|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
قصة البترول العربي في الخليج والأطماع الدولية وعلاقتها بالحرب الاستعمارية على العراق ـــ محمد عدنان مراد 1- تمهيد. 2- السيطرة البريطانية على البترول في منطقة الخليج. - أولاً: اكتشاف البترول في منطقة عربستان وبداية مرحلة هامة في الخليج. - ثانياً: السيطرة البريطانية على بترول العراق وتطورها. 3- نزول الولايات المتحدة إلى الميدان النفطي في الخليج والمنافسة الحادة بين الشركات الأمريكية والبريطانية. 4- التعسف في تحديد أسعار البترول المعلنة والخسائر التي تلحق بالمنتجين. 5- ما أشبه اليوم بالبارحة احتل الإنكليز العراق من أجل البترول ويستعد الأمريكيون لاحتلاله من أجل البترول ولكن هل سكت الشعب العراقي في المرة الأولى ليسكت في المرة الثانية وما دور حماية إسرائيل. 1- تمهيد يعتبر اكتشاف البترول واستخدامه الصناعي من أهم الأحداث التي مرت على العالم خلال تاريخه الطويل ولا يشبهه سوى اكتشاف القمح كمادة رئيسية للطعام وقديماً قيل "المال عصب الحرب" وأما الآن فالبترول يعتبر عصب الحياة ومادتها وصناعة البترول حالياً هي أكبر صناعة عالمية لم يمر بمثلها في تاريخ البشرية. ولها آثارها العميقة في مختلف النواحي الحياتية ويعود الفضل للبترول في زيادة الطاقة الإنتاجية، وتحسين الإنتاج وسرعة استخدام الآلة في مختلف النواحي الصناعية. كما ساعد على نمو الزراعة وتقليل اليد العاملة. وله أثره الكبير في الحياة العسكرية حيث ساعدت الطاقة التي يقدمها البنزين أحد مشتقات البترول في سرعة تنقل الجيوش التي أخذت تستخدم السيارة والطائرة وكذلك ازدياد قوتها النارية بدخول الدبابة ساحة المعركة. والواقع أن البترول ومشتقاته دخلا مختلف أنواع الحياة حتى المأكل والملبس وسيظل البترول سيد الموقف حتى يظهر نوع جديد من الطاقة يحل محل هذا المنبع الهائل للطاقة. وحتى الآن لم يظهر نوع جديد من الطاقة يحل محل البترول، وحتى الذرَّة لم تستطع أن تحل محل البترول بسبب الحاجة إلى تقنية عالية جداً ورجال أكفاء لتحويل الطاقة النووية إلى طاقة كهربائية والمهم في ذلك أن تكون الطاقة الجديدة التي ستحل محل البترول أن تكون أكثر سهولة في الاستخدام وأرخص ليكون الاعتماد عليها سريعاً. كما كان الحال عندما تم الانتقال من الاعتماد على الفحم الحجري كمادة أساسية لاستخراج البترول. وتكمن أهمية البترول الرئيسية في تنوع استخداماته الرئيسية وتنوع مشتقاته التي لا تعد ولا تحصى ويأمل كثير من العلماء بالغاز الطبيعي ليحل محل البترول وهو الآخر متوفر في البلاد العربية بشكل كبير. وقد ازدادت أهمية البلدان المصدرة للنفط وتغيرت حياتها وبقدر ما أصبحت مشكلة الحصول عليه مشكلة دائمة للدول الصناعية، وبخاصة التي لا يوجد فيها البترول كأغلب الدول الصناعية جاء نعمة مشوبة بالحذر للبلدان المصدرة إلا إذا كان باستطاعتها توظيف أموال البترول في مشاريعها الإنمائية والصناعية المفيدة لكي تتمكن من الاعتماد عليها في وقت نضوب البترول. وإلا سيكون نقمة عليها. والبترول كمادة معروف منذ القدم. فقد عرفه قدماء العراقيين الذين كانوا أول من استخدمه صناعياً في كثير من منشآتهم الحضارية. وقد استخدمه المصريون الأوائل في بناء الطرق والمباني وكمادة عازلة في بناء المراكب وكدواء لبعض الأمراض الجلدية بخاصة واستخدمه العرب كزيت للإضاءة. كما استخدم في الحروب بما يعرف بالنار الرومانية أو اليونانية. وكان العرب أول من عرف أجهزة التقطير ونقلوها للأندلس كما أن قدماء الهنود كانوا يعرفون البترول واستخدموه كقوة طبية. وعندما وصل الأوربيون إلى أمريكا اقتبسوا استخدامه من الهنود ولا يزال البدو الرحل يستخدمون بعض مشتقات البترول لشفاء الجروح والقروح التي تحدث لحيواناتهم، وبخاصة الجمال ويعرف بالقطران. وعندما كان المنقبون الأمريكيون ينقبون عن المياه في الصحراء كانوا يعتبرون الأرض التي فيها البترول أرضاً ملعونة. وفي العراق كان البترول ظاهراً فوق الأرض. وقصة اكتشاف البترول وتطور صناعته تعود بشكل كبير إلى التطور الصناعي الذي بدأ في القرن الثامن عشر، عندما اخترع جيمس واط عام 1799م الذراع الآلي ومنذ ذلك الوقت والآلة تتطور بشكل متسارع وتتطور معها الطاقة المسيرة للآلة والتي بدأت بالإنسان الذي كان يستخدم جهده العضلي لتسيير الآلات المعروفة في تلك الأيام ثم استخدمت المياه ومن بعدها الفحم ثم الكهرباء والتي تعد أرخص أنواع الطاقة وبعد ذلك جاء البترول. في عام 1850 استطاع الاسكتلندي (جيمس واط) أن يصفي الفحم ويستخرج منه الكيروسين الذي انتشر في مختلف أنحاء العالم كزيت للإضاءة وتسيير الآلة ورغم استخراج الكيروسين حالياً من البترول لا يزال يطلق على الكيروسين /زيت الفحم/ وقد عرف البترول في أمريكا في منتصف القرن التاسع عشر وبذلت مجهودات ضخمة لاستخدامه تجارياً وقد استخدم في بعض المجالات مثل التزييت والتشحيم وفي الإضاءة بعد إجراء تجارب كثيرة، ولكن المرحلة الحاسمة في تاريخ صناعة البترول جاءت عندما اكتشفت أول بئر بترولية عام 1859 في /تيتوسفيل/ في بنسلفانيا على يد /جون درايك/ سائق القطارات وكان البئر المكتشف على عمق 60 قدماً ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن أخذت صناعة النفط تتطور بالإضافة إلى طرق استخدامه باضطراد بالإضافة إلى ازدياد عدد مشتقاته. استخدم البترول ما بين 