مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد السابع عشر السنة الخامسة خريف - شتاء 2002
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

الانزلاق الاستراتيجي الأمريكي بين حالتي العراق وكوريا الديمقراطية ـــ د.خير الدين عبد الرحمن

سواء اعتمدنا تعريف المفكر الصيني القديم صن تزو للاستراتيجيا بأنها "فن إخضاع الخصم" مع مراعاة أن الهدف الأمثل ليس أن تحارب عدوك لتقهره وإنما هو أن تحطم مقاومته بلا قتال، أو اعتمدنا تعريف كلاوتزفيتز بأنها "فن فرض الإرادة" على الخصم بحيث تفرض نفسك وأولوية مصالحك على تفكيره وعلى أسلوب حياته ووجوده لتستفيد من ثرواته ومهاراته وجهوده، أو تعريف البروفسور جان بول شارتاي مدير مركز دراسات الاستراتيجيات في جامعة السوربون الفرنسية بأنها الوظيفة التي تتحكم بحدة النفي أو التحالف أو الاتحاد الذي نريد ممارسته مع عدو أو خصم أو حليف، فإن نجاح الاستراتيجيا يرتبط بمدى حرصها على تجنب التقوقع في نماذج مسبقة الصنع. فعلى الرغم من أن جوهر الاستراتيجيا يظل ثابتاً، وهو أن إرادة البقاء تظل ثابتة، فإن تغير ظروف المكان والزمان والإنسان والتقانة يفرض تغييرات في مظاهر الاستراتيجيا وأساليبها. لكن سلامة هذا التغيير وجدواه وفعاليته مرتبطة بتلاؤمه أساساً مع ما اصطلح على تسميته اتجاه التاريخ.

تحدث البروفيسور جون إيكنبري، أستاذ الجغرافيا السياسية والعدالة العالمية في جامعة جورج تاون الأمريكية في مقالة عنوانها "الطموح الإمبريالي الأمريكي" (1) عن انقلاب في العلاقات الدولية أحدثته الولايات المتحدة الأمريكية استناداً إلى قوتها العسكرية الفائقة وتقدمها التكنولوجي وقدراتها الاقتصادية الهائلة، بحيث راحت تملي شروطها ورغباتها ونزواتها على باقي أمم العالم متصرفة كسيدة الكون. وتهدف الاستراتيجيا العليا الحالية للولايات المتحدة إلى إعادة صياغة النظام العالمي الراهن أحادي القطبية بحيث يتكرس حق الولايات المتحدة في شن حروب استباقية أو وقائية، دون اكتراث بالقانون الدولي والقواعد والمعايير السائدة للعلاقات الدولية في العالم، وتتكرس سيادة مطلقة للولايات المتحدة في مقابل تقليص وتقييد سيادة كافة دول العالم الأخرى، ويجري تمرير هذا تحت غطاء صخب وضجيج الحديث عن الحرب ضد الإرهاب وغزو العراق. توقع جون إيكنبري أن تؤدي هذه السياسة الأمريكية إلى عالم أكثر انقساماً وعداءً وفوضى.

لقد شدد الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في التقرير الذي قدمه يوم 20/9/2002 إلى الكونجرس، والذي اعتبر إعلاناً استراتيجياً خطيراً عن تدشين الإمبراطورية الأمريكية العالمية، على أن الأوضاع الراهنة ملائمة تماماً للولايات المتحدة من أجل استخدام قدراتها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية لفرض خياراتها وإرادتها على العالم في ظل ضعف الآخرين وعجز أية دولة أو مجموعة دول في الوقت الحاضر عن مجابهة القوة العظمى الأمريكية وقد شرح الرئيس بوش في الوثيقة الطويلة التي جعل عنوانها "استراتيجية الولايات المتحدة للأمن القومي" (2) عناصر التفوق العالمي الراهن المطلق للولايات المتحدة، إذ تتمتع بقوة عسكرية طاغية غير مسبوقة ونفوذ اقتصادي وسياسي عظيم، ليؤكد أن الولايات المتحدة "لن تسمح لأية دولة مهما كانت بتحدي هذا الوضع، وستظل قواتنا المسلحة تتمتع بقدرة كافية لتثبط أي جهد لخصومنا يسعى إلى بناء قوة عسكرية طامحة لموازاة القوة العسكرية للولايات المتحدة أو التفوق عليها" كما تحدثت الوثيقة عن الحرب ضد الإرهابيين "التي تختلف عن أية حرب أخرى في تاريخنا" متعهداً بشدة "إننا سندمر المنظمات الإرهابية.. ويجب أن لا نسمح للإرهابيين بإقامة قواعد لهم في بلدان جديدة".

أما عن التعامل مع القانون الدولي ومؤسساته ومسألة سيادة الدول فقد قالت الوثيقة: "لن نتردد في التحرك بشكل منفرد لو تطلب الأمر لممارسة حقنا في الدفاع عن أنفسنا من خلال توجيه ضربات وقائية.. إن أمريكا ستتحرك في مواجهة تلك التهديدات المتنامية قبل أن تتحقق..". مزج الرئيس بوش في الاستراتيجيا الأمنية الجديدة للولايات المتحدة بين ما أسماه دولاً مارقة صنفها في معسكر شر، وإرهاب دولي لم تستطع الولايات المتحدة إقناع العالم بتعريف محدد له، وإنما رضخت للقوى الصهيونية التي جعلت كل من يرفض احتلالها ونفوذها وهيمنتها وبطشها إرهابياً، ولو كان ضحية واضحة للاغتصاب والإرهاب والاحتلال الصهيوني، الأمر الذي انسحب على كل شعب يقاوم الاحتلال الأجنبي أو قمع وهيمنة جهة خارجية في أي مكان من العالم، بحيث تعد بوش بمحاربته ومحاربة الدول والأفراد والمؤسسات والجماعات التي تمول ما اعتبره إرهاباً أو توفر له ملجأ أو معبراً أو منبراً. لم يكن اصطلاح الدول المارقة أو الخارجة عن القانون جديداً، فقد تحدثت دراسة استراتيجية أمريكية أعدت سنة 1995 عن "انتقال سياسة الردع الأمريكية إلى الدول المارقة ممثلة بالعراق وليبيا وكوبا وكوريا الشمالية"، وعن ضرورة أن تستغل الولايات المتحدة ترسانتها النووية لإظهار أنها الدولة المنتقمة باعتبارها إحدى الضرورات الأساسية للردع في مرحلة ما بعد الحرب الباردة Essentials of Post Cold War Deterrence ، وقد شرح نعوم تشومسكي في كتاب له عن هذا الموضوع (3) كيف أن الولايات المتحدة لا تكترث بالأمم المتحدة والقانون الدولي، وتتنصل من التزاماتها الدولية ومن العديد من المعاهدات الدولية التي سبق أن وقعتها، بما يجعلها "الدولة المارقة الأولى في العالم" تستخدم ذرائع متعددة لوصم الدول التي تخالفها الرأي أو الموقف بالمارقة.

كما أن التهديد باستخدام القوة الطاغية لفرض إرادة ومصالح الولايات المتحدة ليس جديداً أيضاً، كما قال المؤرخ العسكري البريطاني البارز مايكل هوارد Michael Howard في كتابه الجديد "اختراع السلام "The invention of Peace" إذ أكد أن "العنف أمريكي بقدر ما هي فطيرة التفاح حلوى أمريكية"، وهذا العنف الأمريكي يتفوق في تأصله وجذريته على مستوى ولع المجتمعات البشرية الفطري بالحرب والقتال، وعلى ما كرسته الحروب في التاريخ الأوربي التي جعلت من إدامة السلام أو إطالة أمد فتراته الخاطفة مجرد وهم وسراب، والتي أكدت أن "الطريق إلى الحرب سهلة، ولكن الطريق إلى السلام شاقة وعسيرة جداً".

حذر ماكس بوت Max Boot لدى تناوله الدور "الإمبراطوري" للولايات المتحدة في كتابه الجديد "حروب السلام المتوحشة The Savage Wars of Peace: Small Wars and the Rise of American Power" الذي استعرض فيه حروب الولايات المتحدة وغزواتها العسكرية وإقامتها القواعد الخارجية لقواتها خلال مائتي سنة، بدءاً من الإنزال الذي قامت به البحرية الأمريكية سنة 1805 على شاطئ طرابلس، عاصمة ليبيا، مقرراً أن الولايات المتحدة تصرفت باستمرار خلال القرنين الماضيين كدولة إمبريالية، حتى لو لم تشأ هذا، ومشدداً على ضرورة أن يفكر الأمريكيون دائماً بعقلية شرسة ودموية، حيث "إذا ما كانت الولايات المتحدة غير قادرة على تبني موقف شبيه بموقف بريطانيا المتسم بالشراسة والدموية عندما كانت إمبراطورية فليس من حقها التفكير في القيام بدور إمبريالي وتكريس إمبراطورية أمريكية". لقد أطلق روبرت كاغان Kagan، أحد أبرز مفكري "اليمين المسيحي الجديد المحافظ" المهيمن على الإدارة الأمريكية الحالية نظرية تلت نظرية "نهاية التاريخ" عند نموذج نهائي هو النموذج الأمريكي، ونظرية "صراع الحضارات" التي أطلقها الأكاديمي الصهيوني صمويل هنتنجتون، المستشار الحالي لإدارة الرئيس بوش، والتي أثبت عشرات المفكرين والباحثين الأمريكيين مؤخراً أن إطلاقها كان متعمداً للتمهيد لتفجير حرب الغرب بقيادة الولايات المتحدة ضد الإسلام والمسلمين. بل إن الحملة الشرسة المتصاعدة في الولايات المتحدة –والغرب عموماً- التي تحرض ضد الإسلام والمسلمين على امتداد العالم، وتدعو إلى سحق الدول الإسلامية ودحر الإسلام وتغيير تعاليمه وإعادة صياغة أفكار أتباعه وسلوكهم قد أخذت أبعاداً جديدة غير مسبوقة، فبعد التهجم بألفاظ مقذعة على القرآن الكريم وعلى النبي محمد e والدعوة إلى طرد المسلمين من الولايات المتحدة والدول الأوربية وأستراليا، ومصادرة أموال الدول الإسلامية ومواطنيها، ووضع اليد بالقوة على حقول النفط ومصادر الثروة في البلدان الإسلامية على نحو ما فعل جيمس سوغارت وبات روبرتسون ومئات سواهما، أخذ آخرون على الرئيس بوش وبعض مسؤولي إدارته نفيهم ارتباط الحرب التي أعلنت الولايات شنها ضد الإرهاب بالإسلام والمسلمين، وطالبوا "بالمجاهرة بأن الحرب على الإرهاب هي بوضوح وبشكل حاسم لا يقبل التباساً حرب على الإسلام والمسلمين كحضارة ودين وثقافة ومجتمعات ودول "كما شدد إليوت كوهين، الأستاذ في كلية جون هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة في واشنطن وكينيث أديلمان عضو مجلس السياسة الاستشاري لوزارة الدفاع الأمريكية، وشدد صهاينة أمريكيون آخرون أن "الإسلام كان معادياً للغرب قبل أن تظهر إسرائيل إلى الوجود، وبالتالي لا علاقة للصراع العربي – الإسرائيلي بالصراع الجذري بين الإسلام والغرب"، مما جعل بعض الأصوات الأمريكية العاقلة غير الخاضعة للتوجيه الصهيوني تحذر – على نحو ما فعل ويليام بفاف – من إذكاء نيران حرب يشنها الغرب بقيادة الولايات المتحدة ضد الإسلام والمسلمين في العالم، إذ إن "الحروب الثقافية والدينية عادة ما تستمر إلى ما لانهاية، لأنها حروب غير قابلة للتفاوض أو للحل في جوهرها... [وأنه] عندما يتم النظر إلى المسلمين على أنهم أعداء لأوربا وأمريكا لمجرد كونهم مسلمين، ويتم النظر إلى الغرب على أنه عدو الإسلام واللدود لمجرد أنه غرب، فإن ذلك يعني أن الجميع قد فقدوا السيطرة على مستقبلهم" (4). شددت نظرية كاغان الجديدة على أن الشروخ تتزايد بين الولايات المتحدة وأوربا نتيجة فجوة قوة حقيقية بنيوية تتعلق باختلافات عميقة في الثقافة الاستراتيجية للطرفين على نحو لا يسمح بتحاشي تصادمهما. فازدياد فجوة القوة بين الطرفين يزيد في تصعيد وتفعيل خلافات الطرفين، إضافة إلى اختلاف رؤية كل منهما إلى دور القوة في العلاقات الدولية، فبينما تتمثل أوربا تاريخها المليء بالحروب والدمار في تركيزها وتأكيدها على قيم ومؤسسات التعاون الدولي والبناء المشترك، تشعر الولايات المتحدة أن قوتها العسكرية الساحقة توفر لها فرصة لإعادة صياغة العالم بما ينسجم مع قيمها ومصالحها عبر استخدام هذه القوة العسكرية ردعاً وعملاً. وبهذا أسقطت وحدانية مفهوم الغرب الثقافي، حيث لم تعد هناك أرضية ثقافية كافية يقف عليها الغرب بشقيه على جانبي الأطلسي بعد انتهاء الحرب الباردة التي اضطرتهما إلى تجاوز تناقضات وخلافات جوهرية وجذرية، ناهيك عن تناقضهما الثقافي معاً إزاء اليابان التي جرى تصنيفها ضمن المعسكر الغربي منذ احتلتها القوات الأمريكية وفرضت عليها سياسات وبرامج وقيم ومواقف تناسب الولايات المتحدة.

تسقط نظرية كاغان وحدانية الغرب بالمفهوم الاستراتيجي أيضاً. لا بالمفهوم الثقافي فقط. إذ تشدد على اتهام أوربا بالضعف والنزعة الاستسلامية. وتعتبر أن فشل أوربا في القيام بمسؤولياتها الاستراتيجية قد وسع وعزز الفجوة السياسية والقيمية والمجتمعية والعسكرية والاقتصادية بينها وبين الولايات المتحدة. وأنه اضطر الولايات المتحدة أيضاً إلى التفرد بدور أحادي يتولى إدارة العالم وإعادة صياغته. وفي هذا السياق شهد المذهب العسكري الأمريكي تحولاً جذرياً من الدفاع إلى الهجوم، من الردع والاحتواء إلى الضربة الإجهاضية أو الوقائية، فيما سمي تدخلاً "دفاعياً"، وهو هنا استباحة لأي بلد آخر تتستر بالدفاع [يشدد هذا المذهب، والفلسفة التي يرتكز إليها، على الأحادية الأمريكية الحادة كسياسة محورية في العلاقات الدولية، بحيث تحتكر الولايات المتحدة قواعد السلوكيات والتعامل الدولية التي تقبل بها أو ترفضها، متجاوزة ما استقر في إطار التوافقات والإجماعات التي شكلت الشرعية الدولية، وموازية لها في باقي الحالات] وقد أضفت الفجوة الهائلة في القوة العسكرية بين الولايات المتحدة وسائر دول العالم الأخرى شعور الثقة بالذات لدى الولايات المتحدة كما يسميه بول كينيدي، أو الغطرسة وجنون العظمة وفقاً لكثير سواه، إذ بلغت ميزانيتها العسكرية للعام 2003 مثلاً 400 مليار دولار، أي ما يساوي الموازنات العسكرية مجتمعة للخمس عشرة قوة التي تأتي بعد الولايات المتحدة. وإلى جانب الهيمنة العسكرية هناك أيضاً الهيمنة على الاقتصاد العالمي، فحجم الاقتصاد الأميركي يوازي مرتين حجم الاقتصاد الياباني المنافس له. وثالثاً هناك النظرة العقائدية المسيحانية إلى العالم وهي نظرة قائمة على ثنائية الخير والشر، وتعتبر الولايات المتحدة نفسها ذات رسالة عالمية في هذا المجال وأنها تجسد قيم الخير مقابل قيم الشر التي تحددها واشنطن، كما تحدد القوى التي تحمل هذه القيم، مما يضفي حدة قوية وأسلوباً صدامياً في تعاملها مع الخصوم والأعداء وأسلوباً متعالياً أحياناً في تعاملها مع الأصدقاء والحلفاء" (5).

من الجدير بالاعتبار هنا أن هذه النزعة "الإمبراطورية" الأمريكية قد أخذت تتعاظم في السنتين الأخيرتين على نحو مبالغ فيه كان وزير خارجية فرنسا الأسبق هوبرت فيدرين قد قال إن "وصف الدولة العظمى لم يعد كافياً للولايات المتحدة، فقد أصبحت من الآن وصاعداً دولة فوق العظمى Hyper Puissance". وبعدما توقع زبيجنو بريجينسكي، مستشار الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر لشؤون الأمن القومي، أن يبدأ القرن الحادي والعشرون بتفرد أمريكي في السيطرة على العالم، لكنه شكك في بقاء الولايات المتحدة بعد ذلك، مستحضراً مصير منافسها السابق الاتحاد السوفييتي، عاد ليتباهى بالوضع الفريد للقوة الأمريكية العالمية الأولى والوحيدة –وربما الأخيرة- بعدما تفردت من كل النواحي العسكرية والاقتصادية والثقافية، واعتبرها المتحكم الرئيس ومركز الثقل الوحيد والقاسم المشترك الأعظم للنظام الدولي، وعنصر الحسم الذي يحدد بقوته العسكرية المسار الأيديولوجي للعصر الجديد، والبديل لها هو الفوضى الشاملة! ورأى في ختام الفصل الأول من كتابه "رقعة الشطرنج الكبرى" (6) المعنون "هيمنة من نوع جديد" أن النظام العالمي في إطاره الأمريكي الراهن "مصمم أمريكياً ليعكس التجربة المحلية الأمريكية. في القلب من تلك التجربة تقف الطبيعة التعددية لكل من المجتمع الأمريكي ونظامه السياسي"، بل ولم يتردد بريجنسكي في اعتبار حلفاء الولايات المتحدة وأصدقائها من دول وحكومات ومؤسسات وقادة "مجرد توابع وخدم ودافعي جزية"! هذا ما تكرر أيضاً في حالة أستاذ التاريخ الأمريكي المشهور بول كينيدي الذي سبق أن انهيار الولايات المتحدة في كتابه "صعود القوى العظمى وسقوطها" عاد ليتباهى بالنشاطات والقدرات العسكرية الأمريكية مشدداً على أهمية دورها العالمي، وخاصة في حماية أمن إسرائيل وضمان تفوقها! ولئن تضخم مرض العظمة والتمركز حول الذات وأفلت من عقاله، بحيث قال ديفيد روثكوف، أحد كبار مسؤولي إدارة الرئيس السابق كلينتون مثلاً إن على الأمريكيين أن لا ينكروا حقيقة أن أمتهم هي الأكثر عدلاً والأفضل كنموذج للمستقبل من بين كل أمم العالم. وكتب ناشراً مجلة Weekly Standard الأمريكية وليم كريستول وروبرت كاجان: "نعم أميركا إمبراطورية، ويجب أن تتصرف على هذا الأساس مستفيدة من تفوقها العسكري الكاسح" (7) فإن أصوات عقلاء يطبقون على حالة الولايات المتحدة الراهنة ما قاله الكاتب الأمريكي هنري آدامز يوماً من أن "تأثيرات السلطة على الرجال تكمن في تضخيم الذات. وهذا أشبه بالورم السرطاني الذي ينتهي بقتل صاحبه" نقل بات وهولت مثلاً، الرئيس السابق للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، عن عدد من المدنيين العاملين في وزارة الدفاع الأمريكية أن الولايات المتحدة قد قامت بتطوير تكنولوجيا عسكرية جديدة شديدة الفتك، شجعت الإدارة الأمريكية على التحمس لغزو العراق بسرعة، تمهيداً لتكرار عملية الغزو في بلدان أخرى، ومن ثم "إقامة إمبراطورية عسكرية أمريكية تشمل العالم بأسره" (8).

حذرت أوساط أكاديمية وفكرية أمريكية عديدة من الاندفاع إلى وضع تجد الولايات المتحدة نفسها فيه متصادمة مع معظم أمم العالم، على نحو ما علقت نعومي كلاين مثلاً بعد أربعة أيام من ضرب مبنى وزارة الدفاع الأمريكية في واشنطن وبرجي مبنى التجارة الدولي في نيويورك يوم 11/9/2001، وتصاعد الدعوة إلى انتقام عسكري ساحق يشمل عشرات الدول، فكتبت قائلة: "تقول قواعد لعبة الحرب إن هذا الوقت هو الزمن المناسب لتجريد أعدائنا من إنسانيتهم، فنقول أنهم أعداء مبهمون، وأن تصرفاتهم لا يمكن تصورها، وحوافزهم لا تحمل أدنى شعور، فهم مجانين ودولهم سيئة متخلفة... لقد قامت سياسة الولايات المتحدة الخارجية منذ حرب الخليج الثانية على قصة خيالية وحشية هي أن القوة الأمريكية تستطيع التدخل في جميع النزاعات التي تجري في العالم كله دون أن تتكبد أي خسائر بشرية أمريكية.. استناداً إلى القدرة التكنولوجية الأمريكية التي توفر إمكانية شن حرب تقتصر عملياتها على سلاح الجو [والصواريخ خاصة] بشكل حاسم وأساسي، والإيمان العميق بعدم وجود من يتجرأ على الوقوف أمام الولايات المتحدة فيها دوماً وتنتصر دوماً قد ولد غضباً أعمى في أجزاء كثيرة من العالم، غضباً من عدم التماثل الأمريكي في معاناة الأمم الأخرى.. إن وهم وجود حرب دون تكبد خسائر بشرية فيها قد ولى الآن، وإلى الأبد"(9). لئن بدأ الانتقام الأمريكي في أفغانستان، بعد تهيئة المسرح المحلي والإقليمي والعالمي بالتركيز على "حق الرد" الأمريكي على ضربتي واشنطن ونيويورك، فإن هذا الرد بذاته قد كشف النوايا التي تتجاوز معاقبة تنظيم سري أو حكومة أفغانستان على هاتين الضربتين إلى ما هو أبعد بكثير. بدا واضحاً الحرص الأمريكي على إقامة "تحالف دولي" تهاجم أفغانستان عسكرياً باسمه وبمباركة الأمم المتحدة وتسقط حكومتها وتنصب حكومة بديلة، وإقامة قواعد عسكرية وأمنية كثيفة ونشاط استثماري واقتصادي طويل الأمد في الدول المجاورة، بحيث تضمن الولايات المتحدة سيطرة تامة على حقول النفط والغاز الجديدة في دول القوقاز وعلى الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية فيها، وتحكم الطوق حول روسيا من الجنوب بعدما حاصرتها من الغرب بضم دول حلف وارسو السابق وجمهوريات البلطيق التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي السابق، إلى حلف شمال الأطلسي، وتثبيت التمركز العسكري والأمني الأمريكي المباشر على الحدود الغربية الجنوبية للصين وعلى الحدود الشرقية لإيران، وخاصة بعد وضع مناطق الحدود الغربية والقواعد الجوية والبحرية والقدرات النووية الباكستانية تحت تصرف القوات الأمريكية وإشرافها، والدور الإسرائيلي الكثيف في هذا التطويق الاستراتيجي الأمريكي الذي يشدد القبضة على روسيا لضمان اضمحلال احتمال تجدد دورها كمنافس أو خصم للولايات المتحدة، ويعزز الرقابة على الصين التي تشكل أكثر القوى الدولية أهلية لمنافسة الولايات ا لمتحدة في المستقبل وتحدي تفردها بالهيمنة على العالم، ويحاصر إيران أكثر ليضمن التحكم بنشاطاتها ومواقفها وباحتمالات التغيير فيها. بدا واضحاً كذلك مغزى التصريحات الأمريكية على أعلى مستوى بأن الحرب ضد الإرهاب ستشمل أربعين دولة، ثم رفع عدد تلك الدول إلى ستين ثم إلى مائة دولة، بحيث بدا معظم العالم أرضاً وبشراً مستباحاً لا لضغوط سياسية وأمنية وتهديدات بالتدخل العسكري الأمريكي فقط وإنما لاجتياح اقتصادي وقيمي وسلوكي أيضاً، وإن كان التعامل مع تحدي كوريا الديمقراطية مؤخراً قد كشف مدى هشاشة التهديدات الأمريكية. لقد كرر الرئيس جورج بوش مثلاً تهديد الدول التي تتلكأ أو تتراخى في تنفيذ ما تطلبه منها الولايات المتحدة في سياق ما اعتبرته حرباً على الإرهاب، فقال إن الولايات المتحدة لن تقبل تعاطفاً وتأييداً لفظياً أو مواقف تزعم الحياد، واستعار التعبير المريع الذي أطلقه جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكي الأسبق في بداية النصف الثاني من القرن العشرين: "الحياد مناف للأخلاق"، وذلك رداً على تبني الرئيس المصري جمال عبد الناصر، والإندونيسي أحمد سوكارنو، ورئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو، ورئيس الوزراء الصيني شوإن لاي وسواهم من قادة آسيا وأفريقيا في مؤتمر باندونج –في أندونيسيا- فكرة انتهاج الدول الآسيوية والإفريقية مبدأ الحياد الإيجابي وعدم الانحياز بين المعسكرين الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق، وهي فكرة تطورت فلسفة عالمية متكاملة بعد انضمام الرئيس اليوغسلافي الأسبق جوزف بروز تيتو لروادها، ومؤسستها بتشكيل حركة عدم الانحياز التي تجاوز عدد الدول الآسيوية والأفريقية والأوربية والأمريكية اللاتينية التي انضمت إليها قبل انتهاء الحرب الباردة المائة دولة. بل ذهب الرئيس بوش الابن مدى أبعد عندما هدد الدول التي لا تنصاع وتخوض الحرب تحت قيادة الولايات المتحدة، متى شاءت وأينما قررت وضد من تريد، بأنها سوف تتعرض هي للحرب!

تواجه الولايات المتحدة معارضة متزايدة في هذا السياق، وخاصة بعدما قررت أن تكون الضربة التالية بعد أفغانستان ضد العراق، يوماً بذريعة تجريده من أسلحة دمار شامل كانت لجان التفتيش التابعة للأمم المتحدة قد أكدت أنها دمرت كل منشآت إنتاجها وخمساً وتسعين في المائة من منتجاتها المخزونة، وأكد العراق أن الباقي قد دمرته الغارات الجوية والصاروخية الأمريكية والبريطانية على مدى السنوات التي تلت حرب العام 1991، ويوماً بذريعة إسقاط النظام العراقي الحاكم واستبداله بنظام "ديمقراطي" صديق للولايات المتحدة ينهي حالة العداء ضد إسرائيل ويسهم في تصفية القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي بقبول توطين عدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين في أراضي العراق وإنهاء مطالبتهم بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة الخاصة بحقهم في العودة إلى وطنهم فلسطين. واكب هذا سلخ تيمور الشرقية عن إندونيسيا بضغوط سياسية واقتصادية مارستها الولايات المتحدة والغرب عموماً ولعبت أستراليا فيها دوراً نشطاً عبر تدخل عسكري تمازجت فيه المصالح النفطية بالبعد الديني، تحولت أستراليا من دعمها الشديد لضم تيمور الشرقية إلى أندونيسيا ورفض استقلالها لدى انسحاب الاحتلال البرتغالي منها على نحو ما كانت تطالب الحركة الاستقلالية الماركسية آنذاك إلى التدخل القوي لفرض هذا الاستقلال عندما تحولت تلك الحركة الاستقلالية إلى رفع راية الصليب والاحتماء بمجلس الكنائس العالمي وإبرام اتفاقات سرية تمنح ٍأستراليا حق استغلال الحقول النفطية في المياه الإقليمية لتيمور الشرقية، والالتزام بدعم حركات الانفصال الأخرى في أندونيسيا. ثم راحت الأوساط الأمريكية تتحدث عن دول أخرى سوف تضربها عسكرياً، مثل السودان الذي يواجه ضغوطاً هائلة لتغيير بنيته السياسية والمجتمعية وانتمائه القومي والديني الثقافي تحت طائلة التهديد بتقسيمه وسلخ عدة أجزاء منه، وخاصة حيث أكثر حقول النفط التي لم يكد يبدأ الإنتاج فيها بعد، ومثل إيران والسعودية ومصر التي جرى التلويح بضرورة تغيير أنظمتها، ناهيك عن التهديد بالتدخل لتصفية ٍحزب الله وبقايا القوى الفلسطينية في لبنان وسورية. اتضح شيئاً فشيئاً أن كل الأهداف المقصودة للحملة الأمريكية العسكرية والسياسية بلدان وقوى إسلامية، بحيث لا يكفي النفي اللفظي أو زيارة رسمية مغطاة إعلامياً بكثافة لمسجد في واشنطن لتغطية هذه الحقيقة أو التخفيف من آثارها. كما اتضح أكثر أن الموقف الأمريكي الصارخ في تأمين دعم وحماية وحصانة مطلقة لإسرائيل والدعوة الأمريكية الصريحة السافرة إلى التزام كل الدول العربية والإسلامية بحماية إسرائيل –بل والرضوخ التام لها ولرغباتها- يشكل محوراً رئيساً للاستراتيجيا الدولية الراهنة للولايات المتحدة. لكن ما تحت السطح أشد تعقيداً وتشابكاً. فبينما ترغم الولايات المتحدة أوربا مثلاً في قمة حلف شمال الأطلسي يومي 21 و 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 2002 في العاصمة التشيكية براغ على الرضوخ لإصرار الولايات المتحدة على تشكيل قوة تدخل سريع تضم عشرين ألف جندياً وتكون جاهزة للعمل في أي مكان من العالم، دون أن تكترث الولايات المتحدة بالمقاومة التي قادتها فرنسا وألمانيا اللتين شددتا على تضارب هذا مع خطوات أوربية سابقة تم إقرارها وتنفيذها، مثل قرار الاتحاد الأوربي السابق بتشكيل قوة تدخل سريع أوربية لحماية جنوب أوربا [من في جنوب أوربا سوى العرب؟] إن الإصرار الأمريكي على إقحام أوربا في تنفيذ المخططات الاستراتيجية لفرض السيطرة الأمريكية الشاملة على العالم لا يغطي على تفاقم تناقض توجهات مصالح أوربا مع مصالح وتوجهات الولايات المتحدة. من المناسب هنا أن نشير إلى توافق بين مدرستين هامتين من مدارس التفكير والتحليل الاستراتيجي والسياسي في أوربا والولايات المتحدة: فقد قرر الكاتب الفرنسي جان جاك سرفار شريبر في كتابه "التحدي الأمريكي" مثلاً أن التحدي الذي سوف تواجهه أوربا تكنولوجياً واقتصادياً وسياسياً –وربما عسكرياً- هو التحدي الأمريكي. صدر من ناحية أخرى كتاب تشارلز كابتشان، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جورج تاون الأمريكية المعنون "نهاية الحقبة الأمريكية" في العام 2002 متوقعاً انحسار نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية وتلاشي تفردها في الهيمنة، مقرراً أن التحديات التي سوف تواجه الولايات المتحدة لن تكون من الإسلام أو الصين، وإنما من أوربا. كثيرة هي الكتب والدراسات والتحليلات التي صدرت في السنتين الأخيرتين، في الولايات المتحدة وأوربا بشكل خاص، متوقعة نهاية سريعة للإمبراطورية الأمريكية التي أخذت تتشكل على نحو فج وفظ. لن نستبق الأمور، في هذا الصدد، مع أن هذا التوقع ينسجم مع ما طرحناه مراراً، خاصة في كتابنا "القوى الفاعلية في القرن الحادي والعشرين" الصادر سنة 1996 وكتابنا "آسيا مسرح حرب عالمية محتملة" الصادر سنة 2001، مكتفين بإشارة لبحث الكاتب الفرنسي إيمانويل تود في كتابه "ما بعد الإمبراطورية" في عوامل التفكك [الذاتية خاصة] في بنية الولايات المتحدة، وهي عوامل أكد أنها ستؤدي إلى فشل المشروع الإمبراطوري الأمريكي. توافق الباحث الأمريكي في جامعة ييل ومؤلف كتاب "نهاية العالم كما نعرفه"، إيمانويل فاليرشتاين مع النتيجة التي توصل إليها إيمانويل الفرنسي الذي أشرنا إليه، وقال إن السلام الأمريكي (باكس أميركانا) قد انتهى، والتحديات من فيتنام والبلقان إلى الشرق الأوسط و11 سبتمبر كشفت حدود التفوق الأمريكي. لئن حرص تقرير معهد دراسات الأمن في باريس، التابع للاتحاد الأوربي، الذي أعده الباحث الفرنسي بيير هاسنر بعنوان "إمبراطورية القوة أو قوة الإمبراطورية"، أو المقالة التي نشرها الكاتب الأمريكي جوناثان فريدلاند بعنوان "الإمبراطورية الأمريكية" أو عشرات الكتب والدراسات التي صدرت في السنتين الأخيرتين باحثة في دور وخصائص واحتمالات تطور الإمبراطورية الأمريكية التوصل إلى استنتاج حاسم بانهيار وشيك لها، فإن عشرات الكتب والدراسات الأخرى قد فعلت بوضوح وحسم ما فعله إيمانويل فالير شتاين الذي جعل السؤال الآن هو: هل تخبو الولايات المتحدة بهدوء، أم أن المحافظين الأمريكيين سيقاومون ذلك، وبالتالي سيحولون الانحدار التدريجي إلى سقوط خطر وسريع؟ لقد شدد على أن بذور الاضمحلال كامنة في كون الولايات المتحدة هزمت عسكرياً في فيتنام وفشلت في تحقيق أهدافها في حروب كوريا والخليج ولبنان [نضيف الانسحاب العسكري الأمريكي من الصومال دون تحقيق الأهداف التي التزمت الولايات المتحدة بها، انسحاباً مهيناً يوم 31/3/1994، تساءل مارك ديغورنور إزاءه: "إذا تم إجبار دولة كبرى على جلاء يرثى له عن بلد صغير كانت تعتقد أنها قادرة على السيطرة عليه بسهولة، أرغمت على التخلي عن المبادئ التي أعلنتها بصوت مرتفع، وبدت هذه الدولة عاجزة عن إيقاف أمواج البؤس العاتية التي تجتاح العالم، فما هي الفائدة من كونها دولة كبيرة وقوية؟" (10)]، وهناك من يضيف فشلاً مرتقباً في أفغانستان التي تتحول بسرعة إلى مصيدة لسمعة الولايات المتحدة وهيبتها، تماماً مثلما نتوقع للعراق المحتل أن يصبح قريباً جداً، لكن آخرين يشددون على عوامل أخرى لعل من أبرزها الرفض القاعدي للهيمنة الأمريكية الذي ينتشر في معظم مجتمعات العالم، وفي المجتمع الأمريكي ذاته أيضاً. هاجمت د. نورينا هيرتز مثلاً بعنف شديد العولمة التي تفرضها "الرأسمالية المتوحشة التي تأكل جثثنا"، ودعت إلى مؤسسة المقاومة التي انتشرت في معظم مجتمعات العالم بحيث لا تقتصر على مظاهرات احتجاج تواكب مؤتمرات واجتماعات المؤسسات الدولية التي صنعتها الولايات المتحدة كواجهات وجسور تساعد على فرض هيمنة أمريكية شاملة على العالم تحت اسم العولمة (11)، فكانت بهذا تعبر عن رؤية قطاع واسع وهام من الرأي العام العالمي الذي يبدي مقاومة متزايدة لا يستهان بها، لا بد وأن تؤثر على مواقف الحكومات التي كبلتها الدهشة فجعلتها تنقاد للرغبات الأمريكية. دفع التخوف من المستقبل القريب هنري كيسنجر ليدعو في كتابه الأخير "الدبلوماسية" إلى تخلي الولايات المتحدة عن الهيمنة المنفردة والقبول بنظام يجعلها الأولى بين أقطاب متساوين: أوربا الموحدة، الصين، اليابان، وربما الهند. أدركت القيادة الأمريكية هذا كما يشير الباحث الأمريكي ألفين توفلر، فقررت أن يكون العمل الحقيقي مستقبلاً من خلال تنظيم جهود تحالفات ومنظمات مؤقتة لأغراض محددة ولفترة معينة، أي أنها تحالفات تحت الطلب، وفقاً لمقاسات ومعايير الاحتياجات الأمريكية الراهنة في كل مرحلة، أي أن تحالفات المستقبل لن تكون طويلة الأمد بين دول، وإنما تحالفات عميقة متعددة الأشكال تشمل منظمات غير حكومية منتقاة وقوات مرتزقة تدعمها شركات ومنظمات دينية وشبكات جريمة منظمة. أي بيروقراطية مسطحة الشكل رفيعة الطبقات تقود شبكات صغيرة متفاعلة وتدعمها قوات جاهزة للعمل، تقام لغرض محدد، ويتم تصميمها بشكل مختلف كل مرة لمواجهة اختلاف شكل التهديد، وأن تكون قابلة للتجميع والتفكيك بشكل سريع، على نحو ما أوضح وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد (12). راحت الولايات المتحدة تنهج أساليب غير مألوفة مثل الأمر الذي أصدره الرئيس بوش –وفقاً لصحف يوم 15/12/2002- باغتيال عشرات الأفراد الذين تعتبرهم الإدارة الأمريكية الأشد خطراً وفق قائمة تضمنت أسماءهم أعدتها الأجهزة الأمنية الأمريكية. ومثل قيام طائرة أمريكية بلا طيار باغتيال ستة أفراد في محافظة مأرب اليمنية بإطلاق صاروخين على السيارة التي كانوا يستقلونها يوم 3/11/2002، مما أثار ضجة واسعة حول انتهاك الولايات المتحدة سيادة الدول الأخرى، وحول مدى مشروعية إقدام دولة عظمى على اغتيال مشبوهين بصواريخ تطلقها طائرات بلا طيار تستبيح الدول الأخرى من غير تحقيق أو محاكمة تدين هؤلاء المشبوهين، وهو سلوك مارسه الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين على نطاق واسع، قبل أن تعود الولايات المتحدة إلى ممارسته. اعتبرت السيدة أنا ليند، وزيرة خارجية السويد، هذا الاغتيال الأمريكي سابقة خطيرة وعملية قتل بلا محاكمة تناقض مبادئ العدالة وحقوق الإنسان، بينما اعتبرته لاورا دونهو، أستاذة العلوم السياسية في جامعة ستانفورد، تحولاً خطيراً غير أخلاقي في السياسة الأمريكية يكشف نفاقاً صارخاً تجاه الديمقراطية ويؤثر على الأمن الأمريكي الداخلي والخارجي، وتساءلت كيف يمكن للولايات المتحدة أن تمضي في مزاعمها بالدفاع عن حقوق الإنسان بينما هي تمارس رسمياً عملية اغتيال تتجاوز القوانين والتشريعات وتعطي سابقة لدول أخرى من أجل اغتيال خصومها. وقالت دونهو أنه لا يمكن للولايات المتحدة أن تستمر في الإصرار على أن يلتزم الآخرون جميعاً –باستثناء إسرائيل- بقواعد الديمقراطية بينما تقلب هي الطاولة وتضع قواعد استثنائية تبيح لها ولإسرائيل دون أية جهة أخرى في العالم حرية وحصانة مطلقة تجاه القانون الدولي ومبادئ وقيم العدالة وحقوق الإنسان. كانت وزارة الدفاع الأمريكية قد درست استخدام قوات أمريكية خاصة في عمليات سرية دون إبلاغ حكومات الدول التي تجري تلك العمليات على أراضيها، تأكيداً لممارسة سياسة القوة Power Politics دون اكتراث بالقانون الدولي ومؤسساته(12). كتب أشتون كارتر Ashton Carter أستاذ العلاقات الدولية في مدرسة جون كيندي للعلوم السياسية في جامعة هارفارد ومساعد وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، مقالة بالمجلة الفصلية الأمريكية Survival ذكرت أن الإطار المرجعي للأمن الأمريكي الذي يحدد أولويات الولايات المتحدة الاستراتيجية يتكون من ثلاثة أقسام: الأول معضلات تهدد مباشرة وجودها وبقائها Survival  كقوة عظمى ذات رسالة عالمية، والثاني معضلات تهدد مصالحها الحيوية Vital Interests في العالم، والثالث معضلات لا تهدد المصالح الحيوية الأمريكية لكنها تنتظر دوراً أمريكياً لحلها، موضحاً أن مواجهة القسمين الأول والثاني من المعضلات تتم بمسارين استراتيجيين: مسار وقائي Preventive يمنع تحول تلك المعضلات إلى حقائق تفرز وقائع وضع دولي يشبه حالة الحرب الباردة، ومسار يتضمن ابتكار أساليب تعالج الحالة الناجمة عن فشل تدابير المسار الوقائي وتحول تلك المعضلات إلى حقائق غير مرغوب بها أمريكياً. وقد صنف تحييد الصين والإقليم المحيط بها في معضلات القسم الأول، بينما الوضع في الجزيرة العربية والخليج أول ما يشمل القسم الثاني من المعضلات. في ضوء هذا التصنيف نتمعن في خطة عمل الإدارة الأمريكية وسلوكها إزاء حالتين متفجرتين: العراق وكوريا الديمقراطية.

يتفق دارسو الشؤون العسكرية والدبلوماسية الدولية على أن صدور تهديد من دولة لأخرى يخضع الدولة التي أصدرت التهديد لاختبار مزدوج: هل ستنتصر في النزال؟ وما تأثير نتيجة التهديد على فاعلية ومصداقية تهديداتها المستقبلية؟ سعت الولايات المتحدة، في الحالة العراقية المستجدة، بعد إطلاق تهديداتها بالحرب تمهيداً للغزو الذي تم وإسقاط النظام الحاكم في العراق وإعادة رسم حدود أوضاع كيانات المنطقة –مع جهر بأن حماية أمن وتفوق إسرائيل وإمدادات النفط كهدفين لهذه الحرب- إلى تعزيز الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة على نحو متزايد، وخاصة في قطر التي تم توقيع اتفاقية دفاعية جديدة معها وتوسيع القاعدتين العسكريتين الأمريكيتين فيها، وكذلك في الكويت التي أغلقت ثلث مساحة أراضيها لإجراء مناورات للقوات الأمريكية فيها بعد مناورات سبقتها في الأردن، وفي تركيا والبحرين وجيبوتي، والتلويح باستخدام أسلحة وتقنيات فائقة الفتك لم يسبق استخدامها، ناهيك عن تعبئة دبلوماسية في الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي تلاشت معها اصوات الدول المعترضة والمعارضة، وتعبئة إعلامية ونفسية واسعة لم تكترث بالمظاهرات والاحتجاجات الأخرى المضادة لغزو العراق في المدن الأمريكية والأوربية وسواها.

تحدث هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، بوضوح عن حقيقة أهداف الحرب الأمريكية المرتقبة ضد العراق، فقال في مقالة نشرت في أغسطس 2002 بعنوان "الطريق إلى القدس يمر ببغداد" –وهو هنا بالطبع يعني الطريق إلى تثبيت الاحتلال الصهيوني للقدس، لا تحريرها من مغتصبيها كما أوحت شعارات لفظية عربية في مراحل ساد فيها التمسح بفلسطين سبيلاً سهلاً للاستيلاء على السلطة وحشد التأييد الشعبي –أن استبدال النظام العراقي بنظام يسهم في توطين اللاجئين الفلسطينيين وإبعادهم عن التفكير بالعودة إلى بلدهم، وإعادة رسم حدود الشرق الأوسط وصياغة كياناته وأنظمتها بما يحقق أمن إسرائيل وتصفية القضية الفلسطينية وفعاليتها وتأثيراتها. وقد وصف دونالد رامسفيلد هذه الحرب بأنها سوف تكون شديدة الروعة والبهاء على نحو خرافي Fabulous، ما أذهل الصحفيين الذين كان يتحدث إليهم عن تدمير العراق بوله شديد وعشق سافر للحروب! ولم يتردد عضو الكونجرس الأمريكي عن الحزب الديمقراطي طوم لانتوس في مخاطبة عضو الكنيست الإسرائيلي كوليت افتيال علناً أمام جمع حاشد ضمه وإياها –وفقاً لما نقلته وسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية- بقوله: أطمئنك بأن الولايات المتحدة سوف تنصب ديكتاتوراً جميلاً في بغداد يكون صديقاً لنا ولكم! كما سبق أن أكدت لوموند (13)، كبرى الصحف الفرنسية، أن التصور الأمريكي المرجح يهدف إلى حكم أمريكي مباشر للعراق لسنوات طويلة بعد استكمال السيطرة العسكرية الأمريكية عليه، ورشحت أوساط أمريكية عديدة الجنرال تومي فرانكس حاكماً عسكرياً للعراق! بل إن مستشارة الأمن القومي الأمريكي أعلنت أنها سوف تتفرغ بعد الحرب للإشراف المباشر على إعادة صياغة العراق. وبموازاة تهديدات إسرائيلية على لسان رئيس الحكومة وعدة وزراء وقادة عسكريين بأن أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية سوف تستخدم على نطاق واسع وكثيف ضد العراق إذا أطلق العراق طلقة واحدة على هدف إسرائيلي، هدد الرئيس بوش أنه سيأمر باستخدام الأسلحة النووية ضد العراق إن أطلق طلقة ضد إسرائيل!

حاولت الإدارة الأمريكية استخدام أسلوب الجزرة مع المجتمعات العربية لتخفيف اعتراضها على الغزو الأمريكي للعراق. فأعلن وزير الخارجية كولن باول يوم 13/12/2002 عن مبادرة لتغيير أوضاع المنطقة السياسية والاقتصادية والإدارية والثقافية والاجتماعية والسلوكية، وتؤكد تغيير المناهج التعليمية والتربوية والقيم الدينية والأخلاقية السائدة لتنسجم مع المعايير الأمريكية، وتعزيز الحياة الديمقراطية وتأكيد احترام حقوق الإنسان، ورفع مستوى المعيشة وتحقيق تنمية اقتصادية وازدهار. أعلن وزير الخارجية الأمريكي أن الولايات المتحدة قد رصدت مبدئياً تسعاً وعشرين مليون دولار لتحقيق هذه الأهداف التي أراد أن يغري بها ثلاثمائة مليون عربي! المفارقة المثيرة للسخرية هي أن هذه المبادرة التي تنضح امتهاناً للعرب عبر جعل مبلغ تسع وعشرين مليون دولار تدفعه الولايات المتحدة هو ما يستحقه تحقيق تلك الأهداف لهم، وقد تزامنت مع نشر دراسة للاستشاري الاقتصادي الأمريكي البارز توماس ستاوفر عن التكلفة الكلية لسياسة الولايات المتحدة إزاء الشرق الأوسط ألقاها في مؤتمر بجامعة (ماين) برعاية الكلية الحربية للجيش الأمريكي، قدر فيها إجمالي المساعدات الأمريكية لإسرائيل منذ العام 1973 بنحو 106 تريليون دولار، بحيث يكون نصيب كل فرد إسرائيلي سنوياً (5700) دولاراً من المساعدات الأمريكية المباشرة المقدمة لإسرائيل، وبحيث يكون كل مواطن أمريكي قد دفع خمسمائة وسبعة آلاف دولاراً مساعدات لإسرائيل! فإذا أضفنا ما يتعدى المساعدات المباشرة من استثمارات وإعفاءات وقروض بعشرات المليارات سرعان ما يقرر الكونجرس تحويلها إلى هبات، ثم قارنا حجم هذا الإنفاق الأمريكي على دعم الاحتلال الصهيوني لفلسطين بالمبلغ الذي أعلن كولن باول على تخصيصه لتغيير جوهر وشكل الحياة في سائر المجتمعات العربية ندرك مدى الإهانة التي تضمنها إعلان باول، إذا ما تذكرنا مئات المليارات التي دفعتها حكومات عربية لتمويل حرب الخليج الثانية التي استثمرتها الولايات المتحدة لتعزيز وإدامة هيمنتها على نفط المنطقة وأوضاعها، بل واستثمرتها لإرغام حكومات المنطقة على الرضوخ للإصرار الأمريكي على التخلي عن معظم أرض فلسطين لمغتصبيها، وتمكين هؤلاء المغتصبين من الهيمنة على المنطقة بأسرها. ناهيك عن أن فرداً واحداً من بين عشرات آلاف الأثرياء العرب قادر على تقديم مثل هذا المبلغ زكاة أمواله المودعة في الولايات المتحدة! نتذكر هنا تشديد الرئيس بوش على إنسانية قصف القوات الأمريكية لأفغانستان، إذ كرر مراراً التباهي بإلقاء الطائرات الأمريكية وجبات طعام ساخنة إضافة إلى قنابل الأعماق وقذائف اليورانيوم المستنفذ والصواريخ، بحيث حصل واحد من كل ستمائة أفغاني على وجبة طعام ساخنة واحدة، ولعل ميزانية ما وعدت مبادرة التغيير الديمقراطي والتنموي الأمريكي العرب به يتماثل مع تكلفة الوجبات الساخنة التي ألقيت على بعض قرى أفغانستان أثناء قصفها! كانت صحيفة إنترناشيونال هيرالد تريبيون واضحة جداً إذ قالت في دراسة هامة: "تعتبر الولايات المتحدة الأولى من دول العالم في توريد الأسلحة التي تقتل الشعوب، والدولة الأخيرة في تقديم مساعدات إنسانية للشعوب الجائعة" (14).

لئن بدا هذا واضحاً في حالة أفغانستان، إذ بعدما انتقمت الولايات المتحدة لهزيمتها في فيتنام عن طريق التنظيمات الأفغانية التي هزمت الاحتلال العسكري السوفييتي، مما أسهم بانهيار الاتحاد السوفييتي الذي كان متفوقاً على الولايات المتحدة عسكرياً آنذاك وفقاً لتأكيدات رئيسها رونالد ريجان التي برر بها إطلاق مبادرة الدفاع الاستراتيجي (حرب النجوم) لردم الفجوة العسكرية بين بلاده والاتحاد السوفييتي، أدارت ظهرها لأفغانستان، بل شجعت اقتتال تلك التنظيمات وتصفية بعضها بعضاً، بدلاً من الإسهام في تمويل إعادة بناء البلاد التي دمرتها الحرب. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة قد تظاهرت بالاتعاظ واستيعاب الدرس أثناء إعدادها لاجتياح قواتها أفغانستان لتبديل نظامها الحاكم وأوضاعها السياسية والثقافية والاجتماعية والسلوكية، فدعت إلى مؤتمر للدول المانحة في طوكيو، والتزمت مراراً بإعادة بناء البنية التحتية لأفغانستان وتمويل قاعدة صلبة لازدهارها الاقتصادي، فقد ضجت حتى الحكومة الموالية لأمريكا في أفغانستان بالشكوى من عدم وفاء الولايات المتحدة بتعهداتها المالية، وتصاعدت نقمة الأفغان الذين اشتدت وطأة مجاعتهم في شتاء العام 2002/2003. لعل نفس التنصل الأمريكي من الالتزامات والتعهدات هو ما فجر الأزمة مجدداً مع كوريا الديمقراطية عندما أعلنت في منتصف ديسمبر 2002 عن إعادة تشغيل مفاعلاتها النووية التي كانت قد التزمت بتجميدها في مقابل التزام الولايات المتحدة بتوفير طاقة بديلة لكوريا الديمقراطية بمشاركة اليابان وكوريا الجنوبية. كانت الولايات المتحدة قد استغلت ظروف اشتداد الجفاف والمجاعة في كوريا الديمقراطية لتفرض عليها وقف برنامجها النووي ووقف تصدير صواريخها إلى دول قد تهدد بها إسرائيل (جدول مرفق بالصواريخ المباعة لدول عربية وإسلامية) في مقابل توفير نفط ومنشآت طاقة نووية بديلة غير قابلة للاستخدام الحربي، والسماح لكوريا الجنوبية واليابان بتحسين العلاقات مع كوريا الديمقراطية ومنحها معونات من الأغذية والأدوية، وقد قبلت كوريا الديمقراطية بتلك الصفقة في أعقاب تهديد الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون لها باجتياح عسكري تستخدم القوات الأمريكية فيه أسلحة نووية لتدمير كوريا الديمقراطية إن لم تقبل بتلك الصفقة، كما تم توظيف ظروف حاجة الصين لتحسين علاقتها بالولايات المتحدة ورفع الاعتراضات الأمريكية على انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية لكي تمارس الصين نفوذها على حليفتها كوريا الديمقراطية وتقنعها بقبول الصفقة، والكف عن المطالبة بمعايير موحدة للتعامل في مسألة البرنامج النووي تطبق على إسرائيل مثلما تطبق على كوريا الديمقراطية، إذ أعلنت الولايات المتحدة رفضها مقارنة الحالة الإسرائيلية مع أية حالة أخرى لأن "إسرائيل حالة خاصة استثنائية".

أعلنت كوريا الديمقراطية في ذروة التهديد الأمريكي بغزو العراق لتجريده من أسلحة دمار شامل مزعومة في نهاية العام 2002 أن لديها برنامج سري لتخصيب اليورانيوم، أي لإنتاج سلاح نووي، وأن من حقها أن يكون لديها سلاح نووي مثلما فعلت الدول النووية الأخرى، ما دام الحظر النووي يخضع لمعايير مزاجية. ثم لم تلبث كوريا الديمقراطية أن أعلنت إعادة تشغيل مفاعلاتها النووية التي التزمت بتجميدها كرد على عدم وفاء الولايات المتحدة بالتزاماتها، وضغطها على اليابان وكوريا الجنوبية أيضاً لعدم الوفاء بالتزاماتهما بموجب الصفقة التي سبق التفاهم عليها. جاء الإعلان صاعقة على الولايات المتحدة التي بات على العالم أن يسألها كيف تصر على غزو العراق بناء على افتراض لا دليل عليه بحيازته أسلحة دمار شامل، بينما لا تعامل كوريا الديمقراطية هكذا وهي تعترف علناً ببرنامجها النووي؟ من الواضح أن الولايات المتحدة لن تعامل الحالتين الكورية والعراقية بمعايير موحدة، فهي لن تجازف بتوتير علاقاتها مع الصين التي قد لا تتردد في استثمار أي تصعيد عسكري أمريكي ضد كوريا الديمقراطية لتسوية حسابها القديم مع الولايات المتحدة المتعلق بفرموزا، إن جمهورية الصين الوطنية التي تعتمد على الحماية الأمريكية في مواجهة أي تحرك عسكري صيني لإعادة توحيدها بالبر الصيني، على الرغم من الالتزام الأمريكي المعلن بالاعتراف بصين واحدة كأساس لعلاقاتها مع الصين الشعبية. وقد يتكرر الاشتراك الصيني في التصدي لهجوم أمريكي على كوريا الديمقراطية، وإن على نحو يختلف عن إرسال عدة ملايين من المقاتلين الصينيين "المتطوعين" كما حدث قبل خمسين سنة في الحرب الكورية التي انتهت بنصف هزيمة للولايات المتحدة، ولعل هذا آخر ما ترغبه الولايات المتحدة. إضافةً إلى ما سبق، ليس هناك في الحالة الكورية العامل الإسرائيلي الذي تجازف الولايات المتحدة من أجله بتحدى القانون الدولي ومصالح العرب والمسلمين، ولا العامل النفطي الذي لا تنسى الولايات المتحدة –والغرب عموماً- وصية كليمنصو، رئيس وزراء فرنسا أثناء الحرب العالمية الأولى، إذ قال: "قطرة النفط أثمن من قطرة الدم". أما في الحالة العراقية، فتوقن الولايات المتحدة بأنه ما من دولة كبرى أو صغرى مستعدة لخوض الحرب ضدها إلى جانب العراق، مهما كانت القناعة راسخة بأن الذرائع التي تستخدمها الولايات المتحدة باطلة، ومهما افتضح أن الهدف الرئيس لحربها هو منع قيام قوة عربية أو إسلامية تعيق هيمنة إسرائيل. إن الولايات المتحدة التي اطمأنت بعدما استطاعت إرغام غالبية الأوساط الرسمية العربية حتى على حظر إعلان التأييد الشعبي اللفظي للانتفاضة الفلسطينية والتضامن مع ضحايا القمع الإسرائيلي أو التبرع المالي لمئات الآلاف ممن تم هدم بيوتهم وتشريدهم وتجويعهم من الفلسطينيين الخاضعين للاحتلال، ثم تصعيد الدعوة جهاراً إلى تصفية المقاومة والانتفاضة في فلسطين، اطمأنت إلى أنها ستجد وضعاً شعبياً عربياً مسيطراً عليه ومريحاً لها عندما تحتل العراق. إن شل فاعلية شعوب المنطقة هدف قديم مقصود وافق قول كيسنجر: "يعتمد الردع على العامل النفسي، ولأغراض الردع فالخدعة التي تؤخذ على محمل الجد أكثر فائدة من التهديد الجدي الذي يفسر بأنه خدعة" (15).

لقد دعا صهيونيان بارزان في الإدارة الأمريكية، هما ريتشارد بيرل رئيس دائرة التخطيط السياسي في وزارة الدفاع ودوجلاس فيث مساعد وزير الخارجية، كبار المسؤولين العسكريين إلى اجتماع مغلق بشأن الشرق الأوسط يوم 1/11/2002 تم فيه عرض لوحتين بيانيتين للحرب الأمريكية في الشرق الأوسط. تضمنت اللوحة الأولى ثلاثة اضلاع: العراق، وإلى حانبه عبارة "الهدف التكتيكي"، ومنطقة الخليج بأسرها وإلى جانبها عبارة "الهدف الاستراتيجي"، ومصر وإلى جانبها عبارة "الجائزة الكبرى". أما اللوحة الثانية فتضمنت مثلثاً آخر فيه العبارات التالية: "إسرائيل هي فلسطين"، "فلسطين هي الأردن"، "العراق هو المملكة الهاشمية" (16). المعروف أن ريتشارد بيرل من أشد المتحمسين لتطبيق خرائط برنارد لويس لإعادة تقسيم المنطقة العربية وتفتيتها "بحيث تتحول كل قبيلة في الجزيرة العربية إلى دولة" وفقاً لتعبير برنارد لويس، واستبدال الإسلام المتداول بإسلام علماني على الطريقة التركية، لضمان "بقاء المبادرة الاستراتيجية في يد الأمة اليهودية". لكن التأثيرات المستقبلية المتوقعة لتكريس معايير أمريكية مزدوجة في التعامل بين حالتي كوريا الديمقراطية والعراق سوف تكون خطيرة وعميقة، تماماً كالتأثيرات المتراكمة للمعايير المزدوجة التي تجعل القيادات الأمريكية تلتزم معادلة صهيونية ساقطة تجعل الطفل الذي يقاوم المحتلين بحجر إرهابياً، وتجعل قصف المدن والقرى بالطائرات المقاتلة والدبابات وهدم آلاف البيوت على رؤوس ساكنيها أحياناً، واغتيال المدنيين في منازلهم وسياراتهم بصواريخ عموديات أباتشي وقذائف الدبابات "دفاعاً مشروعاً عن النفس!

كثيراً ما انهارات إمبراطوريات حتى بسبب انزلاق استراتيجي أقل شأناً.

ملحق: 

مبيعات الصواريخ الكورية

نوع الصاروخ

الرأس الحربي

المدى

الدول التي اشترته

سكود-بي

1000 كج

300 كلم

إيران

سكود-سي

500 كج

600 كلم

مصر، ليبيا، سورية، إيران

نودونج-1

750 كج

1300 كلم

إيران، ليبيا، باكستان

تايبو دونج-1

1000كج

2000كلم

إيران، باكستان

تايبو دونج-2

1000كج

5000-6000كلم

إيران

الهوامش:

(1) Foreign Affairs, September - October 2002.

(2) النص في الصحف اليومية ليوم 21/9/2002 وما بعده.

(3) Noam Chomski, Rogue States: The Rule of Force in World Affairs, Random Housem,2000.

(4) الاتحاد، أبو ظبي، 7/12/2002، ص22.

(5) د. ناصيف حتي، الاستراتيجية الأميركية الجديدة: فوق الشرعيات وخارج التوافقات، الاتحاد، أبو ظبي، 10/8/2002، ص9.

(6) زبيجنو بريجنسكي، رقعة الشطرنج الكبرى، ترجمة أمل الشرقي، الأهلية، عمان، 1999

(7) أسبوعية "المجد"، عمان، 10/12/2002، ص8.

(8) بات م. هولت، بوش: محرر أم غاز؟ الاتحاد، أبو ظبي، 7/12/2002، ص22.

(9) Los Anglese Times, 16.9.2001

(10) مارك ديغورنور، قوة الأسلحة وقوة الرجال، الدفاع الوطني، باريس، أبريل 1995.

(11) ألفين توفلر، الناتو وشكل التحالفات..، الاتحاد، أبو ظبي، 30/11/2002، ص22.

(12) New York Times,12.8.20002.

(13) Le Monde, 13-14.10.2002.

(14) International Herald Tribune, 6-7.7.1996

(15) الاستشهاد في: د. كارل ساغان، الكون، عالم المعرفة، الكويت، رقم 178، تشرين الأول (أكتوبر) 1993، ص284.

(16) المجد، م. س.ذ.، ص4.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244