مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 15
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

كلمــــة العاهـــــل المغــــربي الملك محمد السادس

الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه.‏

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو،‏

أصحاب المعالي والسعادة،‏

معالي الأمين العام لجامعة الدول العربية،‏

حضرات السيدات والسادة،‏

إن من دواعي ابتهاجي أن أجدد اللقاء بإخواني الأعزاء، قادة الدول العربية الشقيقة، على أرض لبنان العريق، بلد الحضارة والإشعاع.‏

وأود في مستهل خطابي، أن أتقدم بالشكر الجزيل إلى أخي العزيز، فخامة الرئيس إيميل لحود، وإلى الحكومة اللبنانية الموقرة، على ما بذلوه من جهد كبير، من أجل أن تنعقد هذه القمة في الموعد المقرر لها. ولا سيما في هذه الظروف الدقيقة التي تتطلب منا إرادة قوية، نستعيد بها دورنا الفاعل، بعد أن فقدنا المبادرة في أهم قضايانا.‏

إن الجميع، سواء في الوطن العربي أو خارجه، يتابع باهتمام أشغالنا، وينتظر ما ستسفر عنه من نتائج.‏

فعلينا أن نبرهن على أننا في مستوى رفع التحديات، وأننا قادرون على بلورة مواقف مسؤولة، تمكننا من استعادة حضورنا الوازن، في مجرى الأحداث الدولية، بدل نهج سياسة التفرج والانتظار، التي تجعلنا على هامش التاريخ، كما يريد ذلك خصومنا.‏

وبالرغم مما قد يكون لدينا من تصورات متعددة، لمسار الأحداث، وأبعاد العلاقات الدولية، التي أفرزتها اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، فإن ذلك لا ينبغي أن يكون مدعاة للخلاف، بل حافزاً على ترسيخ التوافق، للوصول إلى مواقف حازمة ومؤثرة، ما دمنا نلتقي على هدف واحد.‏

إن اختيارنا للسلام كان دائماً عن اقتناع وإرادة. لكن الطرف الآخر لم يستجب لما قدمناه، من مبادرات صادقة، تتضمن رؤيتنا ومفهومنا للسلام، بكل أبعاده.‏

وكما هو شأنها في كل ظرف عصيب، ها هي أمتنا العربية، على موعد مع التاريخ، بالمبادرة الحكيمة، التي تقدم بها أخونا المبجل، صاحب السمو الملكي، الأمير عبد الله بن عبد العزيز، ولي عهد المملكة العربية السعودية الشقيقة.‏

وقد باركت المملكة المغربية هذه الخطوة السديدة، لأنها، فضلاً عن توقيتها المناسب، ومراميها النبيلة، تعبر عن إرادة عربية صادقة، في تحقيق السلام العادل والدائم والشامل.‏

وقد دعا المغرب، في حينه، المجتمع الدولي إلى التعامل بإيجابية مع هذه المبادرة، باعتبارها مسعى جديداً واعداً، يدعم الجهود الدولية، لإخراج المنطقة من المأزق الذي وصلت إليه.‏

وإنني لأدعوكم –إخواني القادة العرب- إلى أن نلتف- بالإجماع- حول هذه المبادرة، جاعلين منها خطة عمل عربية، حتى نكون منسجمين مع المشروع العربي للسلام، الذي اعتمدناه في قمة فاس، عام 1982، ومع تشبثنا الراسخ بالسلام، الذي كان أساس المشاركة العربية في مؤتمر مدريد، على قاعدة الشرعية الدولية، المنسجمة مع رسالتنا الحضارية، القائمة على السلام والتعايش.‏

لقد أجهض أعداء السلام عدة مبادرات عربية ودولية في هذا الشأن. وحتى لا يكون تاريخنا هو تاريخ الفرص الضائعة؛ فإن علينا عدم الاكتفاء بمجرد الإجماع العربي حول المبادرة السعودية، لأن هذا الإجماع ليس غاية في حد ذاته؛ بل هو منطلق للتحرك الدؤوب، من أجل حشد أكبر دعم دولي نافذ لها، بغية ضمان تفعيلها على أرض الواقع، على نحو أمثل.‏

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو،‏

إن المنحى الخطير الذي أخذته الأحداث المأساوية، في الأراضي الفلسطينية، من جراء استخدام الحكومة الإسرائيلية، لكل الوسائل العسكرية والتدميرية، يبرهن على مدى ضيق أفقها، وإصرارها على ركوب منطق القوة، المفضي إلى تأجيج العنف، وتقوية صمود الشعب الفلسطيني الأعزل، وإشاعة مشاعر اليأس والإحباط، حتى لدى الجانب الإسرائيلي.‏

ولا سبيل لوضع حد لهذا الواقع المأساوي، إلا بوقف دوامة العنف والعنف المضاد، والانتهاك اليومي لحق الإنسان الطبيعي في الحياة، وإراقة دماء الأبرياء، وبالعودة الفورية لطاولة المفاوضات، دون قيد أو شرط، مع الالتزام الصادق بقرارات الشرعية الدولية، والاتفاقات والمبادرات التي قبلتها الأطراف المعنية، في هذا الشأن، وساندها المجتمع الدولي، ولا سيما منها، في الظرف العصيب الحالي، تقرير ميتشل وخطة جورج تينيت المتكاملين.‏

وإن المغرب ليجدد دعمه الثابت لهذه المبادرات، ولكل المساعي الصادقة، التي تستهدف تهدئة الأوضاع بالمنطقة، وإشاعة الأمن وتوفير مناخ الثقة، وشروط العيش الآمن لكل شعوبها، في نطاق كيانها الوطني المستقل، وفي إطار التعايش والتكامل فيما بينها.‏

بيد أن السلام الذي نريده، ونعمل من أجل إحلاله، لن يتحقق إلا بانسحاب إسرائيل من كل الأراضي العربية المحتلة، سنة 1967، بما فيها الأراضي الفلسطينية، والجولان السوري، وتخوم لبنان المغتصبة.‏

وأود من مدينة بيروت، الشاهدة على تحدي أخينا المجاهد، فخامة الرئيس ياسر عرفات، لحصار إسرائيلي لا يقل ضراوة عن الحصار الجائر، الذي فرضته عليه سلطات الاحتلال الإسرائيلي، أن أوجه للأخ أبو عمار تحية إكبار وتضامن؛ مجدداً له الإعراب عن مساندة المغرب القوية والموصولة لقيادته الصامدة لكفاح الشعب الفلسطيني الشقيق، من أجل إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.‏

وبصفتي رئيساً للجنة القدس، فإنني أجدد التأكيد أن مدينة مهد الأديان، يجب أن تظل عربية إسلامية، وفضاء للتعايش والتسامح بين الأديان السماوية، وأن هذه المدينة المقدسة لا يمكن أن تكون إلا كذلك، مهما كان الأمر، وتحت أي ذريعة.‏

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو،‏

تأتي قمتنا في أعقاب تداعيات الأعمال الإرهابية، التي عرفتها الولايات المتحدة الأمريكية، في السنة الفارطة.‏

وإن إدانة المغرب القوية لتلك الأعمال الإجرامية، لا يعادلها إلا دعوته الملحة إلى تبني مقاربة شمولية، لاقتلاع الإرهاب من جذوره، والقضاء على مسبباته.‏

كما أكدنا على أن تظل الحملة الدولية على الإرهاب، محافظة على تماسكها، في استهداف الفاعلين الحقيقيين والمحرضين عليه، وألا تمتد إلى أقطار أخرى، تحت أي مبرر.‏

وقد كان من تداعيات تلكم الأحداث، للأسف الشديد، أن عملت جهات مغرضة، على استغلالها، للمس بقيمنا الإسلامية السمحة، وبحضارتنا العريقة.‏

فمن واجبنا أن نتصدى لهذه الحملة الجائرة، مؤكدين للعالم أجمع، مناهضة الإسلام للإرهاب، ودعوته إلى المحبة والسلام، والإخاء والتعايش.‏

وهذا ما يتطلب وضع استراتيجية محكمة ومتواصلة، تقوم على مخاطبة الحاقدين بمنطق عقلاني نافذ، تقترن فيه الأقوال بالأفعال.‏

بيد أن المكانة التي نتطلع إليها في عالم اليوم، تتطلب، كما أكد المغرب ذلك في قمة عمان، النهوض باقتصاديات دولنا، وبتحسين ظروف عيش شعوبنا، وبإدراكنا لما تمليه علينا المتغيرات الدولية المتسارعة.‏

والظاهر أننا لم نهتد بعد إلى الأسلوب الأنجع، للخروج من طور الأماني. وقد أثبتت كل الخطوات التي تمت، في إطار الآليات التقليدية للعمل العربي المشترك، عجزها عن تحقيق طموحاتنا.‏

ولذلك يتعين علينا اعتماد توجه جديد، وابتكار مبادرات جريئة وملموسة، لإيجاد فضاء اقتصادي عربي موحد، كفيل بجعلنا نعبئ كل طاقاتنا لتحقيق تنمية عربية مستديمة.‏

وسيكون من شأن هذا النهج، الذي سارت عليه عدة دول في الجنوب، لا يتوافر لديها تعدد ومتانة الروابط التي تجمعنا، تقوية آمال شعوبنا العربية في المستقبل، وتحسيسها بأننا نشاطرها كل الانشغالات والاهتمامات، التي تمس حياتها وواقعها المعيش.‏

وختاماً، اسمحوا لي أن نهنئ أنفسنا جميعاً على انعقاد هذه القمة، في هذا الظرف العصيب. وأن أجدد مرة أخرى خالص شكري وامتناني، لأخينا العزيز فخامة الرئيس إيميل لحود، ومن خلاله إلى الحكومة والشعب اللبناني الشقيق، على ما لقيناه لديهم، من رعاية أخوية، وكرم ضيافة، وتيسير أعمال هذه القمة المباركة.‏

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244