1860م- 1885م للإضاءة فقط بعد تصفيته واستخراج زيت الاشتعال أما ما تبقى من المواد فكانت تهمل. وحتى القرن العشرين بدأ البترول يحل محل الزيوت النباتية في التشحيم والتزييت الصناعي. ثم جاء اختراع السيارة ليزداد الطلب على البنزين المستخرج من البترول. وقد سميت هذه المرحلة بمرحلة البنزين ولسبب الزيادة في إنتاج البترول الخام وكثرة الآبار المكتشفة فقد تطلب العمل على تنويع استخدام البترول ومشتقاته وبخاصة ما بين أعوام 1930-1940. كانت الولايات المتحدة خلال مرحلة الإضاءة الدولة الوحيدة التي تستخرج البترول. وبعد ذلك ظهر البترول في باكو الواقعة على بحر قزوين وكان مجال صراع طويل بين كل من تركيا وإيران من جهة وروسيا الإمبراطورية من جهة أخرى. وقد لعب البترول دوراً هاماً في الحرب العالمية الأولى وتم استخدامه في كل وسائل الحرب وبخاصة النقل ولولا تحرك الجيوش الفرنسية التي كانت تتنقل في السيارات لخسر الحلفاء معركة المارن الفاصلة في تاريخ الحرب العالمية الأولى. وكان لا بد لهذه الصناعة التي تحتاج إلى الأموال الطائلة للبداية فيها أن تترافق مع تهيئة رؤوس الأموال الضخمة ولا يأتي ذلك إلا عند تشكيل الشركات التي بإمكانها وحدها تحمل المصاريف للقيام بعمليات التنقيب والاستثمار والتسويق والنقل إلى غير ذلك من العمليات الفنية الكبيرة والمعقدة بالإضافة إلى الأيدي الماهرة الخبيرة وإلا ضاعت الأموال بسرعة هائلة وفقد كل شيء لذلك ظهرت ونمت شيئاً فشيئاً الشركات البترولية الضخمة ونجحت في أمريكا وتبعتها بريطانيا بسبب وجودها في منطقة الخليج وبعد ذلك جاء دور أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية وكانت المنافسة حادة بين مختلف هذه الشركات وازدادت حدة عندما بدأت أوروبا تعمل المستحيل للتخلص من سيطرة الشركات البترولية الأمريكية كما أن أمريكا نفسها أخذت تتطلع إلى الخارج للحصول على كميات أكبر من البترول خارج حدودها وإلى أرباح أكبر بعد الاستهلاك الكبير الذي أملته عليها ظروف الحرب العالمية الأولى وكان الخليج أحد المراكز الرئيسية للتنافس البترولي الدولي وبخاصة بين الشركات البريطانية والأمريكية. ويذكرنا ذلك بالمنافسة الدولية التي حدثت في القرن الماضي للسيطرة على المراكز والطرق التجارية والحروب التي جرت وما زهق فيها من أرواح خلالها واليوم فالتنافس من نوع جديد يعتمد على من لديه الإمكانيات المالية والخبرة والاستعداد. كانت بئر (جون درايك) الأمريكي أول بئر بترولية في العالم. وكان إنتاج البترول ينحصر في بعض الولايات الأمريكية 1862 وقد ساعدت الأنظمة الأمريكية على زيادة الإنتاج من حوالي ثلاثة ملايين برميل 1862 إلى أربعين مليون برميل عام (1882) وكانت المنتجات الأمريكية البترولية أول صادرات أمريكا الصناعية وفي عام 1870 شكل /جون روكفلر/ شركته المعروفة باسم ستاندر اويل (أوهايو) التي لعبت دوراً رئيسياً في صناعة البترول بعد أن تحول اسمها إلى ستاندر أويل (نيوجرسي) ثم أنشئت شركات ستاندر في ولايات أخرى، وقد استمر هذا التنظيم سارياً حتى عام 1899 حيث أصبحت ستاندر (نيوجرسي) الشركة القابضة لجميع شركات ستاندر بالإضافة إلى مجموع الشركات الرئيسية: سكوني فاكوم أويل كوربوريشن – شركة مصافي أوهايو أويل كومباني... الخ ولم تعد /ستاندر ترست/ تترك مجالاً من مجالات الصناعة البترولية دون أن يكون لها نفوذ فيه وأصبح المنتجون مضطرين إلى بيع إنتاجهم إلى وكلاء ستاندر وكذلك المصدرون إلى الشراء منها، والموزعون إلى الحد من نشاطهم التسويقي نظراً لمنافسة (الترست) لهم. وأخيراً تمكنت ستاندر من السيطرة على قطاع وتجارة المنتجات داخل الولايات المتحدة وعلى صادرات المنتجات البترولية. ونظراً لأن الولايات المتحدة كانت المصدر الأساسي لتموين العالم بالمنتجات البترولية فقد سيطرت ستاندر على صادرات المنتجات البترولية للعالم وذلك بفضل احتكارها لمعامل التكرير في داخل أمريكا ويبدو أن أمريكا حالياً تحلم بالعودة إلى تلك الأيام التي كانت تهيمن على تجارة صناعة البترول في العالم بعد تحكمها وهيمنتها على بترول العراق. وقد واجهت الشركة أول تحد لسيطرتها على الأسواق الأجنبية إثر دخول البترول الروسي في العقد الثامن من القرن التاسع عشر منافساً لها في الأسواق الأجنبية مما جعل ستاندرأويل تقوم بتأسيس شركات أجنبية تابعة لها لمواجهة المنافسة الروسية ومع نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين فإن ستاندر (حوالي 70 شركة) كانت تسيطر على حوالي ثلث إنتاج الولايات المتحدة الذي بلغ إذ ذاك (52) مليون برميل ومع سيطرتها على مجال النفط ونقله بالأنابيب أصبحت تسيطر واقعياً على 90% من إنتاج أمريكا ولذلك تطلعت إلى الخارج نحو الخليج وبخاصة بعد الحرب العالمية الأولى. في عام 1901 تغلب الإنتاج الروسي على الإنتاج الأمريكي حيث بلغ الإنتاج /12/ مليون طن والواقع أنه منذ عام 1884 تمكنت صناعة البترول الروسية من سد الاحتياجات المحلية وأخذت تغزو أسواق غرب أوروبا بتصدير فائض الكيروسين وزيوت التشحيم إليها. وبعد أن ألغت الحكومة الروسية عام 1877 رسوم الإنتاج على البترول الخام أصبح باستطاعة الكيروسين الروسي منافسة الكيروسين الأمريكي في الأسواق الخارجية. كان آل نوبل (ومنهم مخترع الديناميت ومؤسس جائزة نوبل) وأصلهم من اسكاندنافيا أكبر المساهمين في صناعة البترول الروسية. وكان روتشيلد الثري اليهودي المعروف يقوم بتصدير البترول الروسي منافساً شركة /ستاندر/ وقد دخل روتشيلد فيما بعد مجال الإنتاج في روسيا القيصرية حتى عام 1917 حيث قامت الحكومة الشيوعية بتأميم ممتلكات شركة الهند الهولندية البترولية وممتلكات آل نوبل وبدأ الروس يستخرجون البترول بوسائلهم الخاصة ولحسابهم. لم يقتصر هوس التفتيش عن البترول على أمريكا فقد أخذت الشركات الأوروبية تعمل للحصول على امتيازات التنقيب في مختلف أنحاء العالم والتي يمكن أن يوجد فيها النفط في آسيا وإفريقية وأمريكا الوسطى والجنوبية. ففي عام 1897 تأسست في لندن شركة بتمويل من مؤسسة /روتشيلد باربز/ وكانت شركة صمويل البريطانية نواة هذه الشركة التي سميت شركة شل للتجارة والنقل. وقد حصلت هذه الشركة على امتيازات للتنقيب عن خامات البترول في جزر الهند الشرقية التي كانت تخضع للسيطرة الهولندية. وفي عام 1910 تكونت شركة أخرى باسم الشركة الهولندية الملكية وتقوم هي الأخرى بإنتاج البترول الخام من جزر الهند الشرقية (إندونيسيا حالياً). ولمواجهة منافسة شركة ستاندرد في أسواق الشرق اتفقت الشركتان شركة شل والهولندية الملكية على الاندماج جزئياً في عام 1903 ثم انتهى الأمر باندماج الشركتين اندماجاً كلياً عام 1907 حيث تأسست الشركة الملكية الهولندية (شل) التي أصبحت فيما بعد أكبر منافس لمجموعة /ستاندرد/. كما أصبحت من كبريات شركات البترول العالمية ولها مركزان رئيسيان في لندن وأمستردام. وقد تمت عمليات التوحيد هذه على مراحل ولعب فيها الثري الأرمني (غولبنكيان) دوراً هاماً في هذا الدمج. وقد سيطرت هذه الشركة على إنتاج البترول الخام في جزر الهند الشرقية حتى عام 1912 حينما تمكنت شركة /ستاندرد/ من الحصول على امتياز التنقيب في سومطرا. ولم تتمكن /ستاندرد/ من ذلك إلا نتيجة للاتفاقية التي تمت في عام 1911 بين الشركتين ستاندرأويل وشل والتي نظمت علاقة الشركتين في آسيا إثر حرب الأسعار التي نشبت بينها في أسواق الصين عام 1909. وشركة ستاندرد /في الواقع هي الوحيدة بين الشركات الأمريكية والعالمية التي كانت تعتمد على الاحتياطات البترولية الضخمة في بلادها (الولايات المتحدة)، ولذلك لم تكن تشعر إلزامياً بحاجتها للحصول على مصادر إنتاج أجنبية. أما شركة شل فلا ركيزة لها في بلادها واعتمادها كله على المصادر الخارجية. لذلك ركزت جهودها هي وشركة البترول البريطانية /بريتش بتروليوم/ التي سيمر ذكرها فيما بعد/ على الأسواق الخارجية ولكن بعد الحرب العالمية الأولى –كما ذكرنا- وحاجة أمريكا للبترول لسد النقص المتزايد في احتياطها تهتم بالاستثمارات البترولية في كافة أنحاء المعمورة. وحصلت على العمل في السعودية ثم وضعت يدها على المنطقة العربية والخليج وفيها أكبر مخازن البترول في العالم عن طريق "الأرامكو". أما الشركة الثالثة الكبرى في تاريخ صناعة البترول والتي لعبت دوراً رئيسياً في حياة الخليج والمناطق حوله فكانت شركة بريطانية خالصة وهي شركة (برتش بتروليوم) ب ب B.B وعندما تأسست في فارس أطلق عليها شركة الأنكلو برسيان أي الشركة الإنكليزية الفارسية ثم عدل ليكون الشركة الإنكليزية الإيرانية (إنكلو إيرانيان) ويمكن اعتبار يوم 14 نيسان عام /1901/ و هو مولد هذه الشركة /B.B/ تطوراً هاماً في صناعة البترول التي كانت حتى ذلك الوقت صناعة أمريكية بحتة. وكانت أوروبا تستورد احتياجاتها من الولايات المتحدة، إلى أن دخل المحرك الصناعي ميدان العمل فبدأ اهتمام رجال الأعمال البريطانيون يتجه نحو البترول. وخلال نصف قرن من الزمن أصبحت هذه الشركة إحدى دعائم العالم الرأسمالي المعاصر حتى تاريخ تأميمها عام 1951. ومنذ أن تحولت إلى شركة البترول البريطانية (ب.ب B.B) أسهمت في أربع أو خمس شركات بترولية عاملة في الشرق الأوسط ولا تزال تعتبر إحدى دعائم الدخل القومي البريطاني. وقد وجه نشاط هذه الشركة نحو منطقة الخليج العربي بسبب ما كان لدى بريطانيا من قوة ونفوذ في تلك المنطقة فقد استطاعت سابقاً بعد مجهودات ضخمة وخلال فترة زمنية ليست قصيرة إبعاد كل منافسة دولية لها هناك كما رأينا وكانت الضرورات التجارية تحتم على البريطانيين الإبقاء على نفوذهم قوياً دائماً، ثم كانت الحاجة الماسة للمحافظة على طريق الهند الشغل الشاغل لسياسة بريطانيا الخارجية. وعندما بدأت تظهر مع بداية هذا العصر ملامح الثروة البترولية سارعت بريطانيا لتكون أول من يستفيد من هذه الثروة معتبرة أن ذلك حق خالص لها لوحدها. وقد توافق هذا العصر مع العصر الذهبي للإمبراطورية البريطانية بعد أن احتلت مركز الصدارة للسياسة التي تستهدف التحكم بمنابع البترول وخزاناته. وأصبحت حماية هذا المرفق بالنسبة للاقتصاد البريطاني المحور الذي تدور عليه سياسة بريطانيا في المنطقة أو ما يعرف بسياسة شرق السويس. 2- السيطرة البريطانية على البترول في الخليج. كان البترول معروفاً منذ القدم في تلك المناطق وبخاصة منطقة عربستان وعند سفوح جبال زاغروس في الجنوب الغربي من إيران. وقد نبه إلى وجود البترول أيضاً العالم الأثري الفرنسي (جاك ده مورغان) عام 1892، وتتحكم في المنطقة -التي كانت بعيدة من أن تخضع لحكام طهران- قبائل قوية مثل قبائل البختياري والزند والقشقاوي ومن القبائل العربية بني كعب ومن بعدهم الخزاعلة والمحيسن لذلك لم يكن أحد يجرأ على الدخول في المنطقة مهما أعطاه الشاه القابع في قصره في طهران من ضمانات والأمر دائماً لهذه القبائل أو بالأحرى لرؤسائها، وخلال هذه الفترة كان الصراع سجالاً بين الإمبراطوريتين البريطانية والروسية حول مناطق النفوذ في فارس. وكانت بريطانيا تعمل لوضع إيران تحت نفوذها الاقتصادي لإبعاد الاستثمارات الروسية. وعلى هذا الأساس حصل البارون /جوليوس رويتر/ في عام 1873 على امتياز للبحث عن المعادن في منطقة واسعة من فارس إلا أن الشاه ناصر الدين اضطر تحت ضغط روسيا القيصرية إلى إلغاء الامتياز. وفي عام 1889 أعاد البارون المذكور الطلب وحصل على تصريح بتكوين شركة للتنقيب عن البترول والمعادن ومرة ثانية فشل الاتفاق بين الطرفين فلم يكتشف البترول وابتلعت العملية أموالاً طائلة. وإذا كان المقدر أو الحظ لم يوافق (رويتر) الذي أسس شركة رويتر الإخبارية منذ ابتسم الحظ إلى شخص آخر كما سنرى: أولاً- اكتشاف البترول في منطقة عربستان وبداية مرحلة هامة في الخليج في أحد أيام شهر أيار الحارة عام 1908 تفجر بئر بترولي على عمق 15 متراً من سطح الأرض صدفة بعد مرور سبع سنوات على بدء التنقيب عنه وذلك في مكان يسمى ميدان نفطون الواقع جنوب غرب إيران الحالية وقريباً من ساحل الخليج في المنطقة المعروفة باسم عربستان وسمي منذ ذلك الوقت الذي ابتدأ فيه البترول يتدفق باسم مسجدي سليمان. وقد أخذ البترول يتدفق أمام فرحة المشاهدين والمهندسين بعد أن استبد بهم اليأس خلال تلك الأعوام الطويلة ويقال إن المهندس المشرف على الحفر تلقى أمراً بإيقافه بعد أن يئست الشركة من العثور على البترول بعد أن بلغت تكاليف العمل (250) ألف جنيه وقد لجأ صاحب الامتياز (وليام كنوكس دارسي) الذي كان قد جمع ثروة كبيرة من التفتيش عن الذهب في أوستراليا وهو من أصل بريطاني إلى آل روتشيلد يطلب منهم العون ولكنهم رفضوا. وقد شجعت الحكومة البريطانية التقارب بين دارسي ورئيس شركة بورما أويل اللورد الأسكتلندي /ستراثكونا/ وبدفع من الاثنين تم اكتشاف البترول يوم 26 أيار 1908. وهكذا ظهر البترول في مختلف أنحاء العالم تقريباً لذلك سيبدأ الصراع بين عمالقة المهنة على صعيد النقل بشكل خاص. وحسب ما جاء في كثير من المراجع أن المهندس الذي تلقى البرقية بإيقاف العمل وضع الورقة في جيبه دون النظر إليها أو قراءتها ونسيها. ولم يعثر عليها إلا بعد ظهور البترول الذي غير وجه المنطقة وقفز بها مباشرة لتكون أعظم مناطق العالم أهمية في العصر الراهن. وقد أخذ البترول يلعب دوراً رئيسياً في حياتها. كما أصبحت المنطقة كلها منطقة احتكاك دولية ذات أهمية بالغة جداً ومن بئر مسجدي سليمان بدأ الإنكليز مسيرتهم للسيطرة على البترول العربي بعد أن أظهرت أهمية البترول واكتشافه في أماكن كثيرة من العالم. في 28 أيار عام 1901 حصل (دارسي) على امتياز التنقيب عن النفط واستثماره لمدة (60عاماً ) من الحكومة الفارسية وكان الامتياز يشمل كل فارس (إيران) عدا الأقاليم الشمالية التي كانت قد أعطيت امتيازاتها للروس والتي شملها الاتفاق الذي عقد فيما بعد بين بريطانيا وروسيا عام 1907. وتقاسم الطرفان النفوذ في إيران وقد بلغت المنطقة التي كان على (كنوكس داري) التفتيش عن البترول فيها واستثمارها 770 ألف كم2 وقد دفع دارسي للحكومة الفارسية لقاء ذلك مبلغ عشرة آلاف جنيه كانت بحاجة ماسة إلى هذا المبلغ الذي دفع نقداً، كما تعهد بدفع مبلغ يماثله فيما بعد وبإعطاء الحكومة الفارسية أيضاً (20) ألف كلم بقيمة جنيه للسهم الواحد في الشركة الجديدة التي سميت باسم "النفط الفارسي" (Persian Oil) بالإضافة إلى 26% من الأرباح السنوية الصافية وقد كلف بالتفتيش في المناطق الغربية من الامتياز أحد الجيولوجيين المشهورين وهو ب.ب رينولدز/ وكما ذكرنا ظل يعمل لست سنوات بالتنقيب عن البترول دون جدوى بعد صرف 250 ألف جنيه وعندما طلب مساعدة آل روتشيلد تدخلت الحكومة البريطانية، وقام اللورد الأول للبحرية اللورد فيشر بمساعدة دارسي 1904 وعندها قدم /ستراثكونا/ (بورما أويل) لدارسي المساعدة في عمليات البحث والتنقيب والحفر ولهذا تكونت في العام التالي ما يعرف بنقابة الامتيازات Concession syndicate. وأخيراً ظهر البترول. بعد هذا الاكتشاف تكونت في عام 1909 الشركة الإنكليزية الفارسية A,P,C وأقيم خط للأنابيب يمتد من مسجدي سليمان حتى عبدان على شط العرب بعد اتفاقهم مع الشيخ خزعل أمير المحمرة على استخدام جزيرة عبدان لبناء مصفاة بترولية فيها، وكذلك مرور الأنابيب في أراضيه، وفي عام 1920 بدأت مصفاة عبدان تعمل وسال الذهب الأسود في الأنابيب. وفي عام 1904 عين الأميرال اللورد فيشر اللورد الأول للإمبريالية البريطانية ولأسباب استراتيجية وفنية تقرر بناء وتغيير 56 مدمرة و74 غواصة لتعمل بالوقود (البترول)، وبناء على ذلك قررت الحكومة البريطانية أن تصبح صاحبة أول شركة بترولية في الشرق الأوسط وذلك عن طريق شراء أكبر نسبة من الأسهم في شركة البترول (الأنجلوفارسية). وقد تم ذلك عن طريق لجنة تشكلت لهذه الغاية وتدخل ونستون تشرشل الذي أصبح اللورد الأول للإمبريالية البريطانية وقد منحت الشركة حوالي مليوني جنيه وأصبحت حصة الحكومة البريطانية فيها 51% مقابل تعهد الشركة بتزويد البحرية البريطانية بما يلزمها من بترول واعتمد البرلمان هذه الصفقة ووافق عليها وكان ذلك قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى بستة عشر يوماً. استفاد الحلفاء من وجود شركة البترول في الخليج فائدة كبرى خلال الحرب لتموين الأساطيل البحرية في المنطقة، ويعتقد أكثر الاستراتيجيين البريطانيين أن النصر الذي حققه الحلفاء عامة وبريطانيا بخاصة يعود إلى مصنع تكرير البترول في عبدان. والواقع أن هناك جانباً كبيراً من الحقيقة في هذا القول لأن بريطانيا التي كانت تعتمد على إمبراطوريتها في تموينها الستراتيجي لم تكن لتستطيع إيصال المواد الستراتيجية بالسرعة الضرورية لولا وجود السفن التي بدأت بالاعتماد على البترول دون الفحم وبخاصة السفن الحربية حيث ازداد وزن السفن وازدادت حمولتها بسبب اتساعها وازدادت قوتها كماً وكيفاً ولم يعد هناك الأماكن المتسعة لحمولات الفحم الحجري كالسابق. كما أصبح بإمكانها السير مسافات بعيدة دون تموين يضاف إلى ذلك تخلصت البحرية البريطانية من تأثير الشركات البترولية الأمريكية. بعد الحرب زادت الحكومة البريطانية مساهمتها برأسمال الشركة عام 1919 بمبلغ ثلاثة ملايين جنيه وكانت أرباح بريطانيا خيالية من الشركة طيلة نصف قرن يفوق سبعة أضعاف قيمة رأسمالها بالإضافة إلى أن البترول لم يتوقف عن التدفق على بريطانيا مساهمة في نمو صناعتها ورخائها، في حين أن أصحاب البترول الحقيقيين لم يكونوا ليحصلوا إلا على جزء يسير من ثروتهم الهائلة. شعرت بريطانيا بعد ظهور البترول في إيران بأهمية المنطقة من الناحية الاقتصادية. فوضعت الخطط للاستئثار بالثروة النفطية العربية التي تدل كل الدلائل على وجودها لنفسها وحدها -إن أمكن- وكان أمامها العراق الواقع تحت السيطرة التركية وسواحل الجزيرة العربية المطلة على الخليج وبحر العرب ثم جزر الخليج وهذه المناطق كانت واقعة عملياً تحت السيطرة البريطانية عدا العراق والسعودية لذلك أوعزت للشيوخ في المنطقة بالكتابة إلى السلطات البريطانية بالخليج عارضين عليها احتكار ثرواتهم من معادن وغيرها الموجودة تحت باطن الأرض. وبالفعل فقد كتب شيخ البحرين عيسى بن علي آل خليفة في مايس 1911 إلى المقيم السياسي البريطاني يخبره بأنه لن يقوم باستخراج البترول شخصياً. وأنه لن يعطي الحق في استخراجه لأي جهة كانت إلا بموافقة الحكومة البريطانية. وقد لحقه جميع الشيوخ في تواريخ لاحقة والواقع أن هذه التعهدات ما هي إلا قسم من المعاهدات والاتفاقيات التي ظنت بريطانيا أنها ربطت للأبد هذه المناطق بها مما يسمح لها بالسيطرة على ثرواتها واقتصادها بشكل قانوني. على أساس أن التعهدات كان يقدمها الشيوخ نيابة عن شعوبهم الذين لم يكن لهم دورٌ واقعي. وبذلك ضمنت بريطانيا ثروة المنطقة لمدة طويلة وبعيداً عن المنافسة. وفي الكويت لم يقتصر الإنكليز على استغلال ثروة البلاد بل منعوا كل من يعمل في الكويت من الأجانب بالقيام بأي عمل إذا لم يأخذوا الموافقة البريطانية وبخاصة في مجال الاستثمارات البترولية حتى الرعايا البريطانيين. - ثانياً: السيطرة البريطانية على بترول العراق وتطوراتها بعد أن فرضت بريطانيا سيطرتها على الخليج، أخذت تنظر إلى العراق الذي كان تحت الاحتلال التركي كمنطقة لا يجوز إهمالها اقتصادياً وسياسياً بما لـه من أهمية استراتيجية ولخيراته الوفيرة ومجالات العمل فيها والاستثمار وقد حاولت بريطانيا مراراً التدخل في شؤون العراق وربط اقتصاده بالاقتصاد الهندي ولكنها لم تنجح بسبب معارضة الحكام الأتراك وتخوفهم منها. ولكن الشيء الذي لم تكن تتوقعه هو محاولات الألمان للوصول إلى الخليج عن طريق مد سكة حديد تمتد من برلين إلى الخليج العربي والتي عرفت بالتاريخ باسم سكة حديد برلين – بغداد بعد أن أعطى السلطان عبد الحميد الثاني الضوء الأخضر للألمان بالعمل، وكان السلطان المذكور يكن العداء والكراهية للإنكليز منذ احتلالهم مصر. وقد حاولت بريطانيا إيقاف المد الألماني نحو الخليج وإيقاف تغلغل الألمان في جسم الرجل المريض (الإمبراطورية العثمانية). تركت الحرب الروسية – التركية وخسارة الأتراك فيها أثراً ملحوظاً على عقلية عبد الحميد الذي بدأ باستعادة نفوذ وسلطة الدولة على مختلف الأراضي التابعة لها. وذلك بربطها بشبكة من الخطوط الحديدية بالإضافة إلى فوائدها الاقتصادية حيث يسهل نقل الإنتاج الزراعي من منطقة إلى أخرى ومنذ عام 1881 والاتصالات لم تتوقف بين الألمان والعثمانيين وذلك لربط البلاد بشبكة من الخطوط الحديدية وقد أعد مخططاتها أحد المهندسين الألمان وهو /الدكتور ستروتسبرغ/ ولكن عدم تمكن السلطان من جمع المال اللازم لهذه الغاية ومعارضة الإنكليز كالعادة – أرغماه على الانسحاب من المنافسة الدولية وحل محله أحد البنوك الألمانية. وبعد أن ضمن البنك الألماني امتياز سكة حديد الأناضول عام 1888 لم يضع الأمر سدى لكي يبدأ بالعمل بمد خط حديدي جديد، وبعد تأسيس شركة سكة حديد الأناضول أخذت هذه في مد الخطوط الحديدية في الأناضول. بعد الزيارات التي قام بها الإمبراطور الألماني غيوم الثاني للبلاد العثمانية. أخذت العلاقات تتطور بين البلدين بشكل سريع. وشملت علاقات عسكرية وتجارية وفنية وبدأت الشركات الألمانية الكبرى تدخل الأسواق التركية والعربية ولكن أهم شيء هو حصول الألمان في 27 تشرين ثاني 1899 على امتياز لمد سكة حديد من /قونيه/ إلى بغداد والبصرة، من السلطان العثماني وذلك خلال ثماني سنوات. ومنذ 5 آذار 1903 بدأت شركة الأناضول صاحبة الامتياز بالعمل، في وجه مقاومة شديدة من قبل روسيا وبريطانيا مما يذكرنا بمعارضة الإنكليز لفتح قناة السويس من قبل الفرنسيين وقد رضيت فرنسا بالاشتراك مع الألمان في مد الخط لذلك سكتت عن المعارضة كما أنها حصلت من السلطان العثماني على بعض الامتيازات كمد خط للسكة الحديدية بين دمشق وحماه في سورية بالتعاون مع إحدى الشركات البلجيكية، وبالرغم من أن اتفاقية الخط الحديدي نفسها لم تكن جديدة إلا أن ما نصت عليه الاتفاقية هو أهم من ذلك. فمقابل تمويل العمل، قبل المصرف الألماني /دوتش بنك/ بالحصول على حق استثمار جميع الحقول المنجمية والنفطية المكتشفة على مسافة (30) كم على جانبي الخط المرسوم للخط الحديدي على أن تبقى الحكومة العثمانية مالكة لهذا الخط وتتلقى جزءاً من الأرباح وتظل الإدارة بين الألمان مدة (99) عاماً. أثار هذا المشروع قلق الإنكليز وبخاصة هذا التوغل الألماني حتى العراق، وهذا من شأنه تهديد طريق الهند ولكن الإنكليز لم يحاولوا إيقاف المشروع بل حاولوا احتواءه عن طريق المساهمة في العمل ووصول الخط إلى ميناء البصرة وليس لميناء الكويت. وفي تلك الفترة توجه اهتمام أصحاب المصارف بشكل جدي للأعمال والشؤون التركية التي تهافت عليها الطامعون من كل حدب وصوب وبخاصة رجال الأعمال الإنكليز. وهنا أوفد هؤلاء "أصحاب المصارف" المدعو /أرنست كاسل/ الذي حصل من الحكومة العثمانية على تأسيس مصرف تركي – إنكليزي في الآستانة. خلال هذه الفترة حصل الأميرال الأمريكي /السابق/ الملحق البحري للولايات المتحدة في تركيا هو الآخر عن طريق الرشوة على عدة فرمانات من السلطان، تخوله حق التنقيب والاستثمار في جميع الأراضي العثمانية، بعد أن علم بوجود البترول في /كركوك/ عام 1908. إلا أن سقوط السلطان عبد الحميد أوقف جميع هذه الفرمانات بعد أن قام شيستر (كولبي شيستر) وهو اسم الملحق البحري المذكور آنفاً بإنشاء شركة أمريكية للتطوير في تركيا. وهنا ظهر الأرمني كالوست غلبنكيان الذي كان يعمل في مجال البترول مع عملاق آخر وهو /مانتاشيف/ الذي كان يسيطر على البترول الروسي في باكو، وقد ساعد (غلبنكيان) (أرنست كاسل) على تأسيس البنك البريطاني في تركيا وسمي البنك الوطني التركي وكان هو عضواً في مجلس إدارته كما كان المستشار الخاص /لكاسل/، وقد نصح /غلبنكيان/، /كاسل/ بالاهتمام ببترول كركوك بدلاً من الأعمال المصرفية. وكان /غلبنكيان/ وراء تشكيل شركة جديدة تسمى (الامتيازات الإفريقية والشرقية) واقترح على /أرنست كاسل/ أن يضم مطالبه إلى مطالب الألمان بصورة مشتركة ثم أقنعه بتوزيع حصص الشركة على النحو التالي: - (20) ألف للمصرف الألماني دوتش بنك. - (28) ألف للبنك الوطني التركي. - (32) ألف لغلبنكيان. بعد ذلك باع /غلبنكيان/ (20) ألف من حصصه لأصدقائه في الشركة الهولندية الملكية (شل) (صموئيل ديتردنغ) ولم يترك لنفسه سوى 15% من رأس المال. وكان /غلبنكيان/ قد نبه الحكومة العثمانية إلى الإمكانات البترولية التي يمكن أن يستفيد منها الألمان في امتياز مد خطهم الحديدي. لذلك قامت الدولة باستملاك أراضي ولايتي الموصل وبغداد وسحب الامتياز الألماني ولم يعترض الألمان على هذا العمل بل نزلوا عند رغبة العثمانيين ولكن طلبوا في المستقبل في أي جهة أخرى في هذا المجال لذلك عندما عرض /غلبنكيان/ على الألمان التعاون قبلوا وجرى تشكيل الشركة السابقة والتي مر ذكرها أعلاه والتي استطاعت بمساعدة /غلبنكيان/ إبعاد الأميرال الأمريكي من طريقها. يقول مؤلفو كتاب /الجانب الخفي من تاريخ البترول/ أن /غلبنكيان/ استطاع عن طريق الرشاوى التي وزعها من البواب حتى الباشا. وخلال أقل من عام 1912 أن يحصل على جميع حقوق التنقيب عن النفط على جانبي سكة حديد برلين – بغداد للشركة الإفريقية الشرقية التي أصبح اسمها (شركة البترول التركية). وفي عام 1912 اشتد التزاحم بين أربعة فرقاء للحصول على الامتيازات في ولاية الموصل وبلاد ما بين النهرين والتي أثبتت الدلائل على وجود البترول فيها وكذلك المعادن الثمينة وهؤلاء المتنافسون هم /دوتش بنك (ألمانيا)/ مجموعة شل /والبريطانيون في شركة النفط التركية/ على أن يكون للبنك الوطني التركي (أرنس كاسل) نصف الأسهم بينما يقتسم الألمان ومجموعة شل النصف الباقي بالتساوي ويحصل غلبنكيان في هذه الحالة على 15% تحسب من حصته في البنك الوطني التركي الذي كان هو عضواً في مجلس إدارته وكان هذا الاجتماع الذي حدد الحصص بتحضير من السيد /غلبنكيان/ ومساعيه ولكن وقع حادث مفاجئ عندما أجبر /ونستون تشرشل/ بصفته اللورد الأول للإمبريالية البريطانية وباسم قصر بكنغهام. الإنكليز في هذه الاتفاقية على التنازل لشركة الأنكلوبرسيان (الشركة الإنكليزية الفارسية) فقد كان تشرشل يخشى من سيطرة شركة (شل) على تمويل بريطانيا من البترول باعتبارها شركة هولندية /حتى ذلك الوقت/ وكان يعمل بأي ثمن لحصول الشركة /الإنكليزية – الفارسية/ على الامتيازات البترولية في بلاد ما بين النهرين ولكنه ما كاد رئيس شركة /ديتردنغ/ يعلم بهذا النبأ حتى استبد به الغضب. لأنه يجعل الإنكليز يملكون نصف المصالح البترولية في العراق بعد تنازل "أرنست كاسل" عن حصته البالغة (28) ألف حصة للشركة الإنكليزية الفارسية. ويقال إن /غلبنكيان/ نجح في تهدئة رئيس شركة شل /ديتردنغ/ وباع له (8) آلاف سهم من أسهمه البالغة (12) ألف سهم بشكل جعل ما تملكه شل يصبح على قدم المساواة مع الشركة الإنكليزية الفارسية) وقد حاول الإنكليز إخراج ( غلبنكيان) وتخليصه من حصته البالغة 15% إلا أن الألمان ومجموعة شل تنازلت كل منهما عن 2.5% من حصته /لغلبنكيان/ تقديراً لجهوده السابقة مع الحكومة التركية وفي 24 آذار 1914 جرى اتفاق على حل وسط وزعت أسهم الشركة التركية للبترول من جديد على النحو التالي: 50% للشركة الإنكليزية – الفارسية. 25% للشركة الملكية الهولندية (شل). 20% للمصرف الألماني (رويال دوتش بنك). 5% غلبنكيان الذي أصبح اسمه منذ ذلك الوقت السيد 5%. لقد فضلت بريطانيا بالرغم من رياح الحرب التي بدأت تهب بين الطرفين الإنكليز والألمان أن تتعاون مع الفريق الألماني محتفظة لنفسها بالمركز الأول على أن تحتكر كل شيء لنفسها. وتتعرض لمناورات ألمانيا وعدائها وحملاتها. وبالرغم من تغيير الحكام في تركيا بعد الانقلاب الذي أطاح بالسلطان عبد الحميد من قبل جماعة تركيا الفتاه عام 1908 استطاعت بريطانيا الحصول على موافقة الحكام الجدد على التنقيب عن البترول وفي التاسع عشر من آذار 1914 تم التوقيع في وزارة الخارجية البريطانية اتفاق دولي بين ألمانيا وبريطانيا حول الحصص وكما ذكرنا آنفاً تم الاتفاق في 24 آذار على تقاسم الحصص ثم تقدم السفيران البريطاني والألماني بمسودة الاتفاقية بين الطرفين للحكومة العثمانية للحصول على امتيازات استغلال النفط في الموصل وبغداد للشركة الجديدة التي عرفت باسم (شركة النفط التركية وفي هذه الاتفاقية لم يكن للأمريكان أي دور وأبعد الأميرال شستر وفي 28 حزيران 1914 عهد الوزير التركي سعيد حليم باشا للشركه التركية للبترول وحدها بالامتيازات النفطية في بلاد ما بين النهرين وهكذا استطاعت بريطانيا الحصول على حصة الأسد في هذه الصفقة، وعندما قامت الحرب في آب من ذلك العام كانت بريطانيا تسيطر سيطرة تامة على المصالح البترولية في إيران وفي الوقت ذاته على نصف المصالح البترولية في بلاد ما بين النهرين ولكن الامتياز جمد حتى عام 1918. بعد احتلال العراق صادرت بريطانيا الحصة الألمانية في شركة البترول التركية ولكن لم تكن بريطانيا لوحدها المنتصرة، وبخاصة أن الحرب أظهرت الأهمية الستراتيجية الكبرى للبترول، فكانت هناك فرنسا التي دفعت أكثر خسائر الحرب من أرواح جنودها، وكان لديها أقوى جيش بري لذلك اتفقت مع إنكلترا في 9 أيار 1916 على تقاسم الإمبراطورية العثمانية قبل انهيارها بعامين (اتفاقيات سايكس بيكو). كانت فرصة فريدة لبريطانيا لزيادة نفوذها وسيطرتها على المنطقة، فاحتلت العراق وسورية وفلسطين ووصلت البحر الأبيض المتوسط وأصبح لها حامياتها العسكرية في القاهرة والآستانه وبغداد وحلب ودمشق والموصل والبصرة، وامتد نفوذها من الأهرام حتى البوسفور ومن البلقان إلى الهند. فقد بسطت حكومة لندن حمايتها على مصر منذ مطلع الحرب واستغل /سير برسي كوكس/ قنصل بريطانيا السابق في الكويت والذي عين مفوضاً سامياً في بغداد فرصة انهيار القيصرية الروسية في نهاية الحرب. فألغى الاتفاق البريطاني – الروسي المعقود عام 1907، وفرض على طهران معاهدة حماية تشمل الأراضي الإيرانية كلها في 9 آب 1919، وهكذا بدأت تتكون (إمبراطورية الشرق الأوسط) تلك التي حلم بها دزرائيلي، وبالمرستون، وتشمبرلن لتكون بمثابة صلة وصل بين شرق المتوسط والهند. وبين قبرص وبومباي. وعلى رأس هذه الإمبراطورية تربع /سير برسي كوكس/ وفي مقره في بغداد كان يتحكم في منطقة واسعة ومساحة تضاهي مساحة أوروبا، قد هنأه تشرشل بتربعه على عرش هذه الإمبراطورية. ولكن بريطانيا في الوقت الذي بدأت فيه تشهد تحقيق آمالها التي عملت من أجلها منذ أكثر من قرن، وجدت نفسها عاجزة عن الاحتفاظ إلى النهاية بالمناطق التي تحتلها، لأن ذلك يتطلب قوات ضخمة، وبالتالي نفقات باهظة ويستدعي الاستمرار في التعبئة العامة. وقد حدثت مظاهرات واحتجاجات على عدم تسريح الجنود، لذلك كان لا بد لبريطانيا من أن تعتمد أشخاص وملوك وطنيين محليين للعمل لحسابها، وعلى هذا الأساس نصب عبد الله ملكاً على الأردن، وفيصل على سورية ثم العراق، وفي الحجاز كان الملك حسين بن علي، ومن بعده علي. وكان هم بريطانيا منصباً على البترول وبخاصة بترول العراق كما هو الحال بالنسبة لأمريكا التي تحلم بالتحكم ببترول العراق أيضاً. لقد أدركت كل من بريطانيا وفرنسا برغم سيطرتهما على الشرق وانتصارهما. ضرورة ضمان تموينها بالبترول بعد أن شعرتا بأهميته خلال الحرب العالمية الأولى، ولم تكن أي منهما راغبة بالارتباط بالولايات المتحدة، إلا أن استهلاك النفط للأغراض المدنية والسيارات والطائرات وكذلك استهلاك المازوت (الديزل) من قبل البحرية كان يتزايد باستمرار وبسرعة، وعندما اقتسمت الدولتان ممتلكات الدولة العثمانية وبخاصة الولايات العربية. استولت فرنسا على سوريا ولبنان ووعدتها بريطانيا بالتخلي عن الموصل ثم أخلفت وعدها لقد نصت اتفاقية سايكس بيكو في 6 مايس 1916والتي قسمت المنطقة إلى قسمين تحت سيطرة الدولتين وضع الموصل تحت النفوذ الفرنسي، ولكن دخول الإنكليز العراق واحتلالهم لمنطقة الموصل، ووقوعها تحت سيطرتهم قلب الأوضاع رأساً على عقب لمعرفة بريطانيا ما تحويه الولاية من ثروات بترولية هائلة فأعلنت عن بقائها في الموصل، وابتدأ الخلاف بين الحلفاء على تقاسم الغنائم دون النظر لشعوب المنطقة وتطلعاتهم. والنقطة الوحيدة التي اتفق عليها الإنكليز والفرنسيون هي تنصيب فيصل ملكاً على العراق بعد خروجه من سورية على يد الجنرال غورو كما اتفق الطرفان على إبقاء الأمريكان خارج المناقشة. وأما البترول فكان من نصيب بريطانيا. وقد صرح /أدوار ماكي أدجار/ رئيس مجموعة البترول البريطانية عام 1919 "إن الوضع البريطاني بالنسبة للبترول مطلق. فكل ما هو معروف ومحتمل أو متوقع من آبار البترول خارج الولايات المتحدة في يد بريطانيا أو تحت إدارة بريطانية أو مستثمر بأموال بريطانية وعلى الأمريكيين منذ الآن فصاعداً أن يشتروا من الشركات البريطانية وأصبح العالم الخارجي محصناً ضد هجوم المصالح الأمريكية. نحن ممسكون بقوة والذي لا بد أن يصبح حالاً /نصيب الأسد/ من المواد الخام التي لا يمكن لأي دولة صناعية في العالم أن تستغني عنها". وعندما احتجت فرنسا على بريطانيا من أجل ولاية الموصل. أعطتها بريطانيا حصة الألمان في شركة البترول التركية ومقدارها 25%،وقد عرفت هذه باتفاقية (لونغ برنجر) ثم اقرت اتفاقية سان ريمو في 24 نيسان 1920 الاتفاقية المذكورة. وأصبح الفرنسيون لأول مرة منتجين للبترول وفي 10 آب 1920 تم التوقيع على معاهدة /سيفر/ التي حددت معالم التسوية بين الحلفاء والأتراك سواء فيما يتعلق بالأرض أو النفط، ولكن حكومة أتاتورك رفضت الموافقة على هذه الاتفاقية واعتبرتها مضرة بالمصالح التركية، واعتبرت الموصل جزءاً لا يتجزأ من الأراضي التركية بينما كانت فرنسا تعتبرها جزءاً من سورية، وقد تم تعديل الاتفاقية المذكورة بمعاهدة لوزان في 24 نيسان 1922 التي نصت على أنه إذا لم تتفق الدولتان التركية والبريطانية حول الموصل خلال فترة محددة ينبغي أن تعرض القضية على عصبة الأمم من أجل التوصل إلى قرار نهائي وبعد مناورات طويلة، وإجراء استفتاء قررت عصبة الأمم في 26 كانون الأول 1925 ضم ولاية الموصل للعراق على أن يظل العراق لمدة (25) عاماً تحت الانتداب البريطاني وأن يخصص 10% من إنتاج البترول في المنطقة المتنازع عليها لتركيا وقد أقرت فرنسا مرغمة بذلك لأنها كانت بحاجة إلى موافقة الإنكليز لاحتلال منطقة الرور الصناعية في ألمانيا ومن الملاحظ أن بريطانيا لم تكن لتتمسك بالعراق لولا وجود البترول الذي لم يظهر حتى ذلك الوقت، وربما كانت ستتخلى عن ولاية الموصل لتركيا. كما فعلت فرنسا فيما بعد وتخلت عن لواء اسكندرون لتركيا. وكما تخلت بريطانيا عن فلسطين لليهود، كما تنازلت لفرنسا عن الحصة الألمانية في البترول العراقي، ولم يكن كرماً منها بل لقاء مرور الأنابيب الحاملة للنفط في سورية الواقعة في ذلك الوقت تحت الانتداب الفرنسي ومن المفروض أن تخصص هذه العائدات لفائدة سورية وليس لفائدة فرنسا لأن أنابيب النفط ستمر في أراضٍ سورية وليس في أرض فرنسية (حسب قولهم). 3- نزول الولايات المتحدة إلى الميدان النفطي في الخليج والمنافسة بين الشركات الأمريكية والبريطانية بعد الحرب العالمية الأولى بدأت تظهر في منطقة الشرق الأوسط وبخاصة في الخليج قوى دولية جديدة ذات مصالح إلى جانب بريطانيا. وقد ابتعدت أو أبعدت روسيا كلياً بعد خروجها من الحرب العالمية الأولى وكشفها لاتفاقية (سايكس – بيكو) السرية مع بريطانيا وفرنسا أما القوة الجديدة التي ظهرت فهي الاستثمارات الأمريكية وبخاصة البترولية بعد النزيف الكبير الذي حصل في البنية البترولية الأمريكية خلال الحرب. والتي كانت آبار النفط الأمريكية تتحمل لوحدها تقريباً استهلاكات الحرب في أوروبا بالإضافة إلى التقدم الذي بدأ يظهر في وسائط النقل وأجهزة الطاقة التي تعتمد على البترول فمنذ عام 1920 أحس الباحثون الأمريكيون مسبقاً بهذا التطور الهائل. فأطلقوا صيحة الإنذار ونبهوا فيها إلى قرب نضوب آبار البترول الأمريكية وضرورة الاقتصاد بالاستهلاك الداخلي أو اللجوء إلى الاستيراد من الخارج والحفاظ أو الاحتفاظ بمخزون بترول وطني إذا أراد الأمريكيون استخدام عشرة ملايين سيارة وقد ساهمت الصحافة بهذه الحملة وعندها فكر الأمريكيون باستعادة حقوق الأميرال /شيستر/ في البترول التركي وأقدميته ولكن فات الأوان لاستعادة مثل هذه الحقوق لذلك فكر الأمريكيون بإجراء اتصال مع بعض الوطنيين الأتراك الذين يفكرون باستعادة آبار الموصل للوصول إلى هدفهم، وللغاية نفسها بدأت الولايات المتحدة تمون سراً حركة /أتاتورك/ أو الحركة الكمالية (ما أشبه اليوم بالبارحة) الذي سينجح في الاستيلاء على السلطة 1923. ولكن الأمريكيين نجحوا في مكان آخر، فكما أخذت فرنسا حصة لها في بترول العراق وأسست شركة لهذه الغاية وإدارة الحصة المذكورة طالبت أمريكا بحصة في ذلك البترول وإدخالها كشريك جديد في استغلال حقول النفط الغنية نتيجة إسهامها الكبير في نصر الحلفاء خلال الحرب كما طالب الأمريكيون بسياسة الباب المفتوح في تلك المنطقة وقد أصم الإنكليز آذانهم في بداية الأمر، إلا أن شخصاً أقنعهم أخيراً برفض الاستثمار السلبي لآبار البترول وهذا الشخص هو الأرمني غلبنكيان. لقد ارتبط النشاط الأمريكي الجديد نحو البترول في الشرق الأوسط بسياسة الباب المفتوح الذي كانت تلتزم به السياسة الأمريكية. وكانت تطالب أمريكا كلاً من الدولتين المنتدبتين بريطانيا وفرنسا أن تضمن كل منهما لمواطني الدول الأعضاء في عصبة الأمم المساواة مع مواطني الدول المنتدبة في مختلف النواحي الاقتصادية والتجارية والصناعية. واقتناء الأموال والأموال الثابتة وحرية المرور وكان هدفها إدخال المصالح البترولية في المنطقة، ولكن الإنكليز كانوا في قمة جبروتهم. وتجاهلوا كلياً المطالب الأمريكية