|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
مشكلة المياه العربية والدور الأمريكي ـــ الدكتور محمد أحمد السامرائي مقدمة: تعد مشكلة المياه العربية من أخطر المشكلات المعاصرة في الوطن العربي، نظراً لتشابك عوامل عديدة تدفع هذا الجزء من العالم لصراع مسلح وإلى تطورات إقليمية، قد لا تكون في صالح العرب، فأغلب منابع الأنهار الرئيسية وروافدها تقع خارج نطاق السيطرة العربية. كما تتضح لنا ظاهرة التقلص التدريجي المستمد للحصص العربية من مياه الأنهار بعد تصميم دول المنبع (تركيا، وأثيوبيا) على تنفيذ مشروعات مائية وإقامة سدود ضخمة. إضافة إلى استيلاء الكيان الصهيوني بالقوة على مصادر المياه العربية. كل هذه كانت عوامل تؤجج الصراع وتزيده حدة في المنطقة. ومن يؤكد احتمالات الصراع في هذا الجزء المهم من العالم، أنه يقع ضمن الإقليم الجاف كما ينجم عنه ندرة في الموارد المائية، كما أن هذا الجزء أيضاً يتصف بأعلى نسبة في زيادة معدل النمو السكاني في العالم بعد إفريقيا، مما جعل حصة الفرد العربي من المياه تتناقض سنة بعد أخرى. كما يكتسب الوطن العربي ودول الجوار الجغرافي له، أهميته في الاستراتيجية الدولية وبشكل خاص الولايات المتحدة الأمريكية، فقلب الوطن العربي وجواره يقع استراتيجياً شرق البحر المتوسط بمحاذاة الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي، كما يحتوي على اثنين من الممرات المائية الدولية المهمة جداً هما قناة السويس والمضايق التركية، كما أن جميع هذه الدول تؤدي دوراً مهماً في ميزان القوى والاستقرار في هذا الجزء من العالم. إضافة إلى أن جميع هذه الدول تعاني من مشكلات مائية حرجة يمكن أن تخل بالاستقرار إذا لم يتم علاجها، كما تكتسب هذه المنطقة أهميتها من حجم سكانها الذي يمثل ثلثي سكان الوطن العربي، كل ذلك يخلق وضعاً قلقاً وغير مستقر فيه، مما يزيد حدة الصراع فيه خاصة إذا امتنعت دول المنبع من الالتزام بمبدأ تقسيم المياه مع الدول المتشاطئة معها. في ضوء ما تقدم حاولت الولايات المتحدة الأمريكية أن تكون طرفاً في المشكلات المائية في المنطقة، مستثمرة عوامل الضعف الجيويوليكلي لدول المصب لتضغط عليها وقت ما تشاء لتحقيق أهدافها المركزية وتحافظ على مصالحها في هذا الجزء المهم من العالم. وقد تم ذلك من خلال دعمها المباشر أو غير المباشر لكل من تركيا وأثيوبيا والكيان الصهيوني. إن مواقف الولايات المتحدة هذه لم تتخذ من فراغ، فمنذ عام 1988 أكد مركز الدراسات الاستراتيجية والاقتصادية بواشنطن بأن المياه في عام (2000) وليس النفط ستكون القضية المهيمنة في الشرق الوسط، وبناء على ذلك الاعتقاد تمارس الولايات المتحدة الأمريكية سياستها في المنطقة، كما يعني أيضاً الاهتمام المبكر بهذه المشكلة. وفي ضوء ما تقدم فإن هذا البحث يهدف إلى بيان الدور الأمريكي في قضية المياه التي تعد من أبرز القضايا الخطرة التي تهدد في أبعادها المختلفة، الوطن العربي. وتتضح لنا جسامة تلك المخاطر إذا ما علمنا بأن الولايات المتحدة تسهم وبدون توقف في تقوية المثلث المائي الخطر، تركيا وأثيوبيا والكيان الصهيوني كمراكز تهديد للوطن العربي؟ "مشكلة المياه العربية والدور الأمريكي أولاً: الموقف الأمريكي وأزمة المياه: تحظى قضية المياه باهتمام كبير من قبل الدول العربية ودول الجوار الجغرافي لما لها من آثار كبيرة على مستقبل هذه المنطقة وعلى طبيعة العلاقات فيما بينها. إلا أن هذه القضية أصبحت أكثر تعقيداً عندما اعتبرتها الولايات المتحدة الأمريكية من مهددات مصالحها في هذا الجزء الحيوي من العالم، فهي تطمح إلى إضفاء صفة الاستقرار والهدوء فيها، لأن حالات القلق والتوتر سيؤدي إلى تهديد تلك المصالح والإضرار بها. فأمريكا حريصة على بقاء وثبات أهدافها المركزية استراتيجية والاقتصادية التي أجملها سوار تسكوف بما يلي(1): 1- ارتباط الاقتصاد الأمريكي بشكل مباشر بالخليج الذي يحتوي على ثلثي الاحتياطي النفطي العالمي. 2- إن الاستقرار في المنطقة أساسي للمدى البعيد لمستقبل (السلام العربي-الإسرائيلي). 3- إن المنطقة تحتوي على مفاتيح عقد التواصل العالمي جواً وبحراً والتي تربط أوربا والمتوسط بإفريقيا وآسيا والمحيط الهندي، وهي خطوط مهمة جداً لاستقبال وإرسال البضائع إلى تلك الأماكن. ولما كانت المياه لا يقتصر تأثيرها على البعد الاجتماعي والاقتصادي فحسب بل تعدى ذلك إلى البعد السياسي، فقد استخدمت المياه عامل ضغط يهدد الوطن العربي بشكل خاص. والجزء الحيوي من الوطن العربي يضم سبع دول عربية تشكل منطقة القلب فيه حيث تتوسط الشقين الآسيوي والإفريقي من الوطن العربي، كما أن عدد سكان هذه الدول السبع يمثلون ثلثي عدد السكان في الوطن العربي بمجمله. إن البعد السياسي لأزمة المياه في المنطقة لا يشمل تأثيره كل الدول العربية، بل يقتصر تأثيره بشكل واضح على الدول العربية السبع وهي: مصر والسودان، العراق وسوريا، لبنان، فلسطين، والأردن. ومن الحقائق الجديرة بالذكر في هذا المجال: 1- إن نصيب الفرد في العالم انخفض من 12.900 م3/ لسنة عام 1970 إلى 7.600م3/ السنة عام 1996. وفي الوطن العربي انخفض نصيب الفرد من المياه في نفس الفترة من 2400 م 3/ السنة إلى 1200م3/ السنة(2). 2- تقدر كمية المياه للأغراض المختلفة في الوطن العربي لعام 2000 (229) مليار م3/ السنة لعدد سكان يبلغ تعدادهم 298 مليون نسمة لنفس العام. 3- وصل العجز العربي للمياه في عام 2000 إلى 127 مليار م 3 وسيصل في عام 2035 إلى 176 مليار م 3. 4- تعد الدول العربية من أكبر مستوردي الغذاء في العالم حيث زادت قيمة السلع الغذائية التي تستوردها الدول العربية من (30) مليار دولار عام 1988 إلى (60) مليار دولار بحلول عام 2000(3). إضافة إلى هذه العوامل يمكن تحديد بعض الأسباب الرئيسة لبؤر التوتر الشديد في الوطن العربي والتي قد تتحول إلى صراعات عسكرية وهي(4): 1- تناقض المخزون المائي العربي وتدني معدل المياه المتاحة إلى ما دون المعدل الوسطي العالمي. 2- النهب والاستغلال غير الشرعي والمجحف لموارد المياه العربية والاعتداء الدائم على الحقوق العربية في المياه واستنزافها. 3- وجود ينابيع المياه الرئيسة خارج الوطن العربي تتحكم في أكثر من 85% من منابع المياه الداخلية. 4- تنامي الحاجات الإنسانية والتنموية في الوطن العربي. 5- عدم وجود اتفاقات دولية منظمة بين دول المنابع الأجنبية المجاورة وبين دول المصب أو الجوار. أو لم يتم التوصل للآليات الدولية الكفيلة بحسن تطبيق العرفية والاتفاقية الوضعية. وفي رأي الباحث أن الأصح:عدم التزام دول الجوار الجغرافي ببنود الاتفاقيات المعقودة مع الدول العربية. ويبدو لنا مما تقدم من حقائق أن هذا القلب من الوطن العربي تكمن فيه بؤر الصراع، وأن احتمالات التوتر ممكنة في مجال أربعة أحواض رئيسة هي: حوض نهر الأردن وحوض الجنوب اللبناني، وحوض دجلة والفرات، وحوض نهر النيل، الأمر الذي سيجعل من هذا الجزء من الوطن العربي قلقاً وغير مستقر لا بسبب السياسات المائية لدول الجوار الجغرافي والتدابير المتخذة لتنفيذها فحسب وإنما بسبب تدخل الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني في تلك السياسات ودعمها للضغوط على الدول العربية المتشاطئة مع دول أحواض هذه الأنهار. لقد أصبح الماء في المشرق العربي عنصراً أساسياً في صياغة سياسة الولايات المتحدة الأمريكية والتي تتركز على مدى تأثير مشكلات المياه في هذه المنطقة على مصالحها الاستراتيجية. الأمر الذي أدى إلى بروز الاهتمام الأمريكي بمياه الوطن العربي وجعله على رأس هذه الاهتمامات في المنطقة. فقد ذكر روبرت كاداج رئيس الخدمات الهندسية الأمريكية في ماندوفيا بولاية كاليفورنيا أن: الصراع في الشرق الأوسط على مصادر المياه المحدودة والمهددة بالخطر يمكن أن يقود إلى هيجان لم يسبق له مثيل في المنطقة، وأن لشحة المياه آثار كبرى على التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي. فظهور مشاكل المياه في المنطقة سيكون له أثراً كبيراً على المصالح الاستراتيجية(5). كما جسد هذه الأفكار تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن عام 1988 حول السياسة الخارجية الأمريكية بشأن مصادر المياه في الشرق الأوسط: كان الهدف المركزي لهذه الدراسة هو: التوصية بانتهاج استراتيجية للمستقبل يكون من شأنها حماية وتعزيز المصالح الأمريكية(6)". ويطرح هذا التقرير "دوراً جديداً للحكومة الأمريكية" لحل المشكلات المائية الجديدة في منطقة المشرق العربي. وأوصى التقرير أيضاً: بأن تركز الحكومة الأمريكية لتجاوز الأزمة المائية في هذه المنطقة على النواحي الآتي ذكرها(7): 1- التنمية وتكنولوجيا الماء المتطورة. 2- تشجيع حكومات المنطقة على إنتاج أشكال جديدة أكثر كفاءة لإدارة الموارد المائية واستراتيجيات تخزين الماء. 3- تحسين التنسيق بين الوكالات الأمريكية التي تتعامل مع مسائل الماء. 4- الاهتمام بالبحوث طويلة المدى والتخطيط البعيد المدى أيضاً. 5- إنشاء برنامج مائي مشترك بين الولايات المتحدة ودول الشرق الأوسط. ومن الجدير بالذكر أن الاهتمام الأمريكي بأهمية المياه في سياسة المنطقة كان مبكراً، فمنذ الثمانينات حددت مصادر الاستخبارات الأمريكية عشرة مناطق محتملة لأن تكون ساحات صراع على المياه وقد قسمت تلك المناطق إلى ثلاث مستويات من الخطر(8): 1- مناطق تشتعل فيها حروب المياه في فترة قريبة وتقع أغلبها في الشرق الأوسط. 2- مناطق محفوفة بالمخاطر، وقد تدخل منطقة الخطر حالما تستنفذ مصادر مياهها السطحية والجوفية، وتقع في نطاق هذا الحزام دول شبه الجزيرة العربية والخليج. 3- مناطق توتر مائي قابلة للدخول في مستوى الخطر في فترة عشر إلى عشرين سنة قادمة وتدخل في هذا الحزام مصر وبلدان المغرب العربي. ويبدو لنا أن الدوائر الأمريكية تحاول أن تتعامل مع مسألة المياه من أجل استثمارها في إطار الاستراتيجية الأمريكية الدولية، ولخدمة ما يسمى بحماية "المصالح القومية الأمريكية". ومع إيماننا بأن الاستفادة من الخبرات الدولية مسألة مطلوبة لمواجهة الأزمة المائية التي يعاني منها الوطن العربي إلا أن الأكثر أهمية هو أن تكون هذه الاستفادة جزءاً من استراتيجية قومية تهدف إلى حماية المصالح القومية العربية لا أن تكون رأس جسر يربطنا بالاستراتيجية الأمريكية ويعمل على "تشكيل اتجاهات تنموية" في بلادنا وفقاً لما يخطط له الآخرون. ثانياً: التدخل الأمريكي في أحواض النهار تؤكد كل الدعوات التي ظهرت في الغرب لمعالجة مسألة المياه في الوطن العربي بأنها كانت تهدف إلى التمهيد لدخول الولايات المتحدة الأمريكية إلى هذه المنطقة بحجة وضع حلول لها، نظراً لما تمتلكه من إمكانات تكنولوجية، إلا أن حقيقة الأمر أنها كانت ترمي لتحقيق هدفين: 1- دعم الكيان الصهيوني في سياسته المائية للحصول على حاجته من المياه وبشكل خاص من الدول العربية المجاورة. 2- استخدام دول المنبع كوسيلة ضغط على الدول العربية المجاورة لها. ولبيان دور الولايات المتحدة وسياستها المائية في هذا الجزء المهم من الوطن العربي، سنتناول الموضوع من خلال رصد حركتها على أبرز أحواض الأنهار الرئيسة في الوطن العربي وعلى النحو الآتي: 1- حوض نهر الأردن ونهر الليطاني: 1- التعاون الأمريكي الصهيوني في المشاريع المائية: للتعاون الأمريكي الصهيوني جذور بعيدة، وبشكل خاص في مسألة المياه. فقد استقدمت الوكالة اليهودية والتي تتولّى قيادة الحركة الصهيونية، الخبير الأمريكي لودرميلك عام 1938 للقيام بدراسة الأوضاع المائية وتنميتها لصالح "الدول الإسرائيلية المرتقبة". وتركز مشروعه على تحويل مياه نهر الأردن الأعلى إلى سواحل فلسطين ونقلها إلى صحراء النقب مع الاستيلاء على مياه الحاصباني وبانياس والليطاني(9). وهذا ما فعله الكيان الصهيوني بعد عدوان 1967. وفي عام 1944 ألف المهندس لودرميلك كتاباً عنوانه "فلسطين أرض الميعاد" ضمنه مشروعه لمياه نهر الأردن الذي قدمه عام 1938 للحركة الصهيونية وأصبح ذلك المشروع قضية الحركة الصهيونية الاستراتيجية(10). ثم جاء بعده مشروع المهندس الأمريكي هيز الذي يعد الوليد لمشروع لودرميلك ويرمي إلى تطبيقه عملياً، وتبعه مشروع ماكدونالد مروراً بمشروع الخبير الأمريكي بانجر وصولاً إلى مشروع جونستون في مرحلة الخمسينات الذي يُعتبر المعبِّر عن التدخل الأمريكي في السياسة المائية للمنطقة. فقد عني هذا المشروع بتوزيع مياه الحوض الشمالي للبحر الميت، ومياه نهري الأردن واليرموك على دول المنطقة: "إسرائيل" والأردن ولبنان وسوريا(11). انظر خريطة رقم "1". وبدراسة متأنية ومعمقة لمشروع جونستون ومراميه السياسية تتضح لنا الحقائق الآتية(12): 1- إن الولايات المتحدة كانت تسعى لتحقيق أهداف سياسية من مشروع جونستون لمياه الأردن تركز على دعمها "لإسرائيل" وضمان وجودها. 2- إن طرح المشروع ومحاولة الحصول على موافقة العرب عليه يهدف إلى قبول "إسرائيل" ككيان في المنطقة في وقت كان العرب يعتبرون "إسرائيل" مغتصبة لفلسطين بدعم من الغرب. 3- إن الولايات المتحدة كانت تعمل وبحرص على ضمان وجود "إسرائيل" وذلك باقتراحها تقسيم مياه نهر الأردن بينها وبين العرب وهي بالكامل مياه عربية. 4- إن ما جاء في المشروع حول توفير المياه للفلسطينيين على ضفتي النهر يعني ضمناً عدم عودة فلسطين إلى الفلسطينيين. ومن الجدير بالذكر أن الكيان الصهيوني يأخذ اليوم (650) مليون متر مكعب من نهر الأردن و 100 مليون متر مكعب من نهر اليرموك، بينما خصص له مشروع جونستون الأمريكي عام 1955، وكان كريما (375) مليون متر مكعب من نهر الأردن و (22) مليون متر مكعب من نهر اليرموك(13). وفي إطار العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 سقط مشروع جونستون من جدول الأعمال. ثم تبعت هذا المشروع عدة مشاريع أخرى جسدت سياسة الكيان الصهيوني المائية الهادفة إلى الهيمنة على أرض فلسطين واستغلال مياهها لبناء المستوطنات الصهيونية فيها، وتمثلت هذه في مشاريع جديدة أبرزها مشروع "كوتن" الذي وضعه الكيان الصهيوني وهو لا يختلف عن مشروع "جونستون" بل أضاف إليه زيادة حصة الكيان الصهيوني من المياه، وإضافة مياه الليطاني إليها. ثم تبعه مشروع بيكر هيرزا عام 1955 لإقامة السدود على الأنهر لاستثمار مياهها من قبل الكيان الصهيوني، وصولاً إلى مشروع "نايتس" خريطة رقم "1" 1 الذي قدمه الكيان الصهيوني بعد حزيران 1967، والذي يدعو فيه إلى الاستفادة من نهر الليطاني(14). والذي يمكن أن نخلص إليه أن حرص الإدارة الأمريكية وخبرائها في المياه كان متواصلاً لدعم الحركة الصهيونية وطموحاتها في إنشاء الكيان الصهيوني وبقائه في فلسطين من خلال السيطرة على المياه العربية. ب- المياه في المفاوضات المتعددة الأطراف: حظيت المياه في الوطن العربي باهتمام العديد من الدول وبشكل خاص الولايات المتحدة التي اتخذت منها مجالاً حيوياً لحركتها من أجل الهيمنة على هذه المنطقة الحيوية من العالم، للحفاظ على مصالحها فيها. ففي مؤتمر مدريد "للسلام" عام 1991 أدرج الرئيسان السابقان الأمريكي والسوفيتي جورج بوش وميخائيل غورباتشوف "المياه" باعتبارها المسألة الأولى التي يجب أن تتركز حولها المفاوضات المتعددة الأطراف في جولتها الثالثة، ومثل هذا التوجه قرر الرئيسان منذ بداية "عملية السلام" أنه لا يمكن الوصول إلى حل شامل في الصراع "العربي- الإسرائيلي" دون تأمين الموارد المائية الكافية لسد حاجات الكيان الصهيوني الراهنة والمستقبلية(15). لقد كانت هذه التوجهات الدولية تنصب لخدمة الكيان الصهيوني وتأمين حاجاته من المياه على حساب الحق العربي، الأمر الذي شجع هذا الكيان في المحادثات المتعددة الأطراف (موسكو، كانون ثاني 1992) على تقديم قائمة مقترحات وبرامج للتعاون الاقتصادي في مجالات ومشروعات محددة ومنها المشاركة في الموارد الطبيعية والتكنولوجية والبشرية والتعاون في مجال البحث العلمي(16). وقبل بدء محادثات "السلام" كانت التقديرات تشير إلى أن حاجة الكيان الصهيوني من مياه الاستهلاك المنزلي ستبلغ (700) مليون متر مكعب في عام 2000 وإلى نحو (1500) مليون متر مكعب في عام 2020(17). لذا فإن سلوك الإدارة الأمريكية وتوجهاتها في مفاوضات "السلام" كانت تدور في إطار(18): 1- تأمين حاجات الكيان الصهيوني الآنية والمستقبلية من المياه لارتباطها العضوي بقضية أمن الكيان الصهيوني. 2- إن رسالة الضمانات الأمريكية للكيان الصهيوني في شأن مفاوضات التسوية مع العرب وضعت قضية المياه على رأس لائحة الموضوعات الإقليمية. 3- إن السياسة الأمريكية لا تلتفت في تركيزها على موضوع المياه إلى حاجات البلدان العربية غير القريبة من الأحواض الثلاثة الأساسية الرافدين، النيل، الأردن. بل هي لا تهتم بحاجات تلك الدول العربية الواقعة على تخوم هذه الأحواض وتصل نظرتها إلى أكثر من ذلك انحيازاً عندما تدعو لبنان إلى اقتسام مياهه مع الكيان الصهيوني وهي مياه لبنانية منبعاً ومصباً من دون اعتبار لحاجات لبنان للمياه العذبة في الحاضر وفي المستقبل متخذة ذلك شرطاً لتنفيذ قرار الأمم المتحدة (425) للانسحاب من جنوب لبنان وعدم سرقة مياه نهر الليطاني. إن هذا الانحياز الأمريكي الواضح لصالح الكيان الصهيوني لمسألة المياه دفعه ليكون أكثر تمادياً في الاستحواذ على المياه العربية، كما جعل مواقفه في التعامل مع قضية المياه العربية والتفاوض حولها أكثر تصلباً وعناداً. فقد اعترض الكيان الصهيوني خلال المفاوضات المتعددة الأطراف على المياه في فينا 1992 على أي إعادة لتوزيع المياه في المنطقة(19). كما أعلن شمعون بيريز وزير الخارجية الأسبق للكيان الصهيوني في خطاب لـه أمام المجلس الاستشاري للطائفة اليهودية في الولايات المتحدة: : لو اتفقنا على الأرض ولم نتفق على المياه، فقد نكتشف أنه ليس لدينا اتفاق حقيقي(20). ويقول زفتي أورتبنرغ رئيس هيئة مياه بحيرة طبرية في هذا الخصوص أيضاً: أنه إذا ازداد نقص المياه في إسرائيل ولم نستطع التوصل إلى حل المشاكل بالطرق السلمية، فلا بد من حلها بواسطة الحرب(21). ومما يؤكد إصرار الكيان الصهيوني على عدم التخلي عن الأراضي العربية التي سيطر عليها بعد عدوان 1967 هو أهميتها في إمداده بحاجته من المياه. فالكيان الصهيوني يحصل حالياً على 65% من حاجته من المياه بطرق غير مشروعة منها (25% مياه لبنانية). ويشير أحد تقارير الأمم المتحدة إلى أن 67% من استهلاك "إسرائيل" من الماء يأتي من خارج حدود عام 1948 منها 35% من الضفة الغربية والباقي من هضبة الجولان ولبنان(22). انظر خريطة "2". وفي ضوء ما تقدم يتضح لنا بأن الكيان الصهيوني أقام نظريته حول أزمة المياه في الضفة الغربية وقطاع غزة، على عدم التنازل عما اغتصبه من مياههما في السابق بل سيعمد وبكل السبل إلى توفير المياه من مصادر أخرى له. ويهدف الكيان الصهيوني من وراء ذلك إلى خلق انطباع بأن مشكلة عدم كفاية موارد المياه ليست مشكلة كيانه فقط بل هي مشكلة الإقليم بشكل عام، ومن هنا بدأ التفكير بحلول إقليمية لـ "مشكلة المياه" بدعم أمريكي ليجد مسوغات له في مد ذراعه إلى مياه نهر الفرات ونهر النيل إضافة إلى مياه نهر الأردن والليطاني. 2- حوض نهر الفرات: تحتل تركيا موقعاً مهماً في التخطيط الاستراتيجي الأمريكي في الشرق الأوسط، فتركيا عضو في منطقة حلف شمالي الأطلسي، وهي الدولة الشرق أوسطية الوحيدة التي لها حدود مشتركة مع الاتحاد السوفيتي السابق، وتوجد فيها قواعد عسكرية عديدة للولايات المتحدة الأمريكية. كما أن موقع تركيا الجغرافي السياسي المهم فيما يتعلق بالعراق وسوريا وإيران يساعد في الإبقاء على أهميتها الاستراتيجية بالنسبة إلى الولايات المتحدة. إضافة لما تتمتع به تركيا من ميزات كثيرة، فهي ذات مساحة واسعة وغنية بالموارد مع وجود مناطق خصبة فيها، وفائض من المخزون المائي، ولدى تركيا الإمكانيات الخريطة رقم "2" منطقة تحويل مياه الليطاني إلى حوض الأردن- ومنشآت تحويل ممكنة 2 لكي تصبح لاعباً مهماً في الشرق الأوسط، ولكن على الرغم من تلك المزايا، فإن توجه تركيا غير واضح، كما أن نجاحها في المستقبل غير مضمون(23). ولأن الماء بات أغلى من النفط فإن تركيا تستعجل الخطى لبناء إمبراطورية المياه وربط دول المشرق العربي بكنفدرالية اقتصادية، حيث تعمل تركيا على الإفادة من التحولات الإقليمية والدولية التي جاءت لصالح المعسكر الأمريكي، ومن المرجح أن تلعب دوراً جيوبو ليتيكيا فاعلاً في محاولة منها لأن تكون القوة الإقليمية الأولى في المنطقة(24). لقد استثمرت الولايات المتحدة هذا التوجه والرغبة لدى تركيا، فقدمت لها الدعم المادي والمعنوي للاستحواذ على مياه نهر الفرات لتشكل من خلال ذلك ضغطاً مباشراً على كل من العراق وسوريا. كما أن محاولة تركيا البحث عن دور لها في ترتيبات النظام الإقليمي الجديد الذي تخطط له الإدارة الأمريكية وتسعى إلى فرضه على بلدان المنطقة أدى إلى اندماج الحكومة التركية في سيناريوهات ومؤتمرات المياه المنبثقة عن مؤتمر مدريد. وفي هذه السياسة تجد تركيا الرضا الأمريكي ما دامت هي عامل إضعاف وتهديد للعراق وللعرب(25). وحاولت الأوساط السياسية والإعلامية الغربية وخاصة الأمريكية تسويق دور تركيا في المنطقة من خلال المشروع التركي المسمى "أنابيب السلام" الذي اقترحه الرئيس التركي الراحل توركوت أوزال عام 1987 لنقل مياه نهري سيحون وجيحون إلى بعض الدول العربية والكيان الصهيوني كمساهمة من تركيا لحل مشاكل المياه في المنطقة(26). وكانت الشركة الأمريكية "براون اندروت Brown and Root Anternational Co قد أعدت الدراسة الأولية للمشروع عام 1986 وخلصت إلى جدوى المشروع فنياً واقتصادياً(27). إن فكرة نقل المياه وبيعها فكرة لا سابق لها في تاريخ العلاقات المائية الدولية فلا توجد أية معاهدة ثنائية أو متعددة الأطراف بهذا المعنى ولا أية ممارسة عملية ولا حتى أية مطالبة رسمية، بممارسة حق البيع(28). لقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية على رأس الذين قدموا الدعم الكبير لتركيا لتنفيذ المشاريع في جنوب شرق الأناضول (الكاب Gap) رغم الاعتراضات المتكررة لكل من العراق وسوريا؛ فقد بلغ الدعم المالي الأمريكي لتركيا لتنفيذ مشروع جنوب شرق الأناضول (112.097) مليون دولار أمريكي، وإذا ما أضفنا لهذا الدعم حصة الكيان الصهيوني البالغة (43.000) مليون دولار أمريكي، وحصة البنك الدولي للإعمار والتنمية الخاضع للإدارة الأمريكية وضغوطها (929.200) مليون دولار أمريكي، فيكون إجمالي هذا الدعم (1084.497) مليون دولار أمريكي(29). ناهيك عن الدعم الأوربي لهذا المشروع أيضاً. إن الإدارة الأمريكية تدرك بعمق المخاطر التي تسفر عن تنفيذ هذا المشروع التركي الضخم والتي ستصيب أضراره بشكل مباشر كلاً من العراق وسوريا. فقد أكد الخبير الأمريكي توماس ناف أنه: إذا ما استخدمت تركيا كل كميات المياه التي تخطط لاستخدامها فإن تدفق المياه إلى سوريا سيقل بمقدار 40%، وبعد أن تحصل سوريا وتركيا على كل ما تحتاجان إليه، فإن التدفق المائي إلى العراق سيزداد ملوحة وشحة إلى درجة تكفي بالكاد لغمر قاع النهر، وهي كمية تعادل ما بين ثمن وربع ما يتلقاه الآن(30). ومن الجدير بالذكر هنا، التأكيد على حقيقة مفادها أنه حتى لو اكتملت مشاريع الري التركية فإنها بحاجة إلى دعم مالي أكبر لاستمرار برنامجها المكثف فهي تحتاج إلى: تخصيص ملايين الدولارات يومياً حتى تحافظ على استمراريتها. وهذه المبالغ الضخمة من النقد الأجنبي لا تتوافر بسهولة لدى تركيا مما سيدفعها إلى الاقتراض الواسع من الخارج، وهو أمر صعب وغالباً ما يتم تأجيله، وقد اضطرت السلطات التركية إلى طلب إعادة جدولة تكلفة ديونها الخارجية من التزامات قصيرة الأجل إلى التزامات متوسطة الأجل(31). ولعلَّ هذا التوجه التركي في إدامة برنامج مشروع جنوب شرق الأناضول سيحمل تركيا على الخضوع إلى ضغوطات مالية وسياسية شديدة من قبل الإدارة الأمريكية وحلفائها لدفعها إلى اتخاذ مواقف تخدم الأهداف الإمبريالية في منطقة المشرق العربي بشكل خاص. ولبيان مدى التأثير الأمريكي في استخدام المياه كسلاح للضغط على الدول العربية، فقد تحدثت بعض التقارير الصحفية في الولايات المتحدة الأمريكية في تشرين ثاني 1990 إن واشنطن اقترحت على تركيا قطع مياه دجلة والفرات عن العراق واستخدام المياه كسلاح سياسي لإجبار العراق على الانسحاب من الكويت(32). كما كان الجهد الأمريكي واضحاً في التأثير على السياسة التركية في تقديم الدعم للكيان الصهيوني في عمليات التسوية واستخدام المياه كوسيلة ضغط لتحقيق هذا الهدف. لقد تميزت تركيا بمحاولة إيجاد توازن في علاقاتها بين العرب والكيان الصهيوني مشكلة بذلك مظلة لتمرير مشاريع التسوية الأمريكية المرسومة لمنطقة المشرق العربي، وفي هذا السياق يمكن رصد ثلاثة اتجاهات في خطة التسوية الأمريكية تتلخص في(33): 1- بضمان وجود "إسرائيل في مجال حيوي هجومي من أبرز معالمه التحكم بمصادر المياه. 2- تطبيع العلاقات العربية "الإسرائيلية". 3- ممارسة هيمنة إقليمية (تركية- إسرائيلية) على العرب ترتبط بشكل دقيق بالولايات المتحدة. ويأتي التعاون التركي- الإسرائيلي على صعيد المشاريع المائية لخلق أرضية قوية تمكّن تركيا من مدّ الكيان الصهيوني بالمياه بواسطة مستوعبات ضخمة لمياه الشرب(34). إضافة لما تهدف إليه جميع مشاريع نقل المياه المقترحة من " أنانبيب السلام التركي" إلى المشروع الصهيوني "قناة السلام" إلى "النقل بالحاويات"(35)، لتجهيز الكيان الصهيوني بحاجاته من المياه، وربط هذا الكيان بفكرة التعاون الإقليمي التي طرحت تحت عنوان "الشرق أوسطية". إن جميع هذه المشاريع تشكل في حقيقتها قمة التآمر على الأمن القومي العربي، لذا نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية تقف وراءها مساندة للمنظمة الصهيونية الأمريكية، دافعة تركيا لتقديمها نيابة عنها. 3- حوض نهر النيل: تمثل أثيوبيا أحد الأهداف الاستراتيجية المهمة للولايات المتحدة الأمريكية، كونها تشكل مصدراً مهماً من مصادر تغذية المياه لنهر النيل، حيث يسهم حوض أنهار هضبة الحبشة بنسبة 85% من مياه نهر النيل، أما الباقي فمصدره حوض البحيرات الاستوائية. ولما كانت مصر والسودان تعتمدان كلياً على مياه نهر النيل لذا فإن أثيوبيا أصبحت ورقة ضغط جيوبوليتيكي تهدد هاتين الدولتين باستمرار. وقد أدركت هذه الحقيقة كل من الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني مما دفعها إلى استخدام "المياه الأثيوبية" أداة للضغط على مصر والسودان كلما اقتضى الأمر ذلك. لقد وجدت الولايات المتحدة الأمريكية في أثيوبيا الأرضية الخصبة لتحقيق أطماعها التوسعية في ثلاثة محاور(36): 1- التنكر للاتفاقيات المبرمة بين دول حوض النيل التي تؤكد حقوق مصر والسودان التاريخية بمياه هذا النهر الحيوي، بحجة أن هذه الاتفاقيات تعود إلى عهود الاحتلال السابقة وهي اتفاقيات إذعان غير مشروعة. 2- التوسع ببناء السدود على روافد النيل الأزرق بقصد خفض كمية المياه الهابطة إلى السودان ومصر، متبعة الطريقة ذاتها التي تلجأ إليها تركيا حالياً بشأن دجلة والفرات. 3- رفض التعاون والتنسيق مع سائر دول حوض النيل، وعدم السماح بإجراء أية رقابة هيدروميترولوجية على روافد النيل الأثيوبية. وفي رأي الباحث أن أثيوبيا لا تحظى بأي سند قانوني يمنحها حق عدم الاعتراف بتلك الاتفاقيات والتخلي عن الالتزام ببنودها، بل إن القوانين والأعراف الدولية تؤكد على الحق التاريخي لكل من السودان ومصر في نهر النيل. كما أن القوانين والأعراف الدولية نفسها تؤكد على ضرورة الأخذ بنظر الاعتبار أحقية دول المصب من المياه في حالة رغبة دول المنبع بإنشاء المشاريع على النهر وروافده. حتى أن موافقة البنك الدولي في نظامه وشروط تقديمه المساعدات لدول المنبع في إنشاء المشاريع على أنهارها، لا تتم إلا بعد حصول موافقات دول المصب عليها. لقد شخص تقرير مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن عام 1988 أزمة حوض نهر النيل بإرجاعها إلى ثلاثة أسباب أساسية(37): 1- الاستهلاك المتزايد للماء المرتبط بالنمو السكاني والتوسع الزراعي والصناعي. 2- قصور أعمال الصيانة، والتشغيل الخاطئ للمنشآت المائية. 3- الافتقار إلى التعاون بين الدول التي تشترك في موارد مشتركة تقع في منطقة محفوفة بالعداوات العرقية والدينية والسياسية. ولكي نحدد أبعاد التدخل الأمريكي في دول حوض النيل والكشف عن الوسائل المستخدمة للضغط على الدول العربية سنتناول المحاور الآتية: 1- التعاون الأمريكي- الأثيوبي: يبقى هدف تأمين المياه إلى مصر دائماً أحد ثوابت التوجهات العليا لأي نظام سياسي، كون مصر هي المستفيدة الأولى من نهر النيل، وأن معظم دول الحوض ليست مجتمعات نيلية أي لا تعتمد على مياه النهر. ولذا فقد أصبح صحيحاً كما يقول جمال حمدان: إن من يملك السيطرة على منابع النيل يمكن أن يصيب مصر بالشرق أو الغرق، أي أن النيل –نظرياً- مقتل كامن أو ممكن لمصر(38). في ضوء هذه الحقائق أدركت الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني أن بإمكانهما تهديد مصر بوساطة مياه نهر النيل، وخاصة أن مصر قد تعرضت عبر تاريخها إلى مثل هذه التهديدات من قبل قوى استعمارية خارجية مثل البرتغاليين والإيطاليين والبريطانيين. وفي مرحلة الخمسينات انعكست العلاقات الحميمة التي تجمع الإمبراطور هيلا سيلاسي مع الولايات المتحدة على العلاقات المصرية الأثيوبية، لأن الإدارة كانت تناصب العداء لعبد الناصر ولسياسته القومية العربية(39). مما يشجع أثيوبيا على توسعها الجيوبوليتيكي في القرن الإفريقي، انظر خريطة رقم "3". كما استطاعت أثيوبيا في ظل الدعم الأمريكي عام 1952 أن تقيم اتحاداً فدرالياً مع أريتريا تمهيداً لاحتلالها عسكرياً ثم ضمها إلى الإمبراطورية عام 1962. وحققت أثيوبيا بذلك هدفها الجيوبوليتيكي بوصولها إلى البحر والمياه المفتوحة وخروجها من العزلة البرية، وفي مواجهة الدعم العربي الكبير لثورة الشعب الأرتيري، اندفعت أثيوبيا بتقوية علاقاتها مع الكيان الصهيوني لتحقيق الهدف المشترك لها وهو: كسر الطوق العربي في البحر الأحمر ونزع الصفة القومية عن هذا البحر، لذلك جعلت أثيوبيا شواطئ أرتيريا وجزرها تحت السيطرة الأمريكية والإسرائيلية، كما قدمت لهاتين الدولتين تسهيلات استراتيجية غير محدودة(40). وتطورت العلاقة بين أثيوبيا والكيان الصهيوني أيضاً في عهد منغيستو حيث كان الكيان الصهيوني يهدف إلى استخدام أثيوبيا ورقة ضغط على مصر لإجبارها على تنفيذ المشروع الذي اقترحه السادات (الرئيس المصري الراحل) القاضي بمد قناة "ترعة السلام" من نهر النيل إلى صحراء النقب لتغذيتها بنسبة 1% من حصة مصر في مياه نهر النيل. وبعد سقوط حكم منغيستو أثبتت أحداث القرن الإفريقي أن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني تعدان أثيوبيا لدور مركزي إقليمي أكثر أهمية تدور في فلكه دول مجمع البحار (أي الدول المشرفة على مضيق باب المندب) ودول مجمع الأنهار (أي الدول المشرقة على خريطة رقم (2) التوسع الجيوبولتيكي الأثيوبي في القرن الأفريقي 3 حوض السودان)، وذلك في إطار ترتيبات جيو سياسية من أبرز ملامحها:(41) أ- إنشاء كيانات صغيرة وضعيفة من حول أثيوبيا، وهي أرتيريا (التي أصبحت دولة مستقلة في نيسان 1993) والصومال (الذي يعاني اضطرابات وتمزقاً يهدد وحدته ومصيره) وأوغندا وجنوب السودان (الذي تسعى حركة المنشق جون غارنق إلى إعلانه دولة منفصلة). ب- استخدام أثيوبيا قاعدة أمريكية- إسرائيلية، يسهل من خلالها السيطرة على هذه المنظومة الإقليمية، وبالتالي إحكام الطوق على "المنطقة العربية" عبر محور أثيوبيا – "إسرائيل"- تركيا. جـ- توثيق علاقة هذه المنظومة الأمريكية بالكيان الصهيوني وهذا ما أكده الرئيس الأثيوبي، وقائد قواد الجبهة الثورية الديمقراطية لشعوب أثيوبيا "ملس زيناوي" من أن بلاده تقيم علاقات ودية مع إسرائيل. مهينة بذلك لتاريخ أرتيريا وكفاح شعبها ضد الاستعمار الأثيوبي وحليفته "إسرائيل". 2- الدعم الأمريكي للمشاريع الأثيوبية: كانت الإدارة الأمريكية قد أعدت دراسات لحسابات أثيوبيا عندما تدهورت علاقاتها مع مصر عام 1958- 1964، وكان الغرض من ذلك تنبيه عبد الناصر –خلال مرحلة بناء السد العالي- أنها قادرة على أن تصيب منه مقتلاً. ففي هذه الفترة قام المكتب الأمريكي لاستصلاح الأراضي الزراعية بوضع دراسة موسعة لاستصلاح الأراضي على الحدود السودانية الأثيوبية. وتستهدف هذه الدراسة استصلاح (400) ألف هكتار من الأرض وتوليد كمية ضخمة من الكهرباء، وهذه المشاريع إذا ما نفذت كفيلة بخفض تدفقات المياه إلى السودان ومصر بنحو (5) مليار متر مكعب من الماء(42). ويبرز الكيان الصهيوني دوره في هذا المجال لينفذ المشاريع المائية التي سبق أن أعلنت أثيوبيا عزمها على تنفيذها، ويصل عددها إلى (40) مشروعاً مائياً على نهر النيل الأزرق. ويعد السد التخزيني على نهر "فينشيا" أحد أهم روافد النيل الأزرق، والذي يقتطع (25) مليار متر مكعب من المياه(43). لقد أسهم الكيان الصهيوني في دعم أثيوبيا في إنشاء الخزانات على نهر فينشيا الأثيوبي من خلال تدخله في الضغط على البنك الدولي لتمويل المشروع على أن يتولى الفنيون الإسرائيليون وضع الدراسات الفنية والإشراف على التنفيذ(44). ومن الجدير بالذكر أن هذا التمويل للمشروع كان دون إذن الدول المجاورة كما تقتضي اتفاقية مياه النيل. إن الإدارة الأمريكية والصهيونية تحاولان أن تجعلا من السدود الأثيوبية وسيلة ضغط قوية على كل من السودان ومصر من خلال مطالبة أثيوبيا بسحب امتيازات الحق التاريخي التي تتمتع بها مصر في محاولات الإيحاء بالقدرة على التأثير في حصة مصر من المياه، إضافة إلى موقف أثيوبيا الرافض للاتفاقية الموقعة بين مصر والسودان عام 1959 لاقتسام مياه نهر النيل. كل ذلك يجعل التلويح بالمخاطر حالة قائمة تهدد باستمرار كلاً من السودان ومصر بشكل خاص. 3- بناء مشروع السد العالي: في عام 1954 بدأ التوجه في بناء السد العالي على نهر النيل لتفادي مشاكل التفاوت في إيرادات نهر النيل. ووافق البنك الدولي على منح مصر قرضاً للبدء في تنفيذ المشروع، كما قدمت أمريكا وبريطانيا وألمانيا معونات للمساهمة في إقامة هذا المشروع الضخم. إلا أن تنفيذ هذا المشروع كان مرهوناً بضغوط سياسية مارستها أمريكا على مصر. فقد كانت مطالب أمريكا تنص على: أن تكون مصر في المعسكر المعادي للاتحاد السوفيتي، وأن على مصر إلغاء صفقة الأسلحة التشيكية عام 1955- 1956، إضافة إلى الصلح مع الكيان الصهيوني، وحين رفضت مصر كل المطالب، أعلن وزير خارجية أمريكا جون فوستر دالس في 19 تموز 1956 سحب العرض الأمريكي لبناء السد العالي. وعندها ردت مصر بتأميم قناة السويس لتوجيه إيرادها لبناء السد العالي. وما كان من بريطانيا وفرنسا والكيان الصهيوني إلا أن وقعوا اتفاقية "سيفر" للقيام بعملية عسكرية لغزو مصر، فكان العدوان الثلاثي على مصر في 31 تشرين أول عام 1956(45). بعد هذا العدوان توقفت المفاوضات مع الدول الغربية الثلاث فتوجهت مصر بطلبها إلى الاتحاد السوفيتي حيث وافق في عام 1956 على تمويل مرحلتي بناء السد. وبعد تنفيذ جميع التصميمات الهندسية اللازمة في عام 1958 تم التوقيع بين مصر والاتحاد السوفيتي على الاتفاقية النهائية لبناء السد(46). وفي التاسع من كانون الثاني 1960 أي بعد ثمانية أعوام من بداية المباحثات حول إنشاء السد، ثم البدء في بناء المرحلة الأولى منه. وفي عام 1964 تم الانتهاء من بناء المرحلة الأولى وتم الشروع في بناء المرحلة الثانية حتى عام 1970 حيث تم الانتهاء من بناء السعد العالي في أسوان(47). لقد كان السد العالي المشروع المستقبلي لمصر لحمايتها من حالة تذبذب مياه نهر النيل ومن مخاطر الجفاف التي من الممكن أن تواجهها مصر. هذه الأهمية العظمى لهذا المشروع الضخم هي التي جعلت الإدارة الأمريكية وحلفائها تقف بوجه تنفيذ هذا المشروع بكل الوسائل والسبل، إلا أن تصميم مصر وإرادتها كانت هي الأقوى في تنفيذ هذا المشروع العلاق. ولبيان الأهمية الاستراتيجية لمشروع السد العالي يتطلب منا ذكر حقيقة: إنه في الفترة 1978- 1987 انخفض متوسط إيراد النيل إلى حوالي (75.6) مليار متر مكعب أي أن الإيراد قد نقص بمعدل (8.3) مليار في السنة خلال الأعوام التسعة الماضية. وقد أمكن تعويض هذا العجز المائي من مخزون السد الحالي، ونتج عن ذلك أيضاً أن انحسر المخزون أمام السد العالي من (125) مليار متر مكعب عام 1980- 1981 إلى حوالي (46) مليار متر مكعب في عام 1986- 1987(48). فكان هذا المشروع العلاق هو المنقذ لمصر من مخاطر العطش المتحقق. 4- قضية جنوب السودان: تعد قضية جنوب السودان من القضايا التي تشكل في أهدافها خطراً يهدد وحدة السودان ومستقبله، بسبب التدخل الأمريكي والبريطاني والصهيوني فيها ودعمهم لزعيم حركة التمرد والانفصال (جون غارنغ). كما يلقى دعماً أيضاً من قبل أثيوبيا وأريتريا وكينيا. إن الهدف المركزي للقوى الاستعمارية من دعم حركة التمدد والانفصال في جنوب السودان يكمن في عرقلة مشاريع المياه في هذه المنطقة، والسيطرة على مياه نهر النيل لتهديد كل من مصر والسودان. ومن هنا كان التنسيق الأثيوبي- الإسرائيلي في عهد منغيستو هيلامر يام (الذي أطاح بالإمبراطور هيلا سيلاسي عام 1974) لدعم العقيد المنشق جون غارنغ لفصل جنوب السودان الذي يشكل حوض بحر الجبل (الناظم الأول لنهر النيل) وبذلك تكتمل حلقة المؤامرة بسيطرة أثيوبيا على الشريان الرئيسي وهو النيل الأزرق، وسيطرة المنشق غارنغ على الشريان الآخر وهو بحر الجبل(49). لقد استهدفت حركة التمرد في جنوب السودان مشروعاً إروائياً ضخماً هو مشروع "جونكلي" الذي أسهمت فيه كل من مصر والسودان لاستثمار المياه في جنوب السودان وإيصالها إلى نهر النيل. فقد بلغت تكاليف الإنفاق على المشروع (150) مليون دولار أمريكي وبلغ التعويض المدفوع للشركات الدولية المعنية (17.1) مليون دولار، وقد توقف العمل في حفر القناة عام 1983 بسبب الحرب الأهلية بجنوب السودان، بعد أن بلغ المنجز من المشروع (260) كم من إجمالي (360) كم(50). والحقيقة أن هذا المشروع يعد أنموذجاً لمشروعات التعاون المصرية السودانية الهادفة لزيادة الإيراد المائي كما أنه يؤكد التكامل على المستوى الإقليمي بين شطري السودان: جنوبه وشماله. إن مشروع جونكلي يوفر خلال مرحلتيه حوالي (7.5) مليار متر مكعب من المياه تقسم مناصفة بين مصر والسودان، حيث ستقوم هذه القناة بتمرير حوالي (45) مليون متر مكعب من المياه يومياً من إيراد بحر الجبل تحملها في خط مباشر في بور إلى مصب نهر السوباط(51). انظر خريطة رقم "4" لقد كان للتدخل الأمريكي والصهيوني دوراً في تأجيج الصراع بين الدول الإفريقية من جهة ومصر والسودان من جهة أخرى، كما كان سبباً رئيسياً في رفع نسبة الخسارة في استثمار مشاريع الري بين دول حوض النيل، ولا تغالي إذا ما قلنا إن تأخر بدء الاستفادة من قناة جونكلي لمدة (15) سنة أدى خسارة مصر والسودان حوالي (60) مليار متر مكعب من المياه كانتا ستستفيدان منها مناصفة. وبناء على ما تقدم فإن التحركات الدبلوماسية الأمريكية والصهيونية في منطقة هضبة البحيرات الاستوائية والهضبة الأثيوبية (منابع النيل) يجب النظر إليها بحذر شديد. ثالثاً: الهيمنة الأمريكية على البنك الدولي: يخضع البنك الدولي للسيطرة والهيمنة الدولية وبشكل خاص الولايات المتحدة الأمريكية. فبالرغم من كون البنك الدولي مؤسسة دولية مالية ذات شخصية مستقلة تهدف إلى مساعدة الدول المختلفة في مشروعات التنمية إلا أنه يخضع للتأثيرات الأمريكية والصهيونية في العديد من قراراته. فليس ببعيد مواقفه المتمثلة في امتناعه من تمويل مشروع جنوب شرق الأناضول في تركيا وكذلك تمويل مشروع سد فينيشيا في أثيوبيا بالرغم من عدم موافقة دول الجوار لهذه الدول على إنشاء هذه المشاريع. شكل رقم (4) إعادة تخطيط قناة جونجلي 4 العدد 143، 2001، ص 84. إن المتتبع لإصدارات البنك الدولي الحديثة والمتعلقة بموضوع المياه يلاحظ أنها دأبت في الآونة الأخيرة على الترويج لمجموعة من المفاهيم التي تحاول أن تخضع لها دول منطقة الشرق الأوسط ومن ذلك: "تسعير المياه"، إنشاء "بنك المياه" و "بورصة المياه" و "أسواق المياه". ومن الجدير بالذكر أن هذه المفاهيم تتطابق مع العديد من الدراسات الأمريكية التي صدرت مواكبة لهذا الاتجاه أو النهج من البنك الدولي ومؤيدة له. ومن ذلك الدراسة التي أعدتها جامعة هارفارد الأمريكية عن أهمية الوضع الراهن للمياه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا(52). وبمراجعة هذا النهج المطروح من البنك الدولي وتحليله يمكن الخروج ببعض النتائج الهامة(53): 1- إن البنك الدولي بهذه الطروحات أو البدائل التي يعرضها (أسواق المياه، والإدارة المائية، وتسعير المياه...) لا يمكن أن يعد طرفاً محايداً في أزمة المياه حيث يتبنى وجهات نظر بعض الأطراف (كإسرائيل وتركيا) ويهمل الأطراف الأخرى (الدول العربية). 2- إن التحول نحو الخصخصة في سلعة حيوية كالمياه، أمر خطير جداً يمكن أن يؤدي إلى اهتزازات اقتصادية واجتماعية وسياسية داخل المجتمعات العربية، الأمر الذي يجب أن نأخذه بحذر شديد. 3- إن تسعير المياه وتحويلها إلى سلعة اقتصادية من شأنه أن يشعل الحروب بين دول المنبع ودول المصب، ويهدد الحقوق المكتسبة عبر التاريخ، حيث ستطالب دول المنبع بحقوقها المالية كثمن كل متر مياه يذهب للدول الأخرى. إن العجز المائي الذي تعاني منه دول المنطقة بدرجة أو بأخرى من الممكن إيجاد الحلول المناسبة له، وذلك عن طريق استخدام بدائل مياه غير تقليدية، أما أن تتحول المياه إلى سلعة ضاغطة فهو الأمر الذي لا يمكن قبوله على الإطلاق. ولمواجهة أزمة المياه في المشرق العربي والتدخل الأمريكي والصهيوني فيها، يتطلب منا الرجوع إلى التأكيد على جوهر الأمن المائي العربي لكونه يمثل: حماية الموارد المائية المتاحة من التهديدات الخارجية وضمان استمرارها وحرية استخدامها وفق المتطلبات والأولويات الوطنية والقومية، والقدرة على تطوير هذه المصادر المائية وتنميتها بما يتلاءم مع الاحتياجات المتجددة للمياه في المستقبل المنظور(54). إن الأمن المائي له متطلبات وأهداف يتوجب التأكيد عليها والعمل على تحقيقها، ويمكن ذكرها على النحو الآتي(55): 1- التأكيد على أهمية الأمن المائي العربي وعلى المنهجية المتبعة لتنفيذه وفق مخطط قومي شامل. 2- تحقيق الأمن المائي العربي يتطلب تضامن الجهود القطرية والقومية. 3- الترابط بين الأمن المائي والأمن الغذائي والأمن القومي الشامل. 4- تنسيق السياسة المائية مع السياسات السكانية والاجتماعية على المستوى القطري مع استراتيجية الأمن الغذائي القوي. 5- وضع سياسة مائية واقعية تكفل ديمومة الموارد المائية. 6- تعزيز القدرات الذاتية للمؤسسات المائية القطرية والعربية المشتركة عن طريق تنمية القوى البشرية والكفاءات المتخصصة. 7- تنمية الموارد المائية التقليدية وغير التقليدية لمواكبة الطلب المتزايد على المياه، ونقل وتطوير التقنيات المستخدمة في تنمية وإدارة الموارد المائية وتطبيقها على نحو ملائم للوسط العربي. 8- تدعيم الهيئات القطرية في مجال التشريع المائي. خاتمة: تشكل تركيا وأثيوبيا والكيان الصهيوني أخطر مثلث يهدد الأمن المائي العربي. ومما يزيد في هذه الخطورة هو الدعم الخارجي لهذه الدول من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. ويرجع الدعم الأمريكي للكيان الصهيوني في مسألة المياه إلى مرحلة تاريخية تسبق الوجود الصهيوني في فلسطين عام 1948. وتعدد مسوغات استمرار هذا الدعم إلى أن هذا الوجود مرهون بحاجته إلى المياه لاستقبال المستوطنين الصهاينة وإسكانهم في فلسطين. كما أن هذا الدعم المستمر حفز الكيان الصهيوني على العدوان على العرب عام 1967 واحتلال أراضي عربية جديدة واستثمار مياهها ليضمن بذلك حزاماً أمنياً مائياً، وهذا ما أكده الكيان الصهيوني في مباحثات التسوية من أن التفاوض يكون على الأرض وليس على المياه. كما أدّت الإدارة الأمريكية الدور نفسه في دعم تركيا لرسم دور إقليمي جديد لها (الشرق أوسطية) حيث شجعتها على الاستحواذ على مياه نهر الفرات، بتقديم الدعم المالي والفني لها لبناء مشاريع الري بالرغم من عدم حصول موافقة جيرانها العرب. إضافة إلى ترويجها لمشاريعها المائية المتمثلة بـ "أنابيب السلام" لبيع المياه إلى العرب والكيان الصهيوني، مما شجع الأخير إلى تعاون استراتيجي مع تركيا لدعمها في تحقيق هذه الأفكار. لقد دفع الكيان الصهيوني كل إمكاناته وخبراته الفنية إلى تركيا لتمكينها من تنفيذ مشاريعها الإروائية وخاصة مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP) طمعاً منه في استثمار منطقة "غازي عنتاب" المحاذية للحدود التركية- السورية، ليكون بهذا الموقع الجغرافي المتحكم الأول في حصص العراق وسوريا من مياه نهر الفرات. ولم يقتصر الدعم الأمريكي إلى كل من الكيان الصهيوني وتركيا فحسب، بل تعدى ذلك إلى أثيوبيا، كونها طرفاً آخر في مثلث الخطر الذي يهدد الأمن المائي العربي. فأثيوبيا تمد مصر والسودان بنسبة 85% من مياه نهر النيل. وهذه الخاصية دفعت الإدارة الأمريكية لدعم أثيوبيا بالمال والخبرة لإنشاء مشاريعها الإروائية، ودفعت الكيان الصهيوني لبناء علاقات مع أثيوبيا إضافة إلى تقديمه الدعم المالي والخبرة أيضاً، لاستثمار عوامل الضغوط الجيوبوليتيكي الأثيوبي ضد كل من السودان ومصر. وقتل الجهد المشترك للإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني أيضاً في دعم حركة التمدد والانفصال في جنوب السودان لعرقلة تنفيذ مشروع جونقلي، وقد أفلحا في ذلك، إضافة إلى تأثيرهما المباشر على دول البحيرات الاستوائية ودفعها لاستثمار مياه نهر النيل في مشاريع جديدة مستهدفة من ذلك تقليل حصة مصر والسودان من مياه نهر النيل. ولم تكتفِ الإدارة الأمريكية والصهيونية في حربها المائية المعلنة على الحق العربي في مياهه، بل حاولتا من خلال هيمنتها وتأثيرها على البنك الدولي من منع هذه المؤسسة المالية الدولية من تقديم الدعم المالي للعرب لبناء مشاريعهم التنموية. بل والأخطر من ذلك تلك الطروحات التي أطلقها البنك الدولي بشأن المياه والتي جاءت متطابقة مع توجهات الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني لتهديد الأمن المائي العربي. وختاماً يمكن القول أنه ليس من خيار أمام العرب، إلا مواجهة هذه التحديات الخطرة، باستخدام كل الإمكانات لديهم وتوظيفها لتحقيق أهداف الأمن المائي العربي قبل فوات الأوان. ( الهوامش والمصادر: (1) متابعات، "دورية تعنى بالدراسات السياسية والاستراتيجية"، تصدر عن قسم الدراسات السياسية، بيت الحكمة، العدد 4، السنة الأولى، آذار، 1998. (2) محمود أبو زيد: المياه مصدرللتوتر في القرن 21، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة، 1998، ص9. (3) مذكرة الشعبة البرلمانية المصرية: "دور العمل العربي المشترك في الحفاظ على الحقوق المائية العربية"، الندوة البرلمانية العربية الخامسة لدراسة قضية المياه ودورها الاستراتيجي في الوطن العربي، دمشق 17- 18 شباط، 1997، ص 6. (4) محمود أبو زيد، المصدر السابق، ص 122. (5) محمد أحمد السامرائي: نهر النيل والأمن المائي العربي، أطروحة دكتوراه، كلية التربية، الجامعة المستنصرية، 1997، ص 11. (6) تقرير مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية بواشنطن، السياسة الخارجية الأمريكية إزاء الموارد المائية في الشرق الأوسط، أزمة مياه النيل.. إلى أين، دار الثقافة الجديدة، القاهرة، 1988، ص 109. (7) المصدر نفسه، ص 113. (8) عبد الملك خلف التميمي: المياه العربية، التحدي والاستجابة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1999، ص 228. (9) المصدر نفسه، ص 62. (10) المصدر نفسه، ص 63. (11) اليشع كالي: المياه والسلام، وجهة نظر إسرائيلية، ترجمة رند حيدر، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1991، ص 45. (12) عبد المالك خلف التميمي، المصدر السابق، ص 69. (13) بدر الكسم: "وجهة نظر القانون الدولي في اقتراح تسعير المياه الدولية"، مجلة الفكر السياسي، اتحاد الكتاب العرب، العدد الثاني، دمشق، 1998، ص 226. وانظر أيضاً: جاد اسحق وهشام زعرور، مخططات إسرائيل المائية، مشكلة المياه في الشرق الأوسط، مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق، بيروت/ 1994/ ص 149. (14) للمزيد من المعلومات انظر: محمد علي حبش: "الأطماع والاعتداءات الإسرائيلية على المياه في الوطن العربي، معلومات دولية، العدد 56، دمشق، 1998، ص 82. (15) محمد أحمد السامرائي، المصدر السابق، ص 184. (16) مركز دراسات العالم الإسلامي: "مجلة مستقبل العالم الإسلامي"، العدد 15، مالطا، 1995، ص 3. (17) نجيب عيسى: "مسألة المياه في الوطن العربي ومشروعات التكامل البديلة"، مركز دراسات الوحدة العربية، الوطن العربي ومشروعات التكامل البديلة، أعمال المؤتمر العلمي الثالث للجمعية العربية للبحوث الاقتصادية، بيروت، 1997، ص 139. (18) عبد الملك خلف التميمي، المصدر السابق، ص 228. (19) بدر الكسم، المصدر السابق، ص 226. (20) عباس قاسم: "الأطماع بالمياه العربية وأبعادها الجيوبوليتيكية، مجلة المستقبل العربي، السنة 16 العدد 174، آب/ 1993، ص 51. (21) المصدر نفسه، ص 52. (22) المصدر نفسه، ص 22. (23) توماس ناف: "المخاطر على استقرار الشرق الأوسط في التسعينات: الاقتصاد والسكان والمياه، امتطاء النمر- تحدي الشرق الأوسط بعد الحرب الباردة، تحرير فيبي مار ووليم لويس، ترجمة عبد الله جمعة الحاج، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ص 177. (24) عباس قاسم، المصدر السابق، ص 28. (25) ناجي على حرج: "المياه وأثرها في العلاقات العراقية- السورية- التركية"، المؤتمر السنوي الثاني، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 8- 9 كانون أول، 1997، ص 23. (26) محمد أحمد السامرائي: نهر الفرات بين الاستحواذ التركي والأطماع الصهيونية، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 2001، ص 59. (27) عبد المالك خلف التميمي، المصدر السابق، ص 132. (28) المصدر نفسه، ص 132. (29) عبد الستار حسين سلمان: "مشروع جنوب شرق الأناضول، الكاب GAP: الجوانب الفنية، مجلة دراسات اجتماعية، بيت الحكمة، بغداد، 2000، ص 34. (30) توماس ناف، المصدر السابق، ص 197. (31) المصدر نفسه، ص 177. (32) عبد المالك خلف التميمي، المصدر السابق، ص 30. (33) عباس قاسم، المصدر السابق، ص 39. (34) للمزيد من المعلومات عن "أطماع الكيان الصهيوني في نهر الفرات" انظر: محمد أحمد السامرائي: نهر الفرات بين الاستحواذ التركي والأطماع الصهيونية، المصدر السابق، ص 49. (35) انظر تفاصيل هذه المشاريع: محمد أحمد السامرائي، المصدر نفسه، ص 59. (36) عباس قاسم، المصدر السابق، ص 35. (37) تقرير مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية بواشنطن، المصدر السابق، ص 111. (38) أيمن السيد عبد الوهاب: "مياه النيل مدخل لدعم العلاقات المصرية- السودانية"، السياسة الدولية، العدد 143، كانون ثاني 2001، ص 95. (39) نبيل السمان، حرب المياه من الفرات إلى النيل، عمان، 1992، ص 120. (40) عباس قاسم، المصدر السابق، ص 37. (41) المصدر نفسه، ص 37- 38. (42) حلمي شعراوي: "كيف تفكر إسرائيل والولايات المتحدة في مياه النيل"، أزمة مياه النيل.. إلى أين؟، المصدر السابق، ص 116. (43) عباس قاسم، المصدر السابق، ص 37. (44) المصدر نفسه، ص 37. (45) عز الدين طوقان، حرب المياه في الشرق الأوسط، عمان، 1990، ص 164. (46) أرنون سوفير: الصراع على المياه في الشرق الأوسط، ترجمة الدار العربية للدراسات والنشر والترجمة، إصدار جامعة حيفا، الجيزة، 1993، ص 35. (47) المصدر نفسه، ص 36. (48) عبد الله محمد إبراهيم: "مياه النيل... أمس واليوم وغداً، أزمة مياه النيل، المصدر السابق، ص 66. (49) عباس قاسم، المصدر السابق، ص 37. (50) محمد عبد الغني سعودي: "قناة جونجلي: لماذا وأين؟"، السياسة الدولية، العدد 143، كانون الثاني، 2001، ص 79. (51) أيمن السيد عبد الوهاب، المصدر السابق، ص 92. (52) محمود أبو زيد، المصدر السابق، ص 147. (53) المصدر نفسه، ص 148. (54) حميد سعيد موعد: "مقدمة في الأمن المائي العربي"، معلومات دولية، العدد 56، دمشق، 1998، ص 224. (55) المصدر نفسه، ص 225. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |