|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
المباني المعرفية السياسية * للمحافظين الأمريكيين الجدد فلسفة التدمير الخلاّق ـــ محمود حيدر ما كان لأحد أن يتصور مدى ما بلغته الإيديولوجيا السياسية الأميركية وهي تستعيد نظرية الاحتلال، بوصفها فضيلة لا غنى للعالم عنها في رحلة القرن الحادي والعشرين. فقط أولئك الذين نظَّروا "للامبراطورية الفاضلة" أمثال لويس لافام رئيس تحرير مجلة هاربرز (Harper's Magazine) وبالطبع الفريق المتحلِّق حول الرئيس جورج دبليو بوش، كانوا على يقين مما ذهبوا إليه. الأمر بالنسبة إلى هؤلاء يتعدى الجانب الأخلاقي كما أراده التنوير الغربي سحابة ثلاثة قرون متواصلة. إنهم ينطلقون من قَبْلية اعتقادية تعود في جذورها إلى ثقافة الاستيطان الأنكلوساكسوني، ومؤداها أن التاريخ لا تعمره البراءة. إذ البراءة عندهم- حسب وصف غراهام غرين الكاتب المسرحي الانكليزي- تشبه مجذوماً أبكم أضاع جرسه، يطوف العالم، ولا يقصد ضرراً لأحد... وعلى عقيدة المحافظين الأميركيين الجدد إن ما ينبغي على أميركا أن تفعله لكي تحقق رسالتها إلى العالم، هو النأي بنفسها عن البراءة وأن تمضي بعيداً في السجية الماكيافيللية القائلة بفضيلة "أن تخيف الآخر بدل أن تكسب حبه لك"... عندما خسرت الولايات المتحدة مقعدها في لجنة حقوق الإنسان التابعة لهيئة الأمم المتحدة في جنيف في مطلع أيار (مايو) من العام 2001، أصيب كثيرون في نيويورك وواشنطن بالدهشة الحقيقية. جل هؤلاء كانوا من النخب الأميركية والغربية التي صدَّقت ما تختزنه العمارة الإيديولوجية من براءات ذات صلة بالقانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان وقيم الديمقراطية. للوهلة الأولى لم يعرف أولئك المخدوعون ما إذا كان الذي سمعوه إشاعة خاطئة أو نكتة حمقاء. وتساءلوا: كيف يمكن لمثل هذه الأمور أن تحدث.. وأين ذهب التعقل؟ وحسبهم أن أميركا هي التي أوجدت مفهوم حقوق الإنسان، وهي التي هرعت دائماً إلى إنقاذ الأطفال المفقودين، وانتشال الديمقراطيات الفاشلة. ولم يحدث قط أن استُبعدت الولايات المتحدة من غرف لجنة الضمير خلال أربعة وخمسين عاماً من وجودها. كذلك لم يسبق أن حدث في الذاكرة الحية أن تتعرض القوة العظمى الوحيدة في العالم إلى مثل هذه السخرية غير المستحقة على أيدي أتباعها الجاحدين.(1) يومئذ كان بديهياً أن يصب الأميركيون جام غضبهم على الأوروبيين، وبالأخص على فرنسا. فعلى ما بيَّن منظِّرو اليمين الأميركي فإن الفرنسيين تحديداً خانوا الأمانة والتبعية وصوَّتوا لإخراج الولايات المتحدة من واحدة من أهم وأخطر أسلحة الدعاية والتدخل في شؤون العالم. ومع ذلك فإن القضية لم تتوقف عند هذا النوع الطبيعي من ردات الفعل. كان ثمة ما هو أدنى إلى المفارقة؛ إذ إن "المطبخ الفلسفي- الإيديولوجي" للإدارة الأميركية سينبري إلى إسكات المحتجين والمدهوشين، ثم ليمضي في عزفٍ منفرد مؤثراً اللامبالاة وإدارة الظهر لهذه القضية. معتبراً أن أميركا ليست في حاجة إلى من يمنحها شهادة سلوك حسن أو يصحح خطأ ترى إليه على أنه جزء عزيز في مسلكها العام. إن هذا ما سيعبر عنه الكاتب في مجلة "التايم" تشارلز كروثامر (Charles Grauthammer) على نحو لا شوب في صراحته: "ليست أميركا مجرد مواطن عالمي. إنها السلطة المهيمنة في العالم، أكثر هيمنة من أي قوة أخرى منذ عهد روما. ووفقاً لذلك، فإن أميركا في وضع يؤهلها لإعادة تشكيل المعايير، وتغيير التوقعات وخلق حقائق جديدة. أما كيف يكون ذلك؟ فيكون- برأيه- عن طريق إظهار إرادة غير اعتذارية لا سبيل إلى تغييرها"..(2) المسألة إذاً، هي وجوب أن تفعل أميركا أي شيء من دون أن تبرر أو أن تعتذر. وحتى لو جرى ذلك الفعل مجرى إيذاء أمم وشعوب بأكملها فلا ينبغي أن يُحجم القادة عن إتمام المساحة المتبقية لبلوغ الهدف. فالاعتذار بحسب هذا الاعتقاد؛ يشكل منقصة لصاحبه، وإخلالاً في شبكة المعايير والمفاهيم، التي عليها تتأسس استراتيجيات التحكم بالأوضاع. فلسفة الاستهتار بالآخر على هذه الفلسفة السياسية المتجددة سيغيب منطق الإقناع والتحاور في العلاقات الدولية. وبدا أن منعطفاً كهذا، راح يؤتي أكله مع "الانتصارات المدوية" التي خاضتها الولايات المتحدة بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001. والمثل العراقي سيعزز هذا المنطق حيث أفلحت الولايات المتحدة في جعله شبيهاً بالمثلين اليوغوسلافي والأفغاني. لكن ثمة جانب آخر من المشهد لا يبدو أنه سيكون مريحاً، أو مربحاً، للسلوك الأميركي المشار إليه. فالولايات المتحدة ربحت الحروب التي خاضتها حين استعملت الحد الأقصى من جبروتها العسكري. لكنها راحت بعد ذلك، تجد صعوبات جمة في ربح السلام. وهذا ما ذهب إليه الخبير الاستراتيجي الفرنسي باسكال بونيفاس الذي أكد أن أميركا بدأت تفقد حب الناس لها، بل إنها صارت مكروهة على امتداد العالم أجمع. "البارانويا" الأميركية التي بلغت ذروتها مع السنة الأولى للألفية الثالثة، رأت إلى النقد الأوروبي، والفرنسي على الخصوص بعين السخرية والاستهتار. ولقد سبق للكاتب الأميركي لويس لافام أن ساجل النزعة الانتقادية لأميركا لدى الفرنسيين. سوف يلاحظ أن الفرنسيين لم يستوعبوا ما يسميه بـ"مذهب البراءة الأميركية" بشكل كامل. هذا المذهب الذي فهمه البيوريتانيون (حركة إصلاح بروتستانتية سعت إلى تطهير الكنيسة الانكليزية من بقايا الباباوية الرومانية الكاثوليكية في القرنين 16 و17).. الأوائل في براري ماساتشوسيتس الموحشة، على أنه اختيارهم من قبل الرب (...) وفي معرض إعطاء المذهب الأميركي بعده الميتافيزيقي يزعم "لافام" أن الله اختار أميركا لتكون موقع إنشاء الجنة الأرضية. فقد كان الهدف الأميركي عادلاً دوماً، ولم يكن هنالك أي شيء أبداً يمكن أن يُقال فيه إنه غلطة أميركا. ويضيف: "إن الأجيال المتلاحقة والسياسيين الأميركيين عبرت عن إيمانها هذا بكلمات مختلفة من مثل: "أميركا الأمل الأخير للبشرية"، "أميركا سفينة الأمان" وناشرة الحضارة الخ.. إلا أنه سيذهب إلى مسافة أبعد في خلع الأوصاف فيعلن أن "الشر لم يكن أبداً جزءاً عضوياً من المشهد الأميركي أو الشخصية الأميركية. فالشر- على ادعائه- سلعة قاتلة ومستوردة من دون ترخيص من خارج، إنما هو مرض أجنبي يتم تهريبه عن طريق الجمارك في شحنة "فلسفة ألمانية" أو أرز آسيوي (...) ولأن أميركا بريئة بالتعريف، فقد يخونها الآخرون دوماً، كما في "بيرل هاربر" وليتل بيغ هورن، وخليج الخنازير، وبما أنه تمت خيانتنا، نستطيع دوماً أن نبرر استخدامنا للوسائل الوحشية، أو المخالفة للروح المسيحية في سبيل الدفاع عن سفينة الأمان في وجه خيانة العالم(3). لم يكن عرض هذا الكلام فقط للرد على ما يسميه لويس لافام عدم فهم الفرنسيين وجهلهم بحقيقة "الروح السياسية الأميركية"، بل هو يعني أكثر من رسالة دأبت المسيحية الصهيونية الحاكمة في الولايات المتحدة على توجيهها إلى العالم كله منذ وقت بعيد. وما المقصود من هذه الرسالة اليوم فإنه يتعدى الكليات الاعتقادية. فهي تتوجه إلى الذين يطالبون بوجوب قيام مرجعية أممية تعيد الاعتبار للقانون الدولي. ولأن القوانين تدخل في صلب "البراءة" التي أسقطها الأميركيون من حسابهم فلا حاجة إليها كما يقول "لافام". فالقوانين- عنده- "وضعت لغير المحظوظين الذين ولدوا دون جينات الفضيلة". إن هذا الحد المشرع على اللامتناهي في التفكير الأميركي الجديد، هو الذي يؤسس لأميركا القرن الحادي والعشرين. وسنجد من تظاهرات هذه الرؤية اللاهوتية ما لا حصر من الأحداث اللاحقة. حيث تصبح القوانين الدولية وشرعة الأخلاق التي تحكم التوازنات في النظام العالمي، مجرد نصوص لا فائدة منها. عقدة السيادة المطلقة ظل ريتشارد نيكسون الرئيس الأميركي الأسبق يردد في خُطَبه العصماء الموجهة إلى الجيش والشعب هذه الكلمات: "الله مع أميركا، الله يريد أن تقود أميركا العالم". في ذلك الوقت كانت حرب فيتنام تتجه إلى جحيمها المحتوم. وكان عليه لكي يشحذ الهمم، ويدفع حجج منتقديه، أن يستعيد ثقافة المؤسسين الأوائل ليبين أن لاهوت القوة ليس إلا منحة إلهية لدفع الشر في عالم ممتلئ بالفوضى. في خلال السنوات الانتقالية بين نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحالي أسقطت الولايات المتحدة في يدها صفوة أوراق اللعبة الكونية الرئيسية. لقد صار اتخاذ أي قرار، وتقرير أي حل نهائي، من دون رضاها ضرباً من المستحيل. فما الذي نستطيع انتزاعه من المشهد العام؟؟.. مع نهاية الحرب الباردة أخذ منظرو الاستفراد الأميركي يصوغون المقدمات العملية لفلسفة السيادة المطلقة. كان كل شيء في المقدمات النظرية جاهزاً. العالم الإيديولوجي شكل أساساً ثقافياً ودعائياً لهذه الفلسفة. ولنا أن نعرف أن الولايات المتحدة مرت ضمن سيرورة تاريخية ساهمت الإيديولوجيا شيئاً فشيئاً في تكوينها. فقد قامت- هذه الفلسفة- انطلاقاً من نواة إيديولوجية ذات محورين: الأول، الاعتقاد بأن أميركا مكلفة برسالة. والثاني، اليقين بأن أداء هذه الرسالة يستلزم استخدام كل الوسائل بلا تحريم، ومما يميز السياسة الأميركية منذ مولدها: الثبات في العمل على قَدْر الديمومة في متابعة الهدف، وكذلك مواصلة الجوهر الإيديولوجي المولد للعمل. ولا شك في أن هذه السياسة بلغت ذروة تحققها في فجر القرن الثامن عشر، وزادت أيضاً في مطلع القرن التاسع عشر. لكن ميشال بوغنون موردان في كتابه "أميركا التوتاليتارية" (L'Amérique Totalitaire) الصادر في باريس في العام 1997(4) يذهب إلى "أن الإيديولوجيا الأميركية لم تتورع عن خلع صفة الأزلية على أميركا. حيث إن ادعاء الرسالة الإلهية لم يغب يوماً عن ناظرها. ثم يورد كلاماً لمعاون الرئيس السابق بيل كلينتون لشؤون الأمن القومي أنطوني لاك، فيه "إن مصالحنا ومثُلنا لا تلزمنا بالتدخل وحسب، بل تلزمنا أيضاً بالقيادة (...) يضيف: "من واجبنا تطوير الديمقراطية واقتصاد السوق في العالم لأن هذا يحمي مصالحنا وأمننا، ولأن الأمر يتعلق بانعكاس القيم، حيث هي في آن قيم أميركية وعالمية" (...). وهكذا فإن انتصار الأميركيين الأبرز- يعلق "بوغنون": هو، بكل تأكيد، الحضور الكلي لإيديولوجيتهم. فالليبرالية، وهي أكثر عقيدة اقتصادية خالصة، تمثل أيضاً رؤية قويمة للعالم، استقبلها الكثير من المالكين ومجموعات المصالح بوصفها نعمة وخلاصاً. لقد صارت الليبرالية- حسب بوغنون- رؤية وعقيدة تخدمان مصالح الأميركيين وتنقذان المظاهر، الأخلاقية، على الأقل، ما دامت الليبرالية، كمفهوم، تنطوي على ركيزة دينية. وهو ما كان لاحظه توكفيل لجهة وجوب اعتبار الدين بالنسبة للأميركيين بمثابة المؤسسة السياسية الأولى. ثم إن جمهور الناس، أولئك الذين لا يفهمون شيئاً كثيراً من الألعاب السياسية والاقتصادية، اقتنعوا بفعل الحملات الإعلامية، بعدم وجود أية عقيدة أفضل من هذه العقيدة (...) ولقد رأينا منذ الأصل، وقبل أن تصبح أميركا هي الولايات المتحدة، أنها كانت تزعم شمولية نمطها التنظيمي الخاص. ولم يسْعَ مفكروها- من أساتذة وكتاب وكهنة ورجال دولة- لحظة واحدة إلى إخفاء هدفهم الأخير وهو: فرض نمط حياتهم على بقية العالم. وذلك عبر آليات أخلاقية تكتظ بالتعالي على الآخر، أي آخر. منها في المقام الأول، بما يسميه بوغنون بـ"القدوة". أي من خلال تأدية عروض مثيرة تُظهر "الصورة الساطعة لأمة جديدة اختارها الله لغاية وحيدة هي تزويد كل الشعوب بالرسالة الوحيدة ذات المستقبل المصوغ بصورة زاهية. ثم في المقام الثاني بوضع الآخر جبراً في منطقة القبول بالقدر الأميركي. فثمة يقين لدى "فقهاء الأمركة" بأن إذعان الآخرين عنوة- كائناً ما كان شكل الإكراه- أمر محتوم في مواجهة هذه الممانعة أو تلك. فأميركا تعتقد نفسها وتريدها كلية لا تُضاهى. وبهذه الصفة، لا تتصور ذاتها إلا متفوقة على مجمل المناطق التي يتحرك في داخلها أفراد وأمم، وترى أن من واجبها احتواءها. إنها- على ما يزعم فقهاؤها- هي العالم، ما دامت العناية الإلهية أمرت بذلك، وما دامت تجسد نصاب العالم المقبل وفقاً للخطط الإلهية. ومن المقدر- تبعاً لهذا الزعم- أن تقع على كاهلها مسؤولية إملاء قانونها، القانون الذي شرعته السماء، وفرضته على الأمم والشعوب".(6) فلسفة القرصان عالي الذكاء مع دخول أميركا حقبة جورج دبليو بوش أخذت تتبلور الصورة الامبراطورية ذات "الطابع الرسالي التوتاليتاري". لم يعد الأمر بالنسبة للفريق الحاكم مقصوراً على التبشير بدولة عالمية بات كل شأن من شؤون العالم شأناً يخصها، ويتصل اتصالاً عضوياً بأمنها ومصالحها الجيو-استراتيجية. في نهاية الحرب الباردة، انبرى عدد من الاستراتيجيين إلى الجزم بأنه يوجد اليوم نظام عالمي، وتقوم الولايات المتحدة في هذا النظام بدور لا ينحصر في الممثل الأكبر، بل يمتد إلى دور المدبر. فبعد محو الخصم السوفياتي لم تعد وحدة أوروبا تعود عليهم بأية منفعة، بل العكس، فإذا طاب لهم أن ينظروها بعين الرحمة ويستحسنوا تماسكها، وتالياً قوتها الاقتصادية، فإنهم لا يستطيعون التسامح بأن تصبح قوة عظمى جديدة يتقاسمون معها السلطة العالمية.(7) بل أكثر من هذا، فقد تجاوزت الثقافة التوتاليتارية الأميركية الجديدة (بمعناها الامبراطوري الممتد فوق السيادات القومية والوطنية) الأخلاق السياسية التقليدية. وهي تصرفت، تنظيراً وتطبيقاً، على النحو الذي يرى إلى تبرير سياسات التمدد والنفوذ بوصفه أمراً لا طائل منه. هذا ما صرح به هنري كيسينجر حين قال "ما دام جيل ما بعد الحرب الباردة من القادة الوطنيين يشعر بالحرج عند التصريح بمبدأ غير اعتذاري عن مصالح قومية مستنيرة، فإنه سيحقق شللاً تراكمياً وليس ارتقاء أخلاقياً" ومرة أخرى سيقول فرانسيس فوكوياما (منظِّر نهاية التاريخ في بداية التسعينات) كلاماً دالاً على هذه النقطة: "إن البلد الذي يجعل من حقوق الإنسان عنصراً أساسياً في سياسته الخارجية يميل إلى الوعظ الأخلاقي عديم الجدوى في أحسن الأحوال، وإلى استخدام العنف المفرط بحثاً عن أهداف أخلاقية في أسوأ الأحوال.(8) سوف يؤدي هذا التصدير النظري إلى استيلاد أنساق من أساليب السيطرة لا يكون فيها للقوانين والقيم العالمية المشتركة فعالية تذكر. بل على العكس فإن مثل هذه القيم ستتحول إلى أساليب مجدية للسيطرة. مثلما حدث في جملة من عمليات غزو السيادات الوطنية بذريعة إحلال السلام وحقوق الإنسان وتعميم الديمقراطية. لقد أعجبت الإيديولوجيا الأميركية منذ البداية بقصة القرصان الشهير مورغان، الذي سيمنحها فلسفة استثنائية للسيطرة على العالم. تقول هذه الفلسفة: إن القرصان العادي هو الذي يُغير على السفن المسافرة، ويقتل ركابها الأبرياء وينهب حمولاتها من الأشياء والنقود. أما القرصان الذكي فإنه لا يُغير إلا على سفن القراصنة الآخرين ينتظرهم قرب مكامنهم عائدين محملين بالغنائم مجهَدين من القتل والقتال ثم ينقض عليهم محققاً جملة أهداف: - أولاً يحصل على كنوز عدة سفن أغار عليها القرصان العادي. لكن القرصان الذكي يحصل عليها جاهزة بضربة واحدة. - لا يرتكب بالقرصنة جريمة، لأنه نهب الذين سبقوا إلى النهب، وعليه فإن ما قام به لم يكن جريمة وإنما عقاب عادل. إن القرصان الذكي بهذا الأسلوب يصنع لنفسه مكانة رهيبة ومهابة استثنائية. معنى ذلك أن الولايات المتحدة لا تشغل نفسها بالسيطرة على بلدان مفردة وإنما تأخذ الأقاليم بالحزمة وتبلع الموائد الامبراطورية بكل ما عليها. هذه الثقافة السياسية الأمريكية ستجد وقائعها منذ أكثر من مئة سنة، وهي تداوم على هذه السجية إلى الآن. هناك مثل على هذا: ففي العام 1898 ورد في خطاب عضو الكونغرس عن ولاية فرجينيا ألبرت بيفردج قوله: عليكم أن تتذكروا اليوم ما فعله آباؤنا. علينا أن ننصب خيمة الحرية أبعد في الغرب، وأبعد في الجنوب (...) علينا أن نقول لأعداء التوسع الأميركي إن الحرية تليق فقط بالشعوب التي تستطيع حكم نفسها، وأما الشعوب التي لا تستطيع، فإن واجبنا المقدس أمام الله يدعونا لقيادتها إلى النموذج الأميركي في الحياة؛ لأنه نموذج الحق مع الشرف. فنحن لا نستطيع أن نتهرب من مسؤولية وضعتها علينا العناية الإلهية لإنقاذ الحرية والحضارة. ولذلك فإن العلَم الأميركي يجب أن يكون رمزاً لكل الجنس البشري. هذه الداروينية السياسية لم تغب يوماً عن المعتقد الاستراتيجي الأميركي. فقد وجدت لها محلاً في الزوايا السرية لكل إدارة منذ البدايات الأولى للتأسيس عبر عمليات الاستيطان الدموي وحروب الإبادة الجماعية للسكان الأصليين. كانت بداية الحلم الامبراطوري الأميركي الذي خرج ليقوم بدور "آكل الامبراطوريات" أواخر القرن التاسع عشر- تشتغل على البدء بالأقرب، أي: امبراطوريات إسبانيا والبرتغال- فتلك قوى أصابها الوهن بعدما أفسدها الذهب المنهوب من كنوز قبائل وشعوب أميركا اللاتينية، ومع ذلك فهي لا تزال مصممة على ادعاء العظمة في جنوب ووسط نصف الكرة الغربي وتحسب نفسها سيدة ممتلكات تعتبرها لها، ولها وحدها حق الاكتشاف والفتح. كانت الإغارة على ممتلكات إسبانيا والبرتغال مهمة سهلة إلى حد كبير، ولعلها فتحت شهية الامبراطورية الجديدة وأكدت لها- مرة أخرى- صحة نظريتها في الإغارة على الامبراطوريات السابقة للحصول على كل شيء- ومرة واحدة- وليس على مراحل أو على آجال، تتغير خلالها الموازين. ومع بداية القرن العشرين كانت الولايات المتحدة منهمكة تدرس أحوال امبراطوريات أوروبا، سواء منها المتهالكة بطول السنين أو تلك المتماسكة وتصلب عودها وتعطي نفسها عمراً متجددا بكل الوسائل! كان ذلك شاغل الولايات المتحدة الأميركية- وهي [عارفة أنها تخالف به وصية الجنرال "جورج واشنطن"- كما أنها مدركة وهي تتابع مجرى الحوادث في أوروبا- (بعد توحيد ألمانيا- وحرب السبعين- وسقوط دولة نابليون الثالث- ومشهد كوميونة باريس المؤذن بعصر من الثورات الاجتماعية)]- أن القارة القديمة مقبلة على حرب عالمية لإعادة توزيع المستعمرات وشعورها أن القرصنة سانحة لها لكي تخرج إلى أعالي البحار. وكان التحدي الأكبر الذي يواجه الولايات المتحدة هو كيف يمكن إزاحة تلك الامبراطوريات القديمة والاستيلاء على ممتلكاتها بتطبيق أسلوب الكابتن "مورغان" حتى وإن كانت تجربة الحظوظ في بحار بعيدة ضد امبراطوريات ما زالت متعافية،- يعني أن المهمة هذه المرة أصعب فقد كانت امبراطورية كل من إسبانيا والبرتغال موجودة في حوض المياه الأميركي، كما أن كلتا الامبراطوريتين نزل عليها الغروب فعلاً- وأما في حالة الامبراطوريات الأوروبية فإن عملية الاستيلاء سوف تتم على الشواطئ البعيدة، والشمس هناك بعد الظهر!(9) من ضمن مقالة له بعنوان "الامبراطورية على الطريقة الأميركية" يُفرد محمد حسنين هيكل قسماً منها يعرض فيه للصيرورة الإجمالية للشكل الأميركي وهو سيختار لهذا الغرض كتاب ستانلي كارنوف "أميركا تتجه إلى العولمة" (America Goes Global). في هذا الكتاب يقوم كارنوف بتحليل آليات الفكر الأميركي في تلك اللحظة الامبراطورية من أواخر القرن التاسع عشر، ويعرض مجموعة من ملاحظات تبين السمات الإجمالية لحركة الدولة الصاعدة باتجاه السيطرة الامبراطورية. وهذه الملاحظات كما وردت في مقالة هيكل هي التالية: * أن الولايات المتحدة نشأت ونمت- بطبائع الجغرافيا والتاريخ- دولة متحركة لا تطيق الوقوف مكانها، وتعتقد أن الوقوف لا يكون إلا استسلاماً لحصار أو تمهيداً لتراجع، أي أن غرائزها ودوافعها تحفزها دائماً لأن تتقدم وتتقدم- تنتشر وتنتشر. * وحتى تلك اللحظة من الزمن- أواخر القرن التاسع عشر- كان التقدم والتوسع يجري على أساس ملء المساحة من خط الماء (الأطلسي)- إلى خط الماء (الباسيفيكي)، وقد قبلت الولايات المتحدة ضريبة الحرب الأهلية لهذا السبب وحده- وهو ملء المساحة من الماء إلى الماء بدولة واحدة قوية. * عملية الوصول من الماء إلى الماء تمت بسلاح النار في معظم الأحيان، وبسلاح الذهب في بعضها، لأن عدداً من الولايات مثل لويزيانا وآلاسكا جرى شراؤها بالذهب (وكان استعمال الذهب في شراء الولايات أكثر عدلاً من استعمال قطع الزجاج الملون-ملء قدح من الخرز- وهو بالضبط ما دفعه مهاجرون هولنديون في صفقة شراء جزيرة "مانهاتن"- قلب نيويورك). * فور انتهاء الحرب الأهلية فإن الولايات المتحدة مضت تتطلع عبر الماء على الناحيتين إلى آسيا وأوروبا، وتشعر بهدير محركاتها الداخلية توجهها إلى الشواطئ البعيدة، بادعاء "مهمة مقدسة" و"قدر محتوم" يكلفها بملء كل فراغ على الأرض، وتغطية أي غياب للبشر- والأميركيين بخاصة- عن موارد الثروة والغنى. ثم يورد هيكل حادثة أوردها كارنوف في سياق قراءته تلك الحقبة من القرن التاسع عشر، وهي تكشف مدى استغراق الفكر السياسي الأميركي بأحلام التوسع، وشغفه بالقوة، وبالقدرة الحتمية على تحقيقها. وبدا واضحاً من تضمينات هيكل في تعليقه على حكايات صاحب الكتاب المشار إليه أن الميتافيزيقا السياسية التي سنشهد عليها في القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين هي التي تحكم الجذر الفكري والإيديولوجي للسلوك الاستراتيجي الأميركي في تحقيق الامبراطورية مترامية الأطراف. تقول الحكاية: كان الرئيس "ويليام ماكينلي" الذي بدأت أثناء رئاسته أولى محاولات التوسع والانتشار الامبراطوري الأميركي- شخصية غريبة، (ومن المدهش أنها تحمل وجوه شبه مع الرئيس الأميركي الحالي "جورج بوش"- فقد كان رجل أعمال وسياسياً لا يملك التجربة الناضجة ولا الخلفية الثقافية التي يعتمد عليها في سياسته وقراره، ولهذا كان جل اعتماده على مساعديه وعلى جماعات الضغط من أصحاب المصالح، وقد رُويت عنه- فيما يحكيه "ستانلي كارنوف- في كتابه عن الامبراطورية الأميركية (في آسيا)- نكتة شاعت تقول: "سؤال- كيف يتشابه عقل الرئيس "ماكينلي" مع سريره"؟ ورد السؤال: "كلاهما لا بد أن يرتبه له أحد قبل أن يستعمله!". ثم يورد "ستانلي كارنوف" في كتابه (صفحة 128) مشاهد تبدو- كما يعلق هيكل- وكأنها تجري اليوم (سنة 2003) في البيت الأبيض- وكلاماً يصح أن يقوله الساكن الحالي لهذا البيت الأبيض (الذي تتولى مستشارته للأمن القومي السيدة "كونداليزا رايس" مهمة ترتيب عقله كل يوم قبل أن يستعمله، تاركة ترتيب سريره لغيرها!). ويكتب "كارنوف": "كانت المناقشات في أميركا محتدمة حول ما ينبغي عمله مع البلدان التي احتلتها الأساطيل الأميركية في الباسيفيك، وكانت فكرة "الامبراطورية" تجربة مستجدة على الولايات المتحدة، وكان على الرئيس "ماكينلي" أن يفصل في الأمر بقرار". وفي سبتمبر 1898 استقبل الرئيس وفداً من قساوسة جمعية الكنائس التبشيرية، الذين فوجئوا به بعد أن انتهت جلسته معه يقول لهم: "عودوا إلى مقاعدكم أيها السادة لأني أريد أن أقص عليكم نبأ وحي سماوي ألهمني (Inspiration of divine guidance). أريد أن أقول لكم إنني منذ أيام لم أنم الليل بسبب التفكير فيما عسى أن نصنعه بتلك الجزر البعيدة (يقصد الفليبين بالذات)- ولم تكن لدي أدنى فكرة عما يصح عمله، ورُحت أذرع غرفة نومي ذهاباً وجيئة أدعو الله أن يلهمني الصواب، ثم وجدت اليقين يحل في قلبي والضوء يسطع على طريقي. إن هذه الجزر جاءتنا من السماء، فنحن لم نطلبها ولكنها وصلت إلى أيدينا منة من خالقنا ولا يصح أن نردها، وحتى إذا حاولنا ردها فلن نعرف لمن؟- ولا كيف؟(10) "توراتية" الثقافة المؤسسة لأميركا هذا النحو القدري من الاعتقاد السياسي للأميركيين الأوائل، لم يكن حالة عارضة في الثقافة المؤسسة للولايات المتحدة. كانت القدَرية في أساس النشأة. حيث اعتقد المهاجرون إلى الأرض المكتشفة في ما وراء البحار أنهم آتون إلى أرض الوعد الإلهي ليقيموا عليها دولتهم الفاضلة. أما السؤال عن الحجة التي حملت الرئيس ماكينلي على القول إن جزر الفليبين البعيدة هبطت عليه من السماء، فإنما يجد جوابه في عقيدة الاستيطان نفسها. وهي عقيدة توراتية خالصة تفصح عنها مكنونات العهد القديم والتأويلات التي أسقطها عليه فقهاء المستعمرين الجدد. يبين لي فريدمان في كتابه "حجاج في العالم الجديد" أنه من اليوم الأول لوصول المستعمرين الانكليز إلى العالم الجديد، وهم "يريدون أن ينشئوا في أميركا دولة ثيوقراطية تعيد سيرة اليهود التاريخيين. فالخطباء والوعاظ استمدوا نصوص خطبهم من العهد القديم، أما الآباء فقد استعاروا منه أسماء أولادهم. لم تكن العبرية لغة ثانوية بل كانت عمود ثقافة المثقفين والمتعلمين المتدينين وغير المتدينين. وكان تاريخ اليهود في العهد القديم قراءتهم اليومية، بل لربما كانوا يعرفونه أكثر مما يعرفون تاريخ أي شعب". ينتسب هذا التوصيف إلى المحاولات المعرفية التي دأب عليها عدد من المؤرخين والمفكرين الأميركيين على امتداد العقود المنصرمة. ليس من شك في أن بعض هذه المحاولات آل إلى الإضاءة على ما يمكن وصفه بالبعد الميتافيزيقي للثقافة المؤسسة لأميركا. وضمن هذا السياق تلقي دراسة الباحث في الشؤون الأميركية د.منير العكش الضوء على المعنى الإسرائيلي للنشوء الأميركي. إنه يبين أن أميركا ليست إلا الفهم البريطاني التطبيقي لفكرة إسرائيل التاريخية. وأن كل تفصيل من تفاصيل تاريخ الاستعمار البريطاني لشمال أميركا حاول أن يجد جذوره في أدبيات تلك "الإسرائيل" ويتقمص وقائعها وأبطالها وأبعادها الدينية والاجتماعية والسياسية، ويتبنى عقائدها في "الاختيار الإلهي" وعبادة الذات وحتى تملك أرض الآخرين وحياتهم. لقد ظنوا أنفسهم، بل سموا أنفسهم "إسرائيليين" و"عبرانيين" و"يهودا"، وأطلقوا على العالم الجديد اسم "أرض كنعان"، "إسرائيل الجديدة"، واستعاروا كل المبررات الأخلاقية لإبادة الهنود (الكنعانيين) واجتياح بلادهم من مخيلات العبرانيين التاريخية. ليست "العلاقة بالمعنى" بين إسرائيل وأميركا مجرد تركيب ذهني أخذ المشتغلون بظواهره، وألوانه، وأعراض التشابه في النشأتين. وإنما هي علاقة تأسست على اعتقادات المهاجرين بأنهم بلغوا أرض الميعاد والخلاص. تماماً كالاعتقاد اليهودي بفلسطين. هكذا تذهب الدراسة، إلى أن فكرة أميركا هي "استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة" عبر الاجتياح المسلح وبمبررات "غير طبيعية" وهذه محور فكرة إسرائيل التاريخية. ذلك أن عملية الإبادة التي تقتضيها مثل هذه الفكرة مقتبسة بالضرورة بشخصيات أبطالها (الإسرائيليون، الشعب المختار، العرق المتفوق) وضحاياها (الكنعانيون، الملعونون، المتوحشون، البرابرة) ومسرحها (أرض كنعان، إسرائيل) ومبرراتها (الحق السماوي أو الحضاري) وأهدافها (الاستيلاء على أرض الآخرين واقتلاعهم جسدياً وثقافياً)- من فكرة إسرائيل التاريخية. هذا الاعتقاد بأن هناك قدراً خاصاً بأميركا، وأن الأميركيين هم الإسرائيليون الجدد و"الشعب المختار" الجديد يضرب جذوراً عميقة في الذاكرة الأميركية، وما يزال صداه يتردد في اللغة العلمانية الحديثة أو ما صار يعرف بالدين المدني، إنه اعتقاد يتجلى لعينيك في معظم المناسبات الوطنية والدينية وفي كل خطابات التدشين التي يلقيها الرؤساء الأميركيون ومفاده أن "إرادة الله، والقدر، وحتمية التاريخ... الخ" اختارت الأمة الأميركية (الأنكلوسكسونية المتفوقة) وأعطتها دور المخلص (الذي يعني حق تقرير الحياة والموت والسعادة والشقاء لسكان المجاهل)(11). خرافة "الاختيار"! تذهب الدراسة إلى بيان الحذر الفلسفي الديني للنشأة الأميركية، لترى أن هناك اعتقاداً راسخاً بخرافة الاختيار الخرافي الإلهي للحضور الأميركي في العالم. والأمر الأشد إثارة للمفارقة هي أن فكرة "الاختيار الإلهي" طالما كانت محركاً لولبياً في التاريخ الأميركي. بل هي الأساس الميتافيزيقي لمعظم الممارسات العنصرية في التاريخ القديم والحديث. ولشد ما أشعلت النيران في الحماسات والمشاعر والبواريد، وفي القرى والمدن، والجثث في أكثر من أربعين دولة اجتاحتها أو قصفتها الولايات المتحدة، وعززت القناعة بأن لأميركا قدراً أعلى من كل أمم الأرض، وأنه مهما حل بإسرائيل فوق أرض فلسطين فإن إسرائيل الأميركية تبقى القلعة المحصنة لإعادة بنائها ولقيمها ومبادئها وأخلاقها. إن يهود الروح الذين يمثلهم الأنكلوسكسون هم الذين يحملون رسالة "إسرائيل" التي تخلى عنها اليوم يهود اللحم والدم، وهم الذين أعطاهم الله العهد والوعد، وهم الذين ورثوا كل ما أعطاه الله تاريخياً ليهود اللحم والدم (ومعظمهم من ألد أعداء السامية). لقد اختار الله يهود اللحم والدم مؤقتاً، وبشروط أخلفوها، ولكنه اختار الأمة الأميركية (الأنكلوسكسون) مؤبداً، لأنها تستأهل الاختيار، ولأنه وهبها كل ما يلزمها من قوة وثروة لأن تكون "شعب الله" و"فوق كل الشعوب"، إلى الأبد. وتلاحظ الدراسة أنه منذ الفترة الاستعمارية الأولى كان أطفال القديسين يتعلمون أن مسيرة التاريخ التي ترعاها يد الله البريطاني ونعمته أعطتهم دوراً خلاصياً. وكانت هذه الافتراضات تقترن بإيمان قيامي مزدوج الهدف: تجميع يهود العالم في فلسطين للتعجيل بمجيء المسيح، وتدمير قوى الشيطان التي كانت تتمثل يومئذ بالعثمانيين والكاثوليك والهنود الكنعانيين، وبالطبع فقد وجد بعض السياسيين الانكليز في استعمار العالم الجديد فرصة لتحقيق ما عجزوا عن تحقيقه في وطنهم. وبذلك تأكد لهم أن خروجهم من جزيرتهم يضاهي الخروج الأسطوري للعبرانيين من أرض مصر، ولم يساورهم الشك في أخلاقية استعمارهم وحقهم في إبادة الهنود ومقارنة ذلك كله باجتياح العبرانيين لأرض كنعان وتأييد السماء لإبادة أهلها. بالإضافة إلى ذلك فإن أدب المستعمرين الأوائل كله يؤكد هذه القدرية التاريخية التي نالت ذروة إبداعها في سيرة وموعظة جون ونثروب، أول حاكم لمستعمرة ماساشوستس. أما السيرة فوضع لها مؤلفها كوتون ماذر عنوان: "نحميا الأميركي" تأسياً بنحميا الأسطوري الذي قاد الإسرائيليين في "عودتهم" من سبي بابل إلى أرضهم الموعودة، ونظم الكثير من موجات الهجرة من بابل إلى يهودا، وأشرف على انتشال أورشليم من أنقاضها وأعاد بناءها مدينة على جبل. وكانت الأجيال اللاحقة قد صنفت هذا الحاكم مع يعقوب وموسى وداود، غير أن اختيار نحميا، بطل إحياء إسرائيل، هو الذي طغى في النهاية. والواقع أن كل سيرة نحميا الأميركي هي مثال على إصرار المستعمرين الانكليز- إنسان عين الله كما يصفهم ماذر- على التماهي بين تجربتهم في العالم الجديد وما يرويه العهد القديم عن تجربة العبرانيين في العالم القديم، أو بتعبير صموئيل فيشر في "شهادة الحقيقة": "لتكن إسرائيل... المرآة التي نرى وجوهنا فيها". وأما الموعظة فهي التي ألقاها ونثروب في الحجاج على متن السفينة الأسطورية أربيلا، وأكد فيها على العهد الجديد بين الإسرائيليين الجدد وبين يهوه، وعلى الرسالة التي يحملونها إلى مجاهل أرض كنعان الجديدة: "إننا سنجد رب إسرائيل بيننا عندما سيتمكن العشرة منا من منازلة ألف من أعدائنا، وعندما سيعطينا مجده وأبهته، وعندما يتوجب علينا أن نجعل "نيو إنغلاند" مدينة على جبل [وهذا التعبير رمز لأورشليم (ولصهيون أيضاً)، ولا يزال يستخدم إلى الآن للدلالة على المعنى الإسرائيلي لأميركا]. وقد درج آخر أربعة رؤساء على استخدام هذا الرمز في مناسبات مختلفة وهم ريغان وبوش الأب وكلينتون وبوش الابن".(12) ولم يكن الآباء المؤسسون للدولة الأميركية مثل جفرسون، وآدامس، وفرانكلين، وباين- أصحاب الاتجاه العقلاني والمذهب الطبيعي- بأقل حماسة للمعنى الإسرائيلي للأمة الأميركية من الحجاج والقديسين وصموئيل لانغدون. ومعروف أن فرانكلين وجفرسون كليهما أصر على صورة "الخروج الإسرائيلي: من مصر إلى كنعان كمثل أعلى للنضال الأميركي من أجل الحرية. هذه الأخلاق التي ضربت جذورها في عقدة الاختيار وكراهية الكنعانيين، ورافقت بناء أميركا لحظة لحظة وجبهة بعد جبهة، هي التي جعلت "الأميركيين يعتقدون اليوم، كما كان أجدادهم المستعمرون الأوائل يعتقدون قبلهم، بأن لهم الحق المطلق في أن يقتحموا أي غرب" في أي مكان من الأرض. إن ميتافيزياء "اقتحام الغرب" التي نسفت نظام البوصلة وأعدت العصر الذهبي لنظرية البريطاني مالتوس جعلت الغرب الأميركي في كل الجهات وفي كل الأرحام. إنه "الغرب" اللانهائي، اللامكان، وإنه كل مكان. لكن الأهم من هذا إن هؤلاء "الآباء" لم يكتفوا بحمل العقيدة التوراتية على محمل التبشير وحسب. ذلك على أهمية هذا الجانب في توفير المناخ السايكوسوسيولوجي والروحي للمهاجرين. فلقد انبرت النخب المؤسسة إلى بث الروح التوراتية في الدستور الأميركي. واللافت للاهتمام هنا أن وضع الدستور قد شجع على تأصير (توثيق وتثبيت) المعنى الإسرائيلي لأميركا كما كتب رئيس جامعة هارفرد صموئيل لانغدون Samuel Langdon في رائعته "جمهورية الإسرائيليين": نبراس للولايات المتحدة. هذه "الرائعة" التي هي في الأصل خطبة ألقاها في المحكمة العليا- سوف لن يجد قارئها لحظة شك في أنه يقرأ مقاطع من سفر الخروج أو التثنية. بل إن لانغدون فعلاً يفتتح كلامه عن ولادة الدستور بهذا المقطع من سفر التثنية: "لقد علمتكم فرائض وأحكاماً كما أمرني الرب الإلهي لكي تعملوا بها في الأرض التي أنتم داخلون إليها لتتملكوها. فاحفظوا واعملوا، فتلك هي حكمتكم وفطنتكم في عيون الشعوب الذين سيسمعون عن هذه الفرائض ويقولون: ما أعظم هذا الشعب وما أحكمه وأفطنه!...". الواقع- كما يلاحظ صاحب كتاب "أميركا والإبادات الجماعية" إن كل هذه الرائعة إنما هي شرح وتعليق وقياسات تمثيلية بين شريعة موسى والدستور الأميركي، وبين الإسرائيليين والأمة الإسرائيلية. فالدستور مناسبة للتأكيد على وجه الشبه بين ما نزل على موسى من "ألواح" وبين ما نزل على قلب واضعي الدستور. وهي مناسبة للتذكير بأن إسرائيل القديمة والجديدة أمة مختارة، باركها الله قديماً بشريعة ليس لها مثيل، وجعلها "فوق كل الشعوب" نبراساً للعالم عبر كل العصور، ثم أكرمها حديثاً بدستور ليس له مثيل وجعلها "فوق كل الشعوب" مثالاً يُحتذى عبر كل العصور. فإذا تعلم الناس منهم (طريقتهم في الحضارة) رفعوا من شأنهم وإذا استكبروا وأبوا جروا على أنفسهم الدمار والخراب (والأضرار الهامشية) (...) سوف يمضي لانغدون في المقايسة إلى الحد الذي يرى فيه أن تأسيس مجلس الشيوخ ليس إلا استمراراً لما فعله موسى عندما اشتكى إلى يهوه أنه لا يطيق الحكم وحيداً، فأمره باختيار سبعين رجلاً من الحكماء والرتباء. ثم لم يجد لانغدون حرجاً من القول بأن حكومة موسى كانت "جمهورية" وقائمة على المبادئ الجمهورية، وأن قبائل إسرائيل كانت تحكمها حكومات لامركزية لا تختلف عن الحكومة المحلية للولايات المتحدة(13). الفيزياء الأميركية المقدسة وفقاً للإيديولوجيا المؤسسة للسلوك الأميركي، سوف لن يكون أمراً مفارقاً، أن يُرى إلى إسرائيل اليوم، كفيزياء أميركية مقدسة. ولئن كان المعنى الإسرائيلي لأميركا داخلاً في التاريخ السياسي الممتد منذ المهاجرين الأوائل قبل أكثر من ثلاثة قرون، فهو يرقى إلى مراتبه القصوى لدى المحافظين الجدد في مستهل القرن الحادي والعشرين. سوف يعلن أميركيون كثر، ومن بينهم المحرر السابق في صحيفة "وول ستريت جورنال "ماكس بوت" أن العلاقة الحميمة مع إسرائيل تبقى العقيدة الأساسية للمحافظين الجدد، معتبراً أن استراتيجية الأمن القومي لدى الرئيس جورج دبليو بوش تبدو وكأنها جاءت مباشرة من صفحات الـCommentary توراة المحافظين الجدد. لكن ستانلي هوفمان الأستاذ في جامعة هارفرد والكاتب في "نيوريبابليك" يمضي إلى الكلام عن أربعة مراكز قوة كلها تدعو إلى الحرب واستعمال القوة ضد من لا يوافق العقيدة السياسية والأمنية للولايات المتحدة. ويشير إلى أن هؤلاء وخصوصاً أولئك الذين يتحلقون حول الرئيس وأبرزهم ريتشارد بيرل وبول وولفيتز وكونداليزا رايس ورونالد رامسفيلد وديك تشيني وسواهم ينظرون إلى السياسة الخارجية عبر عدسة مهيمنة واحدة: هل الأمر مناسب لإسرائيل أم لا؟ ومنذ نشأة إسرائيل في العام 1948 لم يكن لأصحاب هذا التفكير أن يشكلوا غالبية طاغية في الخارجية، ولكنهم اليوم في أفضل الأوضاع في البنتاغون عبر أشخاص مثل وولفتيز وبيرل ودوغلاس فايث.(14) من هم هؤلاء "المحافظون الجدد" الذين بلغوا السلطة العليا في الولايات المتحدة ليبدؤوا بإنجاز تلك المطابقة النادرة والاستثنائية بين أميركا وإسرائيل بوصفها معنى واحداً وجوهراً واحداً؟ يبين الكاتب الأميركي باتريك بوكانان أن الجيل الأول منهم ضم الليبراليين السابقين، بالإضافة إلى الاشتراكيين والتروتسكين، وكذلك المجموعات الآتية من ثورة ماكغوفرن عبر نهاية مرحلة المحافظين، وانتقلت بعد مسار طويل إلى السلطة مع مجيء رونالد ريغان إلى البيت الأبيض في العام 1980. وفي هذا الموضوع سبق لكيفن فيلبس أن عُرّف بـ:"المحافظ الجديد" آنذاك وبأنه "محرر في مجلة أكثر مما هو عامل بناء". أما اليوم فيمكن التعريف به بأنه من الأعضاء المقيمين في مؤسسات السياسة العامة مثل "مؤسسة المشاريع الأميركية" (AE) أو إحدى توابعها مثل "مركز سياسة الأمن"، أو "المؤسسة اليهودية لشؤون الأمن القومي" (JINSA). إنه باختصار من الأشخاص الذين يعملون عن كثب مع مجموعات وضع الأفكار والخطط. لم يأت أحد، تقريباً، من هؤلاء من عالم الأعمال أو القوات المسلحة، وبعضهم القليل من أعضاء حملة "غولدوتر". وهم يستشهدون عادة بأبطال من أمثال ودرو ولسون وهاري ترومن ومارتن لوثر كينغ، فضلاً عن الشيوخ الديمقراطيين مثل هنري سكوب جاكسون وبات موينيهان وغيرهما. وهم جميعاً من أنصار سياسة التدخل في شؤون الدول الأخرى، وينظرون إلى عامل دعم إسرائيل على أنه عنصر بالغ الأهمية. ومن نجومهم في هذا المجال جان كيكباتريك، بيل بينيت، مايكل نوفاك وجايمس. ك. ولسون. أما منشورات المحافظين الجدد فتشمل الـ"ويكلي ستاندرد"، والآنف ذكرها "كومنتاري"، والـ"نيويورك ريبابليك"، و"ناشونال ريفيو"، وكذلك صفحة المحرر في "وول ستريت جورنال". وهي على قلة عددها تبقى واسعة النفوذ عبر سيطرتها على مؤسسات المحافظين ومجلاتهم. فضلاً عن قوة الارتباط بالنقابات الصحافية ومراكز القوى. المهم في الأمر لدى هؤلاء هو أنهم يجاهرون بفلسفتهم التوراتية وبضرورة صون "المقدس الإسرائيلي" أياً تكن تبعات التمرين على هذه الفلسفة. ولسوف يمضي عدد من رموز التيار الجديد والمحافظين إلى وضع إسرائيل في مقام يتجاوز كونها "فيزياء سياسية أمنية ينبغي صون حياضها المقدس. بل إن بعض رؤى هذه الرموز يبلغ درجة لافتة في شغفه بالكينونة الإسرائيلية إلى حد جعل الحروب مفتوحة وممتدة على العالمين العربي والإسلامي، وخصوصاً على البلاد المحيطة بها. ولو شئنا أن نعطي توصيفاً لهذا الشغف لقلنا إن أصحاب هذه الرؤية المؤثرة والحاسمة في السياسات الأميركية العليا، أرادوا لإسرائيل أن تؤلف نقطة جيو-استراتيجية شديدة الحساسية في الدائرة الكبرى للأمن القومي الأميركي. وثمة من الأمثلة الدالة على هذه الرؤية الكثير. ومن الشواهد المتأخرة أنه في العاشر من تموز (يوليو) 2002 بادر ريتشارد بيرل الذي استقال من منصبه المهم في وزارة الدفاع خلال الحرب على العراق، إلى دعوة أحد دعاة المعنى الإسرائيلي لأميركا المدعو لوران مورافيك لإلقاء محاضرة أمام "مجلس سياسة الدفاع" أثارت يومها روع هنري كيسينجر (تصوروا!).. حين عمد المحاضر إلى نعت السعودية بأنها جوهر الشك والمحرك الأول له، وأكثر الأعداء خطراً.. واعتبر مورافيك أن "على واشنطن توجيه إنذار للسعودية بموجب "محاكمة الضالعين في الإرهاب أو عزلهم، بمن فيهم رجال المخابرات السعوديين"، مع إنهاء كل الحملات ضد إسرائيل، وإلا فإننا سنغزو بلادكم ونصادر حقول نفطكم ونحتل مكة."... وفي ختام محاضرته قدم مورافيك تصوره لـ"الاستراتيجية الكبرى في الشرق الأوسط". وجاءت حصيلته مطالعته العصماء بهذه المعادلة: العراق محور تكتيكي، والسعودية محور استراتيجي، ومصر هي الجائزة. ولكن التسريبات عن هذا التقرير لم تشر إلى أن أياً من الحاضرين طرح السؤال عن ردة فعل المسلمين إذا دخلت الجيوش الأميركية إلى الأراضي المقدسة. ما يريده هؤلاء المحافظون الجدد- على ما يلاحظ باتريك بوكانان في كثير من المرارة- هو تجنيد الدم الأميركي لجعل العالم أكثر أماناً بالنسبة لإسرائيل. إنهم يريدون فرض سلام السيف على المسلمين، وأن يموت الجنود الأميركيون أثناء ذلك إذا لزم الأمر. محرر الـ"واشنطن تايمز" أرنولد بوركغريف وصف ذلك بأنه "قانون بوش- شارون.. حيث ليكوديو واشنطن يتولون سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط منذ أن أقسم بوش يمين الولاء في الرئاسة الأميركية". المحافظون الجدد يريدون امبراطورية أميركية، والشارونيون يريدون السيطرة على الشرق الأوسط، والمشروعان يتلاقيان بدقة. وعلى الرغم من إصرار المحافظين الجدد على أن الـ11 من أيلول أطلق شرارة الحرب على العراق وأنصار الإسلام فإن جذور هذه الحرب وخططها تعود إلى ما قبل ذلك بكثير.(15) استراتيجية لحماية المملكة! في العام 1996 سيخطو التيار المتصهين في الفكر السياسي الأميركي خطوة استثنائية فقد أعدت مؤسسة الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة الأميركية تقريراً بعنوان: "إستراتيجيا جديدة لإسرائيل في العام 2000" وتنبثق الأفكار الأساسية للتقرير من نقاش شارك فيه صانعو رأي بارزون بمن فيهم ريتشارد بيرل وجايمس كولبرت وتشارلز فيربانكس ودوغلاس فايث وروبرت لوينبرغ ودايفيد ززرمسر وغيرهم. المهم أن المهندس الأساسي للتقرير هو ريتشارد بيرل، مساعد السيناتور سكوب جونسون في ذلك الوقت، علماً أن هذا الأخير كان في العام 1970 خضع لاستجواب حول تسريب أشرطة تحمل معلومات سرية إلى السفارة الإسرائيلية في واشنطن. وفي العام 1974 كتب ستيفن د.اسحق في "السياسات اليهودية والأميركية" أن بيرل وموريس زميتاي يقودان جيشاً صغيراً من أنصار السامية في كابيتول هيل، ومهمتهم توظيف القوى اليهودية وتوجيهها لتحقيق المصالح اليهودية". وفي العام 1983 قالت الـ"نيويورك تايمز" إن بيرل نال مبلغاً كبيراً من مصنع سلاح إسرائيلي. وتحت عنوان "انطلاقة نظيفة: استراتيجية جديدة لتأمين المملكة" قُدم التقرير المشار إليه إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتنياهو. وفيما يحث هؤلاء "نتنياهو" على دفن اتفاقيات أوسلو التي كان أنجزها زعيم "العمل" الراحل اسحق رابين، وذلك بهدف اعتماد استراتيجية جديدة أكثر شراسة: "تستطيع إسرائيل تشكيل محيطها الاستراتيجي، بالتعاون مع تركيا والأردن، وذلك عبر إضعاف سوريا واحتوائها، أو حتى دحرها. ويمكن تركيز الجهد على إطاحة صدام حسين في العراق. وهو هدف استراتيجي بالنسبة لإسرائيل- وذلك من أجل إحباط الطموح السوري في المنطقة. ومؤخراً تحدى الأردن الطموح السوري عبر طرحه عودة العرش الهاشمي إلى العراق". في استراتيجية بيرل ورفاقه تبقى سوريا هي العدو بالنسبة لإسرائيل، ولكن طريق دمشق تمر في بغداد. وإذا كانت الخطة تشجع إسرائيل على اعتماد "مبدأ الاستباق"، فإن المبدأ عينه بات الآن مفروضاً على الولايات المتحدة بواسطة المجموعة عينها. وفي العام 1997 قال بيرل في ورقة وضعها تحت عنوان "استراتيجية من أجل إسرائيل" إن على تل أبيب إعادة احتلال "المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية.. حتى لو جاء الثمن بالدم مرتفعاً". من جانبه وضع ورمسر خطط حرب مشتركة لإسرائيل والولايات المتحدة "لتوجيه ضربة حاسمة إلى مراكز الأصولية في الشرق الأوسط. ويجب على إسرائيل والولايات المتحدة التوسع في الضربة بما يتجاوز مجرد نزع السلاح إلى القضاء الكلي على مراكز الأصولية في أنظمة دمشق وبغداد وطرابلس وطهران وغزة. وسيكون من شأن ذلك تكوين قناعة شاملة بأن محاربة الولايات المتحدة أو إسرائيل هو انتحار". وهو دعا البلدين إلى الانتباه للأزمات معتبراً أنها "قد تكون فرصاً". وقد نشر ورمسر خططه المذكورة في أول كانون الثاني من العام 2001، أي قبل تسعة أشهر من الـ11 من أيلول. وكان للكاتب مايكل ليند أن يتحدث عن عصبة بيرل، فايث ورمسر بقوله: "إن اليمين الصهيوني الذي ينتمي إليه بيرل وفايث وعلى الرغم من قلته العددية، فإنه يتمتع بنفوذ كبير في دوائر صنع القرار مع الجمهوريين. إنها ظاهرة تعود إلى السبعينات والثمانينات حين عمد عدد من المفكرين اليهود الديمقراطيين إلى الالتحاق بتحالف ريغان. وإذا كان العديد من هؤلاء الصقور يتحدثون علناً عن حملات صليبية من أجل الديمقراطية، فإن الهم الأساسي لدى عدد من المحافظين الجدد هو السلطة وسمعة إسرائيل".(16) وعلى الرغم من غلبة هذا التيار وسيادته على مركز القرار في الولايات المتحدة، فثمة من الخبراء الأميركيين من يطلق صرخته من سوء العاقبة المنتظرة بسبب من العمى الإيديولوجي الذي يسيطر على السياسات الأميركية في الشرق الأوسط والعالم. دعونا نقرأ أخيراً ما ختم به باتريك بوكانان مقالته المستفيضة حول الوقائع الدراماتيكية التي جعلت الإدارة الأميركية في عهد بوش الابن تؤول من آخرها إلى الزاوية اليهودية الحادة: إن الرئيس بوش تحت الإنذار: فإذا مارس الضغط على إسرائيل لمبادلة الأرض بالسلام، وهي معادلة أوسلو التي وضعها أبوه واسحق رابين، فسوف يتهم بمعاداة السامية، كما كانت حال أبيه، كما باتباع أسلوب ميونيخ، وذلك من قِبَل الإسرائيليين ومعهم المحافظون الجدد الموجودون داخل خيمته". وإذا لم يتخل بوش عن شارون فلن يكون هناك سلام. ومن دون سلام في الشرق الأوسط لن نحصل على أمننا أبداً لأن الإرهاب لن ينتهي. يضيف: "إن أي دبلوماسي أو صحافي يزور الشرق الأوسط سوف يربط فشل أميركا في تطبيق السياسة المعتدلة بفشلها في لجم شارون، وفشلنا في إدانة استخدام إسرائيل العنف المفرط، وتآمرنا الخلقي مع إسرائيل في سلب أراضي الفلسطينيين وحرمانهم حقهم في تقرير المصير، الأمر الذي سيكون من شأنه تعزيز العداء للأميركيين في العالم الإسلامي الذي ينمو فيه الإرهاب والإرهابيون. دعونا نستنتج ونستخلص يقول بوكانان: الإسرائيليون أصدقاء أميركا ولهم الحق في السلام والحدود الآمنة، وعلينا مساعدتهم في تحقيق ذلك. نحن كأمة لدينا التزام خلقي دعمه أكثر من ستة رؤساء ويدعمه الأميركيون، وهو عدم ترك هذا الشعب، الذي طالما عانى الكثير، يتعرض لرؤية بلاده تدمر، وسوف نفي بالتزامنا. لكن المصالح الإسرائيلية والأميركية- حسب رؤية بوكانان النقدية- ليست شيئاً واحداً، فقد خدعت إسرائيل أميركا مرات عديدة على امتداد نصف قرن. أبرزها ما قام به عملاء الموساد في الخمسينات حين فجروا منشآت أميركية لجعل الأمر يبدو من فعل المصريين ومنها في مرحلة متأخرة عندما كلف جوناثان بولارد بسرقة أسرارها النووية. ثم يخلص بوكانان إلى القول أنه على الرغم من أننا كررنا مراراً أننا نقدر الكثير مما حققه هذا الرئيس فإنه لن يستحق إعادة انتخابه إذا لم يتخلص من عبء المحافظين الجدد وبرنامجهم المتضمن لحروب لا تنتهي على العالم الإسلامي، وهو الأمر الذي لا يخدم إلا مصالح دولة هي غير الدولة التي كان انتُخب للحفاظ على مصالحها.(17) لم يكن ابتعاث "العصب الإسرائيلي" لأميركا في زمن المحافظين الجدد، إلا لتأكيد الميتافيزيقا التاريخية التي رست عليها المقولة الأميركية. وهذا "العصب" الذي يمنح لأميركا معناها الإسرائيلي، مربوط بحبل وثيق إلى سلسلة غير متناهية من المفاهيم التي تؤول على الإجمال إلى إعادة إنتاج عقيدة الفرادة، أو ما يرسخ خرافة النوع الأميركي النادر. لقد ذهب المسؤول السابق في البنتاغون مايكل ليدين إلى تسويغ مذهب القوة اللامتناهية، حتى ولو أدى الأمر بالولايات المتحدة إلى أن تقوم كل عشر سنوات باختيار بلد صغير تضرب به عرض الحائط، وتدمره، وذلك لغاية وحيدة وحسب وهي أن تظهر للجميع أنها جادة في أقوالها. وينطلق ليدين من نظرية أن "الاستقرار مهمة لا تستحق الجهد الأميركي" ليحدد بالتالي "المهمة التاريخية" الحقيقية لأميركا فيقول: "التدمير الخلاق هو اسمنا الثاني (Name Middle) في الداخل كما في الخارج. فنحن نمزق يومياً الأنماط القديمة في الأعمال والعلوم، كما في الآداب والعمارة والسينما والسياسة والقانون. لقد كره أعداؤنا دائماً هذه الطاقة المتدفقة والخلاقة التي طالما هددت تقاليدهم (مهما كانت) وأشعرتهم بالخجل لعدم قدرتهم على التقدم.. علينا تدميرهم كي نسير قدماً بمهمتنا التاريخية". إنها إذاً، إيديولوجيا الحرب من أجل الحرب، ما دامت الهيمنة وشغف السيطرة يحكمان الميتافيزيقا السياسية لأميركا مع بداية السنوات الأول للقرن الحادي والعشرين، ومن المنطقي أن القول أنه إذا كان الكمال الأميركي بالهيمنة المطلقة على العالم فذلك ما لا فرصة موفورة لتحقيقه في عالم دخل في سيرورة غير متناهية من عدم الاستقرار فإن منطق الهيمنة يفترض إثارة المزيد من أهلة (جمع هلال) الأزمات ليتسنى لإيديولوجيا القوة المفرطة أن تواصل ديناميتها بلا وازع. وإذا كان الاستقرار مهمة لا تستحق عناء الأميركيين كما يقرر "ليدين" فإن حاصل هذا السلوك هو المضي بعيداً في صناعة الحروب والأزمات. وهو أمر يفترض عناء ومشقة من نوع آخر لدى صناع القرار في الولايات المتحدة. أي الاهتمام ليس بالسؤال عما إذا كان يجب إحداث اهتزازات في الاستقرار الذي يسود الجيوبوليتيكا المقصودة بالهيمنة، وإنما بالسؤال عن الكيفية التي ينبغي اعتمادها لنزع الاستقرار وإشاعة الفوضى.. أما سؤالنا، الذي يدنو من كونه سؤالاً فلسفياً، هو ذاك الذي وجده الفيلسوف الانكليزي توماس هوبز حين رأى إلى الدولة بأنها حيوان أسطوري مقدس، وبأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان". هل يكون إنسان القرن الحادي والعشرين "إنساناً هوبزياً، أي مغلولاً بـ"ذئبية" سياسية وأمنية وثقافية واقتصادية لا حدود لضراوتها؟ ذلكم هو السؤال الكبير الذي ولد كجبل في مستهل القرن الجاري. والقلق الذي يساورنا نحن الآن في شبه القارة العربية الإسلامية هو نفسه الذي يمسك بالنفس الأوروبية المتعبة والغاضبة. في نهاية كتابه "أميركا التوتاليتارية" يستعيد الكاتب الفرنسي ميشال بوغنون- موران(18) صوت الفيلسوف جان- ماري بنوا الذي طالب أمم أوروبا منذ الستينات بـ"ألا ننام وألا نتقبل الانخفاض إلى حالة مستهلكين شبعانين، ومنتجين مستغلين ومبهورين في آن. كان "بنوا" يوصي بالمقاومة وبألا نعود مخدوعين بواقع العالم. وكان يتساءل: "بأي حق سنعتبر أنفسنا أننا مقدورون، بقدر محتوم، لكي نتقاسم إيديولوجيا الطريق الأميركية في الحياة، وباسم أي أمر من القدر سنرى فيهم مستقبل مجتمعنا؟ المقصود مما قال بنوا، هو ألا ننسى أبداً أن أية شريحة من البشر لا تملك صيغاً يمكن تطبيقها على الكل، وأن بشرية مذابة في نمط معيشي وحيد هي بشرية لا يمكن تصورها، لأنها ستكون بشرية عظيمة"... لكن بوغنون سيدعو- ومعه الكثيرون من نخب الغرب الغاضبة والمحتجة على أحوالها- أميركا وأوروبا والبشرية أجمعين إلى رفض تحجير العالم... بقي اليقين في التساؤل عما إذا كانت دعوة كهذه، تفترض بادئ بدء أن تستيقظ الإيديولوجيا الجديدة من جنونها المفرط.. مراجع وإحالات: (1)-لويس هـ.لافام- روما الأميركية- عن نظرية الامبراطورية الفاضلة- نقله إلى العربية شادي عمران بطاح- في إطار ملف أعدته "مجلة الثقافة العالمية" الكويت- بعنوان "طبيعة الدولة الفاشلة"- العدد 117- مارس (إبريل) 2003. (2)-لافام- المصدر نفسه. (3)-لافام- المصدر نفسه. (4)-ميشال بوغنون- موردان- أميركا التوتاليتارية- الولايات المتحدة والعالم إلى أين؟- تعريب د.خليل أحمد خليل- دار الساقي- الطبعة الأولى 2002 (ص 245). (5)-المصدر نفسه- (ص 243). (6)-المصدر نفسه- (ص 246). (7)-المصدر نفسه- (ص 244). (8)-The National Interest- 2001. (9)-محمد حسنين هيكل- الامبراطورية على الطريقة الأميركية- "وجهات نظر" القاهرة- العدد الخمسون- السنة الخامسة- مارس (آذار) 2003. (10)-هيكل- المصدر نفسه. (11)-منير العكش- "أميركا والإبادات الجماعية"- رياض الريس للكتب والنشر- بيروت 2002 (ص 123-124). (12)-العكش- المصدر نفسه (ص 131). (13)-العكش- المصدر نفسه (130). (14)-Patrick Bucanan. The American Conservative March 24, 2003. (15)-انظر أيضاً باتريك بوكانان، برنامج المحافظين الجدد- "المستقبل"- الجمعة 11 نيسان (أبريل) 2003. (16)-المصدر نفسه. (17)-المصدر نفسه. (18)-ميشال بوغنون- موردان- مصدر سبق ذكره (ص 262). * باحث في الفكر السياسي ، رئيس مركز دلتا للصحافة والأبحاث. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |