|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
سيكولوجـيا العولمة ـــ أحمد حيدر ليست العولمة ظاهرة مغفلة أنتجها التطور التاريخي، ولكنها ظاهرة أنتجتها ذات فاعلة تستند إلى التطور التاريخي، إن المنهج الوضعي الذي يواري الذاتية خلف جدار من الموضوعية الصارمة، يفشل في دراسة الظواهر الإنسانية، لأنه يغفل عن الظاهرة أو ماهيتها الأصلية، فلا بد من اختراق الظاهرة للوصول إلى (الذات) التي أنتجتها، أو الذات التي تعانيها، بصفة هذه الذات الموضوع المستلب. إن كلمة (سيكولوجيا) هنا لا تعني التفسير السيكولوجي للتاريخ، ولكنها تعني تفسير التاريخ بالذات الإنسانية بصفتها وسيطاً في تسلسل الأسباب والنتائج. فهي الذات الفاعلة للتاريخ وهي الذات المنفعلة به، أي الذات التي تعانيه. إن المعاناة هي حالة انفعالية والوعي هو الذي يعكف على هذه المعاناة ويعمل على فهمها وتفسيرها بفض الغلاف الانفعالي أو اختراقه واستخراج الفكرة أو النواة العقلية الكامنة ضمنها. إن الوعي هو القدرة على تأويل المشاعر وتفسيرها، بالعبور منها إلى الواقع الموضوعي، فالقدرة على التأويل هي القدرة على العبور من الذاتية إلى الموضوعية. إن تضخم الذاتية يحجب عنا الوعي ويحملنا على إسقاط مشاعرنا الذاتية الخاصة على العالم وفهمه من خلال هذه المشاعر، فالوعي يقوم على تحويل الذات إلى رؤية خالصة من شوائب الرغبة، الإنسان هو، في صميمه، (وجود في العالم)، كما يعبر الوجوديون، ولكن نمط وجوده يختلف عن نمط وجود الأشياء، فالإنسان يتميز عن الأشياء بصفته قيمة في ذاته، فهو غاية في ذاته، وليس وسيلة أو أداة لغيره. إنه شخص وليس شيئاً، ذات وليس موضوعاً منفعلاً... الحفاظ على هذه القيمة الإنسانية منوط بنظام العالم، فهذا النظام يتضمن، بالضرورة، القيمة الأخلاقية. ومنذ الـ (لوغوس Logos) اليوناني الذي يعني النظام الكوني، نجد أن هذه القيمة الأخلاقية ذات حضور في صميم الصيرورة، متمثلةً بمبدأ العدالة الذي يصون الكائنات كلها، ضمن مراتبها أو ماهياتها الذاتية. إن شعور الإنسان بهذه القيمة هو (الشعور بالذات) البشري الذي تكلم عليه هيجل: هذا "الشعور بالذات" قد أطيع في المجتمع البرجوازي الذي بزغ في القرن الثامن عشر والذي يعبِّر عن نفسه في فكر المنفعة. إن الإنسان –بوصفه كائناً اجتماعياً بصورة جوهرية- قد توضع خارج ذاته، في عالم العلاقات الاقتصادية، وضاع في هذا التوضع الذي يتجاوزه، وكما يقول هيجل، فإن الحركة العمياء تقوم بها الثروة، التي تتمركز تمركزاً متزايداً تؤول إلى السيطرة على الشعور بالذات البشري بما هو كذلك) جان هيبوليث –دراسات في ماركس وهيجل. هذا المجتمع –في رأي هيجل- (يقابل دولة الليبرالية الاقتصادية، في برهة الحياة الخاصة التي لا تظهر الدولة فيها بعد إلاَّ وسيلة في خدمة الأفراد، كل على حدة) المصدر نفسه. ويرى ماركس (أن هذا المجتمع هو مجتمع فردي. إن الدويلات القديمة في العصر الوسيط تنحل، بتأثير تقدم المجتمع البرجوازي نفسه، ويولد العالم الصناعي ويفصح عن نفسه نزاعاً بين المصالح الخاصة، فهو صراع الجميع مع الجميع، إن مجتمع الطبقات الاجتماعية القائم، هو نفسه، على تطور قوى الإنتاج، ذلك