مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 15
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

كلمة الرئيــس حسـني مبـــارك رئيس جمهورية مصر

ألقاها الدكتور عاطف عبيد‏

رئيس الوزراء‏

السيد العماد اميل لحود‏

رئيس الجمهورية اللبنانية‏

أصحاب الجلالة والعظمة والسمو والفخامة‏

كلفني فخامة الرئيس مبارك أن أنقل إليكم تحياته وأطيب تمنياته وأن ألقي كلمته إليكم وهذا نصها:‏

السيد العماد إميل لحود‏

رئيس الجمهورية اللبنانية‏

أصحاب الجلالة و العظمة والسمو والفخامة‏

السيد الأمين العام لجامعة الدول العربية‏

السيدات والسادة‏

تنعقد قمتنا العربية في بيروت اليوم بدعوة كريمة من فخامة الرئيس إميل لحود، ووسط مشاعر الحفاوة وكرم الضيافة التي عهدناها دوماً من قيادات وشعب الجمهورية اللبنانية الشقيقة.‏

ويشكل انعقاد القمة العربية في بيروت في هذا الوقت بالذات تعبيراً صادقاً منا جميعاً عن تضامننا مع لبنان الشقيق في هذه الظروف التي يواجه فيها تحدي استعادة كامل أرضه وإعمار ما خلفته الفترة السابقة من دمار وخراب، كما يشكل تأكيداً حازماً لمبدأ دورية انعقاد القمة على الرغم مما قد يكتنف طريقنا من مصاعب أثبتنا جميعاً قدرتنا على تذليلها باتحاد الإرادة وقوة العزيمة ووضوح الرؤية والهدف.‏

وتجتمع قمتنا اليوم في ظل تحديات إقليمية ودولية متزايدة، فرضت في منطقتنا أوضاعاً مؤسفة تستلزم منا رد فعل عربي موحد، تدعمه إرادة عربية صلبة قادرة على الدفاع عن أمتنا العربية، وعن قضايانا المصيرية، وعن حقوق شعوبنا في العيش في سلام واستقرار.‏

فقد سئمت شعوبنا العربية مما ترتكبه إسرائيل من انتهاكات لترسيخ احتلالها للأراضي الفلسطينية، ولقمع المقاومة المشروعة للشعب الفلسطيني في سبيل إنهاء الاحتلال وإنشاء دولته المستقلة ذات السيادة...‏

كما ملت شعوبنا من المواقف الدولية المتخاذلة تجاه هذا الموقف الإسرائيلي المتعنت، وتجاه التجاهل المتعمد للاحتلال الإسرائيلي للجولان السوري ولمزارع شبعا وغيرها من الأراضي اللبنانية، ومن غياب الإرادة الدولية الصلبة القادرة على وقف إراقة الدماء، ووقف التصعيد المتزايد في الدائرة المفرغة للعنف والعنف المضاد، وتوجيه كافة الجهود للتوصل لتسوية سلمية متكاملة.‏

وعلى الرغم مما شهدته الفترة الأخيرة من مجهودات أمريكية وأوروبية مكثفة لمحاولة وقف التصاعد المأساوي للعنف والعنف المضاد في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي أسفرت عن تقدم ملموس في الموقف على الأرض، فما زال الطريق نحو تحقيق السلام طويلاً ومحفوفاً بالمخاطر، خاصة في ظل غياب إرادة إسرائيلية قاطعة نحو السلام، تقوم على رؤية شاملة أساسها أن السلام هو المفتاح الرئيسي لتحقيق الأمن وضمان الاستقرار لكافة شعوب المنطقة بما فيها شعب إسرائيل.‏

وبالتوازي مع التدهور الحاد للأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تعرضت أمتنا العربية لحملة ظالمة في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، وضعتنا جميعاً في موقع المدافع عن عروبتنا التي قامت ـ وستظل ـ على التسامح والمودة وليس على العنف والعدوان.‏

وعلى الرغم من الإدراك الدولي لخطورة هذه الحملة مما أدى لتراجعها بشكل كبير في الفترة الأخيرة، فمما لاشك فيه أن أمامنا الكثير في مجال العمل العربي المشترك لإيضاح الوجه الحقيقي لعالمنا العربي ولأمتنا الإسلامية، ولتأكيد أن اختلافنا عن الحضارات الأخرى في العادات والتقاليد والقيم لا يعني اختلافاً في الرغبة في العيش معها في تناغم وتعاون واستقرار، والتفاعل معها لتحقيق المصلحة المشتركة لشعوبنا.‏

إن ما نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى هو تعزيز تضامننا العربي وتفعيل آليات عملنا العربي المشترك لمواجهة هذه التحديات وغيرها..‏

ولست أشك في قدرتنا على القيام بذلك، خاصة وقد حبانا الله من الإمكانات البشرية والمادية ما نستطيع به فرض إرادتنا وتحقيق آمال شعوبنا وحماية مصالحها في إطار من الندية القائمة على تحقيق المصالح المتبادلة مع باقي الدول في منطقتنا والمناطق الأخرى من حولنا.‏

ولتضامننا العربي محاور عدة ينبغي أن نسعى لتعزيزها بالتوازي مع مجهوداتنا لترسيخ أقدامنا على الساحة الدولية، أولها المحور السياسي من خلال تعزيز أواصر العلاقات وتعزيز آليات التنسيق والتشاور فيما بيننا، وتقليص فرص السماح لأطراف خارجية باستغلال غياب التنسيق والتشاور بيننا لتحقيق مآربها من كل منا منفرداً. فقد حان الوقت لكي يشعر العالم الخارجي أن الدول العربية ـ مهما تنوعت نظم الحكم فيها، ومهما تباعدت التوجهات السياسية لها ـ تتحدث بلسان واحد وتتخذ مواقف واحدة لتحقيق مصالحها المشتركة.‏

وثاني هذه المحاور هو المحور الاقتصادي... فعلى الرغم من دخول اتفاقية الوحدة الاقتصادية بين دول الجامعة العربية حيز النفاذ في 30/إبريل/1964، باعتبارها حجر الزاوية للعمل الاقتصادي العربي المشترك...‏

وعلى الرغم أيضاً من الانتهاء من تنفيذ الاستراتيجية التي أقررناها في قمة عمان عام 1980 بهدف دعم العمل الاقتصادي العربي المشترك حتى عام 2000، واعتماد مجلس الوحدة الاقتصادية العربية عام 1997، لقرار استئناف التطبيق الكامل لأحكام اتفاقية السوق العربية المشتركة القائمة في نطاق اتفاقية الوحدة العربية... رغم كل ذلك فما زلنا نفتقر للتكامل الاقتصادي العربي الحقيقي الذي يمكننا من أن نصبح قوة جماعية مؤثرة في النظام الاقتصادي العالمي الجديد القائم على التكتلات الاقتصادية الضخمة القادرة على فرض وجهة نظرها والدفاع عن مصالحها.‏

وما زلت عند رأيي الذي أعربت عنه من قبل من أن قيام السوق العربية المشتركة هو الضمانة الوحيدة القادرة على أن تجعل الوحدة الاقتصادية العربية أداة لتعزيز القوة الذاتية والأمن القومي العربي، ولكي تقف سداً منيعاً في وجه المخاطر الدولية والإقليمية المحدقة بنا.‏

ولدينا المقومات الأساسية لهذه السوق، ممثلة في الموارد الضخمة والتنوع الاقتصادي الذي يتجاوز حدود الكيانات الاقتصادية الوطنية الصغيرة والأسواق المحلية المحدودة إلى كيان اقتصادي إقليمي أكبر وأقوى، يسمح بالتوسع والنمو الاقتصادي، وخلق فرص عمل جديدة لمواجهة البطالة، وتحقيق التنمية التكنولوجية، وجذب أكبر قدر ممكن من الاستثمارات الإقليمية والدولية، كما يسمح لنا باستخدام عناصر قوتنا الاقتصادية مجتمعة في تحقيق التأثير السياسي المطلوب في المجتمعات والقوى السياسية الأخرى.‏

ولعل المؤتمر الاقتصادي العربي الأول الذي سيعقد في يونيو هذا العام يسهم في وضع أولى الخطوات على الطريق الصحيح في هذا المجال، ويرسي دعائم شراكة حقيقية بين القطاع الخاص والقطاعات الحكومية لتحقيق هذا الهدف القومي، تأخذ في الاعتبار الاقتراحات التي تقدمنا بها في قمة عمان والاقتراحات التي سيتم التقدم بها لهذه القمة لتحقيق هذا الغرض.‏

أصحاب الجلالة والعظمة والسمو والفخامة‏

إن التحديات أمامنا كبيرة ولكننا قادرون على التغلب عليها، بتضامننا ووحدتنا.. بثقتنا بأنفسنا وبحضارتنا وبقيمنا، وبرغبتنا في أن تعيش الأجيال القادمة في سلام ورفاهية.‏

والتحدي الأول هو التحديث مع الحفاظ على الأصالة، بحيث ندخل عصر التنوير الجديد والتكنولوجيا المتقدمة، وقد حافظنا على تراثنا بعد تخليصه من الشوائب التي فرضها البعض علينا، واستغلها البعض الآخر لتشويه صورتنا وشل حركتنا.‏

والتحدي الثاني هو استخدام هذا التحديث في تنمية بلادنا وشعوبنا سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، حتى يكون الوطن العربي على امتداده واحة ينعم فيها المواطن بحقوقه كاملة في حياة كريمة تقوم على الرفاهية والحرية والتكافل والتناغم.‏

والتحدي الثالث يتعلق بتجاوز الخلافات، ليس عن طريق تجاهلها أو تناسيها، بل بالتعامل معها على أساس الحق والعدل وبروح التضامن والإخاء والحرص على أن يكون كل منا لأخيه العون والسند، لأن قوة كل منا هي جزء من قوة الآخرين، وكرامة كل منا هي جزء من كرامة الآخرين.‏

والتحدي الرابع هو تحدي السلام، الذي اخترنا الطريق إليه استراتيجية لنا، لنستعيد أراضينا وحقوقنا جميعاً في فلسطين والجولان ومزارع شبعا، مستندين في ذلك إلى مبدأ "الأرض مقابل السلام"، وقرارات مجلس الأمن 242 و338 و425.‏

ونحن نؤكد اليوم على المبادرة السعودية لتحقيق السلام. نؤيدها ونساندها إذ تؤكد بشكل قاطع على الثوابت العربية وتقوم على قواعد صلبة وتجمع بين الحق والعدل والشرعية الدولية، نؤكد على استعدادنا للدخول في علاقات سلام طبيعية ـ في إطار المبادرة السعودية ـ مع إسرائيل في إطار سلام شامل إذا ما انسحبت من كافة الأراضي العربية التي احتلتها حتى حدود 4 يونيو 1967، وتوصلت لحل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتفق عليه وفقاً لقرار الجمعية العامة 194، وإعادة القدس الشريف ليصبح عاصمة لدولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، تقام على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967 في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة.‏

إننا نمد أيدينا بالسلام مرة أخرى بعد أن مددناها عام 1996، بإعلان أن السلام هو خيارنا الاستراتيجي.‏

ونحن لا نقوم بذلك عن خوف أو ضعف لأننا أمة قادرة على مواجهة التحديات والدفاع عن حقوقنا المشروعة، وإنما نقوم بذلك باقتناع أصيل وبندية كاملة، في إطار من الرغبة في تجنيب المنطقة بأسرها ويلات حروب جديدة أو موجات متتالية من أحداث العنف تعاني منها كافة الشعوب في العالم أسره.‏

والتحدي الخامس والأخير هو التوصل لحلول للمشكلات العربية التي طال أمدها في الصومال والسودان وجزر القمر، ولمشكلة الصحراء، ومشكلة الجزر الإماراتية، وللتغلب على التداعيات السياسية والأمنية والنفسية لحرب الخليج الثانية وآثارها على شعبي العراق والكويت ومنطقة الخليج، ولقضية استمرارية العقوبات على ليبيا بعد انتهاء محاكمات لوكيربي، وغير ذلك من المشكلات والقضايا التي تفتح الباب واسعاً للتدخلات الأجنبية في شؤوننا العربية والتي تحد في نفس الوقت من قدرتنا على استثمار وحدتنا العربية لتحقيق أهدافنا القومية العليا.‏

الأخوة الأعزاء:‏

إننا نقف اليوم في مفترق طرق تاريخي عصيب ونجد أمتنا في مواجهة اختبار بالغ القسوة والضراوة، ونحن لا نملك إزاء هذا سوى أن نوحد كلمتنا، ونقوي عزائمنا، ونرسخ إيماننا بأن الحق فوق القوة، وأن العدل هو الأساس السليم لأي مجتمع إنساني.‏

سدد الله خطانا، وجمع كلمتنا على الحق والخير. والله نعم المولى والنصير‏

والسلام عليكم ورحمة الله‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244