية .. إلخ وعليه أن يتوقع أيضاً حضور آخرين وقوة سعيهم لبلوغ
الغرض
ذاته: الوصول إلى السلطة أو المحافظة عليها، ومن ثم إمكانية نشوء أوضاع
قد تفسد المناخ الاجتماعي العام كلياً بما في ذلك مناخ
أداء منظمات إنسانية في المجتمع المدني لا يستغني عنها قطاع معين من الفقراء
والضعفاء والمستضعفين. وهذا ليس في صالح تلك الهيئات ولا في صالح المجتمع لا سيما
في بعض الأوقات والظروف. وعليه وعلى سواه أن يتذكروا أن النقابات إطار مهني ـ
اجتماعي ـ اقتصادي وسياسي وثقافي فيه خصوصية، وهي جزء من
تكوين المجتمع المدني وما كان يطلق عليه في مرحلة ثورية سابقة : المجتمع الثوري، الذي تسلح
بشرعية ثورية أتت على الشرعية الدستورية من دون أن يرتفع صوت يحتج على ذلك ـ بل سوغه
فريق ودعمه واستغله ورفعه بوصفه شرعية ثورية حتى لو كان ممارسة الديكتاتورية ذاتها
بأبشع صورها وبأوسع أشكال أدائها وأسوأ انعكاساتها وأفظع تلك الانعكاسات ـ في حين
كَمَّت أفواه من نادى بالشرعية الدستورية في ظل المد الثوري ومشروعيته وأرهب
بالمعنى السلبي القهري الدموي للكلمة، وأن تلك الهيئات مما
ينبغي أن تصان بناها وأنظمتها وأهدافها في إطار
الديموقراطية والسلامة الاجتماعية . وإذا كان الهدف هو
الوصول إلى السلطة، وهو هدف مشروع لمن ينشده، فإن هناك
إطاراً أكثر ملاءمة لعمل يؤدي إلى الوصول إلى السلطة هو الأحزاب
كما أسلفت، وهوإطار موجود في سورية، وقد يكون
هناك اعتراض على أداء تلك الأحزاب وعلى بنيتها
وأهدافها وأساليب عملها...إلخ والحديث مشروع بل مطلوب في هذا
المجال من أجل تحسين الشروط والمناخ والأداء والتوجهات
العامة
في
الأحزاب والتنظيمات والمنظمات جميعاً.
والمجتمع المدني ليس هو
فقط الهيئات الأهلية التي هي جزء من تكوينه، بل هو الشرائح
الاجتماعية الواسعة المنضوية تحت نظام إداري واجتماعي وتنظيمي عام وواسع تحكمه أنظمة
وقوانين
مبنية على شرعية دستورية، وذات مرجعية وطنية وقومية متداخلتين في بلدنا تداخلاً
عضوياً ومرجعية عقائدية واعتقادية يصعب تجاوز وجودها وتأثيرها. وعلى من
يريد أن يلعب لعبة سياسية لمصلحة ذاتية أو لمصلحة جهة أجنبية أو داخلية أن يلعبها
بوضوح ، متخلياً عن تمويه حصان طروادة حتى لا يفسد هيئات المجتمع المدني ويشوش أداءها
ويشوه
أغراضها ويحرفها عن أهدافها ليستظل بها ويسخرها لخدمة أغراضه أو
ارتباطاته وارتباطات من زجوا به في هذا الاتجاه وشجعوه على السير فيه،
سواء أدرك ذلك أم لم يدركه. وها هي الممارسات الكريهة المنافية لكل بعد إنساني أو
حضاري لمن يرفعهم البعض أنموذجاً أو يحتمي بهم، ها هي جلية ووقحة عندما يتعلق
الأمر بمصالحهم أو أهدافهم ومخططاتهم أو بشأن من شؤونهم الداخلية ومصالحهم
الاستعمارية.. إنهم يتجاوزون القانون والمجتمع والأخلاق والأعراف والديموقراطية
والأخلاق ويرتكبون أفظع الجرائم ويزوّرون كل الحقائق والوقائع، وعلينا ألا ندعوا
إلى أن يكون فعلهم الوحشي قدوة بل ندعوا إلى أن نتبين رصيدنا الحضاري وواقعنا
الاجتماعي وموقع ممارساتنا ودعواتنا ووقعها في الزمن والظرف اللذين تمر بهما أمتنا
ويمر بهما نضالنا وتطور مجتمعنا.
- 5 -
وظاهرة المجتمع
المدني في سورية كما أراها:حركة احتجاج: سياسية-
اجتماعية- اقتصادية تطرح مسألة "السلطة وسيلة
والسلطة غاية"، وتسلك إلى بلوغها مسالك منها: محاولة وضع المثقفين والشعب في
حالة تضاد مع السلطة القائمة ليؤدي ذلك إلى إرباك السلطة وعزلها وإضعافها والتأليب عليها ومن
ثم إسقاطها، واستغلال أخطاء السلطة ومظاهر الفساد في بعض مسؤوليها
ومواقعها وممارساتها وتضخيم ذلك لجعله الوجه النهائي لها. ومن
الطبيعي أن تقوم السلطة بالدفاع عن نفسها ومواقعها ومن ثم، وفي أثناء
ذلك، قد
تلحق أذىً كبيراً بمن يناوئها وتتغاضى
أحياناً عن أخطاء وأحكام قانونية ينبغي أن تتقيد بها وتحترمها وتجرح حقوقاً ينبغي
أن تراعيها. وتتم في ذلك العراك عملية إضعاف
متبادل للسلطات
وما يسمى " المعارضة" والمجتمع وللدولة ككل لا يستفيد
منها إلا أعداء الوطن لأن الأمور لا تأخذ طابع التسابق على خدمة
الوطن من خلال البحث عن أفضل الوسائل والسبل لوضع الخطط الكفيلة بذلك وإنجاحها
وإنما يتم على حساب كل جهد يبذل وكل خطط توضع، حيث يغدو الهدف تشويه الآخر بكل
الوسائل حتى من خلال الإخلال بالأداء أو زج أصحابه في الاضطراب الانفعالي التعصبي
: مع أو ضد. وهذا يطرح سؤالاً: ما معنى عزل سلطات الدولة عن
السند الشعبي وعزل الوسط الثقافي عن أداء السلطات في الدولة.؟! ولمصلحة من يتم هذا
الإضعاف المتبادل لكل من السلطة التي تريد الإصلاح والفئات التي
تطالب به وتتحرك باسمه رافعة شعاره إن كانت صادقة ومخلصة؟!
وهذا الوضع القائم على
نحو ما يطرح
سؤالاً:هل نخطط
لسياسة وفهم وممارسة يتم فيها التأسيس لإحياء أو تكوين بنى مجتمع مدني في إطار
الدولة وضمن استراتيجياتها وأهدافها وتوجهها العام.. أم نخطط
لتكوين بنى مجتمع مدني محدد ذي أهداف مغايرة لأهداف الدولة يقوم في إطارها وكأنه
لغم تحتها في ظروف شائكة وأوضاع سياسية معينة، ويراد تغيير البنية السياسية فيها لتغيير
الأهداف والاستراتيجيات والثوابت والتوجهات العامة ومن ثم قلب المعادلات
الاستراتيجية والثوابت القومية والوطنية والنضالية ؟! أم أننا
نرمي إلى تفعيل بنى مجتمع مدني بصورة صحيحة واستكمالها لتحقيق أداء عام أفضل
لتحقيق الأهداف النضالية والاستراتيجية المرفوعة من الدولة ومن ثم نطرح بديلاً
للحكم وبديلاً في التنفيذ في تسابق على السلطة وأداة الحكم؟! إن تحديد ذلك
والإخلاص لاختيار واضح في نطاقه من أهم ما يمكن أن يحدد مناحي التحرك أو الحراك
الاجتماعي المقصود وأغراضه ووسائله وأوقات تصعيده أو تلطيف نبرته.
إن الوحدة
الفكرية أو وحدة الأهداف النهائية للفكر السياسي على الخصوص، هي أساس الترابط
والتماسك الاجتماعيين وضابط الاصطفاف وراء هدف
ورؤية ومشروع واستراتيجية، وما لم تكن هناك وحدة هدف ينضجها الفكر ويدعمها وينير
لها المسالك ويوظفها لخدمة استراتيجية ثابتة لا تتعارض مع المصالح والأهداف العليا
للدولة وتسعى لتحقيق أهدافها وتعمل كل من السلطة والمعارضة بوحي من تلك الأهداف
والثوابت فإن الاضطراب والفوضى سيكونان القاسم المشترك لأداء كل فريق يزعم أنه
يعمل من أجل خدمة الدولة ومواطنيها وأهدافها البعيدة، وتكون النتيجة المزيد من
الضعف والأزمات والنكبات والإحباط وحتى الانحطاط.
وحين نستذكر المناخ
الذي ساد في البلد والصورة التي قدمت لها في خارجها يوم ساد الساحة تراشق حاد
بكلام أدى إلى مواقف وممارسات وأحكام أقل ما يقال فيها إنها تفتقر للموضوعية وحس
المسؤولية، نجد أن الكثير مما هو حق كان يراد به باطل قد وظِّف في ذلك العراك. ولن
أتوقف عند تفاصيل مما خُطط لـه وقيل فيه الكثير روِّج بتغطية خارجية مدروسة ليرفع
في الإعلام الخارجي " أعلاماً " ليس لهم من العَلَميَّة ورفعة الشأن في
مجال المسؤولية شيئاً يذكر ليحق لهم شيء من الاستحقاق أكبر، فكثير مما سمعناه
وقرأناه مما قالوه غثاءٍ أحوى تسوقه أفواه محشوة بحقد أحياناً وبتعصب دفين تخمر في
أقبية نفوس خانها التوفيق لاكتشاف مدار الوعي المسؤول والمسؤولية القومية والوطنية
وتبعاتها على مدى عقود من الزمن كانت خلالها مواقفهم في مجال التنقل من دائرة
انتماء إلى أخرى في غَبَش رأي ورؤية من دون أن تكف عن الادعاء العريض بخدمة الحرية
والديمقراطية والثقافة التقدمية البناءة وهي تأخذ بالدكتاتورية وتجد يدها بيد
أعداء الوطن في السراء والضراء إذ تضع نفسها في موقع المخالفة المطلقة ـ ولا أقول
المعارضة المسؤولة ـ لكل ما تقره سلطة حتى حين تكون في حالة الحرب ورد العدوان، بل
إن التدقيق في بعض ما قيل يقودنا إلى استنتاجات ليست في صالح أولئك الدعاة الذين
لا يتتبعون سوى العثرات ولا يملكون إلا تضخيم رؤى مريضة ووقائع مرضية بهدف التشهير
لا التطهير، ولا يدلنا فعلهم على موضوعية وعلم مكين يقوم على احترام الذات والآخر
ومنطق معطيات الحكم ومقوماته وقواعد الاحتكام وأولوياته، ولا على حرص يصون صاحبه
من شبهة الاتهام والاستفزاز والإغراض، ولا على براءة من شبهة الارتباط بخطط الغير
ومخططاتهم أحياناً، لا سيما حين يقع الحافر على الحافر في فعل متزامن ينبع من خطة
واحدة ومخطط واحد. ولا نلمس في مواقف حاسمة خلوصاً تاماً لهدف وطني يقوم على معرفة
دقيقة بالمعطيات والظروف الدقيقة وقدرة على الأداء الوطني باقتدار والصدور عن
وجدان قومي نظيف ينير طرقات الناس إلى وضع أفضل وبديل أحسن يحرص الناس عليه وعلى
دعاته وبناته ومناخه وإنتاجه وتوجهاته.
وسوف أتوقف عند
بعض المحطَّات البارزة في ذلك السياق في المكان الملائم، وأود الآن أن أعود
إلى التوقف عند أقوال د . سعد الدين إبراهيم حول المجتمع غير المدني ـ
العسكري ـ أسوقها للتأمل فيها من جهة ولتشكل لي مدخلاً لأسئلة في تنويع على هذا السياق
من جهة أخرى، وأذكر من أقواله الآتي:
1 ـ "المجتمع
المدني هو مجموعة المنظمات التطوعية التي يؤسسها المواطنون بإرادتهم الحرة، فالجيش
ليس أحد منظمات المجتمع المدني، ولكن نادي الضباط، والجمعية التعاونية لإسكان
الضباط هما من منظمات المجتمع المدني، لأن عضويتهما اختيارية".
2 ـ والواقع أن المجتمع
المدني كفضاء للحرية و المبادرات الاختيارية والتطوعية، يختلف اختلافاً جوهرياً عن
المجتمع العسكري الذي يعتمد على الطاعة شبه العمياء، والانضباط الصارم، والتراتبية
شبه الحديدية. فإذا كانت الدولة هي المؤسسة الرسمية الكبرى في المجتمع .. فالمجتمع
المدني هو سياق يكثر فيه الحديث والنقاش، وبلا حديث ولا مناقشات لا يوجد
مجتمع مدني. وحينما يخاف الناس من الحديث مع بعضهم البعض فتلك هي نهاية
المجتمع المدني.
3 ـ "إن العنف هو
الوظيفة الأساسية للمجتمع العسكري.".
4 ـ " .. إن
الوظيفة الأساسية للمؤسسة العسكرية حسم الخلاف أو إدارة الصراع بالقوة، بينما في
المجتمع المدني فإن حسم الخلافات وإدارة الصراعات يكون بالوسائل السلمية مثل
التفاوض والتصويت".
5 ـ " هذا
الاختلاف الجوهري هو الذي يجعل من المجتمع المدني الوجه الآخر للديموقراطية،
وكلاهما يعتمد على إدارة الخلاف والصراع على وسائل سلمية مثل التفاوض، والتحكيم،
والتراضي، والمساومة، والتصويت، والانتخابات.
6ـ " ومن الفروق
الجوهرية بين المجتمع المدني والمجتمع العسكري فهم كل منهما لمعنى "الأمن
القومي"، بالنسبة إلى المجتمع المدني فإن مفهوم الأمن القومي هو الأمن
المجتمعي الذي يشمل الدولة والشعب، وهو أمن المواطن بقدر ماهو أمن الوطن. وبهذا
المعنى فإن الأمن القومي هو شأن عام يهم جميع المواطنين.
7 ـ "ويصبح تداول
المعلومات في دولة يسيطر عليها العسكريون من المحرمات، أو الأمور التي يحيطها كثير
من المحظورات.".
8 ـ "إن السيطرة
المدنية على المؤسسة العسكرية هي إحدى مؤشرات الديموقراطية، وبالتالي إحدى مؤشرات
صحة المجتمع المدني".([5])
وفي مقاربة لتلك الآراء
أورد أسئلة تبدو نشازاً عن المألوف في السياق السائد في النظر إلى العلاقة بين
العسكريين والمدنيين في المجتمع ـ الدولة، أورد الآتي منها لإثارة موضوعات بهدف
الوصول إلى حوار حولها وفهم أفضل وأدق لها وللظروف التي تستدعيها أو نُدْخَل فيها
أحياناً:
ألا يوجد جانب مدني اجتماعي كثيف ومتواشج بين القطاع العسكري
والقطاع المدني في أي دولة؟! وهل يزيل الفصل حقوقاً مدنية للعسكريين وحقوقاً على
العسكريين للمدنيين حتى لو ساد حضورهم وتضخم نفوذهم في حياة المدنيين مما تمليه
أحياناً ظروف استثنائية لدولة في حالة حرب؟! وهل التنظيم والطاعة في مجتمع عسكري
يخرجه عن حدود المجتمع المدني كلها ويضر بها إلى درجة النفي التام أو شبه التام
لها؟!هل يفترق المجتمع المدني عن المجتمع العسكري في دولة واحدة، افتراقاً حدياً
بيناً في الجوهر يجعل القول بالفصل بينهما أمراً مقبولاً بل ضرورياً؟! فيصبح
الثاني قمعياً ومجرداً من الحرية وتحكمه القوة ويحكم بالقوة ويمثل حكمها داخل الوطن
.. والثاني يتسع مداه للحرية الفردية وتمارس فيه الديمقراطية ويتم فيه تسويغ
القوانين أو تسويقها وفق اجتهادات السلطة والمعارضة على حد سواء.. أم أن العسكريين
والمدنيين هم قوام مجتمع الدولة، وأن للعسكريين حقوقاً مدنية لا يفقدونها تضمنها
القوانين ولا يفقدهم إياها كونهم من العسكريين؟! هل تنعدم الديموقراطية بكل صورها
وأشكالها في كل مستويات التعامل داخل المجتمع العسكري أم أن بين العسكريين قرارات
تتخذ أحياناً بالديموقراطية في بعض المستويات المتقاربة والحالات العامة التي تقع
خارج حدود الفعل العسكري في أثناء المعارك؟! ويبدو لي أن الفقرة الأخيرة من
المقتطف هي " مربط" الفرس عند الدكتور سعد الدين حيث يريد أن تكون
المعلومات العسكرية الدقيقة عن القوات المسلحة متاحة للجميع لا سيما لمراكز
الأبحاث في مجتمعه المدني لكي يستخدمها بالطريقة التي عرفت عنه ولأغراض ليست في
خدمة القوة العسكرية في دولة ذات سيادة وأهداف وطنية وقومية ، وإلا ما معنى
الاعتراض على سرية المعلومات العسكرية في دولة ذات بنية صحيحة وفيها مجتمع مدني
سليم له علاقة صحيحة مع القطاع العسكري الذي يشكل له قوة تدافع عنه وعن مكتسباته
عند اللزوم ويحتاج ذلك إلى السرية؟!
فيما أراه أن العسكريين
إجمالاً متطوعون وفق القوانين في مؤسسة عسكرية ذات أنظمة صارمة ودقيقة ولكنها لا
تنتزع الحرية ولا تسلب المنتسب إليها حقوقه بوصفه إنساناً ومواطناً في دولة، فهو
مواطن له حقوق وعليه واجبات، وهو موظف على نحو ما في قطاع توجب أنظمته الطاعة والدقة
لأنه في النهاية يحفظ الأمن القومي والوطني ويدافع عن البلاد ويقدم ضريبة الدم
فيما يقدم غيره ضريبة المال.
والمواطن الذي ينضم إلى
المجتمع العسكري لأداء خدمة إلزامية خلال سنتين أو سنتين ونصف، لا يفقد عملياً
مواطنيته، ولكن بالمقابل، كما العسكريين، لا يجوز له أن يعمل في قطاعات مدنية
حرصاً على الأسرار العسكرية من جهة وعلى الانضباط العسكري من جهة أخرى. وفي حالات
الحروب والطوارئ تتسع هوامش الانضباط والأداء الصارم لتشمل قطاعات مدنية أو هوامش
واسعة من قطاعات مدنية. وهناك مجتمعات تعيش حالة من الانضباط الصارم مما يجعلها
تطبق أنظمة وقوانين تجعلها أشبه بالمجتمع العسكري طوال الوقت.
أردت أن أقارب هذا
الموضوع لأشير إلى أن ما أورده الدكتور سعد الدين إبراهيم في معرض تفريقه بين
المجتمع المدني والمجتمع العسكري ليس حاداً ودقيقاً ونهائياً إلى الحد الذي يجعلنا
نقتنع برأيه ونسلم بذلك الرأي. كما أن تقسيمه القاطع لبنية مجتمع الدولة إلى
قطاعين يمثل أحدهما قوة السلطة ويمثل الثاني ضحاياها أو معارضيها أو المجبرين على
الخضوع لها ليس دقيقاً هو الآخر.
فالمجتمع الوظيفي-إن صح
التعبير- هو القطاع التنفيذي، أو الأداة التنفيذية التي تمارس من خلالها السلطة
/الحكومة/ صلاحياتها عملياً، ومن ثم يطبق القوانين والأنظمة ويسأل عندما يخالفها؛
ولا تقوم دولة بقوانين وأنظمة من دون ذلك التنفيذ والسؤال والمحاسبة عند عدم
التنفيذ. ومن ثم هل يجعل ذلك من هذا القطاع مجتمعاً عسكرياً على نحو ما، بمعنى
الانضباط وانعدام هامش المناورة في مجال تنفيذ الأوامر الإدارية، التي هي في
النتيجة تطبيق لقوانين وأنظمة وتعليمات أملتها المصلحة العامة للمجتمع والدولة أو
أملتها الرؤية الخاصة للمصلحة العامة؟!
ويجوز لنا أن نطرح
السؤال حول موضوع تنفيذ الأوامر التي قد تكون تعسفية من وجهة نظر البعض، وقد تكون
خارجة على القانون أو لا تنسجم مع روحه، وقد تكون سليمة وقانونية ولكنها لا تحقق
مصلحة عامة أو ارتياحاً عاماً لدى شريحة اجتماعية تضيق وتتسع أو من المجتمع الواسع
بدرجة ما نتيجة لتغير الظروف والمعطيات والأحوال والأوضاع.
فما هو الموقف من عدم
تنفيذ أمر ما في قطاع ما؟! في القطاع العسكري من المجتمع- وأنا أفضل هذا الاستخدام
على استخدام المجتمع العسكري- هناك تنفيذ ثم اعتراض في الحالات التي يسمح فيها
النظام والقانون بالاعتراض. وتكون العقوبة شديدة في حال عدم التنفيذ وتتدرج حسب
الظروف والمواقع والحالات.
أما في القطاع المدني
من المجتمع فيمكن أن يناقش الشخص قبل التنفيذ ولكنه يلزم بالتنفيذ إذا أصر الآمر
على تنفيذ أمره، قد يرفض الشخص التنفيذ ويتحمل العقوبة ولكنها عقوبة أخف مما في
القطاع العسكري عادة.
إذن لا توجد تلك الفروق
الشاسعة والقاطعة التي تجعلنا نخرج العسكريين من دائرة المجتمع المدني، لا سيما
إذا كنا نقول بأن المجتمع يرفع شأن الفرد والحرية والديمقراطية والحقوق المدنية..
ويبقى للحالات الاستثنائية في إطارها وشروطها ومرحليتها بوصفها حالات استثنائية،
وللأحوال التي تقدم فيها خدمات للدولة ظروفها التي تستدعي تنفيذاً مطلقاً للأوامر
وعملاً صارماً من أجل المحافظة على ما يراه المسؤولون المعنيون بخصوصية كل شأن
مصلحة وطنية وقومية عليا.
وعلى ذلك فإنني أختار
استخدام المجتمع بقطاعيه المدني والعسكري، ولا أرى ما يسعى إليه الداعون إلى
"إحياء المجتمع المدني" يخص القطاع المدني من دون القطاع العسكري.. فكل
ما يتعلق بالإنسان- المواطن الفرد- ذي الحقوق والواجبات والحرية والكرامة يشمل
أفراد المجتمع الذي يكوِّن الدولة وتمثله الدولة.
وإذا أخذنا عدد
المواطنين العاملين في الدولة، ضمن السلطات الثلاث والوزارات والمؤسسات والهيئات
التي تدخل في تكوين الدولة بصفة عامة نجد أنّ نسبة كبيرة ومؤثرة من المواطنين تعمل
في هذه القطاعات، أما بقية أفراد المجتمع فهم:
- أكثر من نصف المجتمع
أشخاص دون السن القانونية: "أطفال وفتيان وفتيات" وهم ممن تقدم إليهم
الخدمات الاجتماعية والرعاية والحماية على نحو واسع.
- شريحة كبيرة من
الأشخاص الذين تجاوزوا الخامسة والستين من العمر وعددهم 517000 خمسمئة وسبعة عشر
ألفاً وهم نسبة 3% وتقدم إليهم، أو ينبغي أن تقدم إليهم، الخدمات الاجتماعية
والرعاية والحماية.
- وإذا وضعنا من هم دون
السن الثامنة عشرة من العمر جانباً وعددهم 9000000 تسعة ملايين أي نسبة 54% من
مجموع السكان المقيمين داخل القطر والبالغ عددهم 16.720.000/ فقط ستة عشر مليوناً
وسبعمئة وعشرون ألف نسمة/ في منتصف عام 2001 و من هم فوق الخامسة والستين من العمر
وعددهم 530400 تقريباً أي نسبة
3% من مجموع السكان، وجدنا أن نسبة العاملين في قطاعات الدولة والمجتمع، أي
الأدوات المنتجة والتنفيذية إن صح التعبير، من مدنيين وعسكريين هي في حدود
7.189.600 / فقط سبعة ملايين ومئة وتسعة وثمانون ألفاً وستمئة نسمة/ أي بنسبة
43% تحمل عبء الفئتين السابقتين : أي من هم دون الثامنة عشرة ومن هم فوق الخامسة
والستين من العمر. ولم نأخذ بالاعتبار عدد السكان الإجمالي للسوريين داخل القطر
وخارجه وعددهم 17920.000 فقط سبعة عشر مليوناً وتسعمئة وعشرون ألفاً.
وحين نضيف قطاع الأمن
شبه العسكري وشبه المدني أيضاً إلى العاملين في الدولة، لأنهم عملياً في خدمتها، نجد
أنفسنا أمام نسبة أعلى من تلك.. وهذا كله يجعل السؤال: من يمثل "الدولة"
بمعنى السلطة ومن يمثل المجتمع المدني- وفق المفهوم المتداول في سورية للمجتمع
المدني أو المصدَّر إليها- سؤالاً مطروحاً.. كما يجعل النسبة التي تتكلم من خارج
العاملين في الدولة الملزمين بتنفيذ أوامرها حسب القانون ضئيلة وتمثل فئات من بعض
الشرائح الاجتماعية، وهذا يجعلنا بمواجهة سؤال آخر: هل يجوز لهذه الشريحة القليلة
التي تزعم أنها خارج سلطة الحكومة الشرعية، وأنها تريد أن تنتزع هوامش للمجتمع
المدني من أنياب الدولة، وأنها تعارض هذا التوجه أو ذاك.. هل يجوز لها أن تنطق
باسم المجتمع كله أو أن تطالب باسمه على الأصح بما هو مطالبها الخاصة أصلاً.؟!
أقول نعم.. يجوز لأية
شريحة ولأي فرد في المجتمع أن يطالب بما يراه في صالح المجتمع وبما هو حق للإنسان
بصورة عامة وللمواطن بصورة خاصة.. بل إن ذلك يدخل في واجباته الأساسية، وكلما
ازدادت درجة الوعي ازدادت المسؤولية في هذا المجال. وهذا الحق المشروع، أو الواجب
المفروض؛ يجب أن يمارس في المجتمع المدني /الدولة/ من خلال ما يتواضع عليه المجتمع
المدني /الدولة/ من دستور وقوانين وأنظمة وأعراف وتقاليد وعادات ومعايير وقيم خلقية
واجتماعية وإنسانية.
وهناك بالفعل مجالات
للعمل والخدمة والرعاية لا تطالها اهتمامات الدولة.. وهناك من القوانين والأنظمة
ما يتجاوزه الزمن ويصبح عبئاً على المواطن والوطن مما قد لا تتنبه له أجهزة الدولة
ويحتاج إلى من ينبه المعنيين إليه، كما أن هناك ما ينبغي أن تقوم تجمعات مدنية
/غير رسمية أو أهلية وفق المصطلح الشائع /بأدائه مما لا يدخل في نطاق الأداء
الوظيفي أو في واجبات الدولة واهتماماتها ومسؤولياتها.
وقد تتسع هذه الدائرة
من الخدمات والأعمال الاجتماعية لتشمل دوائر واسعة من الأداء الإنساني الذي يدخل
في دوائر ضيقة تخص فرداً أو مجموعة من الأفراد وتضيق عنه الدوائر الواسعة التي
يهيئها مجتمع من المجتمعات المنظمة نسبياً..
وتتداخل دوائر الاهتمام
في هذا المجال لتشمل ما هو في نطاق الروحي من الأفعال والتجمعات وأنواع الأداء
الاجتماعي، الفردي أو الجماعي، والأندية المهتمة بالمواهب والملكات وحاجات الجسد،
وما هو في دوائر الخدمة الاجتماعية من الصم والبكم إلى المرضى والمعوزين وذوي
الحاجات المستورة مما يتصل بالفعل الثقافي العام من جهة وبفعل الخير والصلات
الاجتماعية الحميمة من جهة أخرى في مجتمع ذي عادات وأعراف وتقاليد شرقية: عربية-
إسلامية مثل مجتمعنا.وفي مجتمعنا من هذه الجمعيات والأندية وسواها الكثير مما
أحصيت بعضه في الجدول الملحق والموثق من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.
حبذا
لو تنظر / الملحق رقم 1/ بصفحاته الإحدى والعشرين في آخر البحث.
وهذا يجعلنا نوسع
الدائرة لتشمل أداء يمتد بين التكايا والزوايا والجمعيات الخيرية والأندية
الثقافية والسياسية والتنظيمات الشعبية والنقابات المهنية والأحزاب.
ومما لاشك فيه أن دستور
الوطن وقوانينه تضمن حرية المواطن وحقوقه وترتب عليه واجبات.. ومن ثم تفسح له في
المجال ليقوم بما يرى أنه يحقق ذاته ويملأ فراغ حياته ويشعره بوجوده وحريته
وكرامته وشخصيته.. ضمن حدود ما ترتبه الحالة التعاقدية بين فرد ومجتمع والسلطة، أو
الدولة كما يحب البعض أن يقول، التي تمثلها القوانين والأنظمة النافذة في بلد من
البلدان. وهذا ما يمليه تطور العقد الاجتماعي والحرية الوضعية التي قامت على أشلاء
مجتمع الغابة والحرية الطبيعية. ومن الطبيعي أن يقع اختلاف حول قانون من القوانين
أو نظام من الأنظمة المعمول بها أو التفسيرات والتعليمات الناظمة لأداء رسمي أو
شعبي ما.. والحوار الموضوعي الذي يرفع المصلحة العامة فوق كل اعتبار ينبغي أن يؤدي
إلى حل لكل خلاف بالوسائل الديمقراطية والعقلانية.
والذين يدخلون مدخل
المجتمع المدني وتنظيماته ليصلوا عبر ذلك إلى أغراض خاصة تتعلق بالوصول إلى السلطة
أو بإنزال من هم في السلطة- يخلّون عملياً بقواعد "اللعبة" في مجتمع
مدني "حركة إحياء المجتمع المدني" يمارسون في سورية عملياً لوناً
من الخلط المقصود للتعمية والتمويه.. أو لافتعال قضايا ومواقف، أو للوصول إلى هدف
مشروع ولكن بطرق غير مباشرة وباستخدام وسائل غير سياسية مثل الثقافية لعدم وجود
قنوات سياسية مشروعة تؤدي إلى الوصول إلى ما ينشدون من أهداف . وهو موضوع سياسي
خالص يتصل بالوصول إلى السلطة وتداولها.. وما يؤخذ عليها أو يطلب منها ولا يجوز أن
يسخر الثقافة أو العمل الخيري لهذه الغاية ولا أن يشوه بعض صور أداء المجتمع
المدني ليصل إلى أغراضه بطرق ملتوية.
فأهل
"الإحياء" رفعوا شعار المجتمع المدني وتعلقوا بقضايا سياسية وقاموا
بأفعال وجهود ترمي إلى تشويه صورة من في السلطة للوصول إلى السلطة.. فكانت صورة
الوطن ومفاهيم المجتمع المدني وأهدافه الرئيسة هي الضحية لأنها استخدمت جسر عبور
لغرض آخر.
وما كان ينبغي أن
ينادوا به ليصلوا من خلاله إلى أهداف أعلنوها هو تنظيمات حزبية تؤدي إلى استقطاب
جماهيري حول برنامج سياسي واقتصادي يوصلهم بالديمقراطية إلى السلطة التي ينشدونها.
وليس عليهم تثريب في نشدانها والعمل من أجل ذلك بالوسائل المشروعة.. ولكن الأسلوب
الذي اتبعوه والأداء الذي قاموا به كشف عن حقد أكثر مما كشف عن حرص، وأساء حتى لأهدافهم
البعيدة، أكثر مما أحسن إليها وإليهم. لقد طالبوا بالديمقراطية، واحترام حقوق
الإنسان-والحريات العامة- وتعديل المادة 8 من الدستور وإلغاء قانون الطوارئ-
وتعديل قوانين منها قانون الأحوال الشخصية.. وبإطلاق سراح المعتقلين والمسجونين
وبفسيفساء ثقافية في سورية تعبر عن/ أو تحافظ على الفسيفساء الاجتماعية التي
يتكوَّن منها الشعب في سورية وفق رؤيتهم.
وقالوا بـ "السلم
الاجتماعي" و"بدولة لكل مواطنيها.". وبمحاربة الفساد وبإعلاء شأن
القانون.. والسماح بتكوين الأحزاب..إلخ !؟. وهاجموا سورية الأربعين السنة الماضية،
أي سورية البعث، وركزوا على أن "الإحياء" الذي ينشدون هو ما قبل ذلك ،
أي مرحلة الديمقراطية والحرية التي غابت كما يرون.. والمجتمع المدني الذي يحنون
إليه ويتطلعون إلى إحيائه…أي سورية الخمسينيات أو
من 1946-1958 تقريباً.
وإذا ما أمعنا النظر
جيداً في "المطالب" والأفكار، والتطلعات التي تضمنتها بيانات ونداءات
منها ما سمي بوثيقة السلم الاجتماعي نجد أن محتواها لا يخرج عن المطالب الرئيسة
التي أشرت إليها بإيجاز شديد مع هوامش للرأي والهجوم والاتهام والتمنيات في أحسن
الأحوال.
وكل ذلك الذي ذكر في
مجمله يكثف مسيرة الصراع السياسي على السلطة والخلاف مع البعث والجبهة الوطنية أو
بعض أطرافها على الحكم.. وما نتج عن ذلك من ممارسات وعنف تم الرد عليه بعنف وتعسف
في الأحكام والآراء والممارسات.
إنه باختصار شديد عراك
على السلطة ومن أجلها لا أكثر ولا أقل، أراد أن يتوسل بآراء وأفكار وتوجهات عصرية لها
وعليها.. واللافت للانتباه في الأمر أن برنامج المعارضة السياسية تحت لواء
"إحياء المجتمع المدني" جمع الأضداد من التجار إلى الشيوعيين
والماركسيين، إلى القوميين إلى مثقفين من مشارب عدة كما أسلفت.. فهل يجمع أولئك
برنامج عام متكامل يستمد من توجه فكري وثوابت مبدئية مشتركة ورؤية سياسية ناضجة أم
يجمعهم مجرد العداء للحاكم القائم وطلب السلطة؟! إنه سؤال ما زال مطروحاً في
الفضاء السياسي ـ الثقافي للبلاد.
وهناك نقطة لافتة
للانتباه بشكل كبير، بل مثيرة، إلى درجة ما.. فكل ما جاء على لسان أصحاب
"الإحياء" لم يتعرض مطلقاً للتحدي الرئيس الذي تعيشه سورية والأمة
العربية، وما يفرض وضعاً استثنائياً على الجميع منذ عقود من الزمن: وهو الصراع
العربي الصهيوني والموقف منه ومن الحلول المطروحة لتصفية قضية فلسطين، وموضوع
الاحتلال الصهيوني للجولان وما يفرضه على الوطن من استحقاقات وحالات استثنائية،
وكذلك الموقف من المقاومة والانتفاضة.. وكل ما يتصل بالموضوع الرئيس الذي يشغل بال
الأمة ويحكم مواقفها ويوجه نضالها أو ينبغي أن يوجه ذلك النضال. فهل جاء ذلك
سهواً.. أم نُظر إليه بوصفه أمراً عرضياً لا يستحق الاهتمام.. أم أن المعنيين
نظروا إليه من باب تحصيل الحاصل؟! إنه سؤال يدوِّي في الفضاء السياسي ـ الثقافي ـ
الاجتماعي للبلاد أيضاً.
ومن الأمور التي ينبغي
ألا نتجاوزها تزامن طرح أولئك من خلال تغطية إعلامية في فضائيات وصحف تصدر
خارج القطر.. مع حملة صفير- عون من جهة والكيان الصهيوني من جهة أخرى على سورية
لتخرج من لبنان وتنزع سلاح حزب الله وتتنازل رسمياً ـ على الرغم من التصريحات
الرسمية التي أكدت فيها على أن مزارع شبعا لبنانيةـ عن مزارع شبعا المحتلة وتنشر
جيشاً لبنانياً تدعمه سورية على حدود لبنان مع فلسطين المحتلة ليحمي حدود الاحتلال
الصهيوني في شمال فلسطين.
وتركيز الحملة
الإعلامية على سورية من خلال صحف عرفت بالعداء المزمن لسورية والتوجه القومي
العربي ، وكانت لسان الانعزاليين والمتعاونين مع الاستعمار الغربي والكيان
الصهيوني على مدى عقود من الزمن.. ربما التقت مصالح.. وربما تزامنت حوادث ومواقف..
وربما "لعبت المصادفات" دوراً.. وربما وزعت الأدوار بتوقيت من موزع أكبر
ومبرمج أعلى للأزمات والمشكلات، لا سيما إذا كان الهدف الواضح يشير بدلالاته إلى
محاولة فرض حلول على سورية لا تحقق مصالح الوطن والأمة، ويأتي ذلك مع تسلم رئيس
شاب للسلطة ظن أصحاب البرامج المتداخلة أن هذا التوقيت ملائم تماماً لإرباكه وجعله
يقبل بما رفضه من سبقه وينصاع لضغوط تضعه وتضع عهده من البداية على محك صعب.
ولا بد من مقاربة جزئية
لتزامن آخر لـه من التأثير ما يسوِّغ الإشارة إليه وهو انطلاق أهل
"الإحياء" في دعوتهم بعد خطاب القسم الذي أداه الرئيس بشار الأسد أمام
مجلس الشعب في 17/7/2000 وتضمن فيما تضمن النقاط الرئيسة الآتية:
(( لا ينبني المجتمع
ولا يتطور ولا يزدهر بالاعتماد على شريحة أو جهة أو مجموعة بل يعتمد على تكامل عمل
الكل في المجتمع الواحد. ولذلك أجد من الضروري جداً أن أدعو كل مواطن لكي يشارك في
مسيرة التطوير والتحديث إذا كنا فعلاً صادقين وجادين في الوصول إلى النتائج
المرجوة في أقرب زمن ممكن.
وبما أننا نتحدث عن
التطوير، والذي هو، باعتقادي، الهاجس الأساسي لكل مواطن في هذه البلاد وفي مختلف
المجالات، فلابدّ أن نعرف بأي اتجاه نسير، وأي الطرق أفضل وما هي النتائج
المطلوبة، وغيرها من الأسئلة التي تشكل أجوبتها البوصلة التي تحدد موقعنا الحالي
والمستقبلي. وعلينا من أجل الوصول إلى ما نبتغيه أن نتحرك بالتوازي، وبنفس الوقت
على ثلاثة محاور أساسية:
ـ المحور الأول: ويتضمن
طرح أفكار جديدة في المجالات كافةً، سواء بهدف حل مشكلاتنا ومصاعبنا الراهنة أو
بهدف تطوير الواقع الحالي.
ـ المحور الثاني: يتضمن
تحديد أفكار قديمة لا تناسب واقعنا، مع إمكانية الاستغناء عن أفكار قديمة لا يمكن
أن نجددها ولم يعد ممكناً الاستفادة منها، بل أصبحت معيقة لأدائنا.
ـ المحور الثالث: ويتضمن
تطوير أفكار قديمة تم تجديدها، لكي تتناسب مع الأهداف الحاضرة والمستقبلية، وكل
عمل بحاجة إلى قياسات لتحديد نسبة الإنجاز والتقدم فيه. ومن المفيد في هذا المجال
أن نستند إلى مجموعة من المعايير.
ـ المعيار الأول: هو
عامل الزمن الذي يفترض بنا أن نعمل على استغلاله بحده الأقصى، بهدف تحقيق
الإنجازات التي نتطلع إليها بأقصر مدة ممكنة.
ـ المعيار الثاني: وهو
طبيعة الواقع الذي نعيش فيه والظروف المختلفة التي تحيط بنا الداخلية والخارجية.
ـ المعيار الثالث: وهو
الإمكانيات المتوفرة بين أيدينا للانطلاق والوصول إلى الهدف المحدد، آخذين بعين
الاعتبار أن الإمكانيات ليست معطيات ثابتة بل هي قابلة للتعديل باستمرار من
خلال جهودنا وفعالياتنا.
ـ المعيار الرابع: وهو
المصلحة العامة وفيها تلتقي كل المعايير السابقة، ومن خلالها تتحدد : وهي معيار
وهدف في وقتٍ واحد.
ولكن للقيام بالتحرك المطلوب،
ونحن واثقون من بلوغ النجاح، لابد من أن تتوافر لدينا مجموعة من الأدوات. أهمها:
ـ الفكر المتجدد وأعني
به الفكر المبدع الذي لا يتوقف عند حدٍٍّ معين، ولا يحبس نفسه في قالب واحد جامد.
وكم نحن بحاجة إليه اليوم وغداً لدفع عملية التطوير قدماً إلى الأمام. والبعض
يعتقد أن هذا الفكر المتجدد مرتبط بالسن أي يغلب وجوده عند الشباب، وهذا غير دقيق
تماماً فبعض الأشخاص يدخلون سن الشباب وقد تحجرت عقولهم باكراً، والبعض
الآخر من كبار السن يفارق الحياة وعقله ما يزال يضج بالحيوية والتجديد والإبداع.
أيضاً نحن بحاجة ماسة إلى
النقد البنّاء، وهو تماماً بعكس النقد الهدّام، والذي نراه يغلب في أحيان كثيرة
على طروحاتنا لأسباب مختلفة منها ما هو شخصي ومنها ما هو غير ذلك... وعندما نقول:
"نقد بناء ورأي موضوعي"، فهذا يعني بالضرورة النظر بصورة متكاملة
للقضايا موضوع النقد بحيث نرى الإيجابيات كما نرى السلبيات، وبذلك نتمكن من زيادة
الإيجابيات على حساب السلبيات، وهذا هو جوهر أي تطوير.
ونحن نتكلم عن الأدوات،
فإننا لا يمكن أن نتجاوز المساءلة، فهي عملية متكاملة لا يمكن تجزئتها وتبدأ من
القاعدة والأساس، ومن الوحدة الصغرى في المجتمع وهي المواطن وتنتهي بالمؤسسات.
فإذا لم يقم كل مواطن بمساءلة نفسه ومراقبة ذاته ومراجعتها بشكل يومي أو شبه يومي،
فستبقى هذه العملية قاصرة عن تحقيق مهامها.وهنا يأتي دور الضمير وأهمية الوجدان
وضرورة تنقيتهما من الشوائب التي تعلق بهما وتعكر صفاءهما بفعل الظروف والعوامل المختلفة
التي تحيط بكل فرد.
أما المستويات الأخرى
في المساءلة والمحاسبة والتي تقوم بها المؤسسات المختصة فتكون للحالات التي يكون
فيها شذوذ عن القوانين والأنظمة، والتي من المفترض أن تكون محدودة في حال وجود
الرقابة الذاتية، وبالتالي يكون أداء المؤسسات أفضل وأسلم. وهذه العملية مستمرة
تتوازن مع العمل أو تكون جزءاً منه لأن الخطأ بأشكاله المختلفة سيبقى ملازماً
للحياة، وإذا لم يعالج فإنه يتفاقم والعلاج لا يهدف إلى الانتقام والتشفي وإنما
إلى الردع، ولا يقصد به صاحب الخطأ فقط بل كل من يخطر في باله أن يقع فيه.
بهذا الشكل نستطيع أن
نضع استراتيجية عامة للتطور تكون إطاراً محدداً للخطوات والإجراءات الواجب اتخاذها
في سبيل تحقيق أهداف هذه الاستراتيجية. فإذا نحن بحاجة الآن إلى استراتيجية
اقتصادية، اجتماعية، علمية، وغير ذلك تخدم التنمية والصمود في آن واحد. وهي ليست
موجودة كوصفات جاهزة، بل إنها بحاجة إلى دراسات معمقة نستخلص منها النتائج التي
على أساسها نحدد إلى أين يجب أن نتجه. وهذا بحاجة إلى وقت وجهد وتعاون
وحوارات موسعة.
والسؤال الذي يمكن لنا
طرحه، هل ننتظر الانتهاء من وضع الاستراتيجيات المطلوبة كي نبدأ التطوير أو نتابع
ما بدأناه من تطوير في السابق؟ يبدو لنا أنه من المفضل أن يبدأ العمل بالتوازي من
خلال متابعة اتخاذ الإجراءات المطلوبة إضافةً إلى إعداد التصورات لتحديد خططنا
المستقبلية، مع علمنا أن التطوير المجتزأ لا يحقق الغايات المرجوة بل هو بحاجة
للتناسق والتكامل بين الإجراءات والخطوات المتخذة في جميع المجالات.
إن تطلعاتنا لا يمكن أن
تتحقق بالشكل المطلوب إلاّ إذا تم التأكيد على دور المؤسسات في حياتنا. والمؤسسات
ليست البناء و لا النظام الذي يحكمها فقط أو الأشخاص الذين يعملون فيها، بل هي،
وقبل كل شيء، الفكر المؤسساتي الذي يؤمن أن كل مؤسسة تمثل كل الوطن مهما كان حجمها
واختصاصها وتمثل سمعته ووجهه الحضاري، والذي يؤمن أيضاً أن العمل المؤسساتي عمل
جماعي لا فردي، عمل مبني على الصدق والإخلاص في التعامل وعلى استغلال الوقت بحده
الأقصى وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية وعقلية الدولة على عقلية
الزعامة، وهو منطق التعاون والانفتاح على الآخرين وهو لا ينفصل عن الفكر
الديمقراطي بل يتقاطع معه في مواقع عديدة. وهذا يعني أن امتلاك الفكر الديمقراطي
يعزز الفكر والعمل المؤسساتي، فإلى أيّ مدى نحن ديمقراطيون؟ وما هي الدلائل على
وجود الديمقراطية أو عدمها؟ هل هي في الانتخاب أم في حرية النشر أم في حرية الكلام
أم في غيرها من الحريات والحقوق؟ أقول ولا واحدة من كل ذلك، فهذه الحقوق وغيرها
ليست الديمقراطية، بل هي ممارسات ديمقراطية ونتائج لها وهي تنبني جميعها على فكر
ديمقراطي. وهذا الفكر يستند على أساس قبول الرأي الآخر، وهو طريق ذو اتجاهين حتماً
وبشكل أكيد، أي ما يحق لي يحق للآخرين، وعندما يتحول الطريق باتجاه واحد يتحول إلى
أنانية وفردية. أي لا نقول يحق لنا كذا أو كذا بل يجب أن نقول يحق للآخرين حقوق
معينة، فإذا كان هذا الحق يجوز للآخرين من وجهة نظرنا أصبح لنا الحق نفسه. فإذاً
الديمقراطية واجب علينا تجاه الآخرين قبل أن تكون حقاً لنا. والفكر الديمقراطي هو
الأساس، والممارسات الديمقراطية هي البناء وبكل تأكيد جميعنا يعلم، أن الأساس
عندما يكون ضعيفاً فإن البناء يكون مهدداً بالتداعي والسقوط عند أول هزة أو من دون
أي سبب ظاهر. وبمعنى آخر أن كل أساس صمم لبناء معين ليناسب ما سيحمله. وبالتالي لا
يجوز أن نطبق ديمقراطية الآخرين على أنفسنا. الديمقراطيات الغربية على سبيل المثال
هي محصلة تاريخ طويل، نتج عنه عادات وتقاليد، وصلت معها مجتمعاتهم إلى ثقافتها
الراهنة. ولكي نطبق ما لديهم، علينا أن نعيش تاريخهم وإسقاطاته الاجتماعية وعندها
يكون هذا الاحتمال ممكناً. وبما أن هذا مستحيل، فعلينا أن تكون لنا تجربتنا
الديمقراطية الخاصة بنا المنبثقة عن تاريخنا وثقافتنا وشخصيتنا الحضارية، والنابعة
من حاجات مجتمعنا ومقتضيات واقعنا. وعندها ستكون النتيجة بناءً على الصمود في وجه
الهزات مهما كانت شدتها. والتجارب الهدامة ماثلة أمام أعيننا في دول مختلفة قريبة
وبعيدة عنا.
وجبهتنا الوطنية
التقدمية نموذج ديمقراطي تمّ تطويره من خلال تجربتنا الخاصة بنا، وقد أدت دوراً
أساسياً في حياتنا السياسية ووحدتنا الوطنية، والآن أصبح من الضروري أن نطور صيغة
عمل الجبهة بما يستجيب لحاجات التطوير الذي يتطلبه واقعنا المتطور والمتنامي على
كل المستويات.
وبما أن الفكر
الديمقراطي والفكر المؤسساتي مترابطان، ولا أقول متطابقان، فإن الإدارة تتأثر
بهما. وبالتالي فالإصلاح الإداري الذي علينا القيام به في القطاعين العام والخاص
يرتبط بهما بعلاقة طردية، أي يتطور بتطورهما ويتراجع بتراجعهما. وهو اليوم حاجة
ملحة لنا جميعاً. فقصور الإدارة لدينا هو من أهم العوائق التي تعترض مسيرة التنمية
والبناء والتي تؤثر بشكل سلبي على كل القطاعات دون استثناء. وعلينا أن نبدأ
بالسرعة القصوى بإجراء الدراسات الكفيلة بتغيير هذا الواقع للأفضل من خلال تطوير
الأنظمة الإدارية وهيكلياتها ورفع كفاءة الكوادر الإدارية والمهنية، وإنهاء حالة
التسيب واللامبالاة والتهرب من أداء الواجب. ولابدّ من محاربة المقصرين والمسيئين
والمهملين والمفسدين.
وهذا يتطلب القيام،
وبالتوازي، بتفعيل وتطوير أجهزة الرقابة في الدولة ودعمها بالإمكانات التي تؤمّن
حسن أدائها.
مما سبق نرى ترابط عمل
المؤسسات الوثيق مع بعضها بعضاً، وهذا يستوجب أن يكون هناك ترابط بين الفكر الذي
يحكم وينظم عمل كل منها، كالفكر المؤسساتي والديمقراطي والشفافية وغيرها والتي
تنشأ في المنزل والأسرة وتتنامى أو تتراجع من خلال ظروف الحياة اليومية. فالمجتمع
هو التربة الخصبة التي نزرع فيها بذورنا، أما الثمرة فنجنيها في المؤسسات.
- علينا احترام القانون
ففيه حفاظ على كرامة المواطن من قبل الدولة، وعلى كرامة الدولة من قبل المواطن.
وفيه ضمان لحريتنا وحرية الآخرين.
- علينا أن نكافح الهدر
والفساد مع الأخذ بعين الاعتبار أن كل عمل فيه نسبة من الخطأ غير المقصود التي يجب
ألا تقلقنا إنما المطلوب منع تكرارها.
- علينا الابتعاد عن
الاتكالية والفوضى وهدر الوقت والالتزام بالصدق والإخلاص والتفاني بالعمل ومضاعفة
الجهد لتلافي التقصير الذي حدث.
- علينا الابتعاد عن
فكرة نسف الواقع برمته بدلاً من العمل على تطويره وتحسينه، منطلقين من أن الحياة
الإنسانية لا مطلق فيها، فمهما كان الواقع سيئاً لا بدّ وأن يكون فيه العديد من
الفوائد، ومهما كان جيداً أو ممتازاً فلن يخلو من المساوئ.
لا بدّ من الإصلاح
والتطوير في مؤسساتنا التربوية والتعليمية والثقافية والإعلامية بما يخدم قضايانا
الوطنية والقومية ويعزز تراثنا الأصيل ويؤدي إلى نبذ ذهنية الانغلاق والسلبية
ومعالجة الظواهر الاجتماعية التي تؤثر سلباً على وحدة المجتمع وسلامته.
كل ذلك بهدف تهيئة قوى
اجتماعية ماهرة ومؤهلة وقادرة على التعامل والتفاعل مع تطورات العالم المختلفة،
خاصة أن واقعنا الحالي يشكل أرضية ليست ملائمة تماماً لدخول القرن الجديد الذي هو
قرن المؤسسات والتقنيات.))([6])
وفيما اجتزأته من
الخطاب وهو كثير ـ وقد تركت الكثير الكثير مما تمكِّن العودة إليه من توضيح الرؤية
بشكل أفضل حول الموضوع الذي أناقشه هنا ـ فيما اجتزأته طرح لكل فكرة تقريباً مما
قال به أهل " الإحياء " باستثناء الدعوة إلى التجريح والنقد غير البناء
، فإذا كان الحرص منصبّاً على تنفيذ ما يؤسس لعمل فيه تطوير وتحديث ومشاركة
ديموقراطية واسعة وحرص على المحاسبة واحترام القوانين والمؤسسات والأفراد ، فهو
مما دعا إليه الرئيس وناشد الآخرين العمل من أجله يداً بيد مع كل الجهات المعنية
بذلك ومع المؤسسات الاجتماعية أو مؤسسات " المجتمع المدني " التي تبدأ
بالأسرة وتنتهي بما شاء أهل الاجتهاد الصحيح في هذا المجال من مؤسسات، وعلى ذلك
فأن الدعوة واضحة للعمل والتطوير وتحمل المسؤولية والمشاركة في البناء فلمَ لا
ندفع العربة جميعاً نحو الأمام ؟ ولم القفز في الفراغ إلى معالم من التوجهات
والأداء والقول ليست في إطار البناء والنقد البناء المطلوبين بإلحاح؟! وإذا جاء
المطلوب وما هو أكثر منه في الخطابات والتوجهات والتطلع المنشود لاستراتيجية أشمل
فهل أخطأ أهل الأحياء القراءة أم أخطأوا الهدف أم كان الخطا في التوقيت أم
ماذا...؟!
ربما أخطأ أهل الإحياء
قراءتها، أو أرادوا أن يركبوا الموجة التي أطلقها ليجيروا ما جاء لمصلحتهم أو
ليعطلوا بالمزايدة ما يعد الرئيس بإنجازه.. وفي كل من الأمرين قصر نظر واستغلال
لأوضاع وظروف ومعطيات من أجل وضعها في غير سياقها ومسارها وأهدافها، والاستفادة من
مناخ إيجابي يتفتح لابتلاع ما يستطيعون ابتلاعه من أشخاص ومواقع وسلطات ومصالح.
إن قراءة سريعة لبعض ما
جاء من أفكار في البيانات وما سمي الوثيقة.. يشير إلى الآتي:
- "المجتمع المدني
هو مضمون الدولة الحديثة، والدولة الحديثة هي شكله السياسي، وهما معاً يشكلان
النظام الديمقراطي." /من بيان لجان إحياء المجتمع المدني/ ولا أظن أن الدولة
غير الحديثة كانت مجردة من بنى المجتمع المدني وحراكه العام ، فحتى في ظل
الإمبراطوريات والممالك والدول الاستعمارية كانت هناك بعض بنى المجتمع المدني ،
وفي العهد العباسي انتشرت تلك البُنى وأدت وظائفها في ظل أشكال الوقف مما لم تكن
الدولة تسيطر عليه لتؤدي أغراضاً اجتماعية وسياسية وثقافية كثيرة من دون أن تحمل
المسمى الحديث . ويبدو أن التبعية للمركزية الثقافية الأوربية بشقيها: الرأسمالي
والاشتراكي أخذت علينا منافذ تفكيرنا وسلبت منا منطق محاكمتنا كله حتى أصبحنا أسرى
المصطلح الغربي وتاريخه ومنطقه واستسغنا التشويه والمحو اللذين فرضتهما علينا رؤية
الغرب لنا كما أصبحنا أسرى كل ما قال به مستشرق استعماري أو مستعمر غربي أو منظر
أيديولوجي محشو بالرؤية الصهيونية ومشروعها الاستيطاني ومتورم بالتنظير للوهم
اليوتوبي المسمى علماً عند بعض الفئات الذي كلف بلداناً وشعوباً دماً ومعاناة
استمرت عقوداً قبل أن يتناثر ويتهاوى مثل ريش طائر تهرأ تماماً وهو معلق في الفضاء
؟! لقد انتشرت في حضارتنا العربية ـ الإسلامية الجمعيات بأشكالها والمجالس الحرة
والطرق الصوفية ذات الأهداف الدينية والسياسية والقتالية، وانتشرت المدارس ـ التي
تعادل الجامعات الآن ـ والمكتبات مما أنفق عليه من الوقف الخاص الذي لا تشرف عليه
السلطة، وكان كل رجال الدين الذين يتخذون من المساجد مراكز ثقافية ومواقع دعوى
لسياسة وعلم وثقافة قبل كل شيء لا يتلقون رواتب من ذوي السلطان ولا تقيد حياتهم
ومواقفهم رواتب وزارات الأوقاف وأوامر الجهات الأمنية والتعليمات المباشرة وغير
المباشرة التي تأتي من خارج الحدود وتتسرب بطرق شتى .. وقس على هذا عشرات بل مئات
المظاهر والخدمات الاجتماعية العامة المتغلغلة في مناحي الحياة .. وكل تلك بنى
تؤدي وظائف في مجتمع مدني متقدم في زمنه وظرفه التاريخي ، وكانت هناك شورى للحاكم
أو للخليفة في بعض البلدان والأزمان ، ولم تكن الشورى بمنأى عن الفهم الديموقراطي
أو المشاركة في اتخاذ القرار السياسي وتقديم ما يمكن من صنعه جماعياً ؛ فكيف نحكم
على كل ذلك بأنه خارج بنى المجتمع المدني في سياقه التاريخي وننظر للمجتمع المدني
مع ولادة ديموقراطيات حديثة لها وعليها من الديموقراطية المركزية الطيبة الذّكِرْ
إلى ديموقراطية الولايات المتحدة التي يصنعها رأس المال وأصحاب الاحتكارات الكبيرة
وديموقراطية الكيان الصهيوني القائمة على التعصب الديني والعنصرية والتمييز
العنصري وإرهاب الدولة والاحتلال الكريه.
- جاء في
الوثيقة دعوة لتكون سورية "دولة لجميع مواطنيها" وهذا مصطلح
نستخدمه في الدول التي تقوم على أسس التمييز العنصري، وينطبق على الكيان
الصهيوني بالذات الذي لا يساوي العرب باليهود في "دولة" ذلك
الكيان.. فهل سورية كذلك؟! هل هي دولة عنصرية وفيها تمييز تنص عليه القوانين
وتكرسه!؟ وهذا المصطلح: "
دولة لكل مواطنيها" استخدمه وركز عليه د. عزمي بشارة([7])
كثيراً في
مواجهته للتمييز العنصري في الكيان الصهيوني وفي وقوفه وزملائه ضد الساسة
الصهاينة وممارساتهم في فلسطين المحتلة منذ عام
1948.
لم يكن الذين استخدموا هذه العبارة لوصف أوضاع في سورية أو للتعبير عن مطالب سياسية
واجتماعية فيها موفقين في طرحهم للمصطلح وفي استخدامهم له. وإذا
أرادوا القول إن هناك تسلطاً على السلطة من فئة وتمييزاً في المعاملة ينبع من
محاباة فريق لفريق وأشخاص لأشخاص فيما يشبه الاحتكار فذاك أمر يناقش في إطار
التعبير عنه وقد طرحته فئات اجتماعية بأقسى وأوضح مما طرحه دعاة المجتمع المدني ،
ولكنه لم يطرح أبداً في إطار استخدام مصطلح سياسي والتعبير عنه وفق مدلوله بما
يعني وجود تمييز عنصري ينص عليه القانون وتكرسه الممارسة ويشكل الوجه النهائي أو
الأعم الأشمل للمجتمع.
- ورد في الوثيقة كلام
حول تفضيل لعهد الانقلابات التي تلت الاستقلال ونكبة 1948 ولعهد الاحتلال الفرنسي لسورية على العهد
الذي تلاهما ـ أي عهد ثورة البعث وحكمه ـ بوصف الأول كرس الاستقلال
والديمقراطية والثاني غيبهما.. وفي هذا مجافاة تامة للمنطق وللواقع. فلم تشهد
سورية بناءً تحتياً ونهضة عمرانية، بالمعنى الخلدوني العام للعمران، واستقراراً
إلا في العقود التي يحكم عليها البيان حكماً سلبياً. وفي هذه
العقود نمَّت سورية قوتها وتصدت لأعتى الهجمات على نظامها واختياراتها المبدئية
والاستراتيجية التي ارتبطت بالعمل القومي والتحرير وقضية فلسطين والتضامن
العربي.
- هناك كلام في
"الوثيقة" على حكومة "ودولة" انتزعت كل السلطات وسحقت قوتُها شرائح من
مواطنيها.. وهذا يتناقض مع ما جاء في الوثيقة من القول: "إن
تغييب المجتمع المدني أدى إلى تغييب الدولة"،
فكيف تكون الدولة غائبة أو مغيبة وتكون في الوقت ذاته قوية وحاضرة إلى الدرجة التي
تنتزع معها كل السلطات وتسحق شرائح من مواطنيها؟! وربما كان قصد القاصد نمو السلطة
التنفيذية في الدولة على حساب سواها من السلطات ، وعلى الرغم مما في هذا من حضور
للدولة على نحو ما إلا أنه يضر بالسلطات الأخرى وبشرائح من الناس أو بمؤسسات
المجتمع المدني.
- في المشروعية
الدستورية- والمشروعية الثورية التي أشارت إليها الوثيقة سورية تعمل وفق الدستور
الدائم منذ 1972 والمشروعية الثورية استمرت تسع سنوات تقريباً
1963- 1972 فهل تمحو مدة قصيرة مدة طويلة ؟!.ولماذا أصبح الهجوم
اليوم مشروعاً على المشروعية الثورية
بعد أن كان الهجوم باسمها هو أقوى أسلحة معظم الأشخاص الذين ينادون بالمجتمع
المدني من مثقفيه اليوم؟!.
- أما الأحكام العرفية
في سورية فهي أحكام أُسيء استخدامها في حالات ولكنها ليست بدعة سورية أو بعثية،
وهي مما تلجأ إليه و مما تحتاج إليه دول أراضيها محتلة وتواجه تحديات الاحتلال.
وقد تم تجميد القانون المشار إليه بعد أن قُيّد
استخدامه للأغراض التي وجد من أجلها كما تمت الإشارة إلى إساءة استخدام تم تقييدها
رسمياً وعملياً. ولا ندري لماذا يتم الكلام من أولئك الدعاة ونماذجهم القدوة عن
" ديموقراطية الكيان الصهيوني " في المنطقة ولا يرى أولئك الأحكام
العرفية النافذة في ذلك الكيان وهو يحتل أرض الغير ويملك قوة عسكرية تفوق قوة
العرب والمسلمين؟! هل نوع من رؤية القشة في عين والتغاضي عن العصا في عين أخرى؟!
على أن هذا الذي ذكرته لا ينصرف بأي حال من الأحوال إلى موضوع تسويغ الممارسات والأحكام
الجائرة وتوظيف بعض القوانين لخدمة أشخاص ونظام وفئات على حساب الوطن وبقية
المواطنين.
- قال قائلون: تبين
استحالة بناء الاشتراكية أو بناء ديمقراطية اجتماعية بلا ديمقراطية سياسية/ وأنا
أسأل: أين كان هذا المنطق عندما كانت طبولهم تضج تطويباً لديكتاتورية تبني
الاشتراكية، ولنوع من الديمقراطية المركزية اختصرت الشعب بالحزب والحزب باللجنة
المركزية- واللجنة المركزية، بالمكتب السياسي- والمكتب السياسي بالزعيم؟!.
في ذلك الوقت لم يسمح فيه أحد منهم لرأي آخر
بالظهور، واستخدم
الإرهاب ضد كل رأي آخر.. أي أنه مازال مسيطراً على هذه
الجماعات، التي تزعم احتكار الوطنية- والديمقراطية-..
والعلم والحقيقة.نزوع عنصري. تحت شعار: لا
ديمقراطية لأعداء الشعب؟! أسمَعَنا بعضُهم ما لا يُسمع وأرانا صنوف العجب!؟ نحن لا
ندافع عن الديكتاتورية والفساد والخلل، ولكن لا يمكن أن نقبل
المتلوِّن حاكماً
ونرى أن ديكتاتوري العقيدة لا يدافع عن الحرية والديمقراطية ولا يحميهما ولا يأخذ
بحقوق متساوية للناس.
ومن ثم من الذي يحدد من
هم أعداء الشعب؟! وعلى أية أسس ومعايير، ووفق أية منظومة قيم؟ ومن الذي يقر ذلك
ويرفعه معيار حكم ومعيار قيمة ومرجع احتكام؟! هل فئة من الناس تعطي لنفسها ما هو
للناس باسم طلائعيتها أو نظرتها لنفسها وتقويمها لأيديولوجيتها، أم أن ذلك من حق
المجتمع كله بعد غربلة وتمحيص وتدقيق لكل ذلك يمر عبر قنوات ديموقراطية وعقلانية
ووجدانية!؟
- تمت
المطالبة بإلغاء أي تمييز ضد المرأة في القوانين؟! هل يذهب هذا إلى مدى
ما نصت عليه الشريعة من خصوصيات مما يسمونه تمييزاً في الأحوال الشخصية مثلاً؟! أم
أنه دعوة لمجاوزة كل ما قالت به الشريعة ومرجعياتها الأصلية؟! أم مجرد مجاراة
للدعاوة السائدة في تيارات الرأي والإعلام ، أم لجديد لم يوضح بعد وقد يكون
مفيداً!؟
استخلاصات يوجبها التزامن وسواه:
أولاً : هل تملك الدولة
حين تغلب على أمرها ويتم النيل من سيادتها ومن توجهاتها الوطنية والقومية
وتُستهدَف هويتها ومصالحها العليا سوى أن تتخذ قرارات قاسية ضد مثل هذه الجمعيات
الممولة من الخارج التي تعمل في خدمة استراتيجيات وبرامج وخطط ومصالح المموِّلين؟! إنها تغدو
مجبرة على ذلك عندما تفعله أو مطالبة به لتحمي الوطن والمواطن والمصالح
الوطنية والقومية.
يهب "المجتمع
الدولي" ، وهو عملياً الولايات المتحدة الأميركية التي تحكمها الأهداف
الصهيونية ، دفاعاً عن الحرية والديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني وحقوق
الإنسان، ويشهر حلف الأطلسي سيفه في إطار
التدخل المشروع- حسب تطويره لاستراتيجيته وأهدافه العامة في ميلاده الخمسين حيث
يبح لنفسه التدخل في شؤون الدول لأسباب ثقافية وإنسانية وفق فهمه وتفسيره – لحماية الحريات العامة وحقوق الإنسان والديمقراطية، وقد أصبح
القوة المكلفة
الحامية
لمصالح أصحاب اقتصاد السوق بعد إعلانه التدخل لحماية المصالح الحيوية
للأطراف الداخلة فيه ولتحقيق أهداف ثقافية في بلدان الآخرين حين يرى أن ذلك ضرورياً..
فتصوروا؟!.
وعلينا أن نتذكر بعض
الأصوات العربية التي ارتفعت من لندن وباريس وواشنطن قبل سنوات، في مناسبات عربية
مختلفة، منادية
بتدخل الغرب تدخلاً مباشراً لحماية المواطن العربي من الحاكم العربي وما زال صدى
هذه الأصوات وانعكاس فعلها ومطالبها يتردد اليوم وبأشكال ومسوغات متعددة. ونتساءل
كيف تكون الدعوة إلى الاستعمار والتدخل المباشر في الشؤون الداخلية للوطن
دعوة وطنية أو تقدمية أو ديموقراطية أو إنسانية؟! وكيف يمكن تسويغ هذا النوع من
الدعوة والدفاع عن أصحابها، وهل يكون الإصلاح والتطوير بتشويه صورة الوطن
وجعله تابعاً أو مصادَر الإرادة والقرار؟! إن الثابت والمنطقي
والصحيح أنه لا توجد وطنية من أي نوع على حساب
الوطن تحت أية ذريعة!؟.
ويحق لنا، ونحن نشهد
الاهتمام الإعلامي بأصحاب تلك الدعاوة وتلميعهم، أن نسأل: لماذا يكون لهم مثل هذا
الحشد الإعلامي والصوت الإعلامي المضخَّم القادم بقوة مالكي "الصاروخ
والقنبلة النووية" والمعلوماتية ورؤوس الأموال، في حين يعتَّم تماماً على
الصوت الآخر حتى لو كان صوت وطن ذاته وصوت الحقيقة الناصعة!؟ مع أن إظهار الاختلاف
وبيان تعدد الرأي وإيصال الصوت ونقيضه من مقومات الحوار والديموقراطية ومن سمات
التقدم والحرية والمجتمع المدني الذي ينادون به ومن ضروراته ومقوماته!؟
إن بعض الحالات
والتداعيات تجعلنا نقول : ما أشبه اليوم بالأمس حين كان يدعو دعاة ويرتفع صوتهم
عالياً من لندن أو باريس منهم /شكري غانم/ أمين المؤتمر القومي الذي كان يحمل
الجنسية الفرنسية ويعمل لصالح فرنسا - وقد وقَّع مع خمسة آخرين نداءً يدعو إلى
الاستعمار وينادي به ويسوِّغه ـ يدعو إلى أن تقوم فرنسا باحتلال سورية لتخليصها من
السيطرة التركية .. فكان أن دخل استعمار بدل "استعمار"، قسَّم بلادنا
شظايا ـ بتنفيذ اتفاق سايكس ، بيكو ـ وزرع فيها الكيان الصهيوني علة لكل العلل
وإنهاكاً وانتهاكاً مستمرين لقوى الأمة وحقوقها، وترك لنا ما نعاني منه وما
يستنزفنا إلى مدى غير منظور، واستعبد عقولاً ورؤى واحتل إرادات إلى ما شاء الله من
زمن!!.
إننا في ظل زحف العولمة
والقوة الأميركية الاستعمارية الجديدة أصبحنا في ما يشبه القبضة الحديدية ، وينبغي
أن ندرك أننا على رأس المستهدفين، وأن الأمركة شأنها شأن الصَّهْيَنَة تعمل على
إحداث اختراقات ثقافية وسياسية واجتماعية كبيرة وخطيرة وكثيرة من نافذة الاقتصاد
وسواها من النوافذ شبه المشرَعة للتيارات الغازية، وأنها تعمل على مخطط تفقد الدول
معه السيطرة على مقدراتها ويضعف سيادات تلك الدول ، ويجعل الحكام إما شركاء
ثانويين في الربح وأدوات مباشرة في التخريب والقمع وإما دمى تُنَصب أو تتساقط في
ضوء قدرتها على تقديم الخدمات وتنفيذ البرامج المطلوبة وخدمة المصالح المعلنة
للسيد القوي القادم في ثوب شركة احتكارية أو قوة من أعالي البحار .. وكل من لا
يكون كذلك يسقطه برنامج "برمجة الأزمات" والتحكم بإدارتها وحلها
وتفجيرها؟!، وكل ذلك ينتظم في سياق خلق مناخ يساعد على التشويش والإنهاك ويستدعي
منها التدخل تحت ستار الإنقاذ أو قمع الإرهاب أو مساندة الديموقراطية... إلخ ولا
تعوز الذرائعيين الذرائع. وقد أشار حلف الأطلسي في إطار تطوير أهدافه بمناسبة مرور
خمسين سنة على تأسيسه في عام 2001 إلى حقه في التدخل في شؤون البلدان لحماية أهداف
وقضايا تتعلق بالحريات العامة والديموقراطية وحقوق الإنسان ولأغراض ثقافية مما يرى
أن من واجبه أن يتدخل في أي مكان من العالم من أجله. وما ذلك سوى صيغة من صيغ
تسويغ الغزو وتهديد بلدان الآخرين ومهاجمتها بذرائع شتى لتحقيق مصالح المتحالفين
وخططهم السياسية والاستراتيجية البعيدة الأمد. وكما يفعل حلف الأطلسي ليسوغ تدخله
تمهد العولمة لتحقيق اختراقات في كل مجال لتسوِّغ هذا التدخل عند حدوث ممانعة أو
استعصاء في أي موقع.
ثانياً: في ظل العولمة:
البلاد الضعيفة ليس لها
إلا أن ترضخ للمستثمرين" التجارب الاقتصادية المحلية لا تستطيع النمو لأنها
لا تصمد للمزاحمة في السوق مع غياب الحماية والقدرة على المنافسة، ولذا فإنها تفسح
المجال أمام الغالب، ويصبح الباب مفتوحاً أمام سلع بلا أسواق لأسواق بلا سلع،
فتملك الاستثمارات والاحتكارات الدول والشعوب من أمعائها.
-"الحكومات مسؤولة
أمام المستثمرين عن الاضطرابات المدنية وحتى لا يقال إن هناك ثورة أو حالة تأهب أو
ظواهر أخرى مماثلة، تشجع الحكومات تطبيق الحريات الاجتماعية تحت غطاء نصوص اتفاق
منظمة التجارة الدولية.
وتتحول هي إلى قوة قمع
للمحافظة على النظام العام بمواجهة أناس يستشعرون الحرية والجوع ولا يملكون القوة
ولا القدرة على التغيير، فأعناقهم وأمعاؤهم بأيدي المستثمرين، وكذلك مصير مسؤوليهم
الذين عليهم أن يركضوا بعصيهم أمام المستثمر ليشعر أنهم أهل للثقة وقادرون على ضبط
الأمور، فيحافظ على بقائهم فوق صدور شعوبهم.
هل هذه الحالة المحتملة
أفضل من حالة حكومات قوية تملك سيطرة حقيقية على قراراتها وسياساتها واستقلالها
ولكنها لا تسمح لشعوبها بهوامش واسعة أو مفلوشة من الحرية؟! وتكاد تكون محاصرة
بخطط وبرامج أصحاب الاستثمارات والمرتبطين بهم، وبالدول المؤيدة لأسواق حرة ولرفع لكل
أشكال الحماية ؟! إنه سؤال مطروح.. بل منتقى من الواقع المعيش، بل ضاغط. وهل مثل
هذه الدول توفر بذلك، أو هي قادرة على أن توفر بذلك ، مناخاً أفضل للازدهار
وإمكانيات أفضل للتنمية – ولو ببطء- بحيث تعوض شعوبها عن شيء مما تفتقده، وتسوغ نفسها
وسلوكها وممارساتها وبقاءها أمام تلك الشعوب؟!
وكيف يمكن أن تكون هناك
تنمية بلا معرفة؟! ومعرفة بلا حرية، وحرية بلا أمن من جوع وخوف؟! وكيف يكون أمن بلا
استقرار ونظام وقانون وعدالة؟! وكيف تكون عدالة بلا قيم وبلا معايير سليمة وتطبيق
سليم لتلك المعايير؟!وهل هناك أنظمة وحكام لا يخشون الوعي والحرية والمعايير
السليمة والقيم الحاكمة،في ظل مناخ لا يستقر عبر معادلات توازن بين احتياجات
الداخل وتحدياته
ومعطيات
الخارج وتحدياته؟! يكاد ذلك يقدم إشكالية عويصة.
- هل لدى الأنظمة التي
تؤيد الحماية، وترفض الانتقاص من السيادة، وتضع حدوداً لجشع المستثمرين ومطالبهم
التي تمس بالتشريع والثقافة والهوية والقيم الخاصة بالمجتمعات، هل لديها بدائل
تواجه بها الواقع من جهة والتحديات من جهة أخرى، وتدخل بها في معترك التنمية
المرتبطة أصلاً بالمعرفة والحرية والعلم
والتقانة والاتصالات والعالم القرية والإنسان الفاعل
والمسؤول والمندمج عضوياً في مجتمعه؟!
- وهل يضمن حاكم أو
نظام أو بلد، يشعر بضعفه حيال الأقوياء، هل يضمن وجود شعب من الملائكة يحميه
ويحتمي به من سطوة الأقوياء وشرور الفساد وعوامل الاختراق، لينفذ برنامجاً تنموياً
طموحاً يبدأ من ألف باء التكنولوجيا في عصر تجاوزت فيه معطيات العلم والمعلوماتية
والتقانة حدود الخيال العلمي؟!
- الإنسان المبدع أساس
يضاف إلى المعرفة، والعلم، والإيمان والتكنولوجيا.. من حيث هي مداخل لمخارج من
الأزمات، وعوامل لبقاء قادر على التقدم والنمو وهو يحمل هوية وخصوصية.