المجتمع الذي كان هيجل في شبابه، يعده العقبة، أمام الديموقراطية الحقيقية) المصدر السابق. فردية المجتمع البرجوازي هذه، تجاوزت، في القرن العشرين، مجتمعها الخاص، فمقولة فضل القيمة والتراكم الرأسمالي قد تجاوزتا المجتمع الخاص، نحو تملك العالم كله، وتلكم هي الإمبريالية التي تكلم عليها لينين. إننا نكتشف هنا أهمية دراسات الباحث (سمير أمين)، صاحب كتاب (التراكم على الصعيد العالمي). إن هذا الباحث يرى أن العالم قد أصبح عالمين: عالم المركز وعالم الهامش. الأول هو المركز العالمي للهيمنة والتسلط، وهو (الذات الفاعلة) في العالم، فهذه الذات تتمثل في الـ (نحن) وليس في الـ (أنا) الفردي. وهذا النحن صنعته أسطورة التفوق الغربي أو مركزية الذات Ego-Contrisme الغربية، تلك الأسطورة المغروسة في اللا شعور الجمعي للحضارة الغربية، وهي أسطورة يعتنقها المستلبون من شعوب الهامش بضرب من تقمص المعتدي. هذه الذات التي تعتبر نفسها محور العالم هي الذات الفاعلة للعولمة وتمثلها الولايات المتحدة الأمريكية، فهي الأميركانية نفسها، المستعملة قبل شيوع اصطلاح العولمة. ولكن الذات الفاعلة للعولمة ليست ذات الحضارة، فهي امتداد فردية المجتمع البرجوازي، الذي يعني الليبرالية الاقتصادية ويعبِّر عن نفسه في فكر المنفعة الذي بزغ مع مجتمع القرن الثامن عشر. ويتميز هذا الفكر في أنه يوظف الاقتصاد والتكنولوجيا ويعمل على تطويرهما، يقول برهان غليون: (الاقتصاد ليس حتمية طبيعية ولكنه مؤسسة اجتماعية أيضاً، وله تاريخية يمكن التعامل معها وتحويلها. وهو ميدان صراع ونزاع بين الطبقات والقوى الاجتماعية... إنه ليس هو نفسه، ورغم استقلاله النسبي، إلاَّ ثمرة عوامل متعددة، وسياسات وتنظيم للمصادر والموارد، المادية والبشرية) حوار الدولة والدين- سمير أمين وبرهان غليون الاقتصاد، مثل التكنولوجيا، أداة في يد الإنسان، وليس قوة مغفلة تصنع عالمه بضرب من الضرورة الحتمية، فالاقتصاد ينسَّر بالإنسان نفسه وليس العكس. إن التقدم المادي والتقني، تقدم الاقتصاد والتكنولوجيا، قد وضع تحت تصرف المجتمع البرجوازي إمكانات ضخمة، ويتجلى هذا في المجتمع الصناعي القائم على الآلة البخارية. هذه الإمكانات قد انعكست على الفرد فنمت فرديته وتبلورت في ذلك العصر. ولكن فردية المجتمع البرجوازي التي بزغت في القرن الثامن عشر، قد تضخمت في عصرنا، عصر العولمة، فالنزعة الإمبريالية إلى امتصاص ثروة العالم، كما يرى لينين، تصبح مع العولمة، نزعة هيمنة مطلقة، تملك أو تدمير. العولمة يؤرخها التقدم التقني الذي وصل في النصف الثاني من القرن العشرين إلى حدوده القصوى: علم التحكم الذاتي (السيبرنيطيقا) قد أنتج آلات التنظيم الذاتي، وهي تقترب من المنظومة الحية وتحاكيها، وقد تتفوق عليها في الأداء والمهارة. المعلوماتية وضعت الإنسان على التخوم النهائية للمعرفة. وهكذا انفتح حقل الممكن أمام الإنسان المعاصر وتجاوز الإمكانات الضئيلة التي بدأت مع الآلة البخارية في العصر الصناعي الأول. كان أرسطو يحلم بالعبيد –الآلات، أي الآلات التي تؤدي وظائف العبيد وتحررهم، وقد تحقق حلمه في الإنسان الآلي، فهو عبد ذكي حقاً، ولكن الإنسان الآلي لم يحرر الإنسان، وحقل الممكن قد انغلق في وجهه، وتحول إلى الممكن الرديء المفتوح أمام الرغبة في الهيمنة والتملك، فقد أصبحت التقنية في خدمة العولمة. لقد تأججت أسطورة مركزية الذات في أعماق الأنا- الذات، الأنا- الفاعل، للعولمة. فانطلقت رغبته في التملك المطلق، وهي رغبة عصية على المعايير، لأنها عصية على كل محاولة انفتاح على الحقيقة والقيمة والاعتراف بالآخر، بصفته الآخر المختلف عنا. الآلة اليوم عبد حقاً، عبد ذو طبيعة سحرية، تشبه طبيعة جني ألف ليلة الذي يُؤمر فيطيع، وهو عبد موضوع في خدمة الرغبة؟ رغبة الأنا المشحون بهوامات القوة الكلية، فمن ذا الذي يستطيع أن يقاوم هذه الغواية؟ ومع ذلك فالتقنية ليست الشر، فهي ضمن مشروع العلم نفسه للسيطرة على الطبيعة، أي تقليص رقعة الضرورة لكي يتسع أفق الحرية، أي يتسع حقل الممكن أمام الإنسان. التقنية ليست الشر ولكنها إغراء كبير به، إنها غواية فظيعة تخاطب الرغبة وتفجرها فتدمر السدود التي أقامتها الإنسانية في وجهها. رغبة الأنا طاقة سيكولوجية تنتمي إلى النرجسية، والإنسان شرير بمقدار تواطئه مع هذه الطاقة التي تشبه عطالة الظاهرة الطبيعية، فلا يمكن اعتبارها شراً في ذاتها، فالشر في ضمير الإنسان المتواطئ معها. إنسان العولمة سيء النية، متواطئ مع رغبته على وأد القيمة الأخلاقية، ومن يوجه إليه الخطاب المنطقي- الأخلاقي فهو مثله، مفطور على الرياء. العولمة مشروع استراتيجي، يحركه طموح نحو تحقيق صورة يوتوبيا مضادة ليوتوبيا الإنسان التي تحمله على التعالي نحو معنى معقول للحياة. يوتوبيا العولمة هي يوتوبيا عطالية، هي النزعة لتعطيل العالم وإخماده وتجريده من الفعالية. فلكي يبقى موضوعاً ساكناً للذات الكبرى، ذات العولمة، ينبغي أن يظل محروماً من الذاتية، مجرداً من المبادرات والتوترات وكل ضروب المقاومة. فالعولمة نزوع لتسكين العالم بتعطيل النوابض الدينامية التي تحركه: هويات الشعوب، وبذلك تتحقق الهيمنة المطلقة. العولمة جرافة فظيعة تميل إلى التسوية المطلقة، إلى إلغاء الفروق والتمايزات، ففي عالم العولمة تذوب الثوابت الثقافية، ومن أهمها القيم والهويات، وربما طبائع الأشياء وماهياتها، حسب المعطيات البيولوجية المعاصرة. وبما أن الثقافة هي التربة التي تكون شخصيات البشر وهوياتهم القومية، فهي اليوم في الحد الأدنى من سلَّم الأولويات الاجتماعي. الكمبيوتر والأنترنيت والمعلوماتية، ليست سوى وسائط الإعلام Media، ويمكن أن تكون أدوات لتسهيل اكتساب الثقافة، ولكنها ليست الثقافة ذاتها. ومع ذلك فهي اليوم تمثل الثقافة الحية، وأجيالنا الجديدة تتلهى بها وتنصرف إليها متجاهلة عالم التقانة الحقيقية. العلماء والمفكرون في أمريكا عاكفون على معالجة هذه الظاهرة، ولكنهم مصرِّون على تصديرها لشعوب الهامش. هذه الأدوات أو الوسائط أصبحت من الضروريات في عصرنا لجميع العلوم ولإنجاز الأعمال والإدارة الخ.. ومن يرفضها فهو خارج العصر. هذه الأدوات تمثل تقدماً حقيقياً، ولكن اللعبة الخطيرة هي أنها تعتبر بديلاً عن عالم الثقافة كله، الذي ما زال الكتاب ممثله الحقيقي. العولمة تتمثل العالم كما تتمثل الأفعى فريستها، فهي تخمد كل يوتوبيا تطمح إلى تغيير العالم في اتجاه تحقيق الذات الإنسانية، في اتجاه تحقيق المعنى الإنساني. فالعولمة تطمح إلى حذف بعد المستقبل من النفس الإنسانية، تطمح إلى حذف الشعور بأن الحاضر سوف يتغير وبأن المستقبل سيكون أفضل منه. وباختصار: العولمة تطمح إلى اقتلاع الأمل من النفس الإنسانية، وربما اقتلاع أحلام اليقظة ذاتها، أي الحلم بمستقبل أفضل. وبحسب عبارة إسرائيلية: ينبغي ترسيخ الشعور بالهزيمة المطلقة في النفس العربية، كما قال شارون عشية فوزه في الانتخاب. علاقة ذات العولمة بموضوعها، أي علاقة المركز بالهامش، تشبه علاقة تلك الحشرة القانصة Sphese بفريستها، فهي تضرب عقدها العصبية حتى تشلها وتبقي على حياتها غذاءً طازجاً لذريتها. إن الإنسان الذي تعمل العولمة على صنعه هو إنسان مستأصل، بلا انتماء وبلا أبعاد، فالعولمة تطمح لتحويل المجتمعات إلى فرديات ذرية Atomic تشبه برادة الحديد المنثورة على سطح مغناطيسي، فهم ينتظمون وفق خطوط القوة العالمية (العولمة) التي تحكم الساحة، فليس هناك أي موقف ذاتي، فالكل ينبغي أن يكونوا ملحقين بذات كبرى هي ذات العولمة. تقدم العولمة نفسها على أنها ثمرة العلم والتقنية، فهي تزعم أنها تمثل تقدماً على طريق الحضارة، وهذا متناقض مع معطياتها إلى تشير كلها إلى ضياع الإنسان في ظلها. إن العلم والتقنية هما ضمن المشروع الإنساني، مشروع تحرير الإنسان. ولكن الرغبة، كما رأينا، الرغبة في تملك العالم، هي أساس العولمة، وأساس الأيديولوجيا التي تبررها وتحجب حقيقتها الشنيعة بالوجه الإيجابي الأصيل للعلم والتقنية. لا ينبغي أن نخلط بين العالمية الإنسانية التي تؤسسها القيمة الأخلاقية، وهي التي نجدها عند الفلاسفة الروائيين مثلاً، كما نجدها في الدين الإسلامي، أقول لا ينبغي أن نخلط بين هذه العالمية الإنسانية، وبين العولمة. فالأولى ضمن مشروع تحرير الإنسان، والثانية مشروع للهيمنة عليه وامتلاكه. إن إعلام العولمة يمثل المسافة الإعلامية القصوى، (مسافة الخلف بين القول والعمل)، كما يعبِّر الشاعر العربي، فهي تمثل مرحلة التهتك الإعلامي، وهذا ما يعرفه الجميع عن السياسة الأمريكية-الإسرائيلية، وتناقضاتها الصارخة، العولمة ثمرة لقاء الرغبة السحرية مع التقنية، فالعولمة ما كانت ممكنة قبل وصول التقنية إلى هذا المستوى، مستوى محاكاة العضوية الحية في التحكم والتنظيم الذاتي. إن العولمة، بصفتها ثمرة الرغبة السحرية في التملك المطلق، لا تنفصل عن العدوانية ضد الآخر الذي يمثل جدار المواجهة ضد الرغبة المطلقة، وذلك على العكس من العالمية الأخلاقية التي ذكرناها. العولمة تميل إلى إلغاء المبادرات الذاتية للشعوب، فلا بد لها إذن، من إلغاء الذات نفسها، وذلك بإلغاء الهوية، فالهوية هي سور الدفاع عن الذات. فهي التي تبنيها وتمنحها اتجاهاً في الحياة. فماذا نعني بالهوية؟ ليست الهوية إطاراً يمسك بالإنسان من الخارج، ولكنها تعبير عن إرادة الحياة في الإنسان. والإنسان ليس جوهراً ثابتاً، ليس وجوداً مستقراً بصورة نهائية، فالوجود المستقر هو وجود الأشياء ذاتها. الإنسان مشروع وجود، وهذا ما يتجلى على مستوى الفرد، ومستوى الأمة على السواء، فالإنسان، في صميمه، طموح أو أمل أو حلم. إن يوتوبيا مسقطة على شاشة المستقبل، يوتوبيا ترمي إلى تحقيق الذات. فالهوية ليست مبدأ الهوية المعروف في المنطق أ=أ، فالإنسان ليس مطابقاً لذاته، ولكنه تجاوز مستمر لها، ليس بمعنى التخلي عنها، ولكن بمعنى إعادة إنتاجها بصورة مستمرة بحسب مراحل التاريخ. وذلكم هو معنى الصراع بين التراث والمعاصرة، فالتراث يظل نواة الهوية، فهو مرتبط بحس الهوية الفطري الذي يتمثل في اللغة والدين والأوابد التاريخية والأماكن المقدسة. التراث يظل نواة الهوية، ولكنه، بحد ذاته، ليس هوية إلاَّ بمقدار ما ينجر مشروع الأمة ويسقطه على مستقبلها. وهذا المشروع ليس سوى التعبير عن إرادة الحياة ذاتها، فهي النابض الحي للهوية. ولكن إرادة الحياة هذه تدمر نفسها، تنتحر، ما لم يكن في متناولها ستراتيجية للعمل. عندما هاجم هتلر روسيا انفجر حس الهوية القديم فيها، وخاطب ستالين شعبه قائلاً: يا أحفاد كاترين وبطرس الأكبر، ولم يكن هذا وحده الذي أدى إلى النصر، فالمجتمع السوفييتي كان منظماً معبأً، وهكذا بدأت استراتيجية الحرب بالنشوء والتكوّن والعمل. وقد انفجر حس الهوية عند عرب فلسطين ولبنان في وجه العدوانية اليهودية، انفجر حس الهوية الكامن في التراث الإسلامي، وهذا الحس يختلف عن حس –الهوية اليهودي الأميركي، فهو حس العدالة نفسه العميق الجذور في النفس البشرية، فنحن نجده عند الأطفال الذين يثيرهم ويمزقهم الشعور بالظلم. إن حس العدالة هذا هو جوهر الدين الإسلامي، فمبدأ العدالة هو المصادرة الأساسية التي ينطلق منها هذا الدين، كما يرى المعتزلة بحق فهم أهل العدل والتوحيد كما تعلمون. حس العدالة هذا هو أساس القصد الإسلامي، فكل دين أو فلسفة يحركه قصد أساسي، والقصد الأساسي في الإسلام هو مبدأ العدالة الناتج من قيمة الإنسان نفسه. فالإنسان ليس فرداً، فكل فرد يمثل الإنسانية كلها، كما يقول الفيلسوف (كانط)، وهذا ما تقوله الآية الكريمة: (من قتل نفساً بغير حق، فكأنما قتل الناس جميعاً(. مبدأ العدالة في الإسلام هو الذي يؤسس العالمية الإسلامية: (لا فضل لعربي على أعجمي إلاَّ بالتقوى. أكرمكم عند الله أتقاكم الخ..) هذه الهوية الأخلاقية عند المسلم هي التي تمنحه شجاعة الاستشهاد؛ فحس الهوية عنده هو حس العدالة، إنه حس الحقيقة، إنه على الحق، فهو يموت مطمئناً. مرتاح الضمير. هذه الهوية الإسلامية هي نقيض الهوية الأميركية أو اليهودية، المؤسسة على العدوانية والقتل: قتل الهنود الحمر وقتل العرب، والسطو على العالم. هذه الهوية الإنسانية، هذا النابض الحي لثورة جديدة، ثورة أخلاقية ضد العولمة، ليس لديها أية ستراتيجية للعمل، وأكثر من ذلك: إنها محاصرة، ينبغي أن تموت لأنها تفسد الثقة بالعولمة. ما من ثورة تستطيع أن تستمر دون جدار تستند إليه، ثورة الفيتنام استندت إلى الجدارين السوفييتي والصيني. أما الأنظمة العربية فلا يمكن الاعتماد عليها، ولذلك فثورتنا ضرب من الموت المجاني. يقول (لاروشفوكولد): الرياء دليل على احترام الرزيلة للفضيلة. ولكن الرزيلة في عصرنا تسخر من الفضيلة وتتهمها، فالهوية الأميركية –اليهودية تتهم الهوية الإسلامية بالإرهاب، والإعلام العربي الرسمي يسارع إلى طلب العفو، ويضع نفسه تحت تصرف أمريكا، ويطلب إليها أن تصونه من العدوان الإسرائيلي. الإنسان في صيرورة دائمة متجهة نحو تحقيق الذات، الذات الفردية والذات الاجتماعية، على السواء، فالإنسان لا ينتمي إلى التاريخ وحسب، ولكنه في صميمه، صيرورة تاريخية، بعدها الأساسي هو بعد المستقبل أو بعد الممكن. وتاريخية الإنسان هو تغير نمط وجوده في العالم، وعندما تخمد هذه التاريخية تخمد جذوة الحياة في داخله، هذه التاريخية هي الهوية ذاتها، الهوية التي يعاد إنتاجها بحسب العصور. ويمكننا أن نتكلم عن الثابت والمتحول في الهوية، فالثابت –نسبياً- هو اللغة والأرض والتراث. والمتحول هو الصيغ الثقافية التي ينتجها حس الهوية المرتبط بنواتها الثابتة، هذه الصيغ يمكننا أن نعتبرها ستراتيجيا الهوية التي تعتمد خلال العصور. وهكذا نجد أن الهوية مرتبطة بالممارسة في عالم الحياة، فالهوية ليست الفولكلور، فالفولكلور هو الغلاف السياحي للهوية، الذي يوجه للآخرين لإثبات تميزنا، فهو الحد الأدنى من الهوية. إن نزعة العولمة إلى إخماد العالم ومبادراته الذاتية، إن هذه النزعة تصنع أيديولوجيات تبشر بنهاية اليوتوبيا ونهاية التاريخ، بصفتهما بعدي الهوية: فاليوتوبيا هي مشروع الهوية كما يرتسم في وعي الإنسان، هي الهوية في الحالة الذاتية، أما التاريخية فهي تحقيق هذه الذاتية في صورة موضوعية، تحقيقها ضمن إطار العالم نفسه. إن أيديولوجيات العولمة هي أيديولوجيات إعلامية، وإعلام العولمة متناقض إلى درجة التهتك كما رأينا، فالعولمة لا تمتلك ما يمكن أن يقال، لا تمتلك الحقيقة- الأخلاقية. تتميز الأيديولوجيات عن الفلسفة في أنها متجهة إلى تحقيق الرغبة، في حين أن الفلسفة تتجه نحو البحث عن الحقيقة. فالأيديولوجيا ملوثة، قليلاً أو كثيراً، بالرغبة الذاتية في الهيمنة والتملك، في حين أن الفلسفة تتسم بالخشوع أمام الوجود، أي بإخضاع الذات إلى الحقيقة، فالفلسفة تتصف بالنزاهة ولذلك تكتفي غالبية الناس بالأيديولوجيا. ولكن الأيديولوجيا، بكافة صورها، مؤذية للمجتمع، ما لم تتضمن نواةً فلسفية، هي الموقف التأملي، وهو الموقف المؤسس للميتافيزيقيا. الحقيقة هي جذر القيمة الأخلاقية، إن مبدأ العدالة يقوم على حقيقة الشخص الذي تتمثل فيه الإنسانية كلها، كما رأينا في الآية الكريمة، وهذا ما نجده –في صيغة فلسفية- عند الفيلسوف كانط. علينا أن نتحدث عن مفهوم سوسيولوجي، مفهوم مرتبط بعلم الاجتماع، هو ما ندعوه المحل الاجتماعي، أي محل الحوار الاجتماعي. وهو يعبِّر عن الوظيفة الاجتماعية الأساسية، وظيفة إنتاج ثقافة المجتمع وهويته؛ فهو لذلك (محل الإنسان)، كما يعبِّر عالم الاجتماع (فرديناند دومون). وقد تجلى في المجتمع نفسه، في صورة المكان المقدس، أي مكان أداء الطقوس الدينية. وإذا علمنا أن الدين في المجتمع البدائي كان يحتوي الوظائف الاجتماعية كلها، أدركنا أن المكان المقدس ليس مكاناً عادياً ولكنه رمز الهوية، أي رمز شخصية المجتمع بكليتها. المحل الاجتماعي هو الناظم تحت –الشعوري للمجتمع، فهو يعمل في حالات اختلال التوازن الاجتماعي ليعيد المجتمع إلى حالته النظامية أو المعيارية. ففي هذه اللحظات التاريخية ينفتح المحل الاجتماعي على الحوار والتساؤل، يثيره الأفراد الاجتماعيون على ساحته. وتجري مراجعة أو إعادة نظر جذرية في ثقافة المجتمع وهويته، من أجل إعادة إنتاجهما في صيغة أكثر نجوعاً. هذا الناظم تحت الشعوري هو الذي يصون وحدة المجتمع، وعندما تستولي عليه قوة غريبة، يصاب المجتمع بالتشتت وضياع الهوية، ويسري التفكك في بنيته. وهذا ما ينعكس على الأفراد الذين يعانون الضياع على أنحاء شتى، فالمحل الاجتماعي هو محل وعي المجتمع بذاته، أي تفكيره في ذاته من خلال تفكير أفراده. المكان المقدس أو المحل الاجتماعي عريق في التاريخ، فهو المعبد الوثني، والكنيسة المسيحية، والجامع في الإسلام.. في المكان المقدس تجلى البعد الديني الذاتي الذي ينير ضمير الفرد، منسجماً مع البعد الاجتماعي. وهذا واضح في الدين الإسلامي: فالجامع أو المسجد هو، في الوقت نفسه، المكان المقدس، وكان الكلمة الإلهية التي تبني داخل الفرد، وهو أيضاً محل الحوار الاجتماعي، فالدين الإسلامي لا ينفصل عن البعد الاجتماعي-السياسي. إن وظيفة الحوار الاجتماعي قد اتخذت عند الإغريق صورة مستقلة عن الدين، فالمكان المقدس أصبح الساحة العامة (صخرة الأغورا AGORA)، حيث تجري مناقشة القوانين والتصويت عليها، وكذلك انتخاب الحكام، وهكذا أصبح المكان المقدس محلاً للحوار الاجتماعي. المحل الاجتماعي هو محل الضمير أو الشعور الجمعي –كما يرى دوكهايم- وهذا الشعور هو القاع أو الأرضية العاطفية التي تمسك البنية الاجتماعية في لحظات التزعزع والتفكك، وانطلاقاً منه تجري إعادة إنتاج الهوية والثقافة كلها. إنه حس الهوية الذي يهيء لإنتاجها وتغلغلها في نفوس الأفراد ورسوخها في المحل الاجتماعي. الهوية تتكون في نفوس الأفراد، في صورة يوتوبيا ذاتية، والمحل الاجتماعي هو الذي يصهر هذه الخمائر الفردية ويحولها إلى الصيغة الاجتماعية الموضوعية. إن حاجة المجتمع إلى المعقولية التي تؤلف نواة الهوية، هي التي تفتح المحل الاجتماعي في قلب المجتمع، وذلك لمواجهة اللا معقول الذي يتسلل إلى هذه البنية، وهذا اللا معقول تفرزه فردية الأنا العطالي، التي تحمل الرغبة السحرية في التملك المطلق. هذه الرغبة تغلق نقيضها: المحل الاجتماعي، بأيديولوجيتها الخاصة التي تبررها وتحجب الحقيقة. فالمحل الاجتماعي هو محل الصراع بين المعقولية التي تتمثل في المعنى الإنساني، وبين اللا معقولية التي تتمثل بالرغبة السحرية. إن مأساة التاريخ العربي هي إغلاق المحل الاجتماعي على أنحاء شتى، وهذا المحل كان ممثلاً في الجامع كما رأينا. فالفرق الإسلامية، وأهمها المعتزلة والأشاعرة، قد تكونت في الحوار تحت قبته. ولكن الجامع أغلق على رغبة السلطان وأصبح محلاً لخطابه وحده. هؤلاء السلاطين قد وظفوا فقهاء لصنع الفقه المناسب لرغباتهم، وهكذا تجلت أيديولوجيا الهيمنة في ضرب من الفقه السلطاني الذي يضفي الشرعية على السلطة الوحشية، هذا الفقه السلطاني قد تولته الأميركانية في عصرنا ونمَّته إلى الحد الأقصى بواسطة فقهاء مأجورين وثوار زائفين مثل ابن لادن، وهذا هو الزيف الذي يغزو الإسلام في عصرنا. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |