مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 15
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

كلمة الرئيس اليمني علي عبد الله صالح

بسم الله الرحمن الرحيم‏

صاحب الفخامة العزيز أميل لحود –رئيس الجمهورية اللبنانية الشقيقة،‏

الإخوة أصحاب الجلالة والفخامة والسمو،‏

معالي الأستاذ/ عمرو موسى- أمين عام جامعة الدول العربية،‏

صاحب السعادة السيد/ كوفي عنان- أمين عام منظمة الأمم المتحدة،‏

السادة أعضاء الوفود الموقرة:‏

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..‏

سلامُ لأمِتنا التي تحملُ لواءَ السلام.. وسلامُ لمن يريد السلام..‏

وتحية من الأعماق للشعب اللبناني الشقيق الذي تحتضن أرضُه المباركة اجتماعنا هذا.. تحية لهذا الشعب العظيم الذي يقف التاريخ إجلالاً لصموده ونضاله وقد قدم النموذج الرائع في التضحية واستعادة الحق المغتصب.‏

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو:‏

يكتسبُ اجتماعُنا هذا أهمية خاصة.. في ظل الظروف الدولية والإقليمية بالغة الخطورة، وما يتعرض له أهلُنا في فلسطين من صنوفِ القمعِ الوحشي والإبادةِ الجماعية التي تمارسُها إسرائيل على مرأى ومسمعٍ من العالم، دون أن يُثنيها أي وازع إنساني، مستهترةً بالمواثيق وقرارات الشرعيةِ الدولية، ومجاهِرةً بالتنصل التام من تعهداتها والتزاماتها، ومستمرةً في ارتكاب جرائم حربٍ ضد الإنسانيةِ لم يسلم منها طفلٌ رضيع أو شيخٌ مُسن أو امرأة.. حيث تبدي إسرائيل بذلك، الوجهَ القبيحَ لإرهابِ الدولة ضد شعبٍ أعزل معظم أبنائه يعيش في مخيماتٍ حكمت عليه إسرائيل بالعيش فيها منذ أكثر من نصف قرن.‏

وهذا الأمر يتطلب منّا وقفةً شُجاعة وفاعلة تتمخضُ عن اجتماعِنا هذا، لدعم صمود إخوتنا في الأرضِ المحتلة أمام آلة الإرهاب الإسرائيلية.. بتبني خطواتٍ جديدة وتفعيل قرارات القمم السابقة.‏

إن الإرهاب الذي صار نهجاً لصيقاً بسياسةِ إسرائيل، وما تمارسه من اقتحامٍ للمخيمات وتدميرٍ للمنازل والمنشآت وقتلٍ للأبرياء ومنع وسائل الإسعاف الطبي من أداء عملها واغتيال رموز الانتفاضةِ الفلسطينية.. كل هذه إجراءات تحاولُ بها إسرائيل إخضاعَ الشعبِ الفلسطيني وإرغامه على الاستسلام والرضوخ لشروط الحل العسكري. ورغم ذلك، إن الحلَّ العادلَ والسلام الشامل المستند إلى قراراتِ الشرعية الدولية والاتفاقاتِ الموقعة ما يزالُ هو الخيارُ العربي.‏

وفي هذا السياق، فإننا نؤيد رؤية أخي العزيز صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن عبد العزيز في شأن إحلال السلام العادل.. باعتبارها تعبيراً عن الرغبةِ الصادقةِ في تحقيقِ السلام. ونحن نؤيدُ الاتجاهَ إلى أن تتحول هذه الرؤية إلى مبادرة عربية جماعية، على أن تُتخذ لها الآلية المناسبة التي تكفل تنفيذها. ونقترح بهذا الصدد أن يقوم وفدٌ يتم اختياره من القمة، من أصحاب الجلالة الملوك، والأمراء والرؤساء، للتحرك مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن والدول الأوروبية لإقناعها بإلزام إسرائيل بالقبول بالمبادرة كإطارٍ لتحقيق السلام العادل والشامل في المنطقة.‏

وفي هذا الصدد، لابد من التأكيدِ مجدداً أنّ على إسرائيل أن تدرك أن التعايشَ الآمنَ وضمانَ الاستقرار لمجتمعها ولجيرانها مرهونٌ بتخليها عن سياسة القمع والتصعيد، والتزامها بمرجعية السلام، وفق قراراتِ مجلس الأمن ذات الصلة ومبدأ الأرض مقابل السلام، الذي أجمعت عليه كل الأطراف في مدريد، وتنفيذها للتعهدات والاتفاقيات التي وقَعت عليها في أوسلو وما تلاها.‏

وفي نفس الوقت، يتحتمُ علينا مواصلة الدعم للشعب الفلسطيني وانتفاضته المباركة حتى تحرر أرضُه من وطأة القهر والاحتلال واستعادة حقوقه كاملة وحتى قيام دولته المستقلة على أرضه.. ومواصلة بذل الجهود في اتجاه المجتمع الدولي، لترجمة مسؤولياته وجدية توجهاته بالتدخل السريع لحماية الشعب الفلسطيني من وحشية الاعتداءات الإسرائيلية، وتوفير المساعدات المادية والفنية لإعادة بناء ما خربته الاعتداءات الإسرائيلية الغاشمة، وحمل إسرائيل على الانسحابِ من جميعِ الأراضي العربية التي احتلتها قسراً في الرابع من يونيو "حزيران" 67م، وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.‏

أصحاب الجلالةِ والفخامةِ والسمو:‏

لقد شهد العالمُ في الآونة الأخيرة، كما تعلمون، متغيراتٍ ومستجداتٍ ألقت بظلالها الكئيبة على مسارِ التوجهات الدولية والاتجاهات السياسية على مستويات مختلفة، إثر تنامي ِأشكال الإرهاب الذي بلغ ذروته بأحداث الحادي عشر من سبتمبر العام المنصرم.‏

لقد أصبح الإرهابُ ظاهرة استفحلت آثارُها وامتدّ لهيبُها إلى مَواطنَ في الأرضِ عديدة.. وهو الأمرُ الذي برزت معه الأهميةُ القصوى للتعاونِ الفاعل على كافة الأصعدة لمحاصرة تلك الظاهرة واقتلاعِ جذورها.. بالتعاملِ الواعي مع كل جوانبها.. الذي لا ينبغي أن يتركزَ فقط على أعراضها، وإنما يمتدُّ لتشخيص أسبابها وتحديد مناخات نموّها.. ليتسنى بالتالي إيجاد المعالجات التي تكفلُ القضاء عليها أعراضاً وجذوراً، بما يحولُ دون أن تصبح مشكلة عصية على الحل.. فتكتسبُ الديمومة التي تنشدها، فيطولُ معها أمدُ المعاناة التي تخلفها.‏

وفي هذا المقام، ومن منطلق إدراكنا في الجمهورية اليمنية لدواعي المسؤولية الجماعية وضرورات التعاون البنّاء للقضاء على مصادر الإرهابِ ووسائلهِ، فإننا لم نتوقف عند مجرد إدانته واستنكاره.. أو تأييد الحملةِ الدولية لإخماد لهيبه.. بل بادرنا إلى مواجهته بصورةٍ فاعلة، ورافق ذلك ولا يزالُ، تأكيدُنا بأن العمل على إيجاد الحلول العادلة للنزاعات المدمرة التي تشهدُها مناطقُ حيويةٌ في العالم، والإسهام في تخفيفِ آلام الفقر التي يعانيها العديدُ من الشعوب، وإحلال التوازن في العلاقات الاقتصادية الدولية.. أمورٌ لابد أن تحظى بالعناية التي تستحقها.. في إطار الحملة الدولية ضد الإرهاب.. بما يكفلُ تحقيق مقاصدِها في الحد من تطرفِ الفكر وغلو التعبير وبواعثِ العنف، وتجفيف منابع الإرهاب واختفاء مناخات ظهوره.‏

إن الإرهابَ الذي طال لهيبُه أمماً شتى، ولم تستبعد أضرارُه طرفاً أو تستثني معتقداً، أمرٌ تتجسدُ معه حقيقة أن الإرهاب لا يُعرف له دينٌ ولا وطن.. وهو أمر استنفر كل الأمم لمواجهته وخصوصاً الأمة العربية التي تسهم بدورٍ فاعل في محاربته ودفع أخطارِهِ.. يحركها في ذلك تعرضُ أغلب دولها في وقتٍ مبكرٍ لأضراره والاكتواء بنيرانه.. ولأن ثقافتها وعقيدتها تؤكد على نبذ التطرف والغلو، وتجسيد قيم التسامح والتعايش والسلام.. كما صاغها الإسلامُ دينُ الرحمةِ والوسطية والاعتدال. ومن الظلمِ وعدمِ الإنصاف أن يُلصق الإرهاب بالعرب والمسلمين، ولهذا فإنه ينبغي تبنّي تحركٍ عربي فعّال لمواجهة تلك المحاولات التي تقوم بها أجهزة الإعلام المعادية للأمة والتي تحاول تشويه صورة العرب والمسلمين وإلصاق تهمة الإرهاب بهم.‏

ولاشك أن الموقفَ الجاد الذي اتخذته الأمة العربية في شأن الإرهاب، والتعاونَ الكامل الذي تبنته لمحاصرتهِ، أمرٌ تنتفي معه المبررات وتتهاوى أمامه الحجج لاستخدامِ القوة ضد أي دولةٍ عربية بتهمة إيواء الإرهاب.. وبالتالي فإن إقحامَ أي دولةٍ عربية ضمن دائرة الاستهداف لن يصبَّ في اتجاه تحجيم ظاهرة الإرهاب، ولن يُفضي إلى النتائج التي ينشدها المجتمعُ الدولي. بل سيزيدُ الأوضاعَ في المنطقة تعقيداً واضطراباً.‏

وفي ضوء ذلك، فإن المجتمعات العربية ترفضُ أن تتعرضَ أيُّ دولةٍ من دولها لضربة عسكرية، مهما كانت الذرائع والأسباب.‏

الإخوة قادة الأمة العربية:‏

أثقُ أنكم تبادلونني القناعة بأن ما يعزز الجهود التي تستهدف القضاء على الإرهاب، ويضمن استمرارَ فاعليتها، هو تمكُّن المجتمعِ الدولي من الوصول إلى تحديد مفهومٍ مشترك للإرهاب يراعي الاتفاقَ على أوجه التعاون لمواجهته ولا يُغفل حتمية التمييز بين الإرهاب كظاهرةٍ أممية، وحق الشعوب في مواجهة الاحتلال، وتطلُّعها نحو الحريةِ والانعتاق.. وذلك في إطار مؤتمرٍ دولي ترعاه الأممُ المتحدة. ونؤيد الدعوة المبكرة التي أطلقها أخي العزيز فخامة الرئيس محمد حسني مبارك لانعقاد هذا المؤتمر.. كما أننا نؤيدُ الدعوات إلى حوارٍ بين الثقافات والحضارات المختلفة.‏

الإخوة أصحاب الجلالة والفخامة والسمو:‏

إنّ تَزايدَ الأخطار وتسارُعَ الأحداثِ التي يشهدها العالم وتُلقي بظلالها على أوضاعنا ومسار توجهاتنا، تُرسخُ إدراكنا بأن العمل العربي المشترك لم يعد فقط مطلباً يستهدف صالحاً عاماً أو نفعاً مشتركاً.. في ظل عالمٍ تسوده الأحداثُ الجسيمة التي تمتد تداعياتها لتؤثر على أوضاعنا جميعاً، وتفرضها التحدياتُ المشتركة التي لا تستثني انعكاساتها قطراً من أقطارنا.. مما يستوجب تضافرَ الجهود للتعامل مع جوانبها.‏

ومن هذا المنطلق فإن تعزيز التضامن العربي الذي ندعو إليه لا يجسد فقط تطلعاتِ أمتنا، ولكنه ضرورةٌ لمواجهة تحديات العصر.‏

إن الصعوبات التي تكتنف مسار هذا التضامن ليست عقباتٌ يتعذر تذليلها، خاصة الخلافات السطحية التي تنجم عن سوء الفهم والشكوك الممقوتة.‏

ولاشك أن انتظامَ القمة يمثلُ سبيلاً لانطلاقِ مسيرة العمل العربي المشترك في جوانب الطموحات والضرورات، ويكتسب أهمية خاصة في تمكين القادة من الوقوف أمام المنعطفات الخطيرة التي تواجهها الأمة.. وإتاحة الفرصة المناسبة لتبادل الرؤى وتحديد الأولويات واتخاذ القرارات اللازمة في شأن ما تتعرض له الأمة من أزماتٍ وما تنشده من الأمن والاستقرار والرفاهية.‏

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو:‏

وفي هذا المقام، لاشك أنكم تشاطرونني الرؤية بأن الحصار الظالم الذي يعانيه العراقُ منذ اثني عشر عاماً لم يعد له ما يبرره، ولا ينبغي استمرارهُ، لما يخلفه من آثار مدمرة تمسُّ ضروراتِ الحياة ومقوماتِها لشعب العراق بأطفاله ونسائه وشيوخه.. مما تتضاعف معه المسؤولية للعمل على رفع ذلك الحصار.. وفي هذا الصدد ندعو الدول التي لديها علاقات دبلوماسية مع العراق أو التي وقعت اتفاقاتٍ لإقامة تبادل تجاري ومناطق حرة مع العراق، إلى اتخاذ المبادرة –وبصورة ثنائية أو جماعية- لرفع الحصار عن العراق.. على أن يرافق ذلك العمل على حل مشكلة الأسرى والمفقودين، حلاً مرضياً يكفل إغلاقَ هذا الملف بصورةٍ نهائية. كما أننا نطالب برفع الحصار عن ليبيا الشقيقة والذي لم يعد له ما يبرره ونؤكد على أهمية الوقوف إلى جانب أشقائنا في السودان في مواجهة كافة المؤامرات المستهدفة النيل من أمنه ووحدته وسلامة أراضيه.‏

الإخوة الأعزاء:‏

يجزُّ في نفوسِنا جميعاً عدمُ استقرار الأوضاع في الصومال الشقيق.. على الرغم من المحاولات المتكررة والجهود التي بذلت، والانتخابات الرئاسية التي تمت في المؤتمر الذي انعقد في جيبوتي.‏

وإذا كنا على يقينٍ بأن الفصائل الصومالية المتصارعة هي القادرة على إنهاء هذا النزاع، إلا أن حق الانتماء والآثارَ المترتبة على استمرار النزاع لا يُعفينا من استئناف الجهود لتحقيق السلام على أرض الصومال وفق مبادرةٍ عربية جماعية.. ولابد من بذل المزيد من الجهود والمساعي من قِبل الجامعة العربية لترسيخ الأمن والاستقرار وإزالة كل أسباب الخلاف بين الفئات المتصارعة بالتنسيق مع منظمة الوحدة الأفريقية والدول المعنية بالشأن الصومالي.‏

لا يسعني في الختام إلا أن أعربَ عن أسمى آياتِ الشكر والتقدير للبنان الشقيق، قيادةً وحكومة وشعباً، لاستضافته الكريمة لفعاليات هذا المؤتمر.. ولحسن الإعداد والتنظيم المتميزين وإنها لمناسبة نؤكد فيها على ضرورة تقديم الدعم العربي اللازم لإعادة إعمار المناطق المتضررة من الاعتداءات الإسرائيلية في هذا البلد الشقيق وبما يعزز صموده ويكفل له استعادة ما تبقى من أراضيه في مزارع شبعا.‏

مع الشكر للأخ الأمين العام الأستاذ/ عمرو موسى وفريقِ عمله على التحضير الجيد لهذا المؤتمر.‏

وفقنا الله جميعاً، وبصَّرنا السداد، وألهمنا الرشادَ في أعمالنا.‏

وسلامُ اللهِ عليكم ورحمته وبركاتُه‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244