|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
المحيط الهندي والخليج * بين الاستعمار البريطاني ومطامع أمريكا منذ الحرب العالمية الأولى حتى الوقت الحاضر ـــ محمد عدنان مراد تمهيد 1- النتائج الرئيسية للحرب العالمية الثانية وأثرها على التغيير في ميزان القوى. 2- انهيار الامبراطورية البريطانية وفشل استراتيجيتها بعد الحرب. 3- الوجود الأمريكي في المحيط الهندي والخليج وتطوره. أولاً: معاهدة 21 أيلول 1833 بين السلطان العماني سعيد بن سلطان وأمريكا. ثانياً: تشكيل القيادة المركزية الأمريكية وقواعدها. 4- العوامل والمؤثرات التي أدت إلى تشكيل القيادة الجديدة. أولاً: الموقع الاستراتيجي. ثانياً: الأهمية الاقتصادية 5- التورط الأمريكي القديم في المنطقة. 6- مراحل النشاط الأمريكي في المحيط الهندي والخليج. -المرحلة الأولى: قبل انسحاب بريطانيا من المنطقة وسياسة شرق السويس. -المرحلة الثانية: بعد انسحاب بريطانيا، وتخليها عن سياسة شرق السويس حتى. سقوط شاه إيران. -المرحلة الثالثة: ما بعد سقوط شاه إيران –والثورة الإيرانية الإسلامية- الحرب العراقية- الإيرانية- الغزو العراقي وعاصفة الصحراء- سقوط الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة. -المرحلة الرابعة: الوضع الراهن والغزو الأمريكي لأفغانستان والحرب المزعومة ضد الإرهاب. تمهيد: منذ القدم، والمنطقة التي سنتحدث عنها تعتبر أكثر مناطق العالم سخونة ونشاطاً، وكانت ولا تزال قلب العالم فمنها انطلقت الديانات السماوية الثلاث. وعلى أرضها، ظهرت أقدم وأروع الحضارات، أنارت الطريق أمام كل من تبعها من حضارات. وفيها ظهرت أعظم الممالك والامبراطوريات، ونشبت حروب ودمرت مدن. حكمت العالم مراراً ووقعت تحت الاحتلال مراراً أخرى. فرضت عليها التجزئة ووزعت أرضها بين دويلات وإمارات، وأشد ما أصابها من محن وصول المغامرين البرتغاليين منذ بداية القرن الخامس عشر وقد عاثوا فيها فساداً. وجاء بعدهم الفرنسيون والهولنديون وحدث صراع مرير بين هذه القوى بالإضافة إلى الهولنديين وآخرهم الإنكليز بصلافتهم ودهائهم، جاؤوا لحماية امبراطوريتهم الهندية البريطانية، بجعل المنطقة حزام أمان لها، لذلك تركوها تعيش على ماضيها ولا تفتش على مستقبلها. وكبلوها بمعاهدات أبدية لا يمكن مخالفتها أو الخروج منها. والأسطول البريطاني في عرض البحر. يقصف موانىء كل من يخالف كما تقصف الطائرات الأمريكية حالياً كل من يخالفها. ولم يكن أحد يتوقع أن تتخلى بريطانيا عن مواقعها. وما تحويه المنطقة من الموارد البترولية إلى أمريكا، دون رأي أحد ولا استشارة من يعيش فيها كأنهم سلع تباع وتشرى. وقد أدخل الإنكليز قبل انسحابهم من فلسطين جسماً غريباً في المنطقة، وهو سبب كل ما تعانيه من حوادث. تمتد منطقتنا هذه من إيران شرقاً إلى مصر غرباً. ومن البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الهندي. ويمكن ضم أفغانستان وباكستان لها وحتى السواحل الشرقية لأفريقية حتى كينيا. وكانت ولا تزال نقطة اتصال بين الشرق والغرب براً وبحراً وجواً وبخاصة بعد فتح قناة السويس، وهي تطل على البحار الستراتيجية الأبيض والهندي والأحمر والخليج العربي. كما تهيمن على المضائق البحرية رغم فقدها لقيمتها الحربية والاستراتيجية. كمضيق باب المندب، ومضيق هرمز، وقناة السويس. وهناك عدد كبير من الجزر تعود إليها منها لا يزال لها دور هام كأرخبيل البحرين وجزر سقطرى، ومصيرة وجزيرة بريم (ميون) في مدخل باب المندب. وجزر طنب الصغرى والكبرى وأبو موسى التي تسد مضيق هرمز وأخيراً أرخبيل شاكوس حيث القواعد الأمريكية. وتشكل مياه المحيط الهندي همزة الوصل بين الشعوب التي تعيش على سواحله كالعرب والهنود والباكستانيون والفرس وعدد من الشعوب الأفريقية: الشعب السواحيلي والصومالي والأثيوبي.. الخ. كما أصبح المحيط الهندي الطريق إلى سواحل شبه القارة الهندية والشرق الأقصى عندما ابتدأت الأمم الأوربية ترتاده بعد دورانها حول رأس الرجاء في محاولاتهم للوصول إلى ثروات الشرق وبخاصة التوابل والأفاوية، وعلى مياهه العميقة وأمام السواحل، تنافست الأساطيل الأوروبية وتصارعت مدة طويلة. بعد قضائها على أساطيل الأمم الموجودة على سواحله، كالأسطول العربي والأسطول الهندي، ويعود ذلك إلى المدفعية التي كانت المراكب الأوروبية مسلحة بها. وأدى ذلك للسيطرة على التجارة والمراكز التجارية والبحرية كما أدى بالتالي لظهور الامبراطوريات الاستعمارية كالامبراطورية البرتغالية والامبراطورية الفرنسية ثم الهولندية وأخيراً ظهرت الامبراطورية البريطانية –الهندية-. ولم يصب العرب في تاريخهم الطويل بأضرار وبخاصة بحريتهم وتجارتهم بقدر ما أصيبوا من قبل البرتغاليين في القرن السادس عشر. وإذا كان الموقع في غابر الزمن أعطاها القيمة الستراتيجية الكبرى إلا أن العصر الحديث أعطاها قيمة اقتصادية كبرى، حيث ظهرت أغزر آبار النفط في أرجائها، وكما كانت المراكب الشراعية الضخمة تروح وتجيء ذهاباً وإياباً عبر هذه المنطقة حاملة معها توابل الشرق وصناعته إلى أوربة، تسير ناقلات النفط العملاقة متهاوية على مياه المحيط متناقلة في إبحارها بسبب ضخامة ما تحمله في خزاناتها التي يصل بعضها إلى مئات الألوف من الأطنان من ماء الحياة /البترول/ وفي حركة دائمة لا تفتر ليلاً ولا نهاراً متجهة نحو المراكز الصناعية في مختلف أنحاء العالم. وهناك إحصاء يقول بأنه لو نظرنا من أحد الأقمار الصناعية للطريق البحري بين الخليج واليابان. لوجدنا خطين متوازيين من ناقلات النفط، تسير على طريق عريض لا يفصل الواحدة عن الأخرى سوى مائة كيلومتر يبدأ من الخليج وينتهي في الموانئ اليابانية والعكس بالعكس. وهناك عدة طرق عريضة أيضاً تتجه نحو أوروبة عبر قناة السويس وإلى أمريكا بالدوران حول رأس الرجاء الصالح. ويشغل الوطن العربي بمساحته الواسعة موقعاً هاماً ورئيسياً في هذه المنطقة أهله منذ القدم لأن يلعب دوراً كبيراً في تاريخ البشرية ولم يقتصر هذا الدور على العصور السالفة بل كان ولا يزال له دوره الهام، كنقطة متوسطة بين قارات العالم القديم الثلاث آسيا وأوروبة وأفريقية. ولا يوجد بلد ارتبط به العالم على مدى التاريخ، قدر ارتباطه بالوطن العربي بسبب موقعه وثروته وحضارته. وقبل الحرب العالمية الأولى صرح اللورد كيرزون الذي شغل منصب نائب الملك في الهند ثم وزيراً للخارجية البريطانية "بأن من يهيمن على الشرق الأوسط يهيمن على العالم" ولا تبتعد تصريحات المسؤولين في أمريكا عما ذكره اللورد كيرزون وحتى الحرب العالمية الثانية كان يطلق على هذه المنطقة من قبل المحافل السياسية والجغرافية "الشرق الأدنى" لقربها من أوروبة. وفي الحرب العالمية الثانية، أطلق الحلفاء اسم الشرق الأوسط على المنطقة العسكرية التي كان مركز قيادتها في /القاهرة/ وكان يقيم فيها آنذاك وزير دولة بريطاني لشؤون الشرق الأوسط وأحد هؤلاء الوزراء كان اللورد /موين/ الذي اغتالته العصابات اليهودية في ذلك الوقت. كما كانت القاهرة مركز القائد العام للقوات الحليفة في الشرق الأوسط؛ ومنها انتقلت إلى عدن ومن ثم إلى قبرص و تستخدم حالياً وكالات الأنباء ومؤسسات الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة هذه التسمية للدلالة على المنطقة الواقعة بين أفغانستان والمغرب. ويضم لها بعضهم الباكستان والسودان وأفغانستان وخلال الحرب كان المحيط الهندي يخضع إلى قيادة مسرح عمليات المحيط الهندي. وتتبع قيادة القوات البريطانية في الهند. لقد ظلت المنطقة موضع اهتمام كبير من قبل بريطانيا منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ورغم محاولات فرنسا والامبراطورية القيصرية الروسية للتدخل في المنطقة إلا أن بريطانيا استطاعت الهيمنة على المنطقة وذلك لحماية امبراطوريتها في الهند فكانت المنطقة تقع في الحزام الأمني الذي فرضته حول امبراطوريتها، وحماية الطريق إليها، وقد وصلت قبل الحرب العالمية الأولى إلى قمة نفوذها، كما وصلت بعد الحرب العالمية المذكورة إلى عصرها الذهبي بعد انتصارها وحلفائها على الامبراطوريتين الألمانية والنمساوية وخلالها الجو هي وفرنسا بعد إعلان أمريكا عزلتها وانسحابها من الميدان السياسي. للسيطرة على السياسة العالمية، وكان ظهور البترول في المنطقة دافعاً قوياً للتمسك بها، واستطاعت بريطانيا بعدد قليل من الموظفين والأسطول البريطاني والمعاهدات الأبدية التي كبلت بها الإمارات العربية، الحفاظ على سيطرتها، وقد عملت جاهدة بين الحربين العالميتين للحفاظ على نفوذها من جهة، وحماية المنطقة كما تدعي –من المد الشيوعي، ونيران الثورة العربية.- ولكن بعد الحرب العالمية الثانية تغيرت الأوضاع. وكانت نتائج الحرب قاسية على المهزومين والمنتصرين بما فيهم بريطانيا التي بدأت تخسر نفوذها وبخاصة بعد سقوط امبراطوريتها باستقلال الدول التي كانت خاضعة لها في آسيا كالهند وبورما وماليزيا، وسيرالانكا.. الخ فاضطرت إلى تركها للأمريكيين بعد أن حصل هؤلاء على حصة الأسد في بترول المنطقة وازداد تمسك أمريكا بنفوذها خلال الحرب الباردة، ورغم توقف تلك الحرب بعد سقوط الاتحاد السوفييتي واصلت أمريكا مد نفوذها وأصبحت القوة الرئيسية وأدّت الأدوار الرئيسية في سقوط مصدق وحرب الخليج الثانية. وحملتها الحالية ضد العدو المزعوم الإرهاب وسنتعرض لهذه التغيرات ومراحل التدخل الأمريكي كل على حده ولنبدأ بالحرب العالمية الثانية ونتائجها. 1-النتائج الرئيسة للحرب العالمية الثانية وأثرها على التغيير في ميزان القوى العالمي بالرغم من أن الحرب العالمية الثانية هي في الواقع امتداد للحرب العالمية الأولى وتكرار لها إلا أن نتائجها تختلف بأبعادها ونتائجها وأثرها على مجرى الحياة الدولية عن نتائج كل ما عداها من الحروب التي سبقتها ويعود ذلك لأسباب كثيرة. أهمها شمولية الحرب العالمية الثانية وامتدادها لمختلف أنحاء العالم دخول اليابان وأمريكا كطرفين رئيسيين في النزاع وانتقال الحرب إلى المحيط الباسفيكي. بالإضافة إلى استخدام الأسلحة المتطورة وبخاصة الطيران والدبابات مما ساعد على سرعة الحركة في القتال مع الحسم من جهة والنفوذ إلى أعماق العدو بواسطة الطيران. الذي كان بإمكانه، إيصال الدمار والخراب إلى أي مكان ودخل المدنيون في صلب المعركة وأحسوا بوطأتها في خراب بيوتهم وصناعتهم والبنية التحتية التي أصبحت هدف كل مهاجم. ولم يكن الطيران ليفرق بين المقاتل والمدني فكلهم جنود. كانت أولى النتائج السلبية التي حصل عليها الحلفاء المنتصرون التغيير في مراكز القوى في العالم وذلك بزوال النفوذ العسكري والسياسي والاقتصادي لأوروبة عامة وفرنسا وبريطانيا بخاصة. وانتقل مركز القوى ونقله إلى كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي. كما سقط النظام الاستعماري الذي كانت الدول الأوروبية بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وهولندا وبلجيكا تعتمد عليه في بناء مجدها وحياتها وأدى ذلك إلى نمو حركة التحرر العالمي بين مختلف شعوب العالم. فلم تعد الشعوب تقبل الرعاية والوصاية والنصائح التي كان النظام الاستعماري يفرضها عليها وأدى ذلك أيضاً إلى تغيير جوهري وجذري في خارطة العالم. وكانت الشعوب العربية من أوائل المستفيدين من التغيير ثم الشعوب الأفريقية والآسيوية وقد حصلت جميعها على استقلالها ودخلت الأمم المتحدة بالتساوي مع المستعمرين السابقين. لقد أحس المنتصرون والمنهزمون بعظم الكارثة التي حاقت ببلادهم نتيجة لهذه الحرب المدمرة التي أتت على الأخضر واليابس وفقد العالم أكثر من (50) مليوناً من البشر ولم تشاهد البشرية كوارث مثلها، وكان أثره على الامبراطوريات الاستعمارية واضحاً. فالخسائر التي أحاقت بها جعلها أضعف من أن تتمكن من الحفاظ على امبراطورياتها والعودة إلى مراكزها التقليدية كموجهه للسياسات العالمية. أو القضاء على مطالبة شعوبها باستقلالها وهي التي كان لها النصيب الأكبر في الانتصارات التي أحرزها الحلفاء ولولا الجنود العرب والأفارقة لما جلست فرنسا على طاولة المنتصرين. لقد تساوى المنتصرون والمهزومون بالمصيبة كما ذكرنا عدا أمريكا والاتحاد السوفيتي فخلا الجو لهما. وكان لابد من تصادم هاتين القوتين وكل منهما جعل له قاعدة على أكتاف أوروبة أمريكا وحلفها الأطلسي والناتو والاتحاد السوفيتي وحلف وارسو ولكن أمريكا التي لم تصل الحرب إلى أرضها وظلت صناعتها في أوج قوتها كانت هي الأقوى في حين كان الاتحاد السوفيتي رغم جيشه الجبار وحيازه كأمريكا على أسلحة الدمار الشامل إلا أن الاتحاد السوفيتي كان يعتمد على اقتصاد منهار بعد خسائره الباهظة في الأرواح والبنية التحتية والاحتفاظ بجيش جرار مع ضعف بالصناعة التجارية. من أصل خمس امبراطوريات كبرى عام 1938 لم يبق منها ولا واحدة. وقد اتبعت القوتان الجديدتان سياسات وأساليب جديدة ومختلفة. بعيداً عن الأنظمة الاستعمارية للاحتفاظ بسيطرتها على الشعوب والدول المختلفة، فالسوفيت اعتمدوا على أيديولوجيتهم في التعاون مع غيرهم بينما اعتمدت امبراطورية اليانكي على القوة الاقتصادية واستغلال النظم الديموقراطية والتي تطورت مع الزمن لاتهام الدول، بانتهاك حقوق الإنسان والتستر على الإرهاب. بالرغم من أن بريطانيا استعادت مع نهاية الحرب العالمية الثانية جميع ما خسرته من ممتلكات في آسيا كبورما وشبه جزيرة الملايو... الخ وعادت لها سلطتها في المحيط الهندي وزاد على ذلك استيلاؤها على امبراطورية إيطاليا في القرن الأفريقي وليبيا، وكان لديها عندما انتهت الحرب أكثر من مليون ومائة وسبعين ألف جندي. وبالرغم من احتفالها بالنصر كأول المنتصرين وهذا العدد الكبير من الجنود، وجدت أنه لم يعد بإمكانها أن تحتفظ بهذه الامبراطورية الضخمة التي بدأت تهب عليها رياح الحرية والاستقلال إلا بتضحيات جسيمة، وقد قدر عدد الفرق الضرورية للبقاء في الهند ضد رغبة الشعب الهندي بخمسة وعشرين فرقة عدا مستعمراتها في بقية الدول الآسيوية والأفريقية وفي الوقت ذاته كان اقتصادها يتعرض إلى هزات مميتة بسبب الخسائر التي أصابتها خلال الحرب، وكان على السياسيين والاقتصاديين البريطانيين دراسة الفوائد التي يمكن الحصول عليها من خلال الاحتفاظ بهذه الامبراطورية الضخمة التي لا تغيب عنها الشمس ضد رغبات شعوبها بالمقابل مع المصروفات الضخمة لإعادة توزيع وانتشار القوات البريطانية وتموينها وحماية قواعدها. والواقع أن مرحلة بداية النهاية لهذه الامبراطورية بدأت مع بداية الحرب وانتهت بانسحاب آخر جندي بريطاني من الخليج، وكان المحيط الهندي الذي شهد مجد بريطانيا خلال قرنين من الزمن. المسرح الرئيسي لزوال الامبراطورية العجوز. ولم يقر البريطانيون بالرغم من واقعيتهم بهذه النتيجة إلا بعد عشرين عاماً من نهاية الحرب. 2-انهيار الامبراطورية البريطانية والاستراتيجية البريطانية بعد الحرب وفشلها خلال الفترة التي مرت عليها بريطانيا والتي ذكرناها كانت الأهداف السياسية العامة لبريطانيا "الدفاعية" تستهدف الحفاظ على أمن المملكة المتحدة وتمكنها من الوفاء بالتزاماتها في حماية الممتلكات والشعوب الخاضعة لها وراء البحار "حسب قول الوثائق الرسمية البريطانية" والتي تشعر بريطانيا بواجب خاص تجاهها عن طريق المعاهدات الموقعة بينهما والتي تساعد على الإسهام في الدفاع عن العالم الغربي. وضمن هذه الستراتيجية كان الدفاع عن الخليج العربي وبخاصة، والمحيط الهندي عامة، يشكل القاعدة في سياسة بريطانيا الدفاعية ضمن الإطار الشامل للتحالف الغربي. وكانت تقع على عاتق بريطانيا مسؤولية الدفاع عن المصالح الغربية المتزايدة في الخليج، والوقوف في وجه التيارات الشيوعية التي يمكن أن تتعرض لها المنطقة بعد الثورة الشيوعية في روسيا. إلا أن النفوذ البريطاني في العالم بدأ يتضاءل شيئاً فشيئاً بعد استقلال المستعمرات. وأدى هذا إلى تضاؤل تأثير بريطانيا في تسيير دفة السياسة العالمية كما كان الحال قبل الحرب حيث كان بيدها الدفة التي تسير بها سياسة العالم. كان النفوذ البريطاني في المحيط الهادي والهندي أول ما تحطم في الحرب العالمية الثانية بعد دخول اليابان الحرب فقد استطاع اليابانيون تحطيم قوة الأسطول البريطاني في تلك البحار وأجبروا بقاياه للالتجاء إلى جزر مالديف والاختباء بها طيلة الحرب. وقد أدى سقوط بورما وماليزيا وجزر الهند الشرقية (أندونيسيا فيما بعد) السريع في عام 1942 بيد اليابانيين وبخاصة سقوط القاعدة البريطانية القوية في سنغافورة إلى زوال الثقة بين بريطانيا واستراليا ونيوزلندا وغيرها من المستوطنات البريطانية والشك في قدرة بريطانيا الدفاع عنهم لذلك اتجهوا نحو أمريكا. وفي الحقيقة أن النفوذ البريطاني في المنطقة بدأ انحساره لصالح أمريكا منذ تبدل النسب بين أساطيل الدول الموقعة على معاهدة واشنطن البحرية عام 1921 حيث تحملت أمريكا مسؤولية الدفاع عن المنطقة ضد الأطماع اليابانية منذ عام 1945 إلى نهاية فترة ما بعد الحرب. أما في منطقة الخليج وما حولها، وبشكل أدق وأوسع المنطقة الواقعة ما بين البحر الأبيض المتوسط والقارة الهندية فالموقف يختلف عما كان عليه في مناطق أخرى من العالم بالنسبة لبريطانيا التي كانت تعتبر نفسها صاحبة الحق في هذه المنطقة الواسعة. فدور بريطانيا في المحيط الهندي هو إرث من تراث الماضي العريق عندما كانت سيدة العالم وكان الأسطول البريطاني سيد البحار. والامبراطورية الهندية –البريطانية في ذروة مجدها وسؤددها، وكانت المملكة المتحدة تبعاً لذلك مسؤولة بشكل مباشر عن الحكم في عدد كبير من البلاد الواقعة إلى الشرق من السويس. وبخاصة التي كانت تقع على طريق الهند، وكانت تحمي الطريق سلسلة من القلاع (القواعد) الاستعمارية موجودة في كل مكان تكثر فيه الملاحة البريطانية والممتدة من جبل طارق إلى مالطة فقبرص والسويس وعدن وسنغافورة وهونغ-كونغ وكان الاعتقاد أن هذه السلاسل من القلاع تمكن بريطانيا إلى حد ما من السيطرة بشكل دائم على مقدراتها ومصيرها. وذلك بسبب القوى الضخمة الكامنة في هذا الجهاز من القواعد الممتدة في مختلف أنحاء العالم، وكان الأسطول الملكي يمثل القوة الضاربة والعصا الغليظة والطويلة لإخماد كل حركة داخلية والتصدي لحركات خارجية تهدد النفوذ البريطاني حسب نظرية ماهان الأمريكي ونظرية التفوق البحري. وليتمكن الأسطول البريطاني من تحقيق مهمته بشكل فعال، أقيمت لهذه الغاية شبكة ضخمة من محطات التموين بالوقود والغذاء تكمل القواعد المحصنة بالإضافة إلى محطات المواصلات السلكية واللاسلكية المرتبطة مع مختلف أنحاء العالم، ومن هذه القواعد كانت بريطانيا تفرض نفوذها وسيطرتها على جميع المناطق حولها، مما جعلها قلاعاً استعمارية تعددت مهماتها ما بين الحرب والتجارة والضغط على الشعوب وكبت الحريات فيها، ونظراً للحاجة إلى البترول لتموين الأسطول بعد أن تم تغيير محركات السفن الحربية من استخدام الفحم الحجري إلى استخدام البترول، لذلك أصبح الخليج العربي يحتل الصدارة في الأهمية بالنسبة للامبراطورية، وعندما أخذت الامبراطورية القديمة تتحول إلى كيانات مستقلة "دومنيون" خلال الفترة بين الحربين، ترتبط ببعضها برباط هش، تحولت القواعد العسكرية من جوية وبحرية إلى موانئ ومطارات مدنية بعد انتشار النقل الجوي وازدياد سفن الركاب. حتى عام 1945 كانت بريطانيا الوحيدة ولمدة قرنين من الزمن التي لها وجود عسكري في المحيط الهندي والخليج وتعتمد على سلسلة من القواعد في أفريقية وجنوب الجزيرة (عدن) والخليج (قاعدة الجفير في البحرين) وفي دبي كانت تعسكر قوة ما يعرف باسم (كشافة عمان) كما كان لها قاعدة جوية في مسقط، ثم تغيرت الأوضاع كثيراً إن كان في الجزر البريطانية أو خارجها. فقد اختفت الامبراطورية بعد استقلال الهند 1947 ولم يعد للجيش الهندي القديم الذي كان يؤلف القوة السوقية ا لضخمة للامبراطورية وجود واختفت عدة ممتلكات بريطانية سابقة. وتضاءلت مسؤولية بريطانيا الدفاعية فيما وراء البحار. إلى حد كبير، كما اختفت درجة سيطرتها المستقلة على القضايا الاستراتيجية والعسكرية في مناطق كانت حكراً عليها وحدها، فباتت الآن مرغمة على العمل بالاشتراك مع غيرها أو بالتشاور مع حليفاتها على الأقل ولم يعد في وسع الأسطول الملكي أن يفاخر بأنه سيد البحار، وبدأت بريطانيا تضع نفسها في ظل أمريكا. رغم كل الخسائر التي لحقت ببريطانيا، إلا أن العقلية الاستعمارية لدى السياسيين البريطانيين كانت تعتقد بدور بريطانيا، وبخاصة في المحيط الهندي والخليج. وكان لديها الاعتقاد بأنها منطقة سهلة القيادة لوجود شعوب متأخرة (حسب زعمها) إلا أن مقاومة الشعب العربي إن كان في مصر أو جنوب اليمن وفلسطين ومقاومة الشعوب الأفريقية جعل من المخططين السياسيين والعسكريين يضطرون لأول مرة للتسليم بالعجز عن المحافظة على النظام الامبراطوري القديم في وجه التطلعات السياسية المتزايدة والعنيفة لشعوب المستعمرات السابقة وإلى التسليم بأن الحصول على التسهيلات في الموانئ الجوية والبحرية والحصول على القواعد العسكرية وحق المرور في الأجواء لا يمكن تحقيقه إلا بموافقة السلطات المحلية في البلد المطلوب، ولم يعد بإمكان بريطانيا بالرغم من كونها، كانت تحكم تلك البلاد أن تقوم بأي عمل دون إرادة شعوبها، وحتى مثل هذه الطلبات كانت تثير في الشعوب التي كانت لا تزال تخضع لبريطانيا. كان الإصرار البريطاني على البقاء في المحيط الهندي عامة والخليج وجنوب اليمن بخاصة، يستند على حجج كانت ترى فيها بريطانيا أسباباً قاهرة لضرورة وجودها في تلك المناطق، وكانت ترى أن عليها مسؤوليات والتزامات تجاه إمارات ومشيخات الخليج، التي كانت ترتبط معها بمعاهدات واتفاقيات، قديمة وأبدية عدا مصالحها الاقتصادية الحيوية، التي أرست قواعدها في المنطقة منذ فترة طويلة بالإضافة إلى حماية طريق الهند وقواعدها في الشرق الأقصى سنغافورة وهونغ كونغ. بالإضافة إلى التزاماتها بمساعدة، اتحاد ماليزيا الجديد المهدد دائماً من الثورة الشيوعية