|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
مأزق الليبرالية: نهاية التاريخ ـ نموذجاً ـــ سهيل عروسي بادئ ذي بدء، يمكن القول: إن مفهوم التاريخ هو من أكثر المفاهيم التي تعرَّضت للتشويه بغرض التوظيف السياسي أو الفكري. فما هو التاريخ؟ وهل تنتظم البشرية كلها في سياق واحد؟ وهل يمكن أن يكون هناك نهاية للتاريخ بمعزل عن نهاية للحياة؟ وهل يمكن للتاريخ أن يعيد نفسه بشكل كوميدي مرة وتراجيدي مرة أخرى كما كان الأقدمون يقولون. والكثير من الأسئلة التي يمكن أن تطرح حول هذا المفهوم، والتي ربما وجدت لها مساحة كافية من التعليل والإجابة في ثنايا هذا البحث. في مقدمته الشهيرة يقول ابن خلدون(1): "أما بعد.. فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال وتشدُّ إليه الركائب والرحال وتسمو إلى معرفته السُّوقة والإغفال وتتنافس فيه الملوك والأقيال وتتساوى في فهمه العلماء والجهال. إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول والسوابق... القرون الأول... وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيقٌ وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق فهو لذلك أصيل في الحكمة عريقٌ وجدير بأن يعدَّ في علومها وخليقٌ". وبهذا الفهم الدقيق للتاريخ يتبين لنا أن اهتمام ابن خلدون بالتاريخ(2): ليس من أجل التسلية بل من أجل استنطاق أحداث الماضي والاستعانة بذلك على فهم الحاضر. إن التاريخ حقاً هو مخبر التجارب الإنسانية والاهتمام بالماضي ـ كما يقول ريمون آرون ـ ليس هدفاً في ذاته: فكما أن هذا الاهتمام يُستوحى من الماضي فهو يهدف إلى غاية ترتبط بالحاضر كذلك والأحياء من الناس عندما يبحثون عن المعرفة بوقائع الحياة الماضية لا يفعلون ذلك من أجل مجرد إرضاء رغبتهم في المعرفة بل من أجل إغناء الفكر واستخلاص العبرة". وعلى ذلك فإن "حركة التاريخ عند ابن خلدون تسير لا على خط مستقيم بل على شكل دورة". حيث ينتقل فيه التطور من حالة إلى أخرى(3): "من حالة الدين/ العقيدة إلى حالة العقل/ القوة ثم إلى حالة ا لغريزة ثم تظهر الحاجة مرة أخرى إلى الدين. ويمكن أن نمثل له بالمخطط التالي":
1
ويصبح والحال تلك فن التأريخ(4): "فن عزيز
المذهب جمُّ الفوائد شريف الغاية أو هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في
أخلاقهم والأنبياء في سيرهم والملوك في دولهم وسياستهم حتى تتم فائدة الاقتداء في
ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا فهو محتاج إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة
وحسن نظر وتثبّت يفضيان بصاحبها إلى الحق وينكبِّان به عن المزلات
والمغالط...". أن التاريخ
2
ولقد اكتشف ابن خلدون(7): "ذلك الحوار الجدلي القائم أبداً بين الماضي والحاضر:"إن مشاكل الحاضر تدفعنا إلى الرجوع إلى الماضي، إلى التاريخ، ولكن هذا الأخير يردنا بدوره إلى الحاضر فالماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء فكما يتوقف فهم الحاضر على الرجوع إلى الماضي يتوقف فهم الماضي على فهم الحاضر. ومن خلال هذه العملية الديالكتيكية التي تذبذب أثناءها فكر ابن خلدون بين أحداث الحاضر ووقائع الماضي قفزت إلى وعيه تلك الملاحظات التي كانت تختزن في ذهنه أثناء تجربته السياسة والاجتماعية وهي الملاحظات التي ستتبلور لتصبح نظريات اجتماعية وسياسية عظيمة. لقد كانت هذه النظريات في الأصل براعم مغلقة زرعت بذورها ملاحظات لا واعية لما يجري في الحاضر وقد كان يمكن لها أن تبقى كذلك إلى أن تتلاشى وتموت ولكن النظر في التاريخ، بالضبط أخطاء المؤرخين قد فتحها فأصبحت أفكاراً واعية تتغذى من جديد من استقراء حوادث الحاضر والماضي معاً. وحينئذٍ فقط أي حين تمكّن ابن خلدون من اكتشاف الخيط الذي يربط الماضي بالحاضر وبالتالي عندما أصبح في مستطاعه التعالي عليهما معاً لينظر من فوق إلى العوامل الفاعلة فيهما، عندئذٍ أصبح في إمكانه أن يتبين المراحل التي مرَّ بها التأليف التاريخي في الإسلام باعتباره انعكاساً لمسيرة تطور الحضارة الإسلامية، وأصبح في إمكانه كذلك أن يكتشف على ضوء ذلك، الأسباب والعوالم التي أدت بالمؤرخين قبله إلى الوقوع في الخطأ، مما سيدفع به إلى التفكير في وضع قانون لتمييز الصدق من الكذب في الأخبار، قانون يكون معياراً صحيحاً يتحرى به المؤرخون (بعد الصدق والصواب فيما ينقلونه). فما هو هذا المعيار بالضبط؟... قبل الإجابة على هذا السؤال لابد أن نتعرف أولاً على مراحل التأليف التاريخي في الإسلام والعوامل التي أدت بالمؤرخين إلى الوقوع في الخطأ. يرى ابن خلدون أن التأليف التاريخي في عصره قد أصابته عدوى الهرم، هذا الداء العضال الذي تعدَّى مفعوله ميدان الحياة الاجتماعية والسياسية وامتد إلى الحياة الفكرية والعقلية وما يتبعها من علوم وفنون، فمنذ أن بلغ التاريخ كفن قمة مجده على عهد الطبري والمسعودي (القرن الرابع الهجري) وهو يتقهقر شيئاً فشيئاً إلى أن أصبح في القرن الثامن (عصر ابن خلدون) عقيماً خالياً من كل فائدة. وذلك أن التأليف التاريخي في الإسلام قد مرَّ بمراحل أربع خلال تدرجه نحو الانحطاط التام وهذه المراحل هي التالية: المرحلة الأولى: وهي المرحلة التي بلغ فيها التأليف التاريخي في الإسلام أوجه على يد كبار المؤرخين أمثال الطبري والمسعودي. المرحلة الثانية: فهي مرحلة التواريخ الخاصة عدل المؤرخ خلالها عن الإطلاق إلى التقييد ووقف في العموم والإحاطة عن الشأو البعيد فقيد شوارد عصره واستوعب أخبار أفقه وقطره واقتصر على أحاديث دولته وعصره والسبب في ظهور هذه التواريخ الإقليمية هو انقسام الدولة الإسلامية إلى إمارات وممالك مستقلة (عكس المرحلة الأولى حيث كانت الدولة الإسلامية في عهد الأمويين والعباسيين واحدة، عامة تضم معظم البلدان والتي يدين أهلها بالإسلام. المرحلة الثالثة: وهي مرحلة التقليد فإذا كانت المرحلتان الأولى والثانية تتسمان بالتجديد وتسايران حاجة العصر فإن المؤرخين في المرحلة الثالثة هذه مقلدون في الغالب. المرحلة الرابعة: وهي التي عرفها عصر ابن خلدون فقد أصيب فيها التأليف التاريخي بداء الاختصار حيث أفرط مؤرخو هذا العصر في الاختصار، وذهبوا إلى الاكتفاء بأسماء الملوك والاقتصار على أسمائهم مقطوعة عن الأنساب والأخبار...". ويرجع ابن خلدون أخطاء المؤرخين إلى "عدم التزام الموضوعية وعدم مراعاة قوانين الطبيعة والجهل بطبائع العمران"... تلك كانت على العموم أسباب الخطأ والكذب في التاريخ فكيف يمكن تلافيها وتجنب مخاطرها؟ يقول د.محمد عابد الجابري: لقد نشأ علم التاريخ جنباً إلى جنب مع علم الحديث، ونظراً إلى أن الأحاديث النبوية قد داخلها كثير من التزوير فقد كان على جامعي الأحاديث ومدونيها التأكد من صحتها وقد اتخذوا لذلك منهاجاً خاصاً هو "التعديل والتجريح" أي النظر في مدى صدق الرواة ونزاهتهم. ولكن طريقة "التعديل والتجريح" غير صالحة في التاريخ صلاحيتها في الأحاديث، فهي صالحة لنوع معين من الأخبار فقط، أما الأخبار التاريخية فلابد من صدقها وصحتها من اعتبار المطابقة والمقصود بالمطابقة هنا مطابقة الخبر لـ"طبائع العمران"، وهي أحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص الأخبار وتمييز صدقها من كذبها. إن معيار التاريخ عند ابن خلدون هو علم العمران هذا العلم الذي يقول عنه ابن خلدون إن الله "أطلعنا عليه من غير تعليم أرسطو ولا إفادة موبدان (حكيم الفرس) وأيضاً "اخترعته من بين المناحي مذهباً عجيباً وطريقة مبتدعة وأسلوباً"... إذا كان ابن خلدون ناقد حدد الخلل في التاريخ الإسلامي بدقة وبيّن سبل وآليات تجاوز ذلك الخلل فهل استطاع فوكوياما أن يقترب في التاريخ الغربي إلى المسافة التي وصل إليها ابن خلدون في التاريخ الإسلامي من حيث درجة الموضوعية واعتماد المعرفة في التأريخ بدل الأيديولوجيا. رغم الجهد الذي يبذله فوكوياما في محاولة لتأسيس فكر تاريخي جديد قوامه القوة إلا أن الثغرات في هذا المشروع تتسع مع الزمن لتبتلع في نهاية المطاف كل الجهد النظري المبذول ولتستقبل المكتبة الغربية كتاباً آخر بجانب كتب أخرى سبق أن كتبت في أوقات أخرى، عن النهايات الحزينة التي تنتظر أوروبا والغرب عموماً حيث لاحظ توشار(8): سيطرة فكرة النهاية على الفكر الغربي في القرن العشرين، ويضرب أمثلة على ذلك: ـ انحطاط أوروبا ـ البيردومانجون 1920. ـ انحطاط الغرب ـ اوزوالد شبنجلر 1920. ـ انحطاط الحرية ـ دانيال هاليفي 1931. ـ انحطاط الأمة الفرنسية ـ روبير آرون وأرنود دانديو 1930. ولم يكن هذا الموضوع جديداً غير أنه بعد الحرب العالمية الأولى اتخذ أهمية لا سابق لها وتجلى بصور مختلفة جداً في معظم البلدان التي كانت تعتبر نفسها بمثابة البلدان المؤتمنة على الحضارة. ولا ننسى كتاب رايموند آرون: "أفيون المثقفين". وقولته الشهيرة بـ"نهاية عصر الإيديولوجيا"(9) أو "نهاية العصر الأيديولوجي"، وصياغة وتنظيرات دانييل بيل في "نهاية الأيديولوجيا"، المنشور في العام 1960. إن سيطرة فكرة النهاية والأفول والانحطاط تعكس حالة القلق في الحضارة الغربية التي ما فتئت تبرر شرعيتها عبر مفردات القوة والتسلط والعنف وهو ما سنتطرق إليه فيما بعد. لابد هنا من توضيح أمرين هامين قبل الدخول في ثنايا الكتاب وتفرعاته.(10). 1 ـ إن كتاب نهاية التاريخ والإنسان الأخير لـ"فوكوياما" هو نوع من الكتب الاستراتيجية التي تحاول أن تدرس نسقاً أيديولوجياً معنياً أو بتعبير آخر يكون هذا الكتاب بياناً أيديولوجياً وسياسياً للنظام العالمي الجديد على الصعيدين الداخلي والخارجي. 2 ـ اعتمد الكتاب في تنظيره للنسق الإيديولوجي مفاهيم فلسفية عريقة وأصيلة لئلا يكون استدلاله إطلاقياً فالجهاز الفلسفي الذي يتضمنه الكتاب لا يهدف إلى تركيز البحث العلمي بقدر ما يذهب إلى تحرير الخطاب السياسي الإيديولوجي واستنطاق المفاهيم الأفلاطونية والهيغيلية والنيتشية إنما يراد به تغطية اختيارات الكاتب بغطاء شمولي حتى يكون النسق الأيديولوجي الظرفي في المكان والزمان مطلقاً وكونياً. ذلك مايدعونا إلى الاعتقاد بأن ماكان يروِّج في أواخر السبعينات من أفكار حول نهاية الأيديولوجيا وسقوط الأيديولوجيات إنما هو في الأصل محاولة أيديولوجية هدفها الإطاحة باليسار الماركسي وبناء نسق أيديولوجي يوحد نمط الحياة على منوال ما يوجد في الغرب الرأسمالي. يعتمد فوكوياما على النظرية الهيغيلية والتمشي النيتشوي وذلك لنقد الدكتاتورية في صيغتها الماركسية والدفاع عن الديمقراطية الليبرالية التي يعتبرها "نهاية التاريخ". استقى فوكوياما أفكاره من الفيلسوف الألماني هيغل (1770-1831)، الذي "ينطلق في تفكيره في التاريخ العالمي والحق والدولة من قراءة الأزمة التي حددتها الثورة الفرنسية 1789"(11). تقوم القراءة كلها التي يقرؤها هيغل للتاريخ العالمي (أو التاريخ الكلي) على تبيان أن العقل يعمل تدريجياً في الأحداث (التي مامن حدث يجري اتفاقاً ولا يُفْقَد: فالكل يسترد ويندمج في حياة الفكر). فإن كان منطق هيغل تاريخياً في ماهو مكرس لإدراك حياة الفكر فبالعكس عنده: التاريخ، تاريخ العقل ويفسر كذلك هذا الموقف قبالة التاريخ الطريقة التي تثير الاستنكار أحياناً تلك التي استقبل بها هيغل بعض أحداث زمانه وبما أن التاريخ العالمي هو المحكمة العليا كما يطيب لهيغل غالباً أن يقول ذلك فإن الفيلسوف يقتصر على البحث عن سبب الأحداث: "إذ كل ماهو واقعي عقلي". وكذلك: "فالتاريخ هو تاريخ الروح أو بالأحرى أنه تمثل للروح الذي يبين للناس كيف يجهد هذا لأن يرقى إلى معرفة ماهو كائن بالذات والعقل الذي يعمل في التاريخ إنما يصل إلى غاياته بطريق الحيلة: إنه يستخدم أهواء الناس إذ يتبع هؤلاء مصلحتهم ويحققونها غير أنها تتحقق في الوقت ذاته غاية أبعد ماثلة فيها، ولكنهم لم يعوها وماكانت بقصدهم وهذه الغاية البعيدة إنما هي تحقيق أخص طبيعة لـ"الروح" والوعي بها: ألا وهي الحرية، ولهذا السبب قلما اهتم هيغل في الترتيب العام للتاريخ العالمي بالامبراطوريات الشرقية في العصر القديم أو بقبائل أمريكة وأفريقيا فما تفتح الوعي بالحرية سوى عند الإغريق فحسب(!). ولهذا كانوا أحراراً، وضع هيغل كذلك عالم الفكر الإغريقي في المركز عينه لتاريخ الحرية عنده إلا أن الفكر الإغريقي ذاته ماكان قد بلغ الإيّفاع مفهوم حرية "الروح" إذ إن المسيحية هي التي أتاحت تقدماً جديداً في الوعي بالحرية عندما اتصلت بالشعوب الجرمانية على وجه الخصوص، وبعدها حطمت "الكلية الرائعة" لـ"مدنية" العصر القديم، التي كانت تتماثل أو تتوحد فيها مقولتا "الخاص" و"العام" في وعي المواطن والروح "في التاريخ الكلي هو شأن شعوب وليس شأن فرد، هو الروح القومي أي النمو لمبدأ تحيط به أولاً صورة توق غامض ويتجلى في الخارج وينزع لأن يغدو موضوعياً وهو ينتشر في الدين والعلم والفنون والمصائر والأحداث. إن روحاً قومياً خاصاً ماهو كائن حي يولد وينضج ويموت في فترة من فترات التاريخ يتجسد الروح المطلق في شعب يسبغ الروحانية على هذا الأخير ويبعث فيه الثقافة حينئذٍ، وهذه الثقافة القومية تفرض نفسها على أفراد هذه الأمة واقعاً موضوعياً. إلا أن هيغل لا يتبين أفكار المدرسة التاريخية الألمانية إلى نهايتها فهو يتجاوز هذه المرحلة من تأمل الروح في روح قومي ويقول هيغل إن الروح القومي يمثل في هذه المرحلة حق تمثيل أعلى مفهوم يتخذه الروح عن ذاته عينها ولكن هذه الدرجة مهيأة لأن يتم تجاوزها ذلك أن الروح له ما ينشد وفعاليته لم يعد يحفزها شيء ولم تعد نفسه الروحانية فعالة فلقد زال شباب الشعب إذ بعد الاكتمال تطرأ عادة الحياة... إنها برهة العجز السياسي والسأم". ماذا يجري عندئذٍ؟ "يموت الروح غير أن ما كان يمثله أي مبدؤه يكون قد تحقق فعلاً فهو لا يمكن أن يفنى بكامله بل سيشق له طريقاً إلى مبدأ أعلى يتجسد في روح قومي آخر، إذ يسيطر شعب في تاريخ العالم حقبة معينة ولا يمكن لشعب أن يكون محطّ الأنظار إلاَّ مرة واحدة. فإن أكدَّ هيغل على التطابق التاريخي حقاً بين الدولة البروسية والدولة المثالية والعقلية التي تفضي إليها فلسفته في الحقوق والتاريخ ما أكدَّ إلاَّ أن الشعب الذي كان محطّ الأنظار في زمانه هو الشعب الجرماني إلاَّ أنه يستنتج من جميع كتاباته اللاحقة "ايينا" أن الشعب الألماني شهد حقاً تلك المرحلة من الشباب النضر لشعب اختاره الروح المطلق في فترة من فترات التاريخ ليمحض نفسه من خلاله أعلى مفهوم عن ذاته عينها ويلاحظ المرء كذلك أي استخدام أمكن إن قام به المدافعون عن العظمة الألمانية أثناء فترة بسمارك على أساس نصوص مثل التي أتينا على ذكرها: إنه أفضل تبرير لحرية الخير والشر لصالح الشعب السيد"، ففي تاريخ: "هذه النزعات الامبريالية المتتابعة هناك شعب مكلف برسالة تاريخية يحقق مصيره ويحقق مجازفة "الروح" التي لا يمكن أن تلتقي إلا عبر العنف أما الشعوب الأخرى فهي تجاهه مسلوبة الحقوق، وذلك بما أن الشعب ليس (الذين وحدهم يستطيعون أن يملكوا حقوقاً)، بيد أن العنف عينه الذي ينشره هذا الشعب إنما يقوده إلى تفتحه الذي سيولِّد وقف تقدمه ومنه يولد انحطاطه وعلى هذا النحو يحكم على هذا الشعب حقاً ولكن في محكمة التاريخ الكلي وحدها في حينه وحينما يتحقق مصيره فالتاريخ الكلي وحده هو المحكمة العليا ومن هنا جاء تبرير الحرب بين الشعوب. إضافة إلى ذلك قيامه بجولة أفق واسعة في التراث الفكري الليبرالي (12) "ذلك المذهب الذي يضع الفرد في مكانة مطلقة أعلى من الجماعة ويعطي الأولوية للمصالح الشخصية على المصالح الاجتماعية الأمر الذي يتجلى في إيمانه المطلق بالحريات الفردية (حرية العمل، حرية التملك، حرية التعاقد، حرية التجارة، حرية الاعتقاد والتفكير والتعبير... الخ). وهي الحريات التي إذا ما توافرت لأمكن للفرد أن يعظم من حجم منفعته الشخصية ولهذا كثيراً ما يستخدم مصطلح المذهب الفردي Indiuidulism كبديل لمصطلح الليبرالية. ويعتقد أنصار هذا المذهب أن مصلحة المجتمع ماهي إلا مجرد تجميع حسابي للمصالح الفردية ومن ثم لو استطاع كل فرد أن يحقق مصالحه الشخصية فإن مصلحة المجتمع تكون قد تحققت وكأن الفرد حينما يسعى إلى تحقيق مصلحته الذاتية منطلقاً في ذلك من تعظيم منفعته الخاصة فإنه يحقق دون أن يدري مصلحة الجماعة. ونظراً لأن هناك توافقاً بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة فقد وقفت الليبرالية منذ فجر ظهورها بشكل عام ضد تدخل الحكومة في المجال الاقتصادي والاجتماعي وطالبت بأن تكون الحكومة مجرد حارس للحريات الفردية لتردع أي اعتداء عليها". ويمكننا هنا: "التمييز بين ثلاث مراحل مرَّ بها المذهب الليبرالي": ـ المرحلة الأولى: وهي مايمكن أن نطلق عليه مرحلة الليبرالية المطلقة التي تمتد فيما بين ظهور الثورة الصناعية وحتى اندلاع أزمة الكساد الكبير (1750-1929)، وهذه المرحلة كان يغلب عليها طابع الحرية الاقتصادية التي لا يقف أمامها أي عائق وعكست نفسها في ذلك الشعار الشهير: دعه يعمل، دعه يمر، وفي عدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي. ـ المرحلة الثانية: وهو
ما يمكن أن نطلق عليها مرحلة الليبرالية المنظمة وتمتد خلال الفترة ما بين أزمة
الكساد الكبير وبداية عقد السبعينات (1929-1970). وفي هذه المرحلة تحطمت تماماً
أوهام الفكر الكلاسيكي الذي كان ينكر إمكانية حدوث الأزمات في النظام الرأسمالي
ويدعي عدم وجود تعارض بين المصلحة الفردية والمصلحة العامة وقد كانت كارثة الكساد
الكبير بمثابة الأرضية التي أنجبت النظرية العامة لكينز عام 1936 وهي النظرية التي
سيكون له تأثير كبير على أوضاع الطبقة الوسطى في عالم ما بعد الحرب فقد أثبت
كينز 1 ـ زيادة الكتلة النقدية في التداول (لاتضخم في حال نقص الاستخدام). 2 ـ سياسة استثمارات واسعة وأعمال كبيرة. 3 ـ عودة إلى الحمائية. 4 ـ إعادة توزيع الدخول. ـ المرحلة الثالثة: ويمكن تسميتها بالليبرالية الطائشة وتمتد خلال الفترة مابين بداية السبعينات وحتى الآن وتبدأ هذه الفترة بمجموعة من الأزمات المستعصية التي عانت منها (ولا تزال) الدول الرأسمالية الصناعية ففي بداية السبعينات شهدت هذه الدول زيادة واضحة في معدلات البطالة ومعدلات التضخم في آن واحد (وهي الظاهرة التي عرفت مصطلح الركود التضخمي Stagflation (انظر الجدول رقم 1)، وتدهور معدلات النمو الاقتصادي (انظر الجدول رقم 2)، وزيادة عجز الموازنة وارتفاع حجم الدين العام الداخلي وزيادة أسعار الطاقة وانهيار نظام النقد الدولي بالتخلي عن نظام أسعار الصرف الثابتة والتحول نحو التعويم Floating وتزايد عجز موازين المدفوعات (باستثناء اليابان وألمانيا الغربية) الأمر الذي أدى إلى تزايد نزعة الحماية وإبطاء نمو التجارة العالمية... الخ). وفي ((خضم هذا المناخ المأزوم صعدت الليبرالية الجديدة وهي عبارة عن رؤية اقتصادية واجتماعية وسياسية هدفها الرئيسي الدفاع الأعمى عن مصالح أصحاب رؤوس الأموال إلى الحد الذي دفع بعض أنصارها للقول بأن حق الملكية له الأولوية على أية حقوق عامة أخرى بما فيها حق الحياة ولا عجب إذن أن تنادي هذه الليبرالية بالعودة إلى المفاهيم والمقولات الكلاسيكية المبكرة للّيبرالية. ومهما يكن من أمر فقد تحولت هذه الليبرالية من مجرد إرهاصات لفكر اقتصادي واجتماعي جديد إلى برامج اقتصادية وسياسية اجتماعية وجدت سبيلها إلى التطبيق في بريطانيا (تاتشر) وفي أمريكا (ريغان) بل وفي غالبية دول غرب أوروبا وأيضاً في دول شرق أوروبا بعد انهيار المنظومة الاشتراكية ثم سرعان ما وجدت هذه الليبرالية صداها في الدول النامية التي وقعت فريسة لديونها الخارجية ثم لتدخلات صندوق النقد (النكد) الدولي والبنك الدولي اللذين أصبحا من أكثر المؤسسات تحمساً لهذه الليبرالية. وتجدر الإشارة إلى أن الليبرالية الجديدة تحولت بحكم الأهداف الحقيقية التي تسعى إليها إلى ما يشبه الأيديولوجيا الجامدة Dogma وأصبح تحليل القضايا والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية في إطارها لا يستند إلى قواعد العلم والبحث الموضوعي بقدر ما يستند على التهافت الإيديولوجي السطحي الذي يتسم بالضحالة الفكرية وبؤس المحتوى". وضمن هذا الإطار جاء الحديث عن "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، للكاتب الأمريكي الياباني الأصل "فرانسيس فوكوياما"، وقد اعتبر هذا الكتاب(13) الذي يعود في أصله إلى مقالة نشرت في مجلة The National Interest خلال صيف 1989 أهم ما صدر في الغرب بعد انهيار المعسكر الشرقي وبذا بدا وكأنه بمثابة بيان تفصح من خلاله الليبرالية عن رؤيتها الجديدة بعد تربعها (المؤقت) على العرش العالمي وممّا لا شك فيه أن فوكوياما باستناده إلى الموروث الليبرالي (14) "لا يأتي بما ليس معروفاً من تراث الليبرالية فالليبرالية ليست سوى الاسم السياسي الذي اتخذته تيارات الفكر المنفعي الذي طبع الثقافة الأنغلو ساكسونية منذ منعطف الحداثة حتى أيام جدول رقم (1)تطور معدلات البطالة والتضخم في البلدان الصناعية 1977 ـ 1994
المصدر: التقرير الاقتصادي العربي الموحد 1995، ص 194، 195. مجلة: عالم الفكر ـ المجلد 25 ـ العدد الثاني ـ أكتوبر /ديسمبر 1996 د.رمزي زكي: ص 43 –44. جدول رقم (2)
التقديرات الجارية لمعدلات النمو (أكتوبر 1998) نسبة التغير من تقديرات شهر مايو 1998. (*) خفض هذا المعدل إلى 2.2 في التقديرات التي نشرها الصندوق في شهر ديسمبر. (**) تايوان وهو نج كونج وكوريا وسنغافورة. المصدر الأصلي: صندوق النقد الدولي World Economic out look 1998 المصدر الفرعي: العولمة ـ دراسة تحليلية نقدية ـ عبد الله عثمان التوم ـ عبد الرؤوف محمد آدم ص 165.
البراغماتية (التداولية) وما يسمى راهناً بالفلسفة التحليلية مع بعض الفوارق من حيث المنهج" غير أن الجديد "الذي يدخله فوكوياما على خطاب الفكر الأنغلو ساكسوني/ الأمريكي المعاصر هو محاولة تغيير المقدمات التقليدية لهذا الخطاب فبدلاً من اعتماد تراث الواقعية النفعية كما هو عند مؤسيسيه الأول من "لوك" و"بنتام" و"ميل" فإنه يبحث عن المصادر الأوروبية وبالذات يرجع إلى الفكر الألماني عند أحد أكبر أعلامه، هيغل ولا يتوقف عند هذه المحطة الكبرى للفكر التاريخي(15) بل يمضي قدماً إلى عمق الفكر الإغريقي فيصل مقدماته الأولى بثوابت التحليل الأفلاطونية للذات والمدينة والعالم ولا ينسى أن يعرّج خلال طريقة على أحد مؤسسي الأقنوم المعاصر حول "المجتمع المدني" وهو "روسو" ويغدو هيغل: مستنده الأساسي". ومما يهدف إليه أساساً هو التأسيس لخطاب فلسفي للّيبرالية إذ "كان هذا الخطاب يعاني دائماً من مشكلة التأسيس إذ كان يحسُّ افتقاراً موحشاً للأبنية الفكرية الكبرى التي عرفتها القارة الأوروبية فليس الاستناد إلى واقعة من نوع تلك الواقعة التي تعتبر أن المصلحة هي مقياس كل شيء ومحرّك كل شيء طافياً لمدِّ العقل الإنساني بالطموحات الفكرية الكبرى التي يحسُّ أنه مكلف بالبحث عنها وبنائها ولقد ازداد هذا الإحساس وطأة بفقر المفهوم وجلافة المستند (الواقعي) لدى أقطاب الفلسفة الأمريكية منذ أن شرع الكيان الأمريكي بالتعرف على هويته الخاصة وتميزه حتى عن أقرب مصادره البشرية ومكوناته الاجتماعية أي ذلك الأصل الأنغلوساكسوني الغالب على تركيبه الديمغرافي" وهنا لابد من الإشارة إلى تحليل صموئيل هنتغتون(16) للتركيبة الديموغرافية للولايات المتحدة الأمريكية إذ يتنبأ بأن الولايات المتحدة الأميركية ستكون دولة صدع في سنة 2020 (وكذلك يتوقع بول كنيدي بسقوط الامبراطورية الأمريكية في غضون الربع الأول من القرن 21 إنما ليس من خلال الحالة الديمغرافية وإنما لعوامل أخرى ـ النزعة العسكرية ـ النزعة الأمنية ـ التوترات في القاع الاجتماعي) ويورد هنتغتون الجدول التالي عن سكان الولايات المتحدة الأميركية حسب الجنس والعرق:
إن افتقار الغرب للأبنية الفكرية المستقلة عن الثقافة الإغريقية والحاجة إلى إبراز هوية خاصة بهم بمعزل عن مؤثرات الإغريق هو الذي جعلهم يرسمون صورة غير واقعية ومضخمة إلى حد كبير للإغريق ولقد ذهب البعض إلى اعتبار اليونان اختراع أوروبي فقد (17) "تم اختراع اليونان المعجزة وفق نموذج التأصيل الغربي الساعي إلى تجسيد وهم ذاته المتعالية أي وفق ما تقتضيه ميثافيزيقا المطابقة وتمت عليه إعادة كتابة تاريخ الغرب باعتباره نتاج مميزات الرجل الأبيض كما أعيدت كتابة تاريخ اليونان بوصفها الأصل المعرفي والثقافي والحضاري لهذا الرجل عبر عملية تملك ومصادرة لتراث الحضارة اليونانية أفضت إلى إزالة كل ما يتصل بجذورها وامتداداتها المتوسطية أو المشرقية ومدت الروابط والجسور القائمة على أوهام التمركزية الأوروبية الميثافيزيقية فوق الفواصل التاريخية والجغرافية والذهنية بين الحضارات الإغريقية القديمة وحضارة الحداثة الأوروبية بغية التأكيد المزعوم على وحدة الحضارة الغربية انطلاقاً من ميتافيزيقا مبدأ الوحدة والاستمرارية وأسطورة فكرة التقدم المطرد"... ووفق هذا الفهم كانت العودة إلى أفلاطون الذي كان يعتبر أن "التيموس هو أساس الفضيلة"، ولكنه عند أفلاطون محكوم بالعقل وليس معزولاً عنه كما هو الحال عند فوكوياما". وينطلق فوكوياما من نظرية أفلاطون (18)، "بأن الإنسان مزيج من مركبات ثلاثة: الرغبة والعقل والثوموس (روح الحياة أو الوجدان) ليجعل من الثوموس رغبة في الاعتراف بمفهومه الهيغلي (جدلية السيد والعبد)، فإذا كانت الرغبة والعقل معاً يكفيان لتفسير عملية التصنيع وقسم كبير من الحياة الاقتصادية فإن الثوموس ضروري لتفسير الطموح نحو الديمقراطية الليبرالية أي لتفسير نضال الناس ضد الغطرسة والعبودية والتسلط فهم يملكون جانباً ثوموسياً يتمثل في احترامهم لذواتهم وذلك ما يدفعهم لتفضيل الحكم الديمقراطي الذي يعاملهم معاملة الراشدين لا معاملة الأطفال ويعترف باستقلاليتهم كأفراد أحرار، وهكذا إذ ـ يقوم فوكوياما بتجديد المحرك الأكبر للتاريخ الذي لم يعد يكمن في العنف في التطاحن الطبقي كما ذهب إلى ذلك ماركس بل قد تحدد الآية في مفهوم الثوموس أي في هذه الرغبة الشديدة للاعتراف". فماذا يعني مفهوم الثوموس؟... "ثوموس كلمة إغريقية الأصل تفيد مراكز الانفعالات والتقلب والرغبة ويمكن أن تعني أيضاً هبوب الحياة ونفس الحياة وقد ترجمت هذه الكلمة بالروح أحياناً أو بالنفس أحياناً أخرى وإذا ما رجعنا إلى جمهورية أفلاطون في الكتاب الرابع نجده يميز الثوموس الذي يعني به القلب والشجاعة عن "الثوموييديس" الذي يعني الميل القوي للنزق والغضب السريع أي نوعاً من الدوافع يحتل مكاناً وسطاً بين العقل والرغبة ونجد أيضاً أن أرسطو في كتابه "في النفس" يميز بين الايبيتوميا (الشهوة التي اعتبرها أفلاطون في محاورة الثيماوس، الرغبة في الأكل والجنس)، والثوموس (أي النزق والغضب العنيف)، والبوليزيس (أي التوق والتمني المصحوب بالعقل والتعقل أو بتعبير آخر الإرادة). ولسنا ندري هنا كيف فهم فوكوياما أن التوموس عند أفلاطون يعني روح الحياة وكيف أوّل هذا المعنى ليجعل منه الحافز الموجود فطرياً عند الإنسان للديمقراطية الليبرالية فذلك لا يستقيم تاريخياً بما أن نظرية الديمقراطية عند أفلاطون سلبية في كنهها، كذلك لا يستقيم فلسفياً لأن أفلاطون قد كان يعني بالوظيفة الثالثة (الثوموييدس) الغضب الذي يتمكّن منا ليعاضد الفضيلة والأخلاق ويساعد العقل على مواجهة صعوبة الحياة. يقول أفلاطون: ألا يوجد في النفس قسم ثالث هو الغضب يساعد بالطبع العقل عندما لم يكن قد فسد بتربية غير صالحة.". ومن هنا يبدو أن فوكوياما (19) "قد انتزع من الأفلاطونية الترسيمة التبسيطية التي أتى بها مؤسس العقلانية الإغريقية، أفلاطون ليصور من خلالها صراع الميول والقيم في ذات الفرد الإنساني واختار جانب الميول أو ماكان أطلق عليه أفلاطون اسم "الثيموس" Thimos وهو هذا الجزء الراغب من النفس والطامح إلى تأكيد الذات (الميغالوتيميا) وانتزاع اعتراف الآخرين بها (الايزوتيميا). ولقد اعتقد فوكوياما أن هيغل تبنى هذا الثيموس معزولاً عن بقية قوى النفس وخاصة منها الوعي ولم ير في العملية الجدلية الكبرى سواء في صورتها التبسيطية والفكروية الخالصة عند أفلاطون أو في ملائها الأنطولوجي المعرفي الكبير عند أستاذ الديالكتيك الحديث هيغل إلا جانب الرغبة في تأكيد الذات". لقد أعجب فوكوياما بالثيموس كجانب مجتزأ من النفس ومن بنية المجتمع ومن حركة ومحركات التاريخ وصعده إلى مستوى أقنوم الأقانيم اختزل به تاريخ الجدل الهيغلي وقدمه على أنه البديل الحيوي عن النفعية الأنغلو ساكسونية والبراغماتية الأمريكية في آن معاً ولكنه يصعب في الهدف الواحد الأخير الذي يربط المسار النهائي للكينونة بنظام سياسي اقتصادي معين هو الرأسمالية الراهنة باعتبارها أعلى تجسيد للرغبة الثيموسية". ويرجع فوكوياما كل أفعال وتصرفات البشر إلى تلك الرغبة حتى (20) "العالم الثالث هو وجود ضروري للغرب لامتصاص الطاقات والطموحات الخاصة بالشخصيات الثموسية"، والتي سيكون لها "تركيب عضواني عجيب حيث ستتكون من رأس غربي (أمريكي خاصة)، وجسد ياباني حتى إنه ليس من الضرورة أن يكون الرأس أمريكياً بالعنصر والجنس واللون ولكن بالماهية كفكر وتكنولوجيا وهذا ما يعنيه تماماً مصطلح القومية الاقتصادية في نص "نهاية التاريخ" من حيث أنها هي المرشحة وحدها من بين القوميات بمفهومها التقليدي لتؤلف العمود الفقري للنخبوية الآتية: إنها بكلمة واحدة تقدم مرشحاً واحداً لسيادة العالم متمثلاً في الأقنوم الياباني القائم حالياً شرط أن يتجسد أمريكياً. هذا الأقنوم سيعبر عن الاستحقاق الثيموسي لموعد التاريخ مع نهايته" فالمدعوون "بجنة نهاية التاريخ هم القبيلة البيضاء الشقراء وحدها (وربما الصفراء كذلك) مجتمع النمور النيتشوي أما الآخرون ـ معظم الإنسانية ـ فلم يعد تصنيفهم في خانة المتخلفين يكفي للتعبير عن رحلة التصفية الأخيرة إذ إن هذا المصطلح سيظل يوحي باستمرار رسالة المتقدم في الأخذ بيد المتخلف (عبء الإنسان الأبيض) بينما المطلوب من هذه التصفية هو القطيعة بين سكان الجحيم (التاريخي) المحكومين أبدياً بمصيرهم والنخبة الفائزة بالنعمة الخلاصية وحدها من دون العالمين". ولأن الولايات المتحدة الأميركية اليوم تغذي الأحداث العالمية الراهنة التي تغذي بدورها هي الأخرى موضوع الكتاب فإن فوكوياما يبادر إلى طرح السؤال التالي: هل من المعقول بالنسبة لنا في نهاية القرن العشرين أن نستمر في الحديث عن تاريخ البشرية متماسكاً وموّجهٍ ينتهي بدفع القسم الأكبر من البشرية نحو الديمقراطية الليبرالية؟(21). ويجيب بأن "الجواب الذي توصلت إليه هو إيجابي" وذلك لمجموعتين من العوامل: الأولى: ذات طابع اقتصادي. الثانية: مرتبطة بما يمكن أن نسميه الصراع من أجل اعتراف الآخر بنا". ويشير فوكوياما إلى أن "هيغل وماركس أيضاً يعتقدان أن تطور المجتمعات البشرية ليس لها نهاية ولكنه قد يكتمل عندما تجد البشرية الشكل الاجتماعي الذي يشبع حاجاتها الأكثر عمقاً والأكثر أساسية وهكذا يكون المفكران قد وضعا نهاية للتاريخ. أً ـ فبالنسبة لهيغل: تتجلى تلك النهاية في الدولة الليبرالية حيث أعلن هيغل (22): "أن التاريخ قد انتهى بعد معركة ايينا Iena عام 1806 فهو لم يكن يدعي بالطبع أن الدولة الليبرالية قد انتصرت في العالم أجمع فانتصارها لم يكن حتى مؤكداً في المقاطعة الألمانية الصغيرة حيث كان يعيش فهو كان يقول ببساطة إن مبادئ الحرية والمساواة التي تميز الدولة الليبرالية الحديثة قد اكتشفت وأنجزت في البلدان الأكثر تقدماً وأنه ليس هناك من مبادئ أو أشكال للتنظيم الاجتماعي والسياسي بديلة تعتبر أعلى من مبادئ الليبرالية وبعبارة أخرى كانت المجتمعات الليبرالية متحررة من التناقضات التي تتميز بها الأشكال القديمة من التنظيم الاجتماعي وهذا ما ينبغي أن يؤدي إذاً إلى النهاية الديالكتيكية التاريخية". ويرى "كوجيف" أن (23) "تاريخ العالم رغم كل تقلبات السنوات اللاحقة قد انتهى فعلاً في عام 1806 وأنني "فهمت أن هيغل كان على حق في أن يرى فيها بحد ذاتها نهاية للتاريخ. في هذه المعركة ومن خلالها بلغت الإنسانية بشكل افتراضي الحد الهدف ـ أي النهاية من التطور التاريخي للإنسان والذي جرى بعد ذلك لم يكن إلاَّ امتداداً في المكان للقوة الثورية الشاملة التي جسدها في فرنسا روبسبير ـ نابليون. فمن الزاوية التاريخية الحقيقية لم يكن من تأثير للحربين العالميتين وما ارتبط بهما من ثورات صغيرة أو كبيرة إلاَّ دفع الحضارات المتأخرة للضواحي المحيطية نحو اعتماد المواقع التاريخية الأوروبية (الحقيقية أو المفترضة) الأكثر تقدماً. إذ كان كل من تحول روسيا إلى النظام السوفييتي وأوروبا إلى النظام الشيوعي هو أهم. وفي الوقت نفسه غير واقعة دمرقطة ألمانيا الامبراطورية (بواسطة الهتلرية) أونيل التوغو لاستقلالها وحتى حصول شعب البابو على تقرير المصير فذلك لأن التحقيق الراهني الصيني ـ السوفياتي للبونابرتية ـ الروبسبيرية يجبرا أوروبا ما بعد المرحلة النابولونية على الإسراع في محو الآثار اللا تاريخية العديدة من ماضيها ماقبل الثوري". لقد اعتبر الكسندر كوجيف في تفسيره لهيغل "أن الدولة الشمولية والمنسجمة قد تكون الدولة الأخيرة في التاريخ الإنساني لأنها مرضية كلياً للإنسان. هذا الموقف يستند في نهاية التحليل إلى إيمانه بأولوية الثيموس أو رغبة الاعتراف باعتباره الرغبة الإنسانية الأكثر عمقاً في تجذرها ولكنها الرغبة الأساسية وبدلالتهما حول الأهمية الميتافيزيقية والنفسانية للاعتراف قد يكون هيغل وكوجيف أثارا في العمق الشخصية الإنسانية أكثر من الفلاسفة الآخرين أمثال لوك وماركس اللذين لم يحسبا حساباً للرغبة والعقل على الرغم من أن كوجيف أعلن أنه لا يملك معياراً يتعدى التاريخ لقياس مدى ملائمة المؤسسات الإنسانية فإن رغبة الاعتراف تشكل في الواقع هذا المعيار فالثيموس في النهاية كان بالنسبة له جزءاً ثابتاً من الطبيعة الإنسانية والصراع من أجل الاعتراف المنبثق من هذا الجزء وأن تطلب مسيرة تاريخية طولها عشرة آلاف سنة أو أكثر لا يزال يُشكّل جزءاً من النفس أكان بالنسبة له أم بالنسبة لأفلاطون. إن فكرة كوجيف القائلة إننا أصبحنا اليوم في نهاية التاريخ فعلاً تصحو أو تنهار وفق قوة المقولة التي تعلن أن الاعتراف الممنوح من قبل الدولة الديمقراطية الليبرالية المعاصرة يرضي بشكل كامل الرغبة الإنسانية بالاعتراف لقد كان كوجيف يعتبر أن الديمقراطية الليبرالية الحديثة نجحت في إحداث تآلف بين أخلاقية السيد وأخلاقية العبد متجاوزة التمييز بينهما، مع الاحتفاظ بشيء ما من شكلي حياتهما. هل هذا صحيح؟...وبالأخص هل تسامت الميغالوتيميا عند السيد بشكل منتصر وجرى تأطرها بواسطة المؤسسات السياسية الحديثة بحيث أنها لم تعد تطرح المشاكل بالنسبة للسياسة المعاصرة؟ هل يرضى الإنسان على الدوام بأن يُعترف به فقط كمساوٍ للناس الآخرين أم أنه سيطلب المزيد مع الوقت؟ إذا كانت الميغالوتيميا قد تسامت كلياً بالفعل وجرى كبحها بواسطة السياسة الحديثة فهل ينبغي علينا أن نقول مع نيتشه أن ذلك ليس سبباً للتبجح بل هو بالأحرى كارثة لم يسبق لها مثيل؟"... إن تأكيد كوجيف بأن الإنسانية (24) "قد أدركت نهاية التاريخ يقوم على حقيقة كون رغبة الاعتراف الأنوي تشكل الطموح الإنساني الأكثر أساسية فالصراع من أجل الاعتراف في نظره كان موجه التاريخ منذ المعركة الدموية الأولى وهذا التاريخ انتهى الآن نظراً لأن الدولة الشمولية والمتجانسة والمجسدة للاعتراف المتبادل يثير الرضى التام المتعلق بهذا الطموح.. إن إلحاح كوجيف على رغبة الاعتراف يمكنها أن تشكل إطاراً ملائماً من أجل فهم الأبعاد المستقبلية لليبرالية مادامت الظواهر التاريخية الرئيسية للقرون الماضية ـ دين، قومية، ديمقراطية ـ يمكن أن تُفهم في جوهرها كمظاهر مختلفة لرغبة الاعتراف. إن تحليل أنماط الرضا وعدم الرضا للرغبات الثيموية (عدم الاعتراف) في المجتمع المعاصر تزودنا على ما يظهر بأفضل نظرة حول إمكان مطابقة الديمقراطية الليبرالية أكثر مما يقدمه لنا تحليل مشابه لهذه الرغبة. لقد حلَّ الاقتصاد الحديث في المجتمعات الرأسمالية المتطورة ـ على الأقل من حيث المبدأ ـ مشكلة الحاجة الطبيعية. إن لمن المؤكد أن العديد من المواطنين ما زالوا في عوز إلى الغذاء والمأوى وإلى حاجات طبيعية أخرى غير أن هذه المجتمعات هي من الغنى بحيث يمكنها أن تأخذ هذه المشكلات على عاتقها فيما إذا عزمت على ذلك على الأقل ومع ذلك فإن مشكلة الفقر أضحت بالنسبة للديمقراطية المتطورة إلى حدٍّ كبير مشكلة الاعتراف أكثر من كونها مجرد مسألة اقتصادية. إن الظلم الحقيقي الذي يحيق بالفقراء وبمن لا مأوى لهم في البلدان المتطورة ينال من كرامتهم الإنسانية أكثر مما ينال من رغد عيشهم المادي". من الملاحظ هنا: أن فوكوياما ينطلق أساساً من الفعل الأيديولوجي وليس المعرفي حيث(25) "في الوقت الذي انصّب فيه جهد كوجيف بالتركيز على الفلسفة والبحث عن الحقيقة كان منحى فوكوياما سياسياً أكثر منه محاولة لعكس الواقع وهذا المنحى السياسي هو الذي دعاه وأعماه عن إبراز بحث عقلاني خالٍ من الانتقائية والتحيز. والغريب أن فوكوياما تناسى قدح كوجيف واحتقاره لأولئك المفكرين الذين يستجيبون لمطالب وتطلعات السياسيين مطبلين لهم أو راقصين لألحانهم ـ كما بين الآن بلوم في مقدمته لـ"مقدمة في قراءة هيغل" ـ وعلى الأخص مقته لخلط الفلسفة والأيديولوجيا وهذا هو الفخ الذي وقع فيه فوكوياما نفسه وكنتيجة حتمية لهذه الرؤية أتى بحث "نهاية التاريخ"، بثوب تعوزه النظرة الشاملة بخلاف طريقة البحث التي تبناها كوجيف وينعكس قصوره جلياً عند تناوله للموضوعات الهامة التي أثارها كوجيف مثل الحرية والعمل والإبداع فافتقرت للتماسك والترابط المنطقي بل بدت في الغالب نقيضة لذاتها. إن ما سعى فوكوياما لتحقيقه هو نفخ روح جديدة في فلسفة هيغل ونبوءته التي زعم فيها أن مخاض الدولة البروسية كان حكماً بنهاية التاريخ وقد كان بروز الثورة البلشفية التي لم يتنبأ بها هيغل بمثابة القشة التي قصمت نبوءته إلاَّ أن تداعي الثورة الشيوعية التي أطاحت بنبوءة هيغل أوجدت المبرر لفوكوياما لإعادة النبوءة والحكم بنهاية التاريخ ولكن دون أن يوضح لنا لماذا أخطأت نبوءة هيغل ولماذا نؤمن بنبوءته كبديل لتلك التي أتى بها أستاذه! لماذا لم ينته التاريخ بصدور مقالات هيغل "الفيزيولوجيا" ولماذا لم يبدأ فوكوياما بإزالة اللبس الذي اعترى تلك المقالات لتأسيس بنيانه الجديد على أرض صلبة. ألم يؤسس فوكوياما نظريته الجديدة على نفس الأنقاض التي تركها هيغل مما يدعنا لوصفه بأنه "يصب خمراً قديماً في الكوب الجديد"، بمعنى آخر إذا كان هيغل على حق فما الداعي لنبوءة أخرى؟ هذا مع العلم أن هيغل زعم بأنه الفيلسوف الو حيد الذي تمكن من امتلاك المعرفة المطلقة لتفسير الكون والتاريخ وحراكه الدؤوب. هل من المعقول أن يفوت على صاحب المعرفة المطلقة التنبؤ بأن أمريكا هي الحكم الأول والأخير بنهاية التاريخ لا بروسيا؟ ثم لماذا لم يقف فوكوياما عند النقطة التي وقف عندها معلمه كوجيف وهي القناعة بأن إعلان حقوق الإنسان إبِّان الثورة الفرنسية كان إيذاناً أو بداية لنهاية التاريخ وليس قطعاً نهاية التاريخ؟ فما يوده فوكوياما ماهو تبيان التطبيق العملي للحلول الهيغلية (والتي قبلها كوجيف) متخذاً التجربة الأمريكية مثالاً واقعياً تنعكس فيه مبادئ الدولة السامية والمتمثلة في الاعتراف المطلق بحقوق الإنسان. دولة الحرية والمساواة والكرامة والإجماع وتحقيق التطلعات الإنسانية. في هذه الدولة "المتجانسة" والشاملة يوفر الإجماع التام حول مبادئ العلم والحياة ـ من سياسة ودين واجتماع ـ السبيل والمقصد الذي يجب أن تبلغه جميع الأمم اللاحقة هذه هي الحتمية التاريخية وبتحقيقها ليس ثمة تاريخ جديد يصنع أما الأجيال اللاحقة فتعيش مرحلة مابعد التاريخ". لقد استقى فوكوياما مصادر مشروعه (إضافة لهيغل) من مجموعة من الفلاسفة والعلماء يأتي في مقدمتهم الاشتراكي الفرنسي سان سيمون (26). (1760-1825) وخاصة في نظريته (27) "للتقدم المؤدية إلى إنسانية ثرية منعمة بالسلم والأمن وذلك باستغلالها لمصدرين أساسيين: الصناعة والعلم. ولكن يلتقي فوكوياما مع سان سيمون ليس فيما سبق ذكره بل أيضاً في رؤية الأخير الداعية لبناء حضارة إنسانية أساسها العلمانية ونفس الأدواء والتطورات المعاصرة التي دفعت سان سيمون للتفاؤل لتحقيق هذا الحلم توفرت لفوكوياما ودفعت به للتفاؤل بنموذجه الجديد ففي إنكلترا في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر كانت هناك تطورات هامة: 1 ـ الثورة الصناعية التي أدت إلى مزيد من الرخاء. 2 ـ التجارة الحرة التي واكبت الثورة الصناعية خلقت آفاقاً أوسع للوحدة الشاملة مما عنى أن: 3 ـ الصناعة تزدهر على أحسن حال تحت مناخ الأمن والسلام. أما المناخ المماثل الذي بعث بتفاؤل فوكوياما فهو: 1 ـ سقوط الكتلة الشيوعية. 2 ـ نهاية الحرب الباردة وانتقال الكتلة الشيوعية لنظام السوق مما عنى: 3 ـ توفر مناخ الأمن والسلام اللازمين للإسراع بالنهضة الصناعية. ولماكان هناك تماثل في المقدمات والأجواء التي سبقت طرح المشروعين فلقد كان هناك أيضاً مقاربة دقيقة في المضمون الفكري (حسب صاموئيل بيرنستاين):
أ ـ فقد أوضح "بيرنستاين" أن خبرة الثورتين الأمريكية والفرنسية أقنعت سان سيمون بأن ثمة علاقة وطيدة بين الاقتصاد والسياسة ومن ناحية أخرى كذلك تحققت نبوءة سان سيمون فإن أمريكا تبزُّ أوروبا في الطريق إلى الليبرالية والديمقراطية وبنفس المنطق سعى فوكوياما لإثبات أن التطور الاقتصادي الغربي ـ خلال التوسع التجاري والصناعي ـ (خاصة الأمريكي) لعب دوراً أساسياً في تطوره السياسي. ب ـ اتفاقهما في النظر إلى ضرورة أن يوجه العلم ويكرسه لخدمة الإنسانية ودفع تقدمها عبر رجال السياسة الذين هم أولى وأجدر بإدارة العلم وتوظيفه للإصلاح الاجتماعي. ج ـ التقاؤهما في ضرورة التخطيط لمنظمة كونية أو عالمية (سان سيمون)، والتي تجد لها صدى مقارباً في العولمة لدى فوكوياما وأن دفة عولمة سان سيمون يقودها رجال الصناعة والعلم وهم نفس رواد العولمة عند فوكوياما. د ـ تقارب الكاتبين في وصفتهما التي تعوّل على قيام اتحاد يجمع بين نخبة رجال الفكر ورجال الصناعة ويقصى منه رجال الدين حيث من خلال هذه الوصفة تتحقق وحدة العالم (ومن ثم العولمة كما نفهمها حديثاً) في إطار علماني. هـ ـ ثمة نقطة أخرى جمعت بين الكاتبين، تلك هي التي جمعت بين هيغل وسان سيمون ـ كما أشار بيرنستاين ـ وهي مقولة "إذا كان التاريخ علماً والسياسة علماً وإذا كانت قوانين تطورهما معلومة لدينا فإن المرحلة القادمة للإنسان يمكن التنبؤ بها". والمعروف أن هيغل حكم بنهاية التاريخ بناءً على هذا المفهوم. و ـ ولا يفوتنا ملاحظة مساهمة رؤية سان سيمون في الصراع بين الكاثوليك والليبراليين. في حين أدت رؤى فوكوياما للمجابهة بين رجال الدين (خاصة الإسلاميين) ورواد الليبرالية والديمقراطية ومما هو جدير بالملاحظة التقاء الكاتبين في تمسكهما بنظام دولي واحد ومقتهما للتعددية السياسية فقد ادعى سان سيمون أن الدولة الكونية لكي تتحقق ينبغي أن تشجع جميع الحكومات الأخرى لتبني نفس النهج والغايات وهذا ما يدعو إليه فوكوياما صراحة أي العولمة". بً ـ بالنسبة لماركس: لقد أنهى ماركس التاريخ في المجتمع الشيوعي لكن بأي مفهوم؟ في نظر ماركس: "ليس تاريخ الإنسان في المجتمع شيئاً آخر غير العلاقة الأساسية: الإنسان ـ الطبيعة ـ الإنسان إذ ينشأ التاريخ وينمو ابتداء من الوساطة الأولى التي تضع الإنسان في علاقة مع الطبيعة وتضع الإنسان في علاقة مع الناس الآخرين: ألا وهي العمل فالتاريخ إذن هو تاريخ إنجاب وجود الإنسان النوعي بالعمل وبجميع الوساطات التي تشتق منه ولا يعني هذا أن التاريخ لا يروي إلاَّ نمو القوى الانتاجية بل إن ذلك يعني فقط أن هذه القوى الإنتاجية هي الوقائع التاريخية الأساسية القاعدية، إنها هي أساس التاريخ ولكن التاريخ مفهوم حق الفهم يضم كل ما ينبع عنها وعلى الأخص سيرورة الإنسان الثقافية كلها وجميع ضياعاته ونتاج الضياعات كله. إذن ليس للتاريخ أساس آخر غير بقية الواقع كلها والحال أن الواقع هو واقع ديالكتيكي جدلي يتمتع بصيرورة ومن أجل ذلك له تاريخ وهو تاريخ ومن أجل ذلك ليست المادية التاريخية مختلفة عن المادية الجدلية الديالكتيكية إذ أنها تطبيق لمذهب على التاريخ، مذهب يكون بموجبه الواقع كله له بنية ديالكتيكية جدلية". وكما أن المادية الديالكتيكية الجدلية تقوم أولاً في جانبها السلبي على رفض كل معطى أبدي أو متعال على التجربة الحسية كذلك تقوم المادية التاريخية في وجهها السلبي على رفض كل قراءة للتاريخ لا تنطلق من الواقعية التاريخية الأساسية فهي ترفض أية قراءة للتاريخ قد تقوم على إعطاء موضوع للتاريخ سواء ذات متعالية (الله، العناية، الروح) أو ذات لا تكون هي ذاتها إلاَّ مشتقاً من الفعل المنجب للإنسان (أفكار الإنسان، أمم، دول، امبراطوريات، كنائس،...ألخ). وهي رفض على الأخصّ للفلسفة الهيغلية للتاريخ التي تجعل من هذا التاريخ تاريخ الروح وتزعم ردّ الواقع كله إلى تموضعات متعاقبة للروح وهي رفض كذلك لـ"التاريخ، الفلسفي" على طريقة "برونوباوير" الذي يرجع التاريخ في نظره إلى معارك أفكار. و"الحال ينبغي كيما يكون التاريخ الإنساني واقعياً وأميناً الارتقاء إلى الفعل الأول الذي يصنع الإنسان ويجعله مختلفاً عن بقية الطبيعة والحيوانات: ألا وهو إنتاج أشياء في سبيل تلبية حاجاته. ههنا يبدأ التاريخ وعلى هذا النحو يستمر". ومن هنا فالتاريخ هو تاريخ الإنسان بشكل تام ونهاية التاريخ هي نهاية الإنسان ولا يمكن أن يكون هناك تاريخ إلا حيث يوجد الإنسان فهو مادته وهو رواية وهو بنهايته، نهايته والإنسان هنا ليس الفرد بل الجماعة ومن هنا رأى البعض أن ماركس قال بنهاية التاريخ عند وصول الجماعة إلى مستوى الطبقة و وصول الإنسان إلى مستوى العامل الواعي لذاته ودوره في إطار تلك الطبقة أو ما يمكن أن نطلق عليه بالبروليتاريا التي تجد فضاءها الأرحب في الشيوعية. ولكن هل قال ماركس ذلك صراحة كما قاله هيغل وكوجيف وفوكوياما من بعدهما؟ (29)"لم يقل ماركس ذلك ثباتاً بل بحث بدون إيضاحات أخرى (غير الإيضاحات المتعلقة بالنظام الاقتصادي) في مراحل مختلفة في الشيوعية وهو ما يتضمن حقاً تقدماً وتطوراً بالتأكيد ولا يمنع في اليوم الذي سيضم فيه المجتمع الشيوعي الأرض قاطبة وسيتوقف فيه صراع الإنسان والطبيعة وسيغدو فيه الإنسان الجديد صالحاً كلياً، أن لا نرى أي تاريخ سيبقى (ولا حتى تاريخ العواطف الطيبة). أيجب القول إنه سيكون تاريخاً أكثر إنسانية؟ ولكن ماذا يعني هذا القول؟ (ابتداءً من عام 1873 اشتغل انغلز في كتاب "ديالكتيك الطبيعة" وظل غير منجز، كان يريد أن يبين فيه أن الطبيعة ذاتها بالاستقلال عن علاقتها بالإنسان تتبع القوانين ذاتها التي يتبعها التاريخ فإذا كان الأمر كذلك فإن أية نهاية للتاريخ لا تضع حداً لامتداد تحولات الإنسان يكون قد تجاوز مجرد عتبة). بل إن ماركس قال العكس من ذلك فالشيوعية هي الشكل الضروري والمبدأ الكافي للمستقبل القريب ولكن الشيوعية ليست من حيث هي كذلك نهاية التطور الإنساني. إنها شكل من أشكال المجتمع الإنساني". يرى فوكوياما أن ماركس قد تلقى من هيغل مفهوم التاريخية الأساسية للقضايا الإنسانية والمفهوم القائل إن مجتمع الناس قد تطور مع مرِّ العصور منذ البنى الاجتماعية البدائية وحتى التجمعات الأكثر تعقيداً والعالية التطور كما أخذ عنه أيضاً الفكرة القائلة إن السيرورة التاريخية هي في أساسها ديالكتيكية أي أن الأشكال الأولى للتنظيم الاجتماعي والسياسي كانت تحوي تناقضات داخلية تأكدت مع الزمن وأدت إلى تدهورها واستبدالها بتنظيم أكثر تطوراً. وكان ماركس حسب فوكوياما ـ يشاطره هيغل اعتقاده بإمكانية انتهاء التاريخ ولكن المسألة التي كان يختلف فيها مع هيغل هي بالضبط: نوع المجتمع الذي من المفروض أن ينبجس عن نهاية التاريخ فماركس يعتقد أن الدولة قد فشلت في حل تناقض أساسي هو تناقض الصراع الطبقي، الصراع بين البرجوازية والبروليتارية مبرهناً أن الدولة الليبرالية لا تمثل شمول الحرية بل فقط انتصار الحرية لطبقة معينة هي البرجوازية. ولكن أي دولة تلك التي يمكنها حسم الصراع؟ إنها الدولة غير السياسية فقد جاء في البيان الشيوعي: فما أن تزول التناحرات بين الطبقات... وبما أن الإنتاج كله يتركز في أيدي الأفراد المتشاركين عندئذٍ تفقد السلطة العامة طابعها السياسي فالسلطة السياسية بالمعنى الصحيح هي السلطة المنظمة لطبقة من أجل اضطهاد الطبقات الأخرى. وهذا يعني" أن المجتمع الشيوعي لن يكون مجتمعاً فوضوياً إذ ستبقى فيه "سلطة عامة إنما ستفقد هذه السلطة طابعها السياسي فحسب والحال كما نعلم أن الـ"سياسي" في نظر ماركس هو انقسام الإنسان إلى كائنين لا يستطيعان أن يتلاقيا بسبب الانفصال الذي تبقيه الطبقات بين الناس وهذا هو الاضطهاد" ولكن طبيعة دولة المستقبل تلك متروكة للعلم فهو وحده القادر على الإجابة حسب ماركس. ولكن هل يمكن الحديث عن نظام اقتصادي ـ اجتماعي يستجيب لحاجات البشر المتنوعة والمختلفة ويكون بمثابة الحاضنة الأكثر دفئاً لحاجات ورغبات البشر. يجيب فوكوياما بأنه (30)"لن يستطيع أي نظام تلبية حاجات كل البشر في كل الأمكنة بما في ذلك الديمقراطية الليبرالية وذلك لا يرجع إلى عدم اكتمال الثورة الديمقراطية ولا لكون نعمة الحرية والمساواة لم تنتشر في أوساط الشعب. إن عدم الرضا يولد بالتحديد الدقيق حيث تنتصر الديمقراطية تماماً على نظام سابق لها فنحن غير راضين عن الحرية والمساواة. وهكذا فإن أولئك الذين يظلون غير راضين يكون بمقدورهم دائماً إعادة بدء التاريخ مرة أخرى". وإذا كان كوجيف قد رأى أن الاشتراكية قد تحققت في أمريكا وأنه لافرق كبير بينها وبين الاتحاد السوفياتي وأنها وصلت إلى مجتمع بدون طبقات فذلك عائد "ليس لأن أية مساواة اجتماعية كانت قد زالت بل لأن الحواجز المتبقية هي بصورة ما "ضرورية وثابتة" نظراً لكونها تعود إلى طبيعة الأشياء أكثر مما تعود إلى إرادة البشر. في نطاق هذه الحدود يمكن القول حقاً إن هكذا مجتمع قد حقَّق مملكة الحرية بحسب ماركس بالإنهاء الفعلي للحاجة الطبيعية وبالسماح للناس بامتلاك ما يبتغونه مقابل قدر أدنى من العمل وذلك وفق أي معيار تاريخي كان". وهكذا سوف لا يبقى في نهاية التاريخ ـ وفق فوكوياما ـ أي منافس حقيقي للديمقراطية الليبرالية وسيكون هذا النظام الاقتصادي ـ الاجتماعي هو المثال الذي تتطلع إليه البشرية وتعمل من أجله بنفس الوقت ولكن هناك عوائق وعقبات تحول دون قيام هذا النظام. إن هذه العوائق تنقسم إلى عدة أنماط: ـ النمط الأول من العوائق: يتعلق بدرجة وميزة الوعي القومي، الأثني والعرقي للبلد فلا يوجد أي تعارض في ذاته بين القومية والليبرالية "فالقومية هي ظاهرة حديثة بشكل خاص لأنها تعوض العلاقة سيد /عبد الاغتراف المتبادل والمتساوي ولكنها ليست ظاهرة عقلانية بشكل تام لأنها تخص بالاعتراف أعضاء المجموعة القومية أو الأثنية فقط. إن القومية هي شكل من الشرعية أكثر ديمقراطية وأكثر مساواتية من الملكية الوراثية مثلاً... ولا يجب أن نستغرب اقتران الحركات القومية الوثيق بالحركة الديمقراطية منذ الثورة الفرنسية ولكن الكرامة التي يطلب القوميون الاعتراف بها ليست هي الكرامة الإنسانية الشمولية بل كرامة مجموعتهم القومية. إن مطلب اعتراف من هذا
النوع يؤدي احتمالياً إلى الصراع مع مجموعات أخرى تريد نفس النوع من الاعتراف
فتكون القومية هكذا قادرة تماماً على تعويض الطموحات السلالية والدينية
كأساس للامبريالية وهو بالفعل الدور الذي قامت به في ألمانيا" إذاً "فإن
استمرار الامبريالية والحرب بعد الحروب الكبرى البرجوازية خلال القرنين الثامن عشر
والتاسع عشر لا يرجع إلى بقاء الأخلاق الحربية الوراثية فحسب ولكن كذلك لكونه
"ميغالوثيميا" السيد لم يجر تصعيدها تماماً في النشاط الاقتصادي. فإن
نظام الدول خلال القرنين الأخيرين كان مكوناً من مزيج بين مجتمعات ليبرالية وأخرى
غير ليبرالية وكانت الأشكال اللاعقلانية للثيموس كالقومية في هذه المجتمعات
الأخيرة حرة غير مقيدة ولقد تأثرت كل الدول بشكل أو بآخر بهذه الظاهرة فالقوميات
الأوروبية كانت متداخلة جداً فيما بينها خاصة في أوروبا الشرقية والجنوبية الشرقية
حيث كان السعي إلى توحيد أوصالها وتكوين دول قومية مصدراً كبيراً للصراعات. ولقد
تواصلت هذه الصراعات في المنطقة كلها وتأكدت بصفة أليمة من خلال الحرب الأهلية
واليوغسلافية سنة 1991". وإن الشعور القوي إذاً بالوحدة القومية ضروري قبل كل
ظهور لديمقراطية مستقرة كما هو الحال بالنسبة للعديد من البلدان كالولايات
المتحدة، فرنسا، إنكلترا إيطاليا أو ألمانيا. إن غياب مثل هذا الشعور بالوحدة
القومية في الاتحاد السوفياتي كان ـ النمط الثاني من العوائق: فهو يتعلق بالدين "كما هو الحال بالنسبة للقومية لا يوجد أي صراع دستوري بين الدين والديمقراطية الليبرالية إلاَّ عندما يكفّ الدين عن كونه متسامحاً ومساواتياً. لقد كان هيغل يعتقد أن المسيحية قد مهدت الطريق أمام الثورة الفرنسية من خلال وضعها لمبدأ المساواة بين كل الناس على أساس مقدرتهم على القيام بخيار أخلاقي. إن أغلب الديمقراطيات الحالية تعيش من خلال موروث ديني سليل المسيحية ولقد أشار "صموئيل هنتغتون" إلى كون أغلب الديمقراطيات الجديدة منذ عام 1970 كانت بلداناً كاثوليكية (يرى هنتغتون أن مشاركة عدد كبير من البلدان الكاثوليكية في "الموجة الثالثة" الحالية للدقرطة تجعل من هذه الأخيرة بمعنى من المعاني ظاهرة كاثوليكية مرتبطة بتطور المذهب في اتجاه أكثر ديمقراطية ومساواة منذ الستينات. هذه المحاجة تتضمن شيئاً من الحقيقة ولكنها تطرح سؤالاً حول السبب الذي جعل المذهب الكاثوليكي يتغير في ذلك الوقت فليس في الكاثوليكية ما يهيئها داخلياً لإحداث تحول لصالح سياسة ديمقراطية أو لتغيير البنية السلطوية والهرمية التي تجعل من الكنيسة سنداً طبيعياً لسياسات التسلط. يمكن أن تكون الأسباب الأولى للتغير: 1 ـ عدوى شرعية الأفكار الديمقراطية التي أصابت الفكر الكاثوليكي (أكثر من كونها صادرة عنه). 2 ـ ارتفاع مستوى النمو الاجتماعي والاقتصادي الذي حدث في أغلب البلدان الكاثوليكية خلال الستينات. 3 ـ وأخيراً العلمنة على المدى الطويل التي استهدفت الكنيسة الكاثوليكية التي اتبعت بعد أربعمائة سنة من التأخر الطريق التي خطها مارتن لوثر. قد يظهر الدين إذاً بطريقة ما لا كعائق بل كمحرك للدقرطة وعلى الرغم من ذلك فإن الدين لم ينشئ بذاته مجتمعات حرة وبمعنى ما كان على المسيحية أن تلغي ذاتها بعلمنة أهدافها قبل أن تتمكن الليبرالية من الظهور ولقد كان المسؤول عن حركة العلمنة في الغرب بحسب الرأي السائد هو المذهب البروتستانتي(31)، وعندما جعلت البروتستانتية الدين مسألة شخصية بين المؤمن وربه تجاوزت البروتستانتية الحاجة إلى طبقة مستقلة من رجال الدين و بصفة عامة إلى تدخل الدين في الشؤون السياسية". ويتطرق فوكوياما إلى الأديان الأخرى فيرى: إن البوذية والشنتوية اقتصرت على المجال التعبدي الخاص الممركز في العائلة. والهندوسية والكنفوشيوسية هما على حد سواء مذهبان تسامحيان نسبياً أثبتا تطابقهما التام مع العديد من النشاطات العلمانية وعلى العكس من ذلك: اليهودية الأرثوذكسية والإسلام الأصولي هما دينان كليّانيان Totalitaire يريدان تعقيد كل مظاهر الحياة الإنسانية العامة والخاصة بما في ذلك مجال السياسة ويمكن لهذه الأديان أن تكون متطابقة مع الديمقراطية (والإسلام بصفة خاصة يقرّ مثله مثل المسيحية مبدأ المساواة الكلية بين كل البشر) ولكن يستحيل تقريباً أن تتلاءم مع الليبرالية والاعتراف بالحقوق الشمولية (هنا ينطلق فوكوياما من الفعل الأيديولوجي وليس المعرفي وهو بذلك يقف على الضد من الحقيقة والمنطق فهو يعترف من جهة بأن المسيحية والإسلام يقران مبدأ المساواة الكلية بين البشر ولكنه يقر من جهة أخرى بعدم قدرتهما على التلاؤم والاعتراف بالحقوق الشمولية فهل تلك الحقوق أكثر اتساعاً ورحابة من مبدأ المساواة الكلية؟! ـ الباحث). وحول أصل الشعوب تبنى فوكوياما موقف معلمه الآخر، "نيتشه" بأن كل شعب يتكلم لغة الخير والشر الخاصة به. فيصبح والحال هذه أصل الشعوب تتضّمن في المكوِّنة الثيموسية للنفس. فالثيموس هو مقرُّ ما يدعوه السيكولوجيون "القيم" فالصراع من أجل الاعتراف هو الذي أنتج العلاقة مابين السيد والعبد على اختلاف عللها ومن ثم الرموز الأخلاقية التي ولدت منها: احترام الشعب لمليكه والفلاح لسيده وكذلك تعالي الديمقراطية المتغطرس. كما أن رغبة الاعتراف هي كذلك الموضع السيكولوجي لشعورين شديدي القوة هما الدين والقومية وهذا لا يعني أنما ندعي أنه يمكن إرجاع الدين والقومية إلى رغبة الاعتراف لكن فقط، أن تجذر هذين الشعورين في الثيموس هو الذي يعطيهما هذا القدر من القوة. ـ النمط الثالث من العوائق يرجع إلى الوجود المسبق لبنية اجتماعية غير عادلة أصلاً بما ينجزّ عن ذلك من عادات تفكير. وبحسب "توكفيل"(32) "فإن قوة واستقرار الديمقراطية كانا يرجعان إلى كون المجتمع الأمريكي كان في العمق عادلاً وديمقراطياً زمناً طويلاً مثل صياغة إعلان الاستقلال والدستور فالأمريكيون ولدوا متساويين (ولكنهم أصبحوا غير ذلك بعد الولادة ـ الباحث). ـ النمط الرابع من العوائق: يتعلق بقدرة الجماعة على خلق مجتمع مدني في صحة جيدة بصفة مستقلة ـ ميدان يضع في الميزان قدرات شعب على تطبيق ما يسميه توكفيل "بفن التجمع" بعيداً عن كل تدخل للدولة ـ إن توكفيل يدعي فعلاً أن الديمقراطية تصلح أحسن إذا ما بدأت من الأسفل إلى الأعلى وليس العكس (ما انفّك الإعلام يقدم هذه الرؤية على أنها هي الواقع وهي كذلك على صعيد المظهر والشكل وغير ذلك تماماً على صعيد الجوهر والمضمون ويكرّس النظام الانتخابي في أمريكا ـ بشكل خاص مؤسسة الرئاسة ـ هذه الحقيقة ـ الباحث). ويخلص فوكوياما إلى التأكيد على أن "كل هذه العوامل، معنى الهوية القومية ـ الدين ـ المساواة الاجتماعية ـ الميل إلى المجتمع المدني ـ التجربة التاريخية للمؤسسات الليبرالية تمثل مجتمعة ثقافة شعب فواقع أن تكون الشعوب مختلفة جداً في هذا الميدان يفسر لماذا بعض الدساتير الديمقراطية الليبرالية والحديثة يسير بدون تصادم في حين لا يصحّ ذلك على البعض الآخر. أو لماذا يرفض الشعب نفسه الديمقراطية في زمن ويقبلها بدون تردد في زمن آخر فكل رجل دولة يريد توسيع مجال الحرية وتمتين أركان تقدمه ينبغي عليه أن يكون حساساً بهذا النوع من الضغوطات ما تحت السياسية التي تؤثر بثقلها سلباً في مقدرة الدول على بلوغ نهاية التاريخ بكل سعادة. ويشير فوكوياما إلى مجموعة من الأخطاء التي يجب أن تجتنب فيما يتعلق بالثقافة والديمقراطية: أولاً : خطأ الاعتقاد بأن العوامل الثقافية تشكل شروطاً كافية لإقامة نظام ديمقراطي ويضرب مثلاً على ألمانيا النازية التي كانت تنفذ بالقوة كل الشروط الثقافية المسبقة التي يعتقد أنها ضرورية لقيام ديمقراطية مستقرة فلقد كانت ألمانيا النازية مندمجة قومياً، نامية اقتصادياً، في جوهرها بروتستانتية ولها مجتمع مدني في صحة جيدة ولم تكن أبداً أقل عدالة من بلدان أوروبا الغربية الأخرى وعلى الرغم من ذلك فإن التجاوزات "الثيموسية" والمفجعة التي شكلت الاشتراكية القومية قد نجحت في أن تغطي تماماً كل رغبة عقلانية ومتبادلة في الاعتراف. ثانياً : إن ديمقراطية ليبرالية لا يمكن أن تظهر للوجود بدون وجود سياسيين عقلاء وفعَّالين يفهمون فن السياسة وقادرين على قلب الميولات الغامضة للشعوب إلى مؤسسات سياسية دائمة. ثالثاً : وهو الأكثر شيوعاً (ربما) إنما هو اعتبار العوامل الثقافية شروطاً ضرورية لإقامة الديمقراطية فلقد عرض "ماكس فينبر"(33)، مطولاً الجذور التاريخية للديمقراطية الحديثة والتي تعتبر ولادتها ناتجة عن بعض الظروف الاجتماعية الخاصة جداً بالمدينة الغربية إن هذا العرض كما هو الحال بالنسبة لكل كتاباته قد تغذى كثيراً بالمعطيات التاريخية وهو مملوء بالذكاء ونفاذ البصيرة ولكنه يصف الديمقراطية على أنها نظام لم يستطع الولادة إلاَّ في وسط ثقافي واجتماعي خاص جداً في منطقة صغيرة من الحضارة الغربية فلم يأخذ بعين الاعتبار جدياً كون أن النظام الديمقراطي يشهد نمواً هائلاً بسبب كونه النظام السياسي الأكثر عقلانية وأنه يتلاءم مع شخصية إنسانية أشد عمومية ويتوزعها العديد من الثقافات ويضرب مثلاً على الهند "فهذا البلد ليس بالغني ولا يملك صناعة قوية ـ على الرغم من أن بعض فروع اقتصاده متطورة تكنولوجياً ـ وليس بالمندمج قومياً ولا بالبروتستانتي وعلى الرغم من ذلك فقد نجح في الحفاظ على حياة ديمقراطية نشيطة منذ استقلاله سنة 1947. وعلى العموم فإن الخط الفاصل بين الثقافة والسياسة، بين الشعوب والدول ليس واضحاً البتة فالدول تستطيع أن تلعب دوراً مهماً. وذلك بتشكيل الشعوب أي بتأسيس لغة الخير والشر الخاصة بها "نيتشه" وبخلق عادات وتقاليد وثقافات جديدة. إن الأمريكيين لم يكتفوا بكونهم "ولدوا متساوين" ولكنهم كذلك "أصبحوا متساويين"، وهو ما يحتاج إلى تأكيده في السلوك اليومي الذي تشير الوقائع على أنها غير ذلك إذ يعترف (34) فوكوياما نفسه أن الديمقراطية الأمريكية لم توفق بشكل خاص في معالجة مشكلتها الأثنية الكبرى في مشكلة السود كما أن نظام التفرقة العنصرية كان أكبر المظالم الاجتماعية التي أشعلت ثورة الحقوق في أمريكا منذ الستينات وحتى الآن كما يعترف "كلود جوليان" بأن التمييز العنصري بشكله الذي يعيث فيه فساداً في الغرب هو أخطر طعنة موجهة إلى المبادئ الديمقراطية بحيث لم تنشب في أمريكا المعاصرة معركة اجتماعية وسياسية أطول وأقسى من معركة الثماني عشرة سنة لإلغاء المدارس المعزولة عنصرياً. وإذا كانت العوامل الثقافية ليست كافية ولا ضرورية لإنتاج الديمقراطية الليبرالية فهل يستطيع التقدم الصناعي والعلم والتكنولوجيا إنتاج مثل تلك الديمقراطية؟... يقدم فوكوياما ثلاثة
أنواع من البراهين الأساسية المفسرة لذلك السؤال وكل برهان له البرهان الأول: هو برهان وظيفي فالديمقراطية هي الوحيدة القادرة على معالجة تعقيد المصالح المتأزمة التي يولدها الاقتصاد الحي. هذه الفكرة التي دافع عنها بقوة تالكوت بارسونز parsons الذي كان يعتبر أن الديمقراطية هي عملية تطورية شمولية بالنسبة لكل المجتمعات "إن الحجة التي تجعلنا نعتبر الترابط الديمقراطي كواقع شمولي رغم هذه المشاكل هي التالية: كلما أصبح المجتمع أكثر اتساعاً معقداً فإنه يصبح تنظيمه السياسي الفعال مهماً ليس فقط لقدرته الإدارية وإنما أيضاً ـ وليس أقل من ذلك ـ لدعمه نظاماً شرعياً شمولياً. لا يمكن لأي شكل مؤسساتي يختلف جذرياً عن الرابطة الديمقراطية أن يداري التوافق في ممارسة السلطة بفضل أشخاص أو جماعات خاصة ومن أجل اتخاذ القرارات السياسية الملزمة بشكل خاص، وبحسب هذه النظرية تعتبر الديمقراطية أكثر وظيفية من الدكتاتورية لأن الكثير من تلك النزاعات التي تنمو بين مختلف الجماعات الناشئة حديثاً يجب أن تحل أما في النظام الشرعي أو في نهاية المطاف في النظام السياسي فالسوق وحده لا يستطيع أن يحدد المستوى المطلوب ولا مصير توظيفات البنية التحتية العامة... إذ كل مشكلة من هذه المشاكل مشحونة بالقيم إلى حدٍّ معين ويجب إحالتها إلى النظام السياسي (هناك نوع من الحجة الوظيفية مفادها أن الديمقراطية الليبرالية ضرورية لتأمين العمل الصحيح للسوق فالأنظمة السلطوية التي تراقب اقتصاديات السوق نادراً ما تتركها وشأنها بل هي تميل دائماً إلى استعمال سلطة الدولة لإجبارها على السير باتجاه النمو والعدالة والقدرة الوطنية أو باتجاه أحد الأهداف السياسية المتعددة. وحده وجود "سوق" سياسي قد يستطيع تلافي التدخل السِّيء للدولة في الاقتصاد وبإيقاظ المقاومة وردود الفعل على السياسات الحكومية الغبية) والمثل الذي يمكن أن يقدم على أن الديمقراطية يمكنها أن تكون أكثر وظيفية بالنسبة للبلدان المتقدمة هو مثل البنية الأساسية في الوقت الراهن فالأنظمة السياسية الديمقراطية بمجملها استجابت بسرعة إلى تصاعد الوعي الإيكولوجي في الستينات والسبعينات أكثر مما استجابت إليه الدكتاتوريات. البرهان الثاني: اتجاه الدكتاتوريات والأنظمة ذات الحزب الواحد إلى الانحلال مع الزمن وإلى الانحلال بشكل أسرع عندما يكون عليها أن تقود مجتمعاً متقدماً تكنولوجياً فالأنظمة الثورية تستطيع أن تحكم بلدانها بفعالية خلال سنواتها الأولى بفضل ما يسميه "ماكس فيبر" سلطانها الكاريسمي charismatique ولكن عندما يتوارى مؤسسو النظام فإن لا شيء يكفل بأن يتمتع خلفاؤهم بدرجة من السلطة المشابهة ولا أن يكون لهم الحد الأدنى من الكفاءة لإدارة البلد. البرهان الثالث: المجموعة الأخيرة من الآراء ـ وهي الأقوى التي تربط النمو الاقتصادي بالديمقراطية الليبرالية تكمن في كون نجاح التصنيع ينتج مجتمعات تطغى فيها الطبقات الوسطى وهذا النوع من المجتمعات يفرض المشاركة السياسية و المساواة في الحقوق والمجتمعات ذات الطبقات الوسطى القوية تولد من تعميم التعليم والرابط بين التعليم والديمقراطية هو رابط أساسي كما أن تأثير التربية على المواقف السياسية هو تأثير معقد ولكن توجد أسباب تدفع للاعتقاد أن هذا التأثير يخلق على الأقل شروط المجتمع الديمقراطي المسبقة فالهدف المعلن للتربية الحديثة هو "تحرير" الناس من الأحكام المسبقة والأشكال التقليدية للسلطة. يقال إن الناس المثقفين لا يخضعون للسلطة خضوعاً أعمى بل إنهم يتعلمون كيف يفكرون من تلقاء أنفسهم. وهناك جانب آخر من هذا الرأي يقول أن النخبة العلمية والتقنية المطلوبة لإدارة الاقتصاديات الصناعية الحديثة تتطلب درجة عالية من التحرر السياسي لأن البحث العلمي لا يمكن أن يتم إلا في جو من الحرية والتبادل المفتوح بين الأفكار. هناك لا شك علاقة لا جدال فيها بين التطور الاقتصادي والديمقراطية الليبرالية بإمكاننا (فوكوياما) ملاحظتها بسهولة إذا نظرنا حولنا ولكن طبيعة هذه العلاقة هي أكثر تعقيداً مما تظهر عليه للوهلة الأولى وهي لا تفسّر بشكل مرضٍ من قبل أية نظرية عرضت حتى الآن فمنطق الفيزياء الحديثة وعملية التصنيع التي تفترضه لا تعِّينان اتجاهاً واحداً في المجال السياسي كما تفعلان ذلك في المجال الاقتصادي والديمقراطية الليبرالية تتوافق بالطبع مع النضج الصناعي وهي مفضلة من قبل مواطني العديد من الدول المتقدمة صناعياً ولكن لا يظهر أي ترابط حتمي بين الاثنين فالأوالية التي تحكم اتجاه نظامنا التاريخي تقود إلى مستقبل بيرو قراطي وتسلّطي كما تقود أيضاً إلى مستقبل ليبرالي.علينا إذاً أن نحاول فهم أزمة الأنظمة التسلطية الراهنة والثورة الديمقراطية العالمية إذ "لا نملك أية ضمانة ويمكننا أن نضمن للأجيال المقبلة ألاَّ يكون هناك هتلر في المستقبل فالنازية ولدت في بلد متطور جداً"، كما أنه "لا يكفي أن نذكر ببساطة الهولوكوست (36)، (معسكرات الإبادة الهتلرية)، وننتظر نهاية الخطاب حول مسألة التقدم والعقلانية في التاريخ الإنساني وكأن هول هذا الحدث يجب أن يدفعنا إلى التفكير والتأمل. هناك أيضاً دافع لعدم النقاش عقلياً حول الأسباب التاريخية للهولوكوست وهو موقف مشابه على أكثر من صعيد لمعارضة النشاطات المناهضة للتجارب النووية وللخطاب العقلاني حول توازن الرعب والاستخدام الاستراتيجي للأسلحة النووية ففي الحالتين نلمس الفكرة الكامنة القائلة إن "عقلنة" المسألة من شأنها أن تبرر المجزرة من المألوف بين الكتاب الذين يعتبرون الهولوكوست وكأنه الحدث الكبير للحداثة توافقهم على أنه فريد تاريخياً في هوله الشرير وهو في الوقت نفسه بروز لشرٍ شامل بالقوة كامن في أعماق كل المجتمعات. لكننا لا نستطيع أن نضعه بين الفئتين: فإذا كان حدثاً فريداً في هوله ولا سابقة له تاريخياً، يجب أن يكون له أسباب فريدة علينا ألاّ ننتظر تكرارها في بلدان أخرى وفي عصور أخرى فهذا لا يمكن اعتباره إذاً وجهاً ضرورياً للحداثة وبالمقابل إذا كان هذا الحدث بروزاً للشر الشامل فهو يصبح ترجمة حادة لظاهرة هائلة ـ ولكنها مألوفة ـ هي القومية المتطرفة التي تستطيع الحد من سرعة قاطرة التاريخ ولكنها لا تستطيع إخراجها من الخط الذي تسير عليه". ولذلك ينبغي ألا تجعلنا كل تلك الأمور بُكماً، أي أن مسألة ترسيمة التاريخ العقلانية يجب أن تطرح: "إننا ننتظر على العموم أن يعمل التاريخ الشامل إذا استطعنا أن نكتب مثل هذا التاريخ وكأنه علم إلهي علماني أي أن يكون تبريراً لكل ماهو قائم باسم غائية التاريخ إن مثل هذه الحجج الفكرية الواهية منذ بداية العصور قد تشكل تعامياً هائلاً عن تفاصيل التاريخ وعن تركيبه بالذات وتنتهي تقريباً بالضرورة إلى تجاهل كل العصور وكل الشعوب التي تشكل "ما قبل التاريخ" وكل تاريخ شامل قد نستطيع بناءه لا محالة في الفهم العقلاني للعديد من الأحداث التي لم تكن إلاَّ باللغة الواقعية، بالنسبة للشعوب التي جرَّبتها فالتاريخ الشامل هو فقط أداة شاملة لكن لا يمكنه أن يحل محل الله ليقدم الخلاص الشخصي لكل ضحية من ضحايا التاريخ". واضح هنا أن فوكوياما يستبعدشعوب العالم الثالث من ترسيمة التاريخ العقلانية فهو يعتبر العالم الثالث "يمثل واقعياً عصراً سابقاً للبشرية"، وأن تقسيمه العالم "(37) "بين تاريخي ومابعد تاريخي يتعدى مجرد الشائعة الأيديولوجية ويمهد إلى إعادة تدوير كل تراث الاستقطاب الثنائي السابق الذي تحكم في فكر السياسة الدولية وذلك قبل تفكيك الاتحاد السوفياتي ويحاول هذا التقسيم الذي يتخفى تحت الأقنعة المعرفية الكبرى تأسيس قطيعة صارمة في صميم الكيان الإنساني تخرج معظم أو بقية العالم من نطاق البشر القادرين على فرض الاعتراف بهم ومن ثم يسوغ حرمان هؤلاء البشر في معركتهما الاعتراف من إمكانية تجاوز القطيعة وتخطي الدورة التاريخية والوصول إلى حالة التطابق بين المثل والواقع. تلك الحالة التي تغدو استثنائياً تمييزياً أعلى لا يناله إلا أولئك المعدّون سلفاً لكسر الحلقة التاريخية وبلوغ الكمال الأخير. إنه بهذا الجزم التقسيمي يعبر عن نزعة مركزية غريبة تحقيرية للآخر تبجيلية للذات وإلاَّ كيف نفسر هذه الحتمية الجبروتية إلا كراهية التي بموجبها تتأكد قيادية الشمال وطليعته وتقدمه وتترسخ في المقابل تبعية الجنوب وذيليته وتخلعه ليصبح المرور بمراحل الغرب التاريخية حتمياً ومطلقاً فهي مضطرة إلى تخطي تلك المراحل وطيها لبلوغ ذروة التقدم التي بلغها الغرب مادام العالم سيغدو عالمين: أحدهما لا يزال أسير التاريخ يصعب تحرره منه أو يكاد يصير ميؤوساً منه والآخر قد أنجز مرحلة التاريخ كلها وفك إساره من حتميته الصارمة، تجاوز صراع الواقع والمفهوم وصار ينعم بطبيعة هادئة لأنه يكاد يحقق جوهر الاكتفاء الذاتي ويروي أساس الرغبات ويفرض نفسه الأول في العالم وما على الآخرين إلاَّ الاعتراف به والإقرار بتفوقه واكتماله". ويؤكد فوكوياما إنه "كلما اقتربت الإنسانية من نهاية الألف الثاني فإنه يلاحظ أن الأزمتين المزدوجتين: التسلطية والاشتراكية لم تتركا في ساحة المعركة إلاَّ إيديولوجيا واحدة محتملة ذات طابع شمولي وهي ا لديمقراطية الليبرالية، عقيدة الحرية الفردية والسيادة الشعبية فبعد مائتي عام من إطلاقها للثورتين الفرنسية والأمريكية برهنت مبادئ الحرية والمساواة ليس فقط على أنها دائمة بل أيضاً على أنها تستطيع أن تبعث من جديد". فالديمقراطية الحديثة هي النظام الذي بوسعه تلبية الاثنين (الاعتراف والرغبة العقلانيين) على أفضل وجه وعلى نحو من التوازن وتصبح الإنسانية (38) بدلاً من أن تشبِّه بآلاف الفسائل المتفتحة أزهاراً متنوعة تشبِّه بموكب هائل من العربات ممتد على طول الطريق: بعضها يجر بطريقة حتمية باتجاه المدينة بينما البعض الآخر يستقر في مخيمات في عراء الصحراء ومنها ما يغوص في أخاديد الممر الجبلي الأخير أثناء عبور الجبل. إن العديد من العربات التي يهاجمها الهنود الحمر سوف تترك ملتهبة مهجورة علىطول الطريق. سوف نرى بعض أفراد الموكب مذهولين في المعركة فاقدي المسار متجهين لفترة من الزمن في اتجاه خاطئ بينما قد تقر عربة أو اثنتان بسبب عناء الرحلة إقامة مخيمات دائمة في إحدى مراحل الطريق آخرون سيجدون أيضاً دروباً بديلة لكنهم سيكتشفون أنه ينبغي عليهم لكي يعبروا السلسلة الأخيرة من الجبال أن يجتازوا الممر الجبلي نفسه. لكن الأغلبية العظمى من العربات تنجز الرحلة البطيئة نحو المدينة وتنتهي بالوصول إليها. العربات تتشابه كلها وإن كانت مطلية بألوان مختلفة ومصنوعة من مواد مختلفة إن كلاً منها له أربع عجلات ومجرور بالجياد، داخلها عائلة قابعة، أفرادها يصلّون آملين أن تتم الرحلة دون متاعب والاختلافات الظاهرة في أوضاع العربات لن تبدو وكأنها تعكس الاختلافات الدائمة والمحتومة فيما بين الناس الذين يشغلونها ولكنها ببساطة تظهر كنتيجة لأوضاعهم النسبية على الطريق لقد كان الكسندر كوجيف يعتقد أن التاريخ سوف ينتهي باستعادة عقلانيته الخاصة فعدد العربات التي انجذبت إلى المدينة كافٍ كي يقر كل شخص عاقل بعد تفحصه الوضع أنه لا توجد إلاَّ رحلة واحدة ووجهة وحيدة. من المشكوك فيه أن نكون على الرغم من الثورة الليبرالية التي هزت العالم قد بلغنا هذه النقطة الآن فإن الشهادات التي بوسعنا جمعها حول اتجاه هجرة العربات لا تسمح لنا بالاستنتاج وليس بمقدورنا في التحليل الأخير معرفة ما أن تصل غالبية العربات إلى المدينة نفسها أن نعرف ماإذا كان ركابها وبعد أن يكونوا قد ألقوا نظرة استطلاعية حولهم سوف يجدون الأمكنة غير ملائمة ومن ثم يزمعون على السفر سبيل رحلة جديدة طويلة". قد تكون جديدة وطويلة ولكنها بالتأكيد ليست رحلة واحدة ذات جهة واحدة... إن عدم قدرة الكاتب في إقامة التوازن بين جناحي الثيموس هو الذي جعله يقع في نزعة الفردية ـ حيث ضخَّم الميغالوتيميا وغيَّب الايزوتيميا ـ التي يعتبرها (فوكوياما) من نتاج النظام الرأسمالي نفسه(39): "فالرأسمالية هي بطبعها عملية تدمير خلاق لا يتوقف حيث تؤدي الفتوحات التكنولوجية والعلمية إلى توسع الأسواق التجارية وبالتالي إلى قيام أشكال جديدة للتنظيم على أنقاض الصيغ القديمة التي يتم سحقها بقسوة بما فيها صيغ التضامن والتعاون الاجتماعي فالثورة الصناعية الأولى ـ مثلاً ـ دمرت الروابط العمالية والأسر الكبيرة والصناعات الريفية البسيطة ومجتمعات الفلاحين وتجمعات العمال في المدن الصغيرة والثورة الرأسمالية المستمرة في عالمنا المعاصر تعمل على تفكيك المجتمعات المحلية مع انتقال الوظائف وفرص العمل إلى الخارج أو إلى أي مكان آخر يحقق رأس المال فيه أرباً أكبر الأمر الذي يؤدي إلى اجتثاث العائلات من جذورها المحلية وتسريح الكثير من العمال المخلصين باسم الحفاظ على مرونة الشركات وكفاءتها الاقتصادية ـ طبعاً ليس الأمر مقتصراً على الولايات المتحدة الأميركية بل يمكن القول أن دول أوروبا تلجأ هي الأخرى لتلك الأساليب ـ مما يؤدي إلى تلاشي جو الثقة والود ليحل محله جو الريبة والشك مع تسريح أعداد كبيرة من العمال" ما يرافق ذلك من إضرابات تعكس في حقيقة الأمر ليس فقط أجواء عدم الثقة بين العمال وأرباب العمل بل اهتزاز المنظومة القيمية في المجتمع ككل ويمكن القول تأسيساً على ذلك إنه إذا كانت النزعة الفردية قد أسهمت وبشكل كبير في إرساء أسس النهضة الزراعية والصناعية في أمريكا بل وفي تأسيسها بالذات فإن تلك النزعة تساهم اليوم بمعاولها في هدم ما تم بناؤه سابقاً (لاحظ الجدول رقم 3 مع الإشارة إلى تماثل الأوضاع في دول النظام الرأسمالي مع بعض الفروقات البسيطة) وهنا يبرز النظام الليبرالي قد أدى إلى تلك الآثار المدمرة فكيف يستقيم الأمر في إنهاء التاريخ في ذلك النظام أو اعتبار ذلك النظام هو نهاية التاريخ فهل "من العقلانية والحذاقة أن نحكم بنهاية التاريخ في ظل هكذا وضع؟ في كتابه "ما هو التاريخ" يقول الكاتب أدوار دهاليت كار (1961) ما يمكن إجماله فيما يلي: (40) لسنا في حاجة بل ينبغي ألا ننظر للتاريخ بأن له بداية ونهاية محددة الاعتقاد الذي ساد قبل أقل من خمسين سنة أن الحضارة اخترعت في وادي النيل في القرن الرابع قبل الميلاد لا يحمل الآن أكثر مصداقية عن الكرنولوجيا (هو العلم الذي يهدف إلى استنباط طرق جديدة لا ثبات التتابع الزمني في الطبيعة) التي حددت خلق الكون في عام 4004 ق.م. إن الحضارة التي يمكننا اعتبار ميلادها كنقطة المنطلق عند افتراضنا للتقدم ليست اكتشافاً بل عملية تطور بطيئة دقيقة تحدث فيها قفزات هائلة من وقت لآخر ولا يحتاج لشغل أنفسنا بمعيقات بداية التقدم والحضارة وكذلك افتراض نهاية محددة للتاريخ قد أدى لسوء فهم خطير:
فقد سبق أن أدين الفيلسوف هيغل الذي زعم فوكوياما أنه اعتمد على آرائه للحكم بنهاية التاريخ لاعتباره أن الملكية البروسية هي إشارة لنهاية التقدم. لكن انحراف المؤرخ ارنولد قد بزَّ انحراف هيغل عن المسار الصحيح عندما ذهب الأول يقول: إن التاريخ الحديث في نهاية مراحل التطور "يبدو أن تاريخ البشرية الحديث قد احتوى كل ما يسعه الدهر كأنه ليس ثمة مستقبل بعده". ونبوءة ماركس القائلة إن ثورة البروليتاريا سوف تحقق الغاية النهائية للمجتمع اللاطبقي كانت أخلاقياً أقل عرضة للنقد لكن إدعاء نهاية التاريخ يتضمن نبوءات بالآخرة تناسب عالم اللاهوت أكثر مما تناسب المؤرخ ويعود إلى المغالطة الدائرة حول ما إذا كان هنالك هدف خارج التاريخ. لا شك أن الحديث عن
نهاية محددة له وقعه في العقل البشري أما رؤية "اكتون" عن صيرورة إذن التاريخ كمسيرة للأحداث حسب تصور "اكتون" هو تقدم نحو الليبرالية أما التاريخ كسجل لتلك الأحداث فهو تقدم نحو فهم الليبرالية: كلتا العمليتان متلازمتان ويشيران جنباً إلى جنب ثم يصُّر "كار" بأن محتويات جدول (3)حركة الإضرابات العمالية في بعض الدول الرأسمالية الصناعية خلال الفترة 1983-1992
(...) غير معلومة Source: International Labour Office: Yearbook of labour Statistics 1993, Geneva, P. 1124 م: مجلة عالم الفكر المجلة 25- العودة الثاني- أكتوبر/ ديسمبر 1996 ص51 د.رمزي زكي
التاريخ لا يمكن إدراكها إلا بعد اكتشافها أمبيريقياً Empiricism (تجريبياً). عندما تأملنا وتفحصنا لكتاب "بينيت": الجوانب الأخلاقية للتطور 1908 نجد فيه نقاطاً كثيرة تدحض آراء فوكوياما: "فمن أهم النقاط التي يؤكدها بينيت هي: الأمانة العلمية، الأمانة التي تقود صاحبها إلى الوصول إلى الحقائق بصورة موضوعية سليمة وهذه الأمانة قد انتفت مع عصر العولمة نتيجة لخلط الواقع والصور المنقولة عبر الإعلام بشتى أنواعه لتصبح الصورة المنقولة هي الواقع. وأهداف العلم هي: أولاً: أحاطتنا بمعرفة ما يمكن حدوثه في المستقبل وكل ما يؤدي لتحقيق هاتين الغايتين يعتبر مفيداً وما يباعد عنهما يعتبر سيئاً ولا نحتاج لكبير جهد لنبيّن أن الأمانة العلمية ضرورية ولا غنى عنها لمتابعة الغايتين المذكورتين الأمانة العلمية يعني بها "بينيت" رفض أي مجال للدوافع الأخرى مثل حب الكسب أو الإطراء أو الرغبة (كتلك التي يؤكد عليها فوكوياما) لتحقيق غايات غير علمية لتتدخل في العمل الفكري عند السعي لتأكيد وتنظيم الحقائق منهجياً فحقائق الطبيعة الخارجية تمليها القنوات التي نتخذها للاتصال بالعالم الخارجي كما تمليها أيضاً حوائجنا لكن ما تشترطه الأمانة العلمية هو أن نأخذ الحقائق كمعطيات- مُّسلم بها- لا أن نصفها أو نحوّرها لتوافق بعض حاجياتنا التي نصفها بأنها خاصة أو شخصية أو تطلعات:. ثم يسعى "بينيت" ليبيّن "أن القيم النسبية للوسيلة بالنسبة إلى الغايات عند مقارنتها بفئات أخرى من السلوكيات كوسائل لتحقيق غايات أخرى تعتمد اعتماداً كاملاً على القيم النسبية للغايات وما لم نعرف غاية عالمية لتكون معياراً للمقارنة فليس ثمة طريقة لإثبات أن إحدى الغايات أفضل من ميثلاتها وفيما يختص بالغاية العالمية فليس هناك إجماع ومن هذا المنطلق فإن الدافع الفكري قد يكون في بعض الأحيان مجاوزاً للحد عندما يغلب الدوافع الدينية والأخلاقية أو الجمالية ولا ينطبق هذا الحديث على الأمانة العلمية عندما نعتبرها وسيلة لتحقيق الغايات المشتركة لعدة دوافع". لكن بينيت "يذكرنا بعاملٍٍ هام ينبغي اعتباره عند التطرق لموضوع الأمانة العلمية خاصة فيما يخص المنهج الغائي في الفلسفة: ذلك العامل الذي يتمثل في استحالة عدم تأثير المشاعر والتطلعات الشخصية والجماعية في البحث العلمي وهذا هو السبب في رأي "بينيت" في تحولات المعتقدات والقناعات الفلسفية حين تنتقل من جيل لآخر فيما تمثل تغييراً جذرياً في المنعطف وعلى الرغم من هذا ينبغي الاحتياط من تأثير المحيط الاجتماعي وتجاوز ذلك بمحاولة تبّني نظرة مستقلة. من أكثر الحجج التي يمكن استخلاصها من "بينيت" تلك المرتبطة بالدوافع المتعددة بل والمتضاربة حيناً للإنسان وفي هذا المساق يقتبس "بينيت" من الفيلسوف هوبز قوله: علينا أن نقتنع بأن السعادة العظيمة للبشرية في هذه الحياة لا تتحقق بالإشارة إلى الرضا والقناعة فليس هناك في كتب الفلاسفة القدماء ما يسمى غاية نهائية أو غاية أخيرة. كما لا يستطيع أي إنسان العيش إذا ما حُدّدت مشاعره وتخيلاته. السعادة العظيمة تتمثل في النحو المستديم للرغبة من وضع لآخر مما يجعلني أجرؤ لتحديد نزعة عامة لكل البشرية تتدافع خلالها رغباتهم نحو قوة بعد قوة حتى يأتيها اليقين. وبناء على هذه الملاحظة يصل "بينيت" لخلاصة إنه ليس ثمة ما يشير في الطبيعة أو الإنسان إلى وجود غاية نهائية بل العكس نلاحظ سعياً مستمراً نحو القوة". ومن النقاط الأخرى التي عرضها "بينيت" لنقض دعاوى فوكوياما هي "النقطة المتعلقة بنقص القيمة فحسب رؤية بينيت فإن الخطوة الأولى لنقض القيمة تتمثل في التمييز بين القيم البسيطة التي تتحكم في حياتنا اليومية- قيم الشاي على المائدة والرحلة في القطار- وبين القيم التي تحدد درجات المنزلة أو المكانة الاجتماعية التي يضعه فيها زملاؤه في المجتمع. ففيما يتعلق بالأولى فإن اهتمام الفرد لا يتخطى الفرد نفسه فليس هناك إنسان يكسب إعجاب المجتمع لمجرد إرضاء لملذاته ولشهواته حتى لو أكل الأناناس على سطح القمر كما يتبادر إلى فوكوياما أما فيما يتعلق بتقدير الآخرين وسعي الإنسان لتحقيقه فيبيّن أن فوكوياما يخفي الإشارة لمسائل لا أخلاقية يحقق الغرب من ورائها أهدافه في السعي لنيل التقدير والاعتبار فلا ننسى أن هناك نوعاً من العظمة والتقدير تجيء نتيجة الفتوحات أو الغزو والحروب وكما يؤكد "بينيت" فإن الحرب تتسبب ليس فقط في المعاناة والموت والإفقار لكلا الطرفين بل وأيضاً تفقر الغازي نفسه لكن رغم ذلك فإنها تجلت الشهرة الدائمة للمنتصر وتعاظم الابتهاج لشعبه يفوق كل ابتهاج تحدثه الثروة المادية. إذن حقيقة انتفاع الغرب من خلال الغزو لا نجد لها مكاناً في تحليل فوكومايا رغم تكريسه لمساحات واسعة في كتابه لموضوع "السعي لنيل التقدير" وتفادي فوكومايا لطرح النقطة الأخيرة يعود لارتباطها بمسائل أخرى مثل الحرية لا يرتاح لها الكاتب. لنرى ماذا يقول "بينيت" في هذا المضمار "النجاح في الحرب يقود أوتوماتيكياً لحب الوطن وحب الحرية وهما شعوران مرتبطان بالحرب، هذان الشعوران ما عدا في حالة التحلل الأخلاقي مصنفان عالميان كأعلى الفضائل المدنية وفي نفس الوقت يشكلان أقوى الدوافع لتحريك المواطنين و من مزاياهما التفوق بسهولة على الشوق إلى الثروة المادية وحتى إلى حب الحياة نفسها. الدولة التي فضلت سهولة الحياة على استقلالها تفقد تقدير جاراتها. من هذا المنطلق فإن دولاً مثل اليابان أو كوريا الجنوبية ربما تكسبان ثروة مادية بقبولها السيطرة الأمريكية ولكنها حتماً سترفض هذه المساومة" كما يؤكد "بينيت" أنه "ليس صحيحاً القول أن كل إنسان يسعى لتحسين وضعه بناءً على نمط واحد أو مثال واحد فقط فحتى في نفس العصر بل نفس الجيل أو المجتمع نجد عدة مُثل أو نماذج تنافس بعضها بعضاً وبالتالي فالديمقراطية لا تعتبر المثال القيمي الذي يجب أن تسعى جميع دول العالم لتحقيقه فهي ليست كل القيم بل إحدى الخيارات المتوفرة للإنسان لتحسين أوضاع وكل إنسان يسعى لتحسين وضعه بناءً على نمط قيمي أو آخر" كما أن "المصالح ليست دائماً متجانسة فلو كانت المصالح متجانسة لفقدت معناها ولن تكون هناك قيماً نسبية فمفهوم القيمة نفسه مصدره تضارب أو اختلاف المصالح ورغم أن القيم مصدرها واحد إلا أنها متعددة مع عدم إمكانية تحديد أي قيم بأنها عالمية أو شمولية لاختلاف وجهات النظر حول القيم ذاتها فالعالم لم يتفق بعد حول ما إذا كانت غاية الإنسان محدودة في هذا العالم أم أن هناك غايات أخروية ينبغي اعتبارها عالمية أو كونية". كما يرفض التفسير الميكانيكي لتطور الإنسان الحتمي نحو الليبرالية بما لا يدع مجالاً للتأمل الأخلاقي أو التأمل الديني "إن مسألة الاعتقاد- التي يقلل أنصار العولمة من أهميتها- نعتبرها ضرورية في تفسيرنا لأفعال الإنسان فعندما نُسأل لماذا ينهج الإنسان بتلك الصورة (مثلاً: لماذا يطبق المسلمون الشورى بدل الديمقراطية الغربية) يكون الجواب هو: لأنهم يعتقدون أنها سوف تجعلهم أكثر سعادة وهي إجابة كاملة ولكن أن نسأل لماذا تجعلهم أكثر سعادة يكون ذلك مدعاة لسؤال آخر لا يمت للموضوع الرئيس بصلة". لقد انطلق فوكوياما من نظرة أحادية في تحليله لأوضاع العالم وقرأ التاريخ قراءة مبتسرة ففي حديثه عن العلم والتكنولوجيا "تناسى (42) فوكوياما شمولية العلم والتكنولوجيا فما دام العالم مقسم إلى عالم منتج للتكنولوجيا وعالم مستهلك لها فإن العدالة بين البشر تبقى مطلباً مستحيلاً والحرية شعاراً لا يتحقق" كما تناسى فوكوياما "إن الحريات والديمقراطية والحقوق جميعها رهينة حق الاختلاف وابنة التعدد والتنوع. إذ إنه يقر التعددية السياسية كشرط لقيام نظام ديمقراطي ليبرالي ولكنه يرفض أن يكون التنوع الفكري أساساً للتاريخ فهو يعتبر التاريخ اتجاه سلس ينساب نحو هدف معين يتمثل في قيام الليبرالية" أنه يرى أن "الثوموس هو الذي يقود الإنسان إلى الرغبة في الاعتراف وبالتالي في الديمقراطية ونسي أن الواقع في حد ذاته شديد التنوع وكذلك التاريخ وأن الرغبة الإنسانية متناقضة ومتغيرة ومتعددة". ثم تناسى أيضاً دور العواطف والخيال والأخلاق مركزاً على معيارية العقل التي "تقبض على الجسد وتتحكم في ميولاته وغرائزه" إذ "لا ننسى أن الانتاجات المعيارية للعقل من حيث هو علم وتكنولوجيا تتمثل أساساً في الكمبيوتر والآلات النووية والمعدات الحربية المتطورة التي تولد الرعب والغطرسة. والنظام العالمي الجديد قائم على هذه الانتاجات المعيارية" وما لم "ينفتح العقل على كل مظاهر الإحساس في الإنسان كالخيال والعواطف وعلى نمطية الحياة وأخلاقياتها، أي أن يأخذ صفة عقلية/ تعقلية تقريه من هموم الفرد في المجتمع عبر التسامح في العلاقات والانفتاح على الآخر فالعقل هو قبل كل شيء ملكة تنظيم معارفنا وسلوكنا والتسامح موقف متعقل وأخلاقي في السلوك والعلاقات البشرية وهو موقف ضد كل انغلاق وتعصب في العلوم والتكنولوجيا والأديان والسياسة والأخلاق" إن الانطلاق من تلك المفاهيم الإنسانية يدفعنا للقول أن التاريخ يرتبط بالإنسان وبالحياة ارتباط حرارة الشمس بضوئها فقاطرة التاريخ- كما تؤكد الوقائع- ستستمر ولن نتوقف وأن الأمة الملاذ أو الملجأ (امريكا) التي يبشر بها فوكومايا قد (43) (أصبحت مجرد تجمع أفراد لا يهتم كل واحد منهم إلا بنفسه وأنهم قد أصبحوا مجرد أناس يقيمون على أرض وضعتهم فيها واقعة ولادتهم.... وسيستمر السكان طبعاً في البقاء وستستمر الأكثرية في البقاء حتى بشكل مريح في مجال الحياة الخاصة على الأقل لكن الروابط التي تجعل منهم مجتمعاً ستغدو أدق وأوهى أكثر فأكثر وستنشأ تيارات خفية من التوتر والاضطراب ولن يكون علينا إلاّ أن نتعلم كيف نعيش مع كل هذه القلاقل" فهل كان كلود جوليان يتنبأ في أوائل السبعينات من القرن العشرين ما سيحدث في أواخره ومطلع القرن الواحد والعشرين في الولايات المتحدة الأمريكية بالذات؟
الهوامش والمراجع1:مقدمة ابن خلدون ص3-4 2:فكر ابن خلدون- العصبية الدولة- محمد عابد الجابري ص92 وص141 3:عبد السلام محمد طويل- مجلة الفيصل 277-1999 ص74 4:المصدر رقم 1 ص 9 ويشير د: عبد الله العروي أنه (أزمة المثقفين العرب تقليدية أم تاريخانية ص8) أنه إذا كان التاريخ يفسر بمنطق داخلي في بنية ما، في أي مستوى يضع نفسه فيه أكثر منه بمنطق تطور روائي فإن ابن خلدون يكون حقاً واحداً من أعظم المنظّرين للتاريخ و يمكن أن يبدو محاولاً تقديمه على أنه بارز للأسبقية المعطاة للتوضيح النظري على حساب التوضيح التاريخي. 5: من التراث إلى الثورة- حول نظرة مقترحة في التراث العربي- د. طيب تيزيني- ج1 ص54 6: الموسوعة العربية الميسرة ص480 ويقسم التاريخ عادة إلى: قديم ووسيط وحديث ولكن المؤرخين اصطلحوا على تسمية العصر الذي لا توجد له سجلات بشكل منظم بعصر ما قبل التاريخ وظهرت السجلات التاريخية عقب ظهور الكتابة وفتح كشف "شمبليون" لمغاليق الكتابة الهيروغليفية تاريخ مصر منذ أربعين قرناً قبل الميلاد كما كشف حل رموز الخط المسماري تاريخ سومر وبابل منذ عصور سحيقة غير أن التاريخ لم يكتب على نحو منظم إلا في العصر الإغريقي ويعد "هيرودوت" بحق "أبا التاريخ" فقد كان فذاً في دائرة اهتمامه لأنه لم يكتف بتدوين الأحداث بل سجل الأساطير ووصف العادات والتقاليد. وقد عرف القرن التاسع عشر وعلى الأخص نصفه الأول تكاثراً لاسابقة لـه في المؤلفات التاريخية من كل صنف مثل مؤلفات والترسكوت وشاتوبريان ولامارتين واوغستين تييري وغيزو وكارليل ومؤرخين ألمان وقد (توشار- ج2 ص197-198) يكون للرومانسية ونمو الدراسات التاريخية سبباً مشتركاً إلا وهو الشعور بالعيش في حقبة إنتقالية بين ماض منصرم ومستقبل قلق وهو شعور يتقاسمه جميع الناس المولودين في آخر القرن 18 وبداية القرن 19 فبعد الثورة والإمبراطورية شعر جيل بكامله أن حقبة قد انتهت وأن حقبة أخرى قد بدأت تختلف عن السابقة اختلافاً سياسياً وكان هذا الشعور شعوراً بالعظمة لدى البعض بالحنين لدى البعض الآخر وكان التاريخ في هذه الحالة أو تلك يقدم ملجأ. غير أن التاريخ يقدم أيضاً أسلحة من أجل الصراعات السياسية فهو ممَّون بالأدلة فقد كتب أوغستين تييري في مقدمة "عشرة سنين من الدراسات التاريخية" ما يلي: في عام 1817 إذ شغلتني الرغبة الحارة في أن أسهم من جهتي بانتصار الأفكار الدستورية قمت بالبحث في كتب التاريخ عن البراهين والأدلة لدعم معتقداتي السياسية. ويشير صاحب الموسوعة إلى أن العرب كان لهم نصيب في كتابة التاريخ وأنهم تميزوا بالحياد وقلة التحيز في كتابة التاريخ وهي سمتان تثيران العجب والإعجاب وقد قال "مرجليوث" في كتابه: دراسات عن المؤرخين العرب أن صواب أشهر المؤرخين العرب يبلغ مرتبة سامية ويجعل كتبهم ذات نفع عظيم للبشرية ويعد المسعودي من أكبر المؤرخين العرب إضافة إلى الطبري وابن عساكر. وابن خلدون الذي يعد من أكبر المؤرخين في العالم وتعد مقدمته من أروع كتب التاريخ. 7: مصدر سابق رقم 2 ص94 وحتى 101 8: تاريخ الأفكار السياسية- جان توشار ج2 ص612 9: يشير راسل جاكوبي (نهاية اليوتوبيا، عالم المعرفة 269- مايو 2001 ص13-14 إلى أن تعبير نهاية الأيديولوجيا ربما ظهرت للمرة الأولى في كتابات الروائي وكاتب المقالات الفرنسي الكبير كامي ففي العام 1946 كتب مقالة في صحيفة المقاومة التي كان يصدرها انتقد فيها جهود الاشتراكيين الفرنسيين الحديثة لعقد مصالحة بين الماركسية والأخلاق وعند كامي فإن هذه المصالحة لا يمكن أن تتم لأن العقيدة الماركسية التي ترى أن الغايات تبرر الوسائل تسبغ مشروعية على القتل وعلى الاشتراكيين أن يختاروا أما القبول وأما الرفض للماركسية من حيث هي "فلسفة مطلقة" وإذا أخذوا بالاختيار الأخير فإنهم سيكشفون أن عصرنا يتميز بنهاية الأيديولوجية أي اليوتوبيات المطلقة التي تقوم في الحقيقة بتدمير ذاتها. 10- انظر: مجلة كتابات معاصرة العدد 29 ص9-10 11- مصدر سابق رقم 8 ص173 وحتى 176 لايني فوكوياما يذكر بأنه ينطلق في كتابه من روح الثورة الفرنسية وروح 1776 وهذا العام مهم جداً: ففي هذا العام أصدر الفيلسوف وعالم الاقتصاد والإنكليز آدم سميث (1723- 1790) كتابه الشهير: أبحاث في طبيعة ثروة الأمم وأسبابها واعتبر أن هذا التاريخ بمثابة بداية الثورة الصناعية (تحديات المستقبل- المؤلف- ص86) وأن المجتمعات ما قبل هذا التاريخ كانت كل من النوع ما قبل الصناعي. كما كان بمثابة الإيذان بدخول السوق إلى عالم جديد من البحث والدراسة والتنظير ولأول مرة توضع قوانين لما يسمى بـ "نظام السوق" من خلال أفكار آدم سميث الواردة في الكتاب والتي تقوم على أساس أن مصالح الخاصة وأهواءهم تسير في الاتجاه الأكثر نفعاً مع مصلحة المجتمع وأن هذه المصالح تسيرها يد خفية كما دعاها وأن فهم المجتمع وتحديد طريق مسيره في المستقبل يتوقف على إزاحة الستار عن قوانين السوق التي ستكون جزءاً لا يتجزأ من القوانين الأشمل منها والتي تؤدي إلى رخاء المجتمع أو انحلاله وهذه القوانين تبين: - إن المصلحة الذاتية هي القوة المحركة التي توجه الناس إلى العمل الذي لا يريد المجتمع أن يدفع ثمنه - مقابل هذه المصلحة الذاتية هناك عامل المنافسة الذي يمنع الاحتكار وارتفاع الأسعار - وأن حرية السوق المنافسة تحدد أن كمية المواد والسلع التي يحتاجها السوق - وأن قوانين السوق هي التي تحدد الأجور ودعا سميث إلى عدم تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية وأن أفضل الحكومات هي التي تقلل من تدخلها في أمور الناس وشؤون السوق أما لماذا؟ فلأن الحكومة برأي سميث وإتباعه متلائمة ولا تشعر بالمسؤولية وغير منتجة وقادت هذه النظرية إلى مذهب الحرية الاقتصادية والاقتصاد والمرسل (العولمة ليست الخيار الوحيد- منير الحمش ص64- 65) ومن الملاحظ أن آدم سميث يميز الدولة عن الأمة فهذه الأخيرة تدل على ساحة السوق أنها المكان الذي يجري فيه التبادل وتسوده الملكية أما الدولة (السيد) فهي ليست معنية بالفعالية الاقتصادية ومهمتها فقط هي المحافظة على روابط الأمة بعبارة أخرى تشجيع المبادلات بين المصالح الخاصة _تاريخ الأيديولوجية- فرانسوا شاتيله- ج3 ص153- 154) ومما يجدر ذكره أن فكرة الدول التي ترتكز على مفهومي الرضا والاعتراف عند هيغل (كما بين الكسندر كوجيف) عائد إلى أن هيغل ومنذ عام 1805 قد قرأ ثروة الأمم لآدم سميث الذي ترجم القوة الألمانية (توشار- ج2 ص186) ويعتبر فوكومايا أن الديمقراطية المستقرة في مجتمعات من النمط ما قبل الضاعي ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1776 (إعلان الاستقلال 4 تموز 1776) حيث تم إقرار مبدأ المساواة في أمريكا في هذا العام. وللمزيد حول الثورة الفرنسية يمكن العودة إلى المؤلف القيم الصادرة عن وزارة الثقافة السورية بعنوان: الثورة الفرنسية- ترجمة صياح الجهيم 1993- قسمان 12: مجلة عالم الفكر-المجلد 25- العود الثاني 1996 د. رمزي زكي ص32 و 35 ويعتبر فوكومايا في كتابه نهاية التاريخ (ص152) أن المصدر الأصلي لليبرالية هما: هوبز ولوك ولكن "لهيغل بالنسبة لنا أهمية خاصة وذلك لسببين: أولاً: أنه يعطينا مفهوماً هو أكثر نبلاً من مفهومي هوبز ولوك. وثانياً: أن فهم التاريخ وكأنه صراع للاعتراف يعطي فعلاً نظرة مضيئة ومفيدة عن العالم المعاصر. 13: نشر هذا الكتاب بالعربية من خلال مركز الأنماء القومي، فريق الترجمة: د. فؤاد شاهين- د. جميل قاسم- رضا الشايبي الإشراف والمراجعة والتقديم لمطاع صفدي (مقدمة غنية)- بيروت 1993- يحدد الصفحات 355- يحدد الفصول: 31 ومن المفيد أن نوضح مفهوم الإنسان الأخير كما ورد في عنوان الكتاب: إن الإنسان الأخير عند فوكومايا هو الإنسان الليبرالي وهو أساساً مستوحى من نيتشه "فالإنسان الأخير عند نيتشه هو العبد المنتصر. لقد كان مؤلف زرادشت على اتفاق مع هيغل في أن المسيحية كانت أيديولوجية العبد والديمقراطية تمثل شكلاً علمانياً من المسيحية. كانت الدولة الديمقراطية الليبرالية لا تمثل نظاماً لأخلاقية السيد وأخلاقية العبد كما كان قد طرحه هيغل أما بالنسبة لنيتشه فإنه يمثل نصراً غير مشروط للعبد" وعندما كان نيتشه يتحدث للجمهور "منهياً خطابه تتالت أصوات التهليل من الحشد وهو يقول: إلينا بهذا الرجل الأخير يازارا، أجعلنا على مثال أناسي الزمن الأخير فقد تخلينا لك عن الإنسان المتفوق (هكذا تكلم زرادشت- نيتشه ص39) ويخلص فوكومايا (ص289) إلى أن حياة الإنسان الأخير هي حياة الأمان الشخصي والوفرة المادية تماماً كما يعد به السياسيون الغربيون ناخبيهم عادة في الحملات الانتخابية!! أما الإنسان الأول فهو (فوكومايا ص153) النموذج للكائن الإنساني الذي كان يملك الصفات الأساسية للإنسانية السابقة على خلق المجتمع المدني وتطور التاريخ. أي هو من الناحية العملية "الإنسان في حالة الطبيعة" والإنسان الأول يتقاسم مع الحيوانات بعض الحاجات الطبيعية الأساسية مثل الغذاء والنوم والمأوى وغريزة المحافظة على وجوده الذاتي كما هو الحال عند "هوبز ولوك وروسو" ولكنه عند هيغل يرغب فيما هو أهم من ذلك فهو يرغب أن يعترف الناس به. هذا الإنسان يرغب ليس فقط أن يعترف به الناس الآخرون وإنما (ص154) أن يعترف به باعتباره إنساناً. 14: نهاية التاريخ والإنسان الأخير.. فوكومايا- من مقدمة مطاع صفدي ص6 15: يتساءل د.عبد الله العروي (ثقافتنا في ضوء التاريخ ص17): متى غزا الفكر التاريخي الذهن الأوروبي؟ ويجيب بإن هذا سؤال يختلف في شأنه الباحثون اختلافاً كبيراً. هل حدث ذلك في عصر النهضة؟ أم في القرن الثامن عشر عبر فلسفة الأنوار؟ أم في القرن التاسع عشر من خلال الرومانسية؟ أم في فترة لاحقة تحت تأثير النقد الوضعاني؟ صحيح أن بعض مؤرخي النهضة لجأوا إلى اللغة والنقوش لرفض التاريخ اللاهوتي. صحيح أن "فيكو" و"فولتير" و"هردر" حرية الفرد إلى فكرة النواميس المتحكمة في مجرى شؤون البشر. صحيح أن الرومانسيين شعروا بأن الإنسانية غنية بتعدد واختلاف حضاراتها وأن لكل حضارة قيمة مطلقة يجب فهمها من الباطن دون إرجاعها إلى معيار مجرد واحد وهذه كلها تطورات مهمة بالنسبة للفكر الأوروبي أما بالنسبة للتأليف الإسلامي الذي نشأ كتاريخ شامل للحضارة الإنسانية فإنها تبدو اكتسابات جدّ نسبية. لا يوجد فرق معرفي بين مؤلفات فولتير وهردر ومؤلفات البيروني وابن خلدون..... وقد كان لاكتشاف تاريخ الأرض وما نشأ عنه من علوم مستحدثة وما وقع من اكتشافات في بداية القرن التاسع، صدى كبير مكنّت من حل الغاز الكتابة الهيروغلونية والمسمارية ولكنها لو تمت بمعزل عن العلوم الطبيعية الجديدة لما ترتبت عنها نتائج فكرية وثورية. كل ذلك أدى لأن تتغير الرؤية التاريخية الموروثة عن التوراة ودخول الفكر التاريخي منعطفاً جديداً وهاماً. 16: صدام الحضارات- هنتغثون ص331 17: مجلة الأداب- العدد ¾ عركوش ص25 وحتى 27 وللمزيد حول هذا الموضوع يمكن العودة إلى مؤلفنا: صراع الحضارات بين الواقع والطموح- دار الينابيع- دمشق 2001- الفصل الثاني ص39 وحتى 52 18- مصدر سابق رقم 10- نفس المعطيات 19: مصدر سابق رقم 14 ص8 يستند مبدأ الثيموس إلى: الميغالوتيميا أي نزعة الاعتراف بالذات والايزوتيميا أي الرغبة في المساواة وهو يشبه الإحساس الفطري بالعدل داخل الإنسان فهو المقر النفساني لجميع الفضائل الشريفة ويرجع فوكومايا مصدر كل الأشياء إلى الثيموس فالهدف "من الاقتصاد وهو التفاخر وليس اللذة أو البحبوحة وأن آدم سميث مؤسس الاقتصاد السياسي قد فهم ذلك تماماً بأن الدوافع الاقتصادية تذوب في نوع من الرغبة الثيموسية (ص175) وأن الأشباع الجنسي ليس مجرد قضية إشباع جسدي إذ لا نحتاج دائماً لشريك من أجل هذا بل هو يعكس من ناحية الحاجة لأن يكون إغراؤنا الشخصي معترفاً به من قبل الآخر وكل عمل سياسي يمكن أن يتحول إلى رغبة الاعتراف (ص176)." وكان أفلاطون يعتبر الثيموس أساس الفضيلة "والإنسان بنظره مثلث الصفة فهو يتكون من العقل والميول الكريمة والرغائب الدنيئة لكن بنسب متحولة وفي كل نظام من الأنظمة المذكورة تسيطر إحدى الفئتين الأخيرتين أو كلتاهما في ظل رقابة العقل وسيادته وكل نظام يقابله نموذج إنساني (توشار- تاريخ الأفكار السياسة ج1 ص56- 57) 20: السابق ص294 وص14-15 وص19 21: يؤكد جان توشار (تاريخ الأفكار السياسية- ج2 ص199-200) أن الولايات المتحدة الأمريكية ظهرت بمثابة الأرض المختارة لليبرالية والديمقراطية وقد وفق بينهما توفيقاً مجدياً وبلا شك أن صور الولايات المتحدة الأمريكية التي يتبناها الليبراليون الأوربيون بعيداً جداً في الغالب عن التطابق مع الواقع حتى أن "توكفيل" نفسه يؤول الولايات المتحدة على ضوء قناعاته الخاصة أكثر مما يصف به الواقع الأمريكي. 22: مصدر سابق رقم 14 ص88 والواقع أن نقطة انطلاق التفكير السياسي عند هيغل هي اولاً تبين نجاح النموذج النابليوني، لقد هزم الامبراطور ولكنه فرض على أوربا مدلول المركزية الإدارية والعسكرية والحقوقية للإقليم القومي من جانب السلطة ذات السيادة (تاريخ الأيديولوجية- شاتليه- ج3 ص197) ويرجع د. هشام غصيب (مجلة الطريق العدد- الخامس- السنة الخامسة والخمسون- 1996 ص102) أسباب حماس المثقفين الألمان لنابليون في معركة ايينا 1806 الذين وجدوا أنفسهم يتأرجحون بين روحين: روح الإقطاع الألماني الساعي إلى تجديد نفسه وهيمنته وروح البرجوازية الفرنسية الثورية الوثابة وهذا يفسر الحماس الذي أبداه المثقفون الألمان لنابليون ذلك الإمبراطور البرجوازي الذي ناسب الإقطاع النمساوي واستعاد كثيراً من أساليبه حتى إن هيغل ذهب إلى اعتباره روح العالم على ظهر حصان حين شاهده يدخل مدينته ايينا عقب دحر نابليون بروسيا في معركة ايينا الشيهرة. 23: أعلاه ص89- 90 وص200- 201 ولا بد هنا من الإشارة إلى أن الفيلسوف الفرنسي- الروسي "الكسندر كوجيف" يعتبر أهم مفسر لهيغل في القرن العشرين كما كان ماركس أهم مفسر له في القرن التاسع عشر ويشير فوكومايا (ص321- الهامش 32) إلى أن هناك صعوبات لاعتبار كوجيف نفسه ليبرالياً خاصة أنه كان يجاهر أحياناً بإعجابه الشديد بستالين وقد أكدَّ أنه لا وجود لفوارق بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والصين في الخمسينات "إذا بدا الأميركيون شبيهين بالصينيين والسوفيتيين الأغنياء فيعود ذلك لأن الروس والصينيين لا يزالون سوى أمريكيين فقراء لكنهم ساعون إلى الغنى" وكوجيف لم يكن أقل من موظف للمجموعة الاقتصادية الأوروبية ولفرنسا البرجوازية وكان يعتقدان الولايات المتحدة وصلت إلى المرحلة. النهائية من الشيوعية الماركسية إذا أردنا أن نأخذ بالاعتبار أن جميع أعضاء هذا المجتمع غير الطبقي يستطيعون عملياً أن يحصلوا على جميع ما يحلو لهم دون أن يشتغلوا من أجل ذلك أكثر مما يرغبون. أن أمريكا بعد الحرب وكذلك أوروبا تستحقان بلا شك المزيد من الاعتراف الشامل الذي لم تتوصل إليه روسيا الستاليني مطلقاً مما يجعل كوجيف الليبرالي أكثر قابلية للتصديق من كوجيف الستاليني. 24: السابق ص268 25: العولمة- التوم وآدم ص64- 65 26: سان سيمون: اشتراكي فرنسي ولد في أسرة نبلاء وهو أحد أوائل المفكرين الذين عرفوا خصائص المجتمع الصناعي الوليد وحاولوا بيان كيف نما مثل هذا المجتمع على انقاض الإقطاعية فكل مجتمع يبنى على نظام من المعتقدات ويتفسخ عندما لا تعود لهذه المعتقدات مصداقية وهكذا عجلت فلسفة الأنوار بتصديها للدين في سقوط النظام ويرى سان سيمون في كتابه الأخير (المسيحية الجديدة) 1825 أنه يجب إقامة دين جديد مستوحى من المسيحية ولكنه يقاد من جانب كبار مفكري المجتمع (العلماء والفنانين بصورة رئيسة) وليس من جانب اللاهوتيين. كما يرى أن الصراع الطبقي عامل رئيسي في النحو الاجتماعي ولكن دون أن يكون عنيفاً بالضرورة (قاموس الفكر السياسي- ج1 ص359 وحتى 361). 27: مصدر سابق رقم 25 ص68 وحتى 70 28: مصدر سابق رقم 21 ص358 وحتى 360 29: السابق ص380 وص 376- 377 30: مصدر سابق رقم 14 ص307 وص 206 وحتى 214 وص250 31: البروتستانتية: حركة دينية نشأت عن حركة الإصلاح ومبادئها والاسم يستعمل للدلالة على معانٍ كثيرة لكنه بمفهومه الواسع يطلق على الذين لا ينتمون إلى الكنيسة الكاثوليكية الرومانية أو إلى كنيسة شرقية وتنطوي البروتستانتية على أفكار تحررية في الأمور الدينية والدنيوية وكذلك في إعطاء الفرد حرية التقدير والحكم على الأمور في التسامح الديني وروح البروتستانتية هي في مسؤولية الفرد تجاه الله وحده وليس تجاه الكنيسة (الموسوعة العربية الميسرة ص357). 32: توكفيل (الكسيس دي) 1805- 1859 سياسي نظري وعملي فرنسي برز بخاصة قبل ثورة 1848 وبعدها وعين وقتاً قصيراً وزيراً للخارجية 1849. ذهب في بعثة إلى أمريكا لدراسة نظم السجون وانتهز الفرصة لدراسة المجتمع الأمريكي وكتب كتابه القيم "الديمقراطية في أمريكا- مجلدان 1835" كما أنه وصل بين تاريخ فرنسا في عهد الثورة الكبرى وتاريخا السابق في مؤلف قيم آخر هو "النظام القديم والثورة 1856" (الموسوعة العربية الميسرة ص560) ولمواهبه الكثيرة لقُّب بـ "مونتسكيو القرن التاسع عشر" وللمزيد يمكن العودة إلى تاريخ الأفكار السياسية- توشار- ج2 ص215 وحتى 222 وكذلك: أمهات الكتب السياسية- جان جاك شوفاليه- ج2 ص73 وحتى 124. 33- فيبر (ماكس) 1864- 1920 عالم ألماني من علماء الاجتماع أخرج رغم مرضه مؤلفات ضخمة ومن الموضوعات الرئيسية التي أولاها اهتمامه موضوع تطوير منهج للبحث في علم الاجتماع وفي رأيه أن علم الاجتماع على خلاف العلوم الطبيعية ليس محدداً بمجرد صياغة قوانين للسلوك وإنما عليه أيضاً أن يحدد ما يسنده الناس إلى تصرفاتهم من معانٍ عارض النظرية الماركسية القائلة إن الاقتصاد وهو العامل الوحيد في التسبيب الاجتماعي مؤكداً تعدد عوامل هذا السبيب وترابطها واعتماد بعضها على بعض وبذلك توصل في كتابه الهام "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية 1920 إلى صياغة فرض يتعلق بالصلة القوية بين الطبيعة الزاهدة التي دعا إليها "كالفن" وبين انتشار النظم والمؤسسات الرأسمالية ونحوها. ومن مؤلفاته "الاقتصاد والمجتمع" و"التاريخ الاقتصادي العام" (الموسوعة العربي الميسرة ص1340) ويعتبر مؤلفيه الأهم "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية" من المؤلفات الهامة في علم اجتماع الدين حاول فيه أن يفهم دور وأثر السلوك الذي تتجه الظاهرة الدينية في الحياة الاقتصادية (مجلة المعرفة السورية- 420-1998 ص37) 34: انظر: ص131 نهاية التاريخ وص304 الثقة- فوكومايا وص338 و342 كلود جوليان- انتحار الديمقراطيات. 35: انظر مصدر سابق رقم 14 ص127 وحتى 136 وص138-139 36: يمكن للمزيد حول هذا الموضوع العودة إلى: الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية- روجيه غارودي- دار الغد العربي- القاهرة- ط11996 37: مصدر سابق رقم 14 ص13 مطاع صفدي 38: السابق ص310-311 39: الثقة- فوكومايا ص301 40: مصدر سابق رقم 25 ص74-75 وص70 وحتى 72 وص77 وحتى 81 41: صيرورة التاريخ: ونعني بذلك أنه ليس هناك أطرٌ أو بنى إنسانية (اجتماعية) أو طبيعية ثابتة أو دائمة فكل إطار أو بنية يحمل بذور فنائه أو تغيره النوعي في احشائه بحكم كونه إطاراً محدوداً. ليس هناك ثابت ومتحول في البنية الواحدة كم أدعى البنيويون فكل عنصر وبنية يخضع إلى قوانين التحول بوتائر متباينة. العالم صيرورة هي مقولة هيغل الأساسية وهي تتجلى في التاريخ وبه على صورة المقولات الآتية: -العقل سيد العالم والتاريخ أي إن التاريخ ينتمي إلى عالم الروح (العقل الواعي) -إن فكرة (جوهر) الروح هي الحرية وهي مقولة تنبع من كون الروح المتمتع بالاكتفاء الذاتي من كونه كُلاًّ قائماً في ذاته، من كونه لا يعتمد على شيء سواه. -إن التاريخ هو سيرورة تحوّل الموضوع إلى ذات تحوّل العقل الموضوعي غير الواعي ذاتياً، أي ارتقاء الطبيعة إلى الروح (وهي فكرة ارسطية في الأساس). ولما كانت الحرية فكرة الروح أي جوهرها الكامن وكان التاريخ سيرورة تفتق الروح فإنه أيضاً سيرورة تفتق الحرية. إن الحرية هي المحرّك الغائي للتاريخ. صحيح أن التاريخ يزخر بالمآسي والبربرية والظلم لكنه يزخر أيضاً بالصراعات الدامية من أجل الحرية والعدالة والاستقلال (مجلة الطريق العدد الخامس- السنة الخامسة والخمسون- 1996- د. هشام غصيب ص95 وص100- 101). 42: مصدر سابق رقم 10 ص13-14 43- انتحار الديمقراطيات- كلود جوليان ص292- 293 | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||