في داخله. وتهديد أندونيسيا الجديد به والاتجاه اليساري الذي كان يقوده الزعيم /سوكارنو/ وكان هذا يرى في الاتحاد الجديد ركيزة استعمارية بريطانية. كان لدى بريطانيا اعتقاد بأنها أفضل من يدافع عن المنطقة ويؤمن مصالح الغرب فهي من جهة أعطت لنفسها دور الشرطي منذ سنين طويلة وقد استطاعت منع كل الحروب بين القبائل في البحر وتركتهم يتصارعون في البر وكان الخوف من التدخل الشيوعي أو أية دولة، الكابوس الذي كان يؤرق مضاجع الحكومة البريطانية منذ الحرب العالمية الثانية على الأقل حتى الخمسينيات من القرن الماضي وبخاصة حقبة نفوذ (أيدن) وزير الخارجية البريطاني. الخوف من أن يقع الزيت في يد زعيم واحد أو مجموعة من الدول عربية بخاصة والخوف الأكبر تحقيق شكل من أشكال الوحدة السياسية بين العرب يجعلهم يتصرفون بمواردهم حسب مصالحهم، ولو صح ذلك، فالضغط الاقتصادي سيكون على الغرب أكثر فعالية من الضغط العسكري ولاشك أن هذا القلق لا يزال قائماً، وهو ما يشغل بال الاستعماريين الأمريكيين الجدد وحتى بعد عملية "عاصفة الصحراء" وقد أوضح الرئيس بوش الأب ذلك عندما قال لا تستطيع أمريكا تحمل وجود شخص ليتحكم بـ 40% من زيت العالم فبالنسبة إليه كانت أمريكا هي الخاسر الأول إذا صح ذلك لأن 60% من الشركات العاملة في إنتاج النفط في البلاد العربية هي أمريكية. حتى ذلك الوقت كانت أمريكا مرتاحة لوجود بريطانيا، مسؤولة عن الدفاع عن المنطقة، وكانت تؤمن بأن كل تجمع عسكري يجب أن يكون تحت قيادة بريطانية، ولكن الهدوء الذي أشاعته بريطانيا في فترة ما قبل الحرب لم يكن بالإمكان تحقيقه خلال فترة ما بعد الحرب وما تلاها، فلم يطل الأمر حتى ابتدأت الصعوبات تظهر أمام بريطانيا من تأميم للبترول الإيراني الذي أصاب مصالحها في الصميم، ثم كانت ثورة العراق والإطاحة بالملكية عام 1958، وخروجها مهزومة من قاعدة عدن بعد استقلال الجنوب اليمني في 30 تشرين الثاني 1967 واضطرارها لإرسال جيوشها للكويت لحمايتها من عبد الكريم قاسم. وتدخلها في الثورة العمانية لحماية السلطان سعيد بن تيمور من الإمامة العمانية. كل ذلك جعلها تنظر إلى المصاريف الباهظة التي كانت تتكبدها من قيامها بدور الشرطي. لذلك لابد لها من التفكير بالانسحاب من المنطقة، وكان عليها أن تلجأ مرة ثانية إلى الولايات المتحدة لتحمل العبء عنها وتسير بظلالها. حاولت بريطانيا في واقع الأمر خلال الفترة السابقة تطوير سياستها الدفاعية والاعتماد على القوة البحرية، والعمليات المنقولة جواً ولمسافات بعيدة، وأصدرت كتاباً أبيضاً كعادتها كل عام تشرح فيه سياستها القادمة بالنسبة لمستعمراتها وممتلكاتها وبخاصة ما يعرف ببلاد شرق السويس وكان ذلك عام 1957، ولاشك أن التحول من القواعد الثابتة إلى العمليات المنقولة جداً هو تغيير ونقلة نوعية في التاريخ العسكري. بسبب وجود الطائرات الضخمة ذات الحمولات الثقيلة والمدى البعيد. مع ذلك كانت هناك صعوبة لا يمكن التغلب عليها بالنسبة لبريطانيا لطول الطريق الجوي بينها وبين المحيط الهندي والخليج. ويعود ذلك إلى عدم موافقة بعض الدول في الطريق للطيران البريطاني الحربي في المرور في أجوائها مما يجعلها تضطر للدوران حول القارة الأفريقية، وقد ظهرت هذه الصعوبات بشكل واضح عندما أرادت بريطانيا نجدة الكويت أثناء تهديد عبد الكريم قاسم باحتلالها في تاريخ إعلان استقلالها فقد وصل الجنود البريطانيون متأخرين عدة أيام وعند وصولهم وبسبب تغيير المناخ أصيبوا جميعهم باضطرابات معوية وأدى ذلك إلى سحبهم في عام 1962 عاد الكتاب الأبيض البريطاني للنشر وحمل اسم الخطة الخمسية القادمة محدداً سياسة بريطانيا الدفاعية في الشرق الأوسط مركزاً على أهمية النفط على الصعيدين العسكري والتجاري بالنسبة لبريطانيا والعالم الغربي الذي عليه حماية النفط والمحافظة عليه مهما كان الثمن. حتى عام 1968 كانت سياسة حكومة العمال تصر على وجوب بقاء بريطانيا في منطقة الخليج لحماية البترول الذي أصبح عصب الصناعة الأوروبية وبخاصة بريطانيا. وكان العمال يعتقدون بأنه ما لم يتم أو يتوفر نوع جديد من المحروقات أو مكان آخر تعتمد عليه بريطانيا فالواجب البقاء في الخليج، وكان التفتيش على البترول في المياه الإقليمية البريطانية وفي بحر الشمال قائم على قدم وساق. ولكن تدهور الأحوال الاقتصادية في بريطانيا. وبخاصة عدم التوازن في ميزان المدفوعات، والتضخم المتزايد جعل من الحكومة العمالية تفكر جدياً بإجراء عملية تقشف كبرى لإعادة الثقة بالاقتصاد البريطاني. وكانت خطة إعادة توزيع القوات البريطانية أو إعادة تمركزها في الوطن أو إيجاد طريقة ما للتخلص من النفقات الباهظة التي تصرف على بقائها في شرق السويس هو أحد الأهداف الرئيسية للحكومة البريطانية للتغلب على التضخم. وعلى هذا الأساس أعلن هارولد ويلسون رئيس الوزراء العمالي عزم حكومته على سحب كافة القوات البريطانية من شرق السويس وإنهاء الوجود البريطاني مع نهاية عام 1971 وقد تم الانسحاب في نهاية عام 1972. ومع هذا الانسحاب انتمت بريطانيا كدولة عظمى. 3-الوجود الأمريكي في المحيط الهندي والخليج وتطوره أبعدت العزلة التي فرضتها أمريكا على نفسها بعد الحرب العالمية الأولى كل تفكير لتبني سياسة خاصة بعيدة المدى خلال الفترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية حيال المشاكل العالمية التي كانت تجري على الساحة الدولية، وتركت الأمر لبريطانيا وفرنسا لتوجيه السياسة العالمية كما يحلو لهما. وبالرغم من وجود الاتحاد السوفيتي كقوة رئيسية في فترة بين الحربين إلا أنه كان منطوياً على نفسه بسبب سياسة ستالين الصلبة وأما أمريكا فقد انحصر اهتمامها هي الأخرى بشؤونها الداخلية والمشاكل المعقدة في أمريكا اللاتينية. فلم تنضم لعصبة الأمم. ولم تهتم بما كان يجري في أوروبة من تغيرات جذرية بعد ظهور هتلر والنازية والفاشية وضم النمسا وتشيكوسلوفاكيا وألبانيا إلى كل من ألمانيا النازية الهتلرية وإيطاليا الموسولينية. وقد ظلت على هذه الحالة من العزلة حتى بداية الحرب العالمية الثانية وهزيمة فرنسا، وحتى ذلك الوقت لم تكن الأحداث الجارية لتثير الشعب الأمريكي المطمئن إلى بعد بلاده عن مجرى الأحداث ولكن الذي غير الأحوال بشكل كامل وجذري الهجوم الياباني المفاجئ على الأسطول الأمريكي في ميناء اللؤلؤ (بيرل هاربر) الواقع في جزر /هواي/، حيث دمرت أغلب الوحدات الأمريكية البحرية الضخمة، وقد سهل هذا الهجوم مهمة الرئيس الأمريكي /روزفلت/ الذي كان يفتش عن حجة أمام الشعب الأمريكي الذي كان يستبعد الدخول بحرب ما، ويكتفي بتقديم المساعدة المادية والعسكرية لبريطانيا وحلفائها، وعلى هذا الأساس دخلت أمريكا الحرب، وتحالفت مع الشيوعية الروسية وستالين أيضاً ضد الأعداء، المشترين: ألمانيا، اليابان، وإيطاليا. كانت عودة أمريكا بقوة لمسرح الأحداث العالمية إحدى النتائج الرئيسية التي أسفرت عنها الحرب العالمية الثانية، وكذلك ظهور الاتحاد السوفيتي كأكبر قوة عسكرية تقليدية وأصبح الوحيد الذي يستطيع الوقوف أمام النفوذ الأمريكي في أوروبة والعالم. وقد زالت جميع الامبراطوريات القديمة وجرى التخلص منها. فأمريكا بعد أن أحست بقوتها الجبارة التي لم تملكها دولة من قبل وبخاصة السلاح النووي وقد أرهبت العالم بهذا السلاح الذي قضى على مدينتين يابانيتين وقتلت مئات الألوف من الأرواح البشرية في لحظة واحدة كما كانت أمريكا أعظم المنتصرين قوة واقتصاداً. ففي الوقت الذي كان فيه أعداؤها وأصدقاؤها بما فيهم الاتحاد السوفيتي يقفون مذهولين من الدمار الذين لحق بهم وبمدنهم كانت الخسائر الأمريكية ضعيفة نسبياً من الناحية البشرية وظلت مدنها سليمة بسبب بعدها عن مسارح العمليات لذلك قررت أن يكون لها المقام الأول في العالم وابتدأ الستراتيجيون الأمريكيون يضعون الخطط الستراتيجية السياسية والعسكرية والاقتصادية للسيطرة على العالم، وتوجيهه للوقوف في وجه الاتحاد السوفيتي الذي كان هو الآخر يخشى تزايد القوة الأمريكية إن قام في أوروبة أو العالم، وقد أدى ذلك إلى سباق التسلح الرهيب وبخاصة في مجال الأسلحة ذات التدمير الشامل بعد أن كسر السوفيت احتكار السلاح النووي وفجروا قنبلتهم الهيدروجينية في آذار عام 1955. رغم المحاولات التي جرت لإقامة توازن في القوى عن طريق اتفاقيات (سالت) المعروفة وكان الأمريكيون أسرع من خصومهم في مد نفوذهم وامبراطوريتهم الكبيرة مستغلين الظروف الملائمة لهم مستندين على اقتصاد متبن والتي هيأتها لهم الحرب العالمية الثانية وقد اقتضى فترة طويلة من الاتحاد السوفيتي للخروج من نطاق القارة الأوربية والامتداد في آسيا وأفريقية وأصبح لديه الأساطيل الحربية البحرية في مختلف بحار العالم لأول مرة في التاريخ الروسي كما أصبح لديه علاقات قوية مع كثير من بلدان العالم، ومع ذلك فبالرغم من الجيش الأحمر الجبار كان الروس يعانون من ضعف اقتصادهم ولم تتمكن أيديولوجيتهم من اكتساب الأصدقاء بقدر ما يكتسب المال والاقتصاد والأصدقاء هناك حدثان هامان سجلا في الواقع تاريخ ومراحل تطور الوجود الأمريكي في المحيط الهندي والخليج وهما: أولاً- المعاهدة التي عقدت بين سلطان عمان سعيد بن سلطان في 21 أيلول 1833 وممثل أمريكا أدموند روبرتسن في القصر السلطاني في مسقط في عهد رئيس الولايات المتحدة آنذاك "أندروجاكسون". ثانياً- تشكيل القيادة المركزية الأمريكية لمنطقة جنوب غرب آسيا في قاعدة /مكدويل/ في فلوريدا. وقد عقدت المعاهدة التي سميت معاهدة /المودة والتجارة/ لتسهيل الأمور التجارية بين الطرفين وجاء فيها "سكان البلدان الأمريكية لهم رخصة الدخول في أي بندر من بنادر العاليجاه سعيد بن سلطان حامي مسقط كما نصت أيضاً على أن أهل (يونايتد ستيت) سكان البلدان الأمريكية إذا أرادوا أن يصلوا إلى أحد بلدان السلطان لأجل البيع والشراء فهم مرخصون، وفي تنزيل أموالهم ليسوا بمعارضين وإذا أرادوا أن يسكنوا فلا عليهم من جهة السكون شيء ولا تلوم شيء بل يكونون مثل الطائفة اللي هي أقرب في المودة (كتاب عمان شركة الأرامكو). أما القيادة المركزية الأمريكية، فقد أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية رسمياً تشكيلها في الثامن من كانون الأول 1983 عن طريقة وزارة الدفاع الأمريكية "تشكيل قيادة موحدة جديدة لمنطقة جنوب غرب آسيا، وقد أطلق على القيادة الجديدة اسم "القيادة المركزية الجديدة" وقد باشرت عملها في الأول من كانون ثاني 1983، وضمت قوات عسكرية، أصبحت جزءاً من قوة الانتشار السريع المشتركة وحسب قول وزارة الدفاع الأمريكية "أن القيادة الجديدة ستخدم بصورة أفضل المصالح الأمريكية وتعالج بصورة أفضل مخاوف دول صديقه (كذا) في المنطقة "وتظهر عزم الولايات المتحدة على الدفاع عن أصدقائنا في المنطقة. تشمل القيادة الجديدة المنطقة الممتدة من باكستان إلى مصر، ومن منطقة الخليج إلى القرن الأفريقي نزولاً إلى كينيا، وهي منطقة بدأت أمريكا تعتبرها حيوية لها ولحلفائها الغربيين ولا تزال وعلى هذه القاعدة كان تدخل أمريكا في مختلف الأحداث التي وقعت في المنطقة –التدخل السوفيتي في أفغانستان –مساعدة المقاومة الأفغانية- الحرب الإيرانية- العراقية (حرب الخليج الأولى) –عملية عاصفة الصحراء (حرب الخليج الثانية)- النزاعات في القرن الأفريقي بين أثيوبية والصومال وكذلك في الصومال نفسها رغم أن المسؤولين الأمريكان ذكروا في ذلك الوقت أن القيادة الجديدة، لا تعني أكثر من إضفاء المزيد من البروز والظهور على القوات المسلحة الأمريكية في المنطقة كما ذكروا أنهم "لا يفكرون بزيادة وجودهم أكثر من ذلك". تم تحديد مسؤولية هذه القيادة، فبالإضافة إلى قوات التدخل والانتشار السريع إذا أرسلت إلى جنوب غرب آسيا (كما هو الحال الآن) فإن مسؤوليات هذه القيادة تشمل قيادة القوات الأمريكية إذا وجدت في المنطقة بما في ذلك جهاز طائرات "الأواكس" في المملكة العربية السعودية، والقوات البحرية الأمريكية في الخليج ومنطقة البحر الأحمر أي إقامة وتشكيل فرع عمليات واسع جداً يشمل المحيط الهندي والبحر العربي ومضيق هرمز وبخاصة والذي يعتبر من أخطر الممرات المائية في الوقت الحاضر وتمر كل ثمان دقائق ناقلة نفط، ويقدر مجموع ما تحمله الناقلات بأكثر من 20-22 مليون برميل من النفط يومياً أي 50% من صادرات الأوبك و 40% من تجارة النفط العالمية، وكذلك خلجان عمان والغربي. القيادة الجديدة أما المهمات التي كلفت بها القيادة الجديدة في ذلك الوقت فهي: -القيام بدور توفير المعونة الأمنية الأمريكية في المنطقة. -وضع خطط إجلاء لغير المقاتلين. -كونها هيئة الارتباط العسكرية في المنطقة في أوقات السلم. -تصبح هيئة التخطيط لتلك المنطقة في أوقات الحرب. أوضح الأمريكيون أن القوات البحرية الأمريكية في المنطقة ستتابع تمريناتها ومناوراتها العادية وأن خطط إجراء مناورات عسكرية مشتركة في المستقبل مع دول هناك لم تنجز بعد وباعتبار أنه لم يكن بين الولايات المتحدة وبين دول المنطقة اتفاقيات دفاعية رسمية يتوقع أن تطلب هذه الدول منا الدعم والعون ((كما حدث فيما بعد في عملية عاصفة الصحراء)). وفي حال احتمال وقوع عدوان سوفيتي أيضاً سنستجيب لذلك. وقالوا أيضاً أن الولايات المتحدة تأمل أن تفعل منظمة معاهدة شمال الأطلسي المزيد لمشاركة الولايات المتحدة بالمسؤوليات والواجبات الدفاعية خارج منطقة الناتو". استبعدت وزارة الدفاع الأمريكية من مسؤولية القيادة الجديدة، كل من لبنان وسورية وفضلوا بقاء هذه البلدان في المنطقة الواقعة تحت سيطرة القيادة الأمريكية في أوربة. والتي تضم الأسطول السادس في البحر الأبيض المتوسط، كما استبعدت إسرائيل خارج سيطرة هذه القيادة "إن وضع إسرائيل معالج بصورة جيدة، وفي ظل القيادة الأوربية، أي أن التفكير العسكري تغلب على التفكير السياسي، مما يجعل إسرائيل تؤدي دوراً هاماً في خطة العمليات الأوربية في حال حدوثها: أما مصر فقد وضعت ضمن مسؤولية القيادة المركزية لأنها حسب قول المسؤولين الأمريكيين تتاخم البحر الأحمر حيث تستطيع الولايات المتحدة الوصول إلى المرافق المصرية في ميناء رأس بناس/ جعل مركز القيادة العسكرية المركزية في قاعدة (مكدويل) التابعة لسلاح الطيران في فلوريدا وهي بالوقت ذاته مركز قيادة قوة الانتشار السريع الأمريكية، في حين أن سفن التموين المرابطة في جزيرة (ديغوغارسيا) من أرخبيل شاكوس وعددها (17) سفينة ولديها تموينات وحدات جاهزة للتمركز في المنطقة. ومنذ ذلك الوقت ركز البنتاغون على إنشاء قيادة أمامية في منطقة القيادة المركزية ولكن على المدى البعيد وهو ما تمّ فيما بعد، وقد تم تحويل قوة الانتشار السريع المشتركة إلى قيادة منفصلة "أي قيادة مركزية بموجب أمر وزير الدفاع واينبرغر في 24 نيسان 1981 وقد اهتمت المصادر السوفيتية في ذلك الوقت وناقشت الصحافة السوفيتية موضوع القيادة الأمريكية الجديدة وبخاصة وكلمة /تاس/ الرسمية آنذاك "أن القيادة الجديدة ستضم حوالي 240 ألف جندي مجهزون بمختلف أنواع الأسلحة وقالت هذه المصادر أن القيادة الجديدة ستكون بأمرة الجنرال (روبرت بيكستون) الذي كان قائداً لقوات التدخل السريع كما ذكروا أن القوات الأمريكية ستستند إلى قواعد منتشرة في مصر والصومال وعمان وكينيا وجزر المحيط الهندي. من نصوص المعاهدة التي عقدت بين العمانيين والأمريكيين والتي سجلت بداية الوجود الأمريكي في المنطقة والتي بدأت مع مبادلة الأسلحة بالتمور، وما جاء في إعلان وزارة الدفاع عن تشكيل القيادة المركزية والتي تسجل قمة الوجود الأمريكي نجد الفرق الشاسع بين الحدثين وما حققته العلاقات الأمريكية مع شعوب المنطقة من تطور والتي بدأت بالعكس لدخول البيت، فإذا بها تهيمن بعد فترة على البيت وأصحاب البيت كما أن أمريكا ولأول مرة تعلن عن وجودها بهذا الوضوح في المنطقة بعد أن ظلت فترة طويلة تتستر خلف بريطانيا وخلف أصدقائها في ذلك الوقت كشاه إيران وهيلاسلاي في إثيوبيا وإسرائيل.... الخ كما أسفرت بشكل واضح عن وجهها في دعمها لإسرائيل بعد أن كانت تتستر ولفترة طويلة وراء بريطانيا وفرنسا وألمانيا الغربية. 4-العوامل والمؤثرات التي أدت إلى تشكيل القيادة الجديدة: أعاد تشكيل القيادة الجديدة للأذهان سياسة شرق السويس سيئة الذكر والتي كانت بريطانيا كل عام تعلن عنها في كتب بيضاء مع فوارق كثيرة، تمليها الظروف الدولية مع محاولة الابتعاد عن كل الإحراجات، وبخاصة إثارة الشعور القومي الذي لم تكن بريطانيا تلتفت إليه، وأيضاً منذ أن أثبتت هذه عجزها بعد الحرب العالمية الثانية عن حماية المنطقة بعد الثورات التي حدثت ضدها في جنوب اليمن وكينيا وعمان.. الخ كما ابتعدت أمريكا –حسب تفكيرها- عن سياسة الأحلاف التي كانت بريطانيا تنتهجها وتركيز القواعد الدائمة، في الوقت الذي استطاعت فيه أمريكا الحصول على التسهيلات الواسعة لطيرانها وأسطولها في موانئ وأراض في عدة دول في المنطقة. ومن المعلوم أن المنطقة التي ضمتها القيادة الأمريكية الجديدة، أو مسرح العمليات الجديد تتماشى مع مسرح عمليات المحيط الهندي، حيث كان القائد البريطاني في عدن يمد سيطرته على نفس المنطقة المعروفة منذ القدم بأهميتها الجغرافية والاقتصادية والعسكرية، حتى قبل الحرب العالمية الأولى، عندما صرح اللورد /كيرزون/ الذي كان يشغل منصب نائب الملك في الهند ثم أصبح وزيراً للخارجية بعد الحرب "إن من يهيمن على الشرق الأوسط يهيمن على العالم" ولا تبتعد تصريحات المسؤولين الأمريكيين عن هذا الاتجاه. تعود أهمية المنطقة في حقيقة الأمر إلى وضعين رئيسيين هما: أولاً- الموقع الستراتيجي الذي يمثل في ذلك الوقت ولا يزال، أهمية بالغة في استراتيجيات الدول والقوى العظمى. ثانياً- الأهمية الاقتصادية، وبخاصة الخليج العربي وما حوله والنابعة أساساً من كونه أضخم مخزون للنفط في العالم، وهو المنطقة الوحيدة في العالم القادرة حالياً ومستقبلاً على الوفاء بالحاجات من الطاقة. وأهمية هذه المنطقة النفطية لا تنبع فقط من ضخامة الإنتاج وحجمه والاحتياطي الذي لا ينفذ، وإنما من مجموعة أخرى من الخصائص التي تميز نفط المنطقة ويبرز في مقدمتها أن معظم آبار البترول تقع على سواحل الخليج غير بعيدة عن البحر أو في البحر نفسه مما يؤدي إلى السهولة في الاستغلال، الأمر الذي يقلل كلفة الإنتاج، بالإضافة إلى أن أغلب الدول المنتجة للنفط في المنطقة تكاد أن تكون دولاً منتجة له فقط إذ تبلغ ما تصدره ما يقرب من 89% من الإنتاج ولا تستهلك سوى 11% فقط من الإنتاج. أما من الناحية الستراتيجية فهي تقع على التخوم الجنوبية للاتحاد السوفيتي الذي كان في أوج قوته بالإضافة إلى أنها نقطة متوسطة في العالم القديم. تهيمن على البحار الستراتيجية العالمية، كالبحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والبحر العربي والخليج، وتسيطر على طرق المواصلات الجوية والبحرية، وعلى المضائق والممرات البحرية كقناة السويس ومضيق باب المندب، ومضيق هرمز وخلجان عدن وعمان... الخ بالإضافة إلى أنها الممر الرئيسي لمئات الملايين من الأطنان البترولية الموجهة نحو الغرب واليابان. ومنذ القرن التاسع عشر وحتى في القرن العشرين ظلت المنطقة هدف السياسة الروسية منذ عهد القياصرة ومن بعدهم الاتحاد السوفيتي في إطار السعي للوصول إلى المياه الدافئة والمفتوحة أمام الأساطيل الحربية والتجارية في المحيط الهندي والتي وضع أسسها وكرسها بطرس الأكبر، وبدخول السوفيت إلى أفغانستان أصبح الروس أقرب ما يكون إذا أرادوا الوصول للبحار الدافئة. وهذا ما دعا وزير الدفاع الأمريكي /كاسبار واينبرغ/ ليقول في تقريره السنوي الذي صدر في 1/3/1983 إن الاحتلال السوفيتي لأفغانستان والحرب العراقية –الإيرانية والنزاعات المنخفضة الحدة ضمن المنطقة الواحدة كالنزاع بين اليمنين (يقصد في ذلك الوقت شمال وجنوب اليمن قبل الوحدة) أمثلة على مدى الاضطرابات في المنطقة التي من شأنها تعقيد سياستنا واستراتيجيتنا. في الحقيقة لم يكن ما ذكره وزير الدفاع الأمريكي عن الاضطرابات في المنطقة هي سبب اهتمام الأمريكيين والغرب فيها بل كما ذكرنا سابقاً فبالإضافة إلى أهميتها الاقتصادية تحتل المنطقة موقعاً بالغ الأهمية للغرب والحلف الأطلسي في ذلك الوقت في محاولاتهم الدائمة ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وحتى سقوطه (أي الاتحاد السوفيتي) لتطويقه بحزام أمني غربي، وقواعد مستعدة للانقضاض عليه، ومما يجدر ذكره أن القادة الألمان الذين اشتركوا في الهجوم على الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية نصحوا القادة الأمريكان بالتحضير للهجوم على الاتحاد السوفيتي من جنوب غرب آسيا أو من الشرق الأوسط وإيران بالذات لقربها من قلب الاتحاد السوفيتي وإمكانية فصل الأجزاء الآسيوية التابعة للاتحاد السوفيتي عن الأجزاء الأوروبية التي تشكل الاتحاد السوفيتي. كما هي في الوقت نفسه هدفاً سهلاً للاتحاد السوفيتي، ولها أهميتها في الحرب بين القوتين الأعظمين. فبإمكان القوات السوفيتية المدرعة الوصول بسرعة إلى البحر العربي والسيطرة على النفط لسهولة الأرض. ومن هناك يمكن الوصول إلى أفريقية وإثارة الاضطرابات في مجمل مخططات الحلف الأطلسي الدفاعية والهجومية. وربما كانت القوات السوفيتية ستجد أعواناً لها في كل مكان تتقدم، ولكن من حظ الغرب وبخاصة أمريكا انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة. 5-التورط الأمريكي القديم في المنطقة رغم أن تشكيل القيادة الأمريكية الجديدة أظهر بوضوح تورط أمريكا بدخول المنطقة إلا أن أمريكا في الواقع كانت موجودة منذ زمن بعيد بسبب مصالحها الواسعة والتي تدخل ضمن الستراتيجية العامة الأمريكية التي وضعت أسسها في نهاية الحرب العالمية الثانية. فأمريكا التي أبعدت وعزلت نفسها عن مشاكل القارة الأوروبية بعد الحرب العالمية الأولى وانحصر اهتمامها –كما ذكرنا سابقاً- في قضاياها الداخلية ومشاكل أمريكا اللاتينية. وتركت للامبراطوريات الاستعمارية في تسيير دفة السياسة العالمية. وحتى ظهور الفاشية والنازية لم يثر اهتمامها! ووقوع الحرب العالمية الثانية لم يثر الشعب الأمريكي لولا الهجوم الياباني على الأسطول الأمريكي في بيرل هاربر –كما رأينا- وقد تحالف روزفلت مع الشيوعية لكراهيته للنازية ولم تكن أمريكا بعكس بريطانيا تحس بالخطر الشيوعي وكان الإنكليز وبخاصة تشرشل لا يخفون قلقهم من تعاظم قوة الجيش الأحمر ودخوله أوروبة مما دعا تشرشل للقول بعد نهاية الحرب "أنه لم يقتل الخنزير المطلوب". ومع أن الاتحاد السوفيتي –رغم قوته- كان قد تخلى عن مطالبه في السيطرة على مضائق البوسفور والدردنيل واقتسام الامبراطورية الإيطالية والوصاية على ليبيا. إلا أن ضمه لدول البلطيق وأقسام من رومانيا وبولونيا أثار الخوف والاهتمام في أوروبة الممزقة، وبخاصة في أمريكا التي وطدت نفسها لتصبح زعيمة العالم ومع ذلك وحتى وفاة روزفلت عام 1949م كانت الولايات المتحدة تتلمس طريقها، محاولة وضع استراتيجية سياسية وعسكرية خاصة بها، فلم يعد لها منافس من بين حلفائها كما هو الحال بعد الحرب العالمية الأولى. بسبب ضعفهم رغم خروجهم منتصرين /بالإضافة إلى الخوف من حرب ثالثة. وأهم من ذلك المطامع الاقتصادية الأمريكية لاستعادة ما خسرته من مال مع الشعوب المنتصرة أو المغلوبة على حد سواء. بعد وفاة روزفلت واستلام ترومان في نهاية الحرب رئاسة الولايات المتحدة وكان نائباً للرئيس ابتدأ التخطيط الحقيقي لوضع استراتيجية أمريكية جديدة وعاونه فيها جورج كيتان الذي يعتبر من أبرز الستراتيجيين الأمريكيين والجنرال جورج مارشال وزير الخارجية صاحب مشروع مارشال لإعادة بناء أوربة وقد وضع هؤلاء نصب أعينهم تحقيق الأهداف التالية: - حماية الولايات المتحدة ونظام حياتها وديموقراطيتها ومصالحها العالمية. - الوقوف أمام الاتحاد السوفيتي ومنع انتشار الشيوعية وحصرها واحتوائها. - حماية الديموقراطيات في العالم. وعلى العموم، فالساسة الأمريكيون يعتقدون –ولا يزالون- أن بلادهم هي الدولة الوحيدة الديموقراطية الصحيحة في العالم. وأنهم يحملون رسالة في حماية الديموقراطيات الأخرى، كما تعمقت في نفوسهم الكراهية للشيوعية وهي ليست نابعة لكراهيتهم للمبدأ الشيوعي بحد ذاته فحسب بل لكراهيتهم أيضاً للاتحاد السوفيتي كدولة منافسة على أساس أن الشيوعي بشكل مطلق معناه عميل للاتحاد السوفيتي والواقع أن الاتحاد السوفيتي كان القوة الوحيدة التي تستطيع الوقوف في وجه أمريكا قبل انهياره، لذلك كان اعتقادهم جازماً بأن الخطر سوف لن يأتيهم إلا من الاتحاد السوفيتي. لقد ظهرت نظريات استراتيجية أمريكية بعد الحرب. وتندرج مختلف التطورات التي طرأت على هذه الاستراتيجيات منذ عام 1945، حتى سقوط الاتحاد السوفيتي على توازن القوى بين الطرفين أو بالأحرى القوتين الأعظمين، وسلسلة التعديلات التي طرأت، وكانت تطرأ، ماهي إلا رد فعل على الاستراتيجية والاستراتيجيات السوفيتية التي كانت في سباق مع الزمن. في بادئ الأمر استندت مختلف المفاهيم الستراتيجية على التفوق التكنولوجي –كما هو الحال الآن- وبخاصة الأسلحة النووية أكثر من الانتباه للأسلحة التقليدية، بعكس السوفيت الذين احتفظوا بقواتهم الضخمة مع اهتمامهم بالأسلحة التقليدية بجانب الأسلحة النووية، وقد أدى تفوق أمريكا النووي في فترة من الفترات إلى تسريح عدد كبير من الجنود الأمريكيين، وكانت سياسة الحصر الأمريكية أو الاحتواء Poliey of contaInment أولى الستراتيجيات السياسية الخارجية الأمريكية. وكان الردع النووي وسياسة الانتقام الشامل السائد لتحقيق سياسة الاحتواء هذه والتي كان لها أهداف ثلاثة لا تخرج عن نطاق السياسة الأمريكية العامة وهي: - مقاومة التوسع الشيوعي، ومنعه من ضم أية دولة جديدة للامبراطورية السوفيتية عن طرائق الردع النووي والانتقام الشامل. - الضغط المستمر على الاتحاد السوفييتي للتخلي عن سياسته التوسعية حسب مفهومهم. - تنمية الموارد الاقتصادية. ورفع مستوى أوروبة الاجتماعي ليكون حائلاً ضد تسرب الشيوعية في الأقطار الأوروبية الفقيرة. وعلى هذا الأساس ظهرت سياسة الاحتفاظ بالقواعد الأمريكية المنتشرة في مختلف أنحاء العالم والتي كانت موجهة ضد دول المحور وبخاصة اليابان وتحويلها لحصر الاتحاد السوفيتي وتهديده وزيادة عددها وتجهيزها بمختلف أنواع الأسلحة ووسائط التنصيت والمراقبة، وإقامة مشاريع للتنمية الأوروبية كمشروع مارشال وإقامة الأحلاف كالحلف الأطلسي، وحلف بغداد والحلف المركزي، وحلف جنوب شرق آسيا وظهور مبدأ أيزينهاور، ومشاكل إملاء الفراغ. وقد استغلت أمريكا الموضوع التجاري، المنهار عالمياً ووجود اقتصاد أمريكي في أوج قوته واندفاعه والتي هيأتها له ظروف الحروب لتضع اقتصادها وتجارتها في خدمة سياستها الخارجية. وعلى العموم لا تفرق أمريكا بين السياسة الخارجية وتجارتها الخارجية التي توضع عادة في خدمة السياسة الخارجية والسيطرة على الأصدقاء والأعداء. وقد وضعت نظريات وخططت استراتيجيات، وتطورت وظهرت أسلحة جديدة وتقنيات عالية، وكلما عفا الزمن على فكرة استعيض عنها بأخرى، وجرى تطور مخيف، ومرعب في مختلف الميادين. وبخاصة الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، والأسلحة التقليدية، وكان يقابلها من جانب الاتحاد السوفيتي، تطور كبير في مختلف الأسلحة لديه وانتقل التوازن من مرحلة التفوق الأمريكي النووي إلى مرحلة التوازن معها وحتى تفوق الاتحاد السوفيتي في بعض النواحي، وخلال ذلك ظهرت نظريات واستراتيجيات الانتقام الشامل ثم الحرب الباردة أو المحدودة، الرد المرن، والقوة المضادة واستراتيجية الضربة الثانية إلى مبدأ /مكنمارا/ وزير الدفاع الأمريكي السابق، ونظريات الجنرال ماكسويل تايلور وكل نظرية تحتاج إلى صفائح عديدة لشرحها كما ظهرت منظومات متطورة للأسلحة الدفاعية والهجومية. وكانت جميعها في تطور مضطرد طالما كان هناك عقل إنساني يفكر بقتل أخيه الإنسان، ويعمل على تحطيمه في سبيل مطامعه وتحقيق مآربه، وازدياد النفقات المالية لهذه الأسلحة حتى ضج الأمريكيون أنفسهم منها، وعدم موافقة مجلس النواب الأمريكي المبدئية على إنشاء منظومات للصواريخ عابرات القارات (البالستية) من نوع mx وما من شك أن النشاط الأمريكي، كان يشتمل مختلف المناطق المحيطة بالاتحاد السوفيتي، وأصبحت منطقة المحيط الهندي /أو مسرح المحيط الهندي/ إحدى المناطق الساخنة الرئيسية في العالم وبخاصة في تلك الفترة وامتدت حتى الآن. ومن المفارقات أن علاقة أمريكا مع هذه المنطقة والتي تعود إلى المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر تطورت لأن تسيطر الشركات الأمريكية على الجزء الأكبر من بترول المنطقة، وأن تفرض وجودها هناك، رغم معارضة إنكلترا وشركاتها في بادئ الأمر إلا أنها اضطرت لقبول سياسة الباب المفتوح وإلغاء ما يعرف باتفاقية الخط الأحمر التي تحتفظ بترول الكويت لبريطانيا والموقعة عام ( ) وعندما بدأت الحرب العالمية الثانية كان لأمريكا وشركاتها حصة الأسد 60% من إنتاج نفط الخليج ومما يجدر ذكره أن أمريكا وإن كانت أكبر منتج للبترول إلا أنها أكبر مستهلك له، وقد أصابها الهلع بسبب تناقض إنتاجها في الحرب العالمية الأولى مع استنزاف كبير، مما جعلها تهتم بالمنطقة من أجل البترول وفي عام 1970 كان برميلاً من كل ثلاثة براميل بترول عالمية يستهلك في أمريكا. 6-مراحل النشاط الأمريكي وتطور وجوده في المحيط الهندي والخليج أ-المرحلة الأولى: قبل الانسحاب البريطاني من المنطقة وسياسة شرق السويس. ب-المرحلة الثانية: بعد انسحاب بريطانيا وتخليها عن سياسة شرق السويس والكتب البيضاء حتى سقوط شاه إيران. حـ-المرحلة الثالثة: الفترة ما بعد سقوط شاه إيران والثورة الإيرانية الإسلامية –الحرب الإيرانية –العراقية- الغزو العراقي للكويت. والحملة الأمريكية (عاصفة الصحراء- سقوط الاتحاد السوفيتي المفاجئ وانتهاء الحرب الباردة). د-المرحلة الرابعة: الوضع الراهن والغزو الأمريكي لأفغانستان والحرب المزعومة ضد الإرهاب. أ-المرحلة الأولى كانت بريطانيا في هذه الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى تتحمل أعباء الدفاع عن المنطقة. ومن قاعدته في عدن. كان القائد البريطاني يسيطر على جميع المنطقة /شرق السويس/ وفي خلالها اضطرت بريطانيا، الدخول في منازعات وحروب أهلية محدودة كثورة ظفار وثورة الإمامة العمانية، ثورة المادماد في كينيا –مقاومة الشعب المصري في منطقة قناة السويس. مقاومة الشعب العراقي وسقوط حلف بغداد 1955 –تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر وانسحاب بريطانيا من قواعدها في منطقة القتال ومن عدن، وتخليها عن الصومال البريطاني، الذي انضم للصومال الإيطالي وشكلا جمهورية الصومال الديموقراطية. هذه الاضطرابات أنهكت جميعها الاقتصاد البريطاني، مما جعل بريطانيا تضطر للانسحاب، وبخاصة بعد نمو الحركة الاستقلالية في الخليج بالإضافة إلى تأميم البترول الإيراني والعراقي، وكان اهتمام أمريكا في ذلك الوقت مقتصر على الموارد البترولية، ضمن الخطة الاستراتيجية العامة الأمريكية لاحتواء الاتحاد السوفيتي وحصره رغم أنها ليست عضواً في حلف بغداد ومن بعده الحلف المركزي، إلا أنها كانت ترتبط باتفاقيات ثنائية مع تركيا وإيران والباكستان تسمح لها باستخدام أراضي هذه الدول وإقامة القواعد فيها. وكان أول نشاط سياسي بارز للعلاقات الأمريكية مع شعوب المنطقة اللقاء الذي تم بين الرئيس الأمريكي روزفلت، والملك عبد العزيز آل سعود في نهاية الحرب العالمية الثانية على ظهر المدمرة الأمريكية (كويني) التي كانت راسية في البحيرات المرة (قناة السويس)، وحصل فيها روزفلت على حق استخدام مطار الظهران لمدة خمس سنوات، وكانت المملكة العربية السعودية في ذلك الوقت محور اهتمام الأمريكيين بسبب وجود البترول فيها، وقد حذر وزير الدفاع الأمريكي (آنذاك) جيمس فورستال في آب 1945 بأنه خلال الخمس سنوات وحتى الخمس والعشرين القادمة ستواجه الولايات المتحدة احتياطات نفطية منخفضة، انخفاضاً حاداً في مخزونها، ونظراً لأن النفط، ومشتقاته هو أساس القدرة على خوض حرب حديثة، فإنني أعتبر هذه المشكلة واحدة من أهم المشاكل التي تواجه الحكومة الأمريكية، ولا يعنيني أي شركة أو شركات أمريكية سوف تستثمر الاحتياطات العربية ولكنني أشعر بأقصى قدر من اليقين بأنها يجب أن تكون أمريكية. لقد بدأت أمريكا علاقاتها بالمنطقة عن طريقة البترول ولا تزال. وكان رجال البترول عوناً /لأيزينهاور/ عند وصوله للحكم عام 1953 حيث أدخل في وزارته سبعة من كبار رجال البترول، وكان منهم فوستر دالاس وزير الخارجية المشهور عضواً في شركة "أسو" ومديراً سابقاً لمالية روكفلر أكبر رجال البترول في ذلك الوقت ووصف دالاس بأنه "بطريرك ديانة البترول" ولم يكن أيزينهاور يخفي نظرته حول أهمية بترول الشرق الأوسط القصوى بالنسبة لأمريكا، وفي خطابه للكونغرس في كانون ثاني 1957 الذي قدم به مشروعه الذي أطلق عليه مبدأ أيزينهاور والذي يعتبر أساس أو قاعدة السياسة الأمريكية أعلن الرئيس الأمريكي أنه من الأمور التي تؤكد أهمية الشرق الأوسط القصوى، احتوائه على ثلثي المصادر البترولية المعروفة بالعالم، وأن هذه المصادر لا تقل بأهميتها عن الحلف الأطلسي بل إن الحلف يفقد معناه وهدفه إذا فقدنا مصالحنا في الشرق الأوسط. وقد فرض البترول خلال تلك الفترة بصماته على خطوط السياسة الأمريكية نحو المنطقة حيث حدثت انقلابات من أجل البترول، وأدّى البترول دوراً هاماً في مباركة أمريكا للدولة الصهيونية، وقد فلسف الرئيس ترومان مباركته عند إقامة الكيان الصهيوني، ونوعية المساعدة التي يقدمها للولايات المتحدة في المنطقة بقوله "إن إسرائيل قامت في منطقة الشرق الأوسط لكي تتصدى لتيار النصرة الوطنية، فإذا لم تستطع أن تحقق ذلك، فلا أقل من أن تجذبه بعيداً عن مصالح البترول الأمريكي في الشرق" وقد تدخلت أمريكا لإعادة الشاه إلى عرشه بعد سقوطه في زمن مصدق، ومن أجل البترول ضرب عبد الناصر، ومن أجل البترول درج جميع رؤساء الولايات المتحدة على مساعدة إسرائيل وحمايتها كما ضرب العراق ولا يزال يضرب من أجل البترول... الخ من الحوادث التي مرت. لم يقتصر الاهتمام الأمريكي في تلك الفترة على النواحي الاقتصادية في المنطقة بل تعداه إلى الناحية العسكرية ولكن بشكل أقل. لأن الوجود السياسي الأمريكي بحد ذاته في ذلك الوقت لم يكن قوياً وبخاصة عقب الحرب مباشرة. فلم يكن للأمريكيين سوى قوات إدارية فقط في /إيران/ والتي شكلت من أجل تسهيل نقل المعدات العسكرية، وتنظيم مرورها عبر إيران لدعم الاتحاد السوفيتي في حربه ضد الألمان مع بعض التسهيلات البحرية في /البحرين/ ضمن نطاق التسهيلات الممنوحة لبريطانيا في قاعدة /الجفير/ البحرية ولكن بعد الحرب وبخاصة بعد نشوب الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي (1947-1953) وضعف بريطانيا وسياسة الاحتواء الأمريكية جعل من الأمريكيين يزيدون في وجودهم العسكري ليس في المنطقة في الوطن العربي بل في تركيا والبحر الأبيض المتوسط وكانت لهم أهدافهم المحددة وهي: - إقامة سلسلة من القواعد العسكرية تكمل القواعد الأمريكية الموجودة في أوروبا تحيط بخطوط متتابعة وحسب الأسلحة وبخاصة الصواريخ ومداها، الاتحاد السوفيتي وأوروبة الشرقية لضرب المراكز الاستراتيجية الاقتصادية والعسكرية في الاتحاد السوفيتي. - حماية المصالح البترولية من أي تسرب أو هجوم سوفيتي. - الوقوف في وجه الحركات الوطنية والقومية في المنطقة. وإفشال كل مسيرة وحدوية من دول المنطقة وبخاصة العربية منها والتي لديها كل الإمكانيات والعناصر المساعدة لتحقيق الوحدة الكاملة فيما بينها وبالرغم من اعتراف الأمريكيين بمسؤولية الإنكليز في حماية المنطقة والدفاع عن المصالح الغربية إلا أن أمريكا سعت لإقامة القواعد العسكرية في بعض أنحاء الوطن العربي في ذلك الوقت –كالمغرب وليبيا (العهد الملكي) والمملكة العربية السعودية وإيران وتركيا والباكستان، وقد رفضت سورية بخاصة إقامة قواعد أمريكية أو أي نوع من الوجود الأمريكي فيها. رغم العروض المغرية. وذلك ضمن خطة استراتيجية لتقسيم وتوزيع مسارح للعمليات والتي منها مسرح عمليات المحيط الهندي والخليج واليمن وعمان والعراق (الملكية) والسواحل الأفريقية بما فيها الصومال وأثيوبية وكينيا. والتي لا تختلف عن المنطقة التي وضعت حالياً تحت حماية القيادة المركزية الجديدة والتي أضيفت إليها كما رأينا مصر واستبعدت سورية ولبنان، ويعود هذا التقسيم في الواقع إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى حيث كان الإنكليز يقسمون المنطقة إلى قسمين أحدهما يتبع حكومة الهند –البريطانية الامبراطورية ويضم المملكة العربية السعودية- العراق- الخليج وجنوب الجزيرة والبحر الأحمر أي على حد قولهم البلاد التي تتجه نحو آسيا، والقسم الثاني الذي يتجه نحو أوروبة ويتبع مكتب المستعمرات في لندن ويضم ليبيا ومصر وسورية الطبيعية، ولو عدنا إلى التاريخ لوجدنا أن نهر الفرات كان الحد الفاصل بين الامبراطوريتين الفارسية والرومانية، ولكن الفتح العربي أزال كل هذه الحدود الوضعية وأعادها لوحدتها العربية. ب-أما المرحلة الثانية من النشاط الأمريكي فيعود إلى اليوم الذي أعلنت فيه بريطانيا بتاريخ 6/12/1968 عن عزمها على الانسحاب من المنطقة في نهاية عام 1971، وتخليها عن مسؤوليتها تجاه الحلف الأطلسي بعد سلسلة النكسات التي حدثت كتأميم البترول الإيراني (1951) وسقوط الملكية في العراق عام 1958 والتي رافقها سقوط حلف بغداد. ثم ثورة الإمامة في عمان عام 1954 ونجاح الثورة في جنوب اليمن، وقد استغلت أمريكا العجز البريطاني لتحصل بعد مساعدتها شاه إيران بالعودة إلى عرشه وسقوط مصدق، على الحصة الكبرى في بترول إيران بعد تشكيل الكونسوريتوم عام 1954، وكان البترول الإيراني احتكاراً بريطانياً، كما أثار الإعلان عن المداولات المكثفة بين بريطانيا، وأمريكا لتأمين القوة التي يمكن أن تحل محل القوات البريطانية لسد الفراغ الأمني الغربي في المنطقة، وبخاصة بعد فشل اتحاد الجنوب العربي الذي أقامته في جنوب اليمن، كما فشل اتحاد دول شرق ووسط أفريقية واتحاد روديسيا ونياسالاند الاستعماريين. كما فشلت بريطانيا في تشكيل قوات للتدخل السريع لبعد المسافة وفقدها للقواعد الملائمة مما يجعل الوصول إلى المناطق المهددة صعباً جداً وطويلاً كما حدث مع القوات البريطانية التي أرسلت لنجدة الكويت بالإضافة إلى أن أغلب أفرادها أصيبوا بأمراض معوية عند وصولهم الكويت نظراً لتغير الطقس مما أفقدوا الجنود قدرتهم القتالية وتم سحبهم بسرعة لتتولى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية لحمايتها (أي الكويت)، كما جريت بريطانيا، الاعتماد على القوى المحلية، التي كانت هي قد شكلتها تحت القيادة البريطانية كقوات /الليوي/ في جنوب اليمن /وكشافة عمان/ في الإمارات. ولكن قوات الليوي المشكلة أصلاً من جنود عرب انضمت إلى الثورة اليمنية وأصبحت العمود الفقري لجيش الجمهورية اليمنية الديموقراطية وأما كشافة عمان المؤلفة من غالبية (بلوشية) دخلت في عداد جيش دولة الإمارات العربية المتحدة. حتى ذلك الوقت كان القرار بيد بريطانيا لعدم وجود خطة أمريكية واضحة دفاعية أم هجومية. ولم تكن ترغب بدخول المنطقة في العربة الأخيرة لقطار الاستعمار البريطاني، خوفاً من إثارة الشعور القومي العربي (كذا) المتحفز ضدها، والتاريخ الآن يعيد نفسه، وقد اعتبرت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون أن خطوة إنشاء قيادة موحدة هي الأولى من نوعها بعد 35 عاماً والدليل على أهمية كمنطقة جنوب غرب آسيا بالنسبة لأمريكا. كانت القوى المرشحة المؤهلة لتحل محل القوات البريطانية /حسب المفهوم الستراتيجي الأمريكي/ هي العراق الملكية أو المملكة العربية السعودية وإيران، وكانت جميعها تسير في فلك محاربة الشيوعية والعداء للاتحاد السوفيتي بموجب التوجيهات والإيحاءات البريطانية والأمريكية، وقد استبعدت العراق بعد الإطاحة بالملكية في 14 تموز 1958. ولم تكن المملكة العربية السعودية ترغب بالقيام بهذه المهمة لضعف جيشها والخوف من إمكانية التعاون مع إسرائيل والتي كانت ولا تزال تدخل ضمن المخطط الأمريكي للدفاع عن المنطقة، لذلك كان الخيار الوحيد أمام الأنكلوسكون (أمريكا وبريطانيا) هو شاه إيران الذي أعيد إلى إيران تحت الحراب الأمريكية، وليس لديه أي مانع للتعاون مع إسرائيل. وكان يمونها بالبترول كما كانت لديه الأطماع العريضة في الخليج، وعلى العموم فالأمريكيون والغربيون أيضاً لا يهمهم من يحكم أو سيحكم المنطقة ما دام بإمكانه تأمين تدفق البترول بشكل دائم للصناعة الأوروبية واقتصادها ومن نافلة القول أن يكون الجواب على من يستغرب وقوف أمريكا الساخر بجانب إسرائيل. رغم صداقتها لبعض الدول العربية، من أن أمريكا تعتبر إسرائيل القاعدة الرئيسية لأمريكا في الشرق العربي بالتوازي مع إيران (الشاه) الذي تعهد بتزويد أمريكا بخمسة وعشرين مليون طن من البترول الإيراني خلال السنوات العشر القادمة التي بدأت مع عودته للحكم، وعندما زار الشاه في حزيران 1973 الولايات المتحدة أبدى رغبته بشراء أسلحة بقيمة ثلاثة مليارات دولار وكان مبلغاً ضخماً في ذلك الوقت وقد وصفه الرئيس الأمريكي نيكسون "بأنه يلعب دوراً مهماً في تحقيق السلام على المستوى العالمي ويشكل حلقة اتصال بين الشرق والغرب، وقد أغدقت عليه أمريكا بالسلاح والخبراء حتى وصل عددهم في الجيش الإيراني أكثر من عشرين ألف جندي (أمريكي) كما زاد عدد الجيش الإيراني ليصل إلى أكثر من (300) ألف مقاتل. وبدأت أمريكا بإنشاء القواعد المجهزة بأحدث أنواع الرادارات وأجهزة التنصت. وفي ذلك الوقت ذاته كانت أمريكا تضن على أصدقائها العرب بالأسلحة المتطورة كماً ونوعية لحماية إسرائيل وهنا أصبح الشاه عامل ضغط في المنطقة، وأرسل جيشه لمساعدة السلطان فايوس للقضاء على الثورة في ظفار. وكان الشاه يحلم بجعل إيران الدولة الخامسة عسكرياً في العالم. ولكن الأمور لم تتم ولم تستقم للسياسة الأمريكية، فقد أطيح بالشاه في أيلول 1979، وكان سقوط الشاه أكبر نكسة لأمريكا ومعها إسرائيل أصابتهم في المنطقة، مما جعل الارتباك يدب في السياسة الأمريكية، وبخاصة بعد دخول السوفيت في كانون الأول 1979 لأفغانستان، واستيلاء الحكم اليساري بقيادة (منغستو) على مقدرات الأمور في أثيوبية. بالإضافة إلى عقد اتفاقية عدم الاعتداء التي عقدت بين الاتحاد السوفيتي. وجمهورية اليمن الديموقراطية، وأصبح الوجود السوفيتي في المنطقة حقيقة واقعة. و-وتبدأ الفترة الثالثة للنشاط الأمريكي ووجوده في المنطقة مع إعلان الرئيس كارتر عن مبدئه والذي يقول بضرورة تقوية الوجود الأمريكي في المنطقة. والعدول عن الاعتماد على القوى المحلية أي الاعتماد على القوى الذاتية الأمريكية والتدخل المباشر عند الحاجة، كالمحاولة الفاشلة التي قامت بها أمريكا لإنقاذ الرهائن في السفارة الأمريكية في طهران، كما دعا كارتر لفرض العقوبات على الاتحاد السوفيتي لتدخله في أفغانستان وامتنعت مع الغرب عن الاشتراك بالألعاب الأولومبية التي جرت في موسكو، وأعلن عن تشكيل قوات التدخل السريع (R,D,F) ودعا بريطانيا وفرنسا وألمانيا الغربية لإرسال أساطيلها البحرية للمحيط الهندي لعرض عضلاتها هناك، وما أشبه اليوم بالبارحة حيث طلب بوش من ألمانيا والدول الغربية لإرسال أساطيلها للمحيط الهندي لمحاربة العدو الوهمي المخيف (الإرهاب). وهكذا عادت أمريكا لاتباع الأسلوب الامبريالي للامبراطورية البريطانية والتي لا تنظر إلا لمصالحها الخاصة القريبة والمحددة، ولا تهتم بمصالح الشعوب بل تعتمد على أشخاص دون النظر لعلاقة هؤلاء بشعوبهم كما يحدث الآن، وهي مستعدة للقضاء على أي حركة قومية أو وطنية لحماية مصالحها بحجة حمايتها من الشيوعية، ويظهر ذلك من أقوال المسؤولين الأمريكيين. وقد سبقتها بريطانيا التي كانت تستخدم نظرية تحرير العبيد، ومنع تجارته لأغراض إنسانية للتدخل في الشؤون الداخلية للشعوب واحتلت كثيراً من المواقع لنفس الحجة، وكما كان يظهر في تصريحات الرئيس /كارتر/ بالذات، والذي أصبح بعد سقوطه في انتخابات الرئاسة الثانية داعية حقوق الإنسان على أساس أن المنطقة سريعة التغيير وأنها بحر الرياح المتقلبة. ويقول الرئيس السابق للجنة القوات المسلحة الأمريكية في مجلس الشيوخ الأمريكي جول ستبنس "إن الخطر الأساسي الذي يهدد مصالحنا يأتي من الشرق الأوسط والخليج، وأضاف أن الولايات المتحدة تحتاج إلى مزيد من التنظيم والتخطيط من أجل التسهيلات العسكرية في المنطقة، كما وجه الرئيس كارتر تحذيره للجميع كما يحذر حالياً (بوش) في الخطاب الذي ألقاه حول سياسة الاتحاد السنوية عام 1980 فليكن موقفنا واضحاً جداً أن أية محاولة تقوم بها دولة خارجية للسيطرة على الخليج ستعتبر اعتداء على المصالح الحيوية للولايات المتحدة. ومثل هذا الاعتداء سيواجه بأية وسيلة ضرورية وممكنة بما في ذلك القوة العسكرية" وقد أوضح كارتر في خطابه المذكور والذي أوضحه هارولد سوندرز مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا أمام لجنة مجلس النواب الفرعية الخاصة بأوروبا والشرق الأوسط. لقد حدد الرئيس بنفسه في خطابه عن وضع الاتحاد. ثلاثة تطورات أساسية ساعدت في تكوين التحديات التي تواجهنا داخل هذه المنطقة وهي: أولاً: النمو المضطرد والظهور المتزايد للقوة العسكرية السوفيتية خارج حدود الاتحاد السوفيتي. ثانياً: الاعتماد الساحق للديموقراطيات الغربية على الإمدادات النفطية من الشرق الأوسط. ثالثاً: وجود تغير اجتماعي وديني واقتصادي وسياسي في العديد من دول العالم النامي، وثورة إيران مثال على ذلك. وحسب قول الرئيس: "أن لكل من هذه العوامل أهمية في حد ذاته وكل منها يتفاعل مع الآخرين، ويجب مواجهتها مجتمعة. وقد أظهر بشكل واضح اهتمام أمريكا في المنطقة والذي يستلزم حسب قوله تكراراً لنقطتين هامتين وجوهريتين تم إبداؤهما بصورة متكررة في مباحثات حول الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا خلال السنتين الماضيتين وهما: أولاً-يجتمع في هذا الجزء من العالم من المصالح الأمريكية المهمة أكثر مما يجتمع فيها في أي منطقة أخرى من العالم النامي اليوم. وتواجه هذه المصالح المزيد من التحديات اليوم بفعل أعمال الاتحاد السوفيتي. ثانياً: في واحدة من أسرع مناطق العالم تغييراً، ما يهم صانعي السياسة الأمريكية ليس كيفية وقف بل فهم أسبابه وتقرير كيفية العمل مع حكومات المنطقة من أجل توجهه في وجهات بناءة، والواقع أن هذا المنطق المعقول لم يتبعه أي رئيس أمريكي حتى الآن. والتغيير الذي يراه كارتر هو ما يمس المصالح الأمريكية وليس غيرها، وبالتالي التدخل في شؤون كل بلدان المنطقة لإيقاف هذا التغيير أو تحويله للمصالح الأمريكية... وقد أعاد كارتر التأكيد بأن الغزو السوفيتي لأفغانستان هو تهديد للمصالح الأمريكية" وأنه منذ أمد بعيد كان إحدى اهتماماتنا الأولى أن نمنع إنشاء وضع معاد لنا يستطيع أن يؤثر على وصولنا، ويهدد أمن المنطقة ويؤدي إلى مجابهة، وفي أعقاب اجتياح السوفيت لأفغانستان أصبح الأمر أشد إلحاحاً، ومن المهم أن تحدد طبيعة القضية بالضبط، ثم كرر كارتر التلويح بالخطر السوفيتي "كماي لوح بوش بخطر تنظيم القاعدة وحكومة الطالبان ومن خلفهما الإسلام الذي يعود إلى أزمان بعيدة وقديمة. وعاد بالذاكرة إلى السياسة القيصرية القديمة للوصول إلى المياه الدافئة عبر بلوجستان –العائدة إلى باكستان- كما مر معنا أو التحرك إلى الخليج والتي أصبحت منطقته (أي الخليج) أهدافاً رئيسية يعمل الاتحاد السوفيتي للسيطرة عليها وبخاصة السيطرة على النفط، وقد أبدى تخوفه من احتمال وصول الشيوعيين الإيرانيين للحكم بسبب عدم وجود سلطة مركزية قوية" ويمكن للقوة المتعاظمة لحزب توده الشيوعي في إيران أن تسهم في ظهور وضع يستطيع الاتحاد السوفيتي أن يستغله والرئيس كارتر هو الذي فلسف الأسس التي قامت عليها القيادة المركزية الجديدة، وعملها ضمن الخطة الدفاعية الهجومية الأمريكية وامتداداً لنفوذ الحلف الأطلسي في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية وهي: -اقتصاد أمريكي قوي أقل اعتماداً على النفط الأجنبي، وهذا عائد للتخوف من احتمال تدمير أنابيب وآبار النفط الموجودة في منطقة الشرق الأوسط، وعلى هذا الأساس بدأ كارتر بالعمل على زيادة مخزون النفط الأمريكي الذي كرره الرؤساء الأمريكيون الذين سبقوه منذ أن وافقت الدول العربية تزويد أوروبا وأمريكا بالنفط بعد حرب تشرين. وتحالف غربي حيوي قادر على التعاون بصورة فعالة مع دول الخليج من ملاحقة أهداف مشتركة وقدرة عسكرية أمريكية متزايدة على إبراز القوة الأمريكية في المنطقة بصورة فعالة لتعزيز الأمن والاستقرار حسب المفهوم الأمريكي. وقد اعترف كارتر بخطورة النزاع بين إسرائيل والعرب وأنه يشكل أحد الأسباب الأساسية لعدم الاستقرار في المنطقة لذلك من الواجب العمل على حله"- والحل بالنسبة للأمريكيين هو إرضاء اليهود عن طريق تنازل الفلسطينيين على حقوقهم وليس الحفاظ عليها. -الاستعداد لاستخدام الموارد الخاصة من أجل تنمية بقاء واستقلال حكومات وشعوب المنطقة. وقد حددها كارتر بأنها التي تسعى "للعمل معنا" بصورة بناءة من أجل بلوغ أهداف السلام والكرامة الإنسانية. يمكن اختصار سياسة أمريكا في المنطقة حسب مبدأ كارتر والتي بنيت عليها سياسة /الرئيس ريغن/ ومن أتى بعده وتشكيل القيادة الجديدة بما يلي: - العودة للاعتماد على القوة الذاتية الأمريكية والغربية والابتعاد عن القوى المحلية. - حماية المصالح الأمريكية ضد كل تدخل خارجي أو داخلي كان نوعه. "وعلى هذه الفقرة استند الرئيس بوش الأب لمهاجمة العراق لتهديدها المصالح الأمريكية بعد احتلالها الكويت". - تقوية الاقتصاد الأمريكي والتخفيف من الاعتماد على نفط الشرق الأوسط. - مد يد المعونة لكل الدول التي تتعاون مع أمريكا وحمايتها وتشجيعها وتشجيع التعاون معها. - العودة إلى سياسة القواعد والتواجد الدائم. بعد سقوط كارتر ومجيء (ريغن) لم يتوقف العمل في تقرير الوجود العسكري في المنطقة بل على العكس تسارع وهذا ما أدلى به مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا /نيكولاس فيليوتس/ أمام اللجنة الاقتصادية المشتركة واللجنة الفرعية الخاصة بأوربة والشرق الأوسط التابعة للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب لبحث السياسة الأمريكية تجاه الخليج، أوضح فيها أهمية الخليج والمناطق المحيطة به والتي هي ذات أهمية كبرى للتوازن الاستراتيجي العالمي. فما يقع من أحداث يؤثر على قدرتنا وقدرة حلفائنا على رعاية نظام عالمي تستطيع فيه جميع الشعوب ملاحقة تحقيق أمانيها الوطنية متحررة من التدخل الخارجي وأعلن عن دعمه لاستقلال وسلامة جميع دول الخليج، وأوضح أن التطورات في الخليج منها ماهو سلبي ومنها ماهو إيجابي. والإيجابي كمجلس التعاون الخليجي والتفاهم الذي كان موجوداً في ذلك الوقت بين العراق ومجلس التعاون (قبل غزو العراق للكويت) وأما السلبيان فهي الحرب العراقية –الإيرانية التي تسبب لأمريكا القلق المتزايد "في الواقع كانت أمريكا تنظر لهذا الموضوع بعين الرضى لأنها كانت حرباً منهكة للطرفين وهذا ما ترغبه أمريكا ومن ورائها إسرائيل التي تمد هامش أمنها حتى الباكستان" –كما أوضح فيليوتس أن سياسة ريغن في الخليج ستكون ليست شاملة فحسب بل متوازنة مع كل الدول في المنطقة". وقد أوضح فيليوس هو الآخر أهمية الخليج بالنسبة لأمريكا من الناحية الاقتصادية فأكثر من 50% من موارد العالم النفطية الثابتة موجودة في منطقة الخليج وذكر أن الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي تملك نصف النفط الخام الذي يدخل التجارة العالمية وشدد على أهمية المنطقة للصادرات الأمريكية والتي بلغت قيمتها رغم خروج إيران (11) مليار دولار أي 5% من صادرات الولايات المتحدة نحو العالم. وزيادة على ذلك فميزان المدفوعات الأمريكي يستفيد فائدة كبرى من الخدمات التي تقدمها الشركات الأمريكية بمشاركتها بالتنمية، وقد عزا /فبليوتس/ كما هو الحال بالنسبة لكارتر إلى الحوادث التي أدت إلى تدهور الأوضاع حسب رأيه في الجو الاستراتيجي للمنطقة مثل الثورة الإيرانية والغزو السوفيتي للأفغان وما جرى في ليبيا واليمن وأثيوبيا، وتغيير الموقف السوفيتي بالنسبة لفبليوتس الأكثر تحفزاً –على العموم- بما له من مضامين استراتيجية بالنسبة للخليج، وقد أوضح "فبليوتس" أن تدخل أمريكا في المنطقة يعود إلى أنها تدرك (كذا) ضعف دول المنطقة وبخاصة دول الخليج أمام الضغط السوفيتي... كما ذكر بأن زعماء هذه الدول يدركون ذلك "لذلك جعلت الأحداث (التي ذكرت سابقاً) الخليج نفسه نقطة مركزية في التوازن الستراتيجي الدولي.... إن هناك أنواعاً أخرى من الأخطار على السلام والاستقرار يتعين على الدول الصديقة في المنطقة مواجهتها، فإن الضغط الذي يمكن للسوفيت أن يوجهوه ضد المنطقة وقدرتنا بالمقابل على رد ذلك الضغط يؤثران بشكل كبير على الجو الأمني الذي تعالج فيه دول المنطقة المشاكل التي تحصل فيها" وأخيراً يستخلص "فيليوتس" النتيجة التي يريد أن يصل إليها للقول.. "بأن الحكومة الأمريكية مصممة على تحسين قدراتنا على توجيه قوات عسكرية إلى المنطقة كرادع للضغوط الخارجية الموجهة ضد تلك الدول الصديقة واستبدال الدخول بتحالفات واتفاقيات مع دول المنطقة معترفاً بوجود الحساسيات لذلك.. فإننا لا نسعى للحصول على أية قواعد. ولا نسعى لأية فوائد من جانب واحد والسؤال هو هل كانت أمريكا تقوم بهذه المهمة وتبذل هذا المجهود الكبير لحماية المنطقة لو لم تكن ذات فائدة اقتصادية واستراتيجية كبرى لها ولحلفائها. مما تقدم نرى أن الأهداف الحقيقية للوجود العسكري الأمريكي في تلك الفترة هي: 1-تخويف المنطقة من الاتحاد السوفيتي والظهور بمظهر المدافع عنها. 2-الاستعداد لضرب كل حركات التحرر إذا وجدت كما كانت تفعل بريطانيا. 3-الحماية المبطنة لإسرائيل بعد سقوط الشاه الذي كان يمثل الركيزة الثانية للاستراتيجية الأمريكية وقد استغلت أمريكا الأحداث المتعاقبة في المنطقة وبخاصة التدخل السوفيتي في أفغانستان على أساس أنها دولة إسلامية معرضة لغزو شيوعي لتطرح مرة أخرى مشكلة الفراغ والأخطار المهددة وعلى رأسها الخطر السوفيتي لتحقق وجودها على قواعد تابعة في حين كانت تصريحات الزعيم السوفيتي السابق بريجنيف في الهند خلال زيارته لها في نهاية عام 1980 تحدد نقاطاً واضحة للسياسة السوفيتية آنذاك في المنطقة وهي: -عدم إقامة القواعد العسكرية الأجنبية في المنطقة. -عدم إدخال الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل للمنطقة. -احترام سياسة دول الخليج وعدم التدخل في شؤونها الداخلية واحترام مبدأ عدم الانحياز الذي اختارته لنفسها. -تأييد دول المنطقة في حق السيادة على مواردها الطبيعية. -عدم المساس والسيطرة على الطرق البحرية والتجارية التي تمر في المنطقة وتركها مفتوحة أمام التبادل التجاري، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وزوال الحرب الباردة وحصول أمريكا على لقب القطب الواحد. د ـ المرحلة الرابعة: الغزو الأمريكي لأفغانستان والحرب ضد العدو المزعوم الإرهاب. لا شك أن انهيار الاتحاد السوفييتي غير المتوقع. وانتهاء الحرب الباردة بين السوفييت والأمريكان التي ظلت مستمرة حوالي سبع سنوات هي التي جعلت من أمريكا القطب الوحيد أو القوة الأولى في كوكبنا، وبالرغم من أنها فقدت الحجة التي كانت تستغلها للتدخل في شؤون الدول الأخرى، إلا أنها أخذت تشعر بقوتها، وتتطلع إلى اتخاذ دور الشرطي حامل السوط يضرب به من يشاء وقد حقق لها الأسطول والطيران التفوق الذي لم تحلم به دولة من الدول في التاريخ الحديث بعد أن انزوى الأسطول السوفييتي الجبار في موانئه في بحر الشمال والبحر الأسود. وقد ساعد أمريكا على الاحتفاظ بقوتها وقواعدها، ماكانت عليه الأوضاع في المحيط الهندي والشرق الأوسط، فبعد انسحاب السوفييت من أفغانستان، بدأت الحرب الأهلية بين الأطراف المختلفة ورغم سيطرة الطالبان على حوالي (90%) من أفغانستان لم يعترف بها أحد وظلت هناك مقاومة يقودها وزير الدفاع شاه مسعود، بالإضافة إلى الحرب المهلكة والمؤسفة بين إيران والعراق بالإضافة إلى الحرب الأهلية في الصومال وأثيوبية والسودان، وأخيراً النزاع العربي الإسرائيلي والصلف والغطرسة اليهودية، وجاء غزو العراق للكويت ليغطي على كافة الأحداث و(القشة التي قسمت ظهر البعير). وقد وجدتها أمريكا الفرصة الذهبية للقضاء على القوة المتنامية للعراق في نطاق الحماية التي توفرها أمريكا لإسرائيل. كانت حرب الصحراء بداية تغيير جذري في أساليب القتال وظهور ما يعرف بالحرب التكنولوجية والتي تختلف عن كل ما سبقها من حروب وبخاصة أنه لا يمكن إلا لقوة مثل قوة أمريكا اتباعها، وتستند الحرب الجديدة ـ التي لا تحتاج ـ إلا لقواعد قليلة مساعدة ـ على السيطرة البحرية التي دعا إليها الأميرال ماهان في نهاية القرن التاسع عشر. وقد تهيأ لأمريكا هذه السيطرة وبخاصة وجود تسعة إلى عشرة من حاملات الطائرات الضخمة تجوب البحار ـ لدى بريطانيا حاملتان ولدى فرنسا حاملة واحدة = ومن جهة ثانية استخدام التقنية الجديدة التي تحققها الطائرات التي تحملها الحاملات أو التي تأتي من قواعد في أمريكا ذاتها وكذلك الصواريخ بعيدة المدى، وبخاصة صواريخ (كروز) الموجهة، وتستهدف دائماً، القضاء على البنية التحتية للعدو، وضرب معنوياته، وجعله يستسلم، وتخفيض خسائر المهاجم، إلى الصفر، بالإضافة إلى استخدام المعارضين، والمرتزقة لإسقاط النظام الحاكم كما حدث في (يوغسلافيا وأفغانستان)، وربما تعمل أمريكا لإسقاط النظام في العراق حسب ما ذكرناه، وتتكرر تجربة أفغانستان رغم اختلاف الأوضاع من كافة النواحي. ولأول مرة تطبق ثورة الاتصالات الرقمية على فنون الحرب مما أدى إلى تمتع القوات الجوية والبرية والبحرية بمرونة فائقة وانسجام فريد ودقة متناهية، فقد أقامت الولايات المتحدة قبل الهجوم على العراق مراكز مراقبة، وتنصت على طول الحدود العراقية لفترة طويلة قبل الهجوم، وقد أشار كثير من الصحفيين وغيرهم إلى أن عملية عاصفة الصحراء، قد تم تجربتها في قاعدة مكدويل، مركز القيادة المركزية في فلوريدا، وتم تطبيقها بدقة متناهية، وإذا كان الأمريكيون قد استخدموا حوالي ثمانين ألفاً من الجنود في عملية عاصفة الصحراء ولكن في عملياتهم ضد الأفغان لم يستخدموا إلا عدداً قليلاً من الجنود، وتركوا المعارضة الأفغانية بعد تسليحها وتجهيزها، تقوم باحتلال البلاد أو بالأحرى تستلم البلاد التي عملت حكومة الطالبان وقوات القاعدة على تركها دون مقاومة بسبب الطيران. ومنذ وصول الرئيس بوش الابن (الكاوبوي الصغير) بالأغلبية البسيطة، كان لديه التفكير الجاد بإيجاد مكان له في التاريخ الأمريكي وعن طريق إعادة انتخابه لرئاسة ثانية أو عن طريق عمل ما ولو كان حرباً، كما هو الحال بالنسبة لمن سبقه من الرؤساء، فلكل منهم حربه الخاصة التي قام بها وخلدت اسمه من روزفلت والحرب العالمية الثانية، ثم ترومان الذي قصف اليابان بالقنابل الذرية وإشعاله الحرب في كوريا، وكذلك نيكسون وحرب فيتنام ومن بعده جونسون وقد سبقه كنيدي بتهديد الروس بحرب ثالثة وحتى كارتر داعية حقوق الإنسان حالياً أعلن الحرب على إيران وحاول إنقاذ موظفي السفارة الأمريكية في طهران، وأدى ذلك إلى كارثة، وقد حاول (ريغن) رفع معنويات الأمريكيين بعد هزيمتهم في فيتنام، عندما أرسل القوات الأمريكية لاحتلال جزيرة /غرنادا/ الصغيرة في خليج المكسيك، ووضع حكومة تدين له بالولاء وجاء بوش الأب ليقوم بعملية عاصفة الصحراء، ودمر العراق، أما كلينتون الذي رفض الذهاب إلى فيتنام كمقاتل لم يتورع من إعادة ضرب العراق، وضرب الأفغان والسودان وأحرق يوغوسلافيا، وكان ريغن يحلم بحرب النجوم، وأما بوش الابن فمنذ وصوله لسدة الرئاسة أحاط نفسه بعدد من العسكريين مفضلاً السياسة العسكرية على الدبلوماسية، وكان يعيش على ماهية الحرب التي سيقودها وبخاصة بعد انفجار الحرب الباردة. وقد أوحى كيسنجر الداهية اليهودي في كتابه الدبلوماسية ما ذكره عن صدام الحضارات والتلويح بالخطر الإسلامي فأمريكا حسب قوله تحتاج إلى تهديد إيديولوجي وعدو معروف وهما صفتان كانت الحرب الباردة تتصف بهما. لقد وجد بوش في حادث 11 أيلول 2001 الطريقة التي يجب إتباعها للوصول إلى التاريخ، ووصول أمريكا للسيطرة على العالم، عن طريقة حرب جديدة بطرائق جديدة وأساليب وأهداف جديدة، حرب معلنة ضد عدد مزعوم هو الإرهاب وهو ضد من لا يسير معه، ويعتبره عدوه، وقد حدد في الوقت ذاته العدو وهو نظام الطالبان برفضهم تسليم أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة، المتهم بأنه وراء عملية مركز التجارة كما حدد العدو الأيديولوجي وهو الإسلام، مهما حاول التنصل من كلامه، كما حدد نوعية الحرب التي سيشنها والتي لا تستهدف القضاء على حكومة الطالبان التي خيبت آمال الشركات الأمريكية ا لبترولية بل هدفها السيطرة على بترول جنوب آسيا ووسطها وعلى خطوط الأنابيب المقترحة، من بحر قزوين و... الخ. والشيء المؤكد هو أن الشركات الأمريكية حاولت واتصلت بحكومة الطالبان ويؤكد ذلك جون ماريسكا نائب رئيس شركة يونيون أويل أوف كاليفورنيا UNOCAL أمام لجنة العلاقات الدولية في مجلس النواب في 12 شباط 1998، وهو يلقي مزيداً من الأضواء على الأهمية الاستراتيجية لأفغانستان بالنسبة للقوى الرأسمالية الغريبة، ويطرح رؤية كاشفة عن الدوافع الحقيقية التي ذهبت من أجلها الولايات المتحدة في أفغانستان والذي نشر في مجلة (وجهات نظر) المصرية في عددها الثامن والثلاثين آذار 2002 ونستخلص منه ما يلي، لأهميته الكبيرة للتعرف على أسباب ما يجري حالياً في أفغانستان: ـ منذ حوالي 100 عام ولدت صناعة النفط الدولية في منطقة آسيا الوسطى وبحر قزوين تحت الحكم السوفييتي ولكنها كانت متطورة بشيء جزئي. ـ تحتوي منطقة بحر قزوين على احتياطات هائلة من مادة الهيدروكاربون وكثير منها موجود في حوض بحر قزوين نفسه. ـ إن احتياطات الغاز الطبيعي المؤكدة في أذربيجان وأوزبكستان، وتركمانستان، وكازاخستان تبلغ (236)، ترليون قدم مكعب، وإن احتياطات النفط الكلية ربما تصل إلى أكثر من (60) بليون برميل، أي يكفي لخدمة احتياجات أوربة البترولية لمدة 11 سنة، والبعض يقدر هذه الاحتياطات بأكثر من (200) مليون برميل. ـ عام 1995 كانت المنطقة تنتج حوالي 870 ألف برميل يومياً، وبحلول عام 2010 فإن الشركات الغربية ستزيد الإنتاج إلى حوالي 4.5 مليون برميل يومياً. ـ المشكلة الرئيسية إيصال هذه الثروة إلى المناطق الأكثر حاجة إليها. وبأقصر الطرق لتخفيف المصاريف. وقد تبين أن أفضل مكان لتصريفه هو اليابان والباسفيك (من جزر) وحتى الصين، فأوربة، ليست حالياً بحاجة لها. ـ تبين بعد الدراسات التي حققتها الشركات الأمريكية أن أفضل الطرق، وأخفها كلفة وأقربها مسافة أنبوب يصل بين مدينة (شاردزو) في تركمانستان والمحيط الهندي على الساحل الباكستاني ماراً بأفغانستان وطوله 1040 ميل منها 440 ميل في أفغانستان، وسيكون قطره 42 بوصة وطاقته مليون برميل في اليوم وتكاليفه حوالي 2.5 بليون دولار. ـ أما بالنسبة للغاز الطبيعي، فالأنبوب المقترح يبدأ من /دولت أباد/ في تركمانستان إلى أسواق باكستان وربما الهند، وسيصل الإنتاج إلى 2 بليون قدم مكعب من الغاز يومياً ولمدة 30 عام، وسيكون طول الأنبوب المقترح 790 ميلاً، وسيتجه الأنبوب إلى باكستان عبر أفغانستان، إلى مولتان في باكستان أما الامتداد المقترح فيتجه نحو الهند ويصل إلى أنبوب سوي SUI الموجود حالياً وينقل الغاز إلى قرب مدينة نيودلهي، حيث يتصل بأنبوب H.B.I. وهكذا نرى الأهمية الكبرى التي تعلقها أمريكا على هدوء الأحوال في أفغانستان، ولكن يمكن ذلك بعد إثارة كلمة الحرب ضد الإرهاب (أي ضد المسلمين والعرب) وطلبت من كل الدول السير معها، ومن لا يسير سيكون عدوها وقد أدت هذه السياسة كما هو معروف، إلى اعتداءات كثيرة ضد المسلمين، في مختلف أنحاء العالم وشجعت الروس في تمادي إرهابهم للشيشان وكذلك الهند، ومحاولتها القضاء على المقاومة الكشميرية، بالإضافة إلى ما يجري حالياً من اقتتال بين المسلمين والهندوس في مدينة حيدر آباد، وبدأت كل دولة لديها أقليات مسلحة تطالب بحقوقها بإرهابها في الصين والفيلبين وأثارت المشاكل الطائفية في نيجيريا وشجعت أثيوبيا للتدخل في شؤون الصومال... الخ. وتلاقي أمريكا نقداً واضحاً من روسيا الاتحادية بسبب محاولاتها السيطرة على الدول ما يعرف ـ بالمستقلة. والواقع أن أهم النتائج الأولية لنمو الوجود العسكري الأمريكي المضطرد في المنطقة واتهام المقاومة الفلسطينية بالإرهاب هو الدعم الذي تلاقيه من أمريكا وبخاصة في عهد بوش ـ الكابوي الجديد ـ مما شجعها على ما تقوم به من إرهاب ضد الشعب الفلسطيني وتهديدها الدول العربية والإسلامية بالتدخل كما حدث عندما أغارت على العراق بحجة تدمير المفاعلات الذرية. والنتيجة الثانية هي أن أمريكا وبوجود قواعد التدخل السريع لن تسمح للعرب في يوم من الأيام باستخدام سلاح النفط مرة ثانية ولاشك أن القواعد في كل من قطر والكويت والمستودعات الخاصة بالقوات الأمريكية هي التي تستعد دائماً لاحتلال آبار النفط، ويمكن أن تكلف إسرائيل بهذه المهمة فلديها (600) ألف مقاتل مع أربعة آلاف دبابة وحوالي ألف طائرة وحوالي مائة رأس نووي، وذلك في نطاق محاربة الإرهاب، كما هو الحال بالنسبة لمغامرتها في فلسطين واحتلال أراضي السلطة الفلسطينية الذي يلاقي ترحيباً من المسؤولين الأمريكيين والبريطانيين اللذين يتحملا عبء الحرب على الإرهاب في أفغانستان في الوقت الذي يختبىء فيه الحكام العرب وراء استراتيجية السلام طرائق الجبناء. دمشق في 8/5/2002 * سفير سابق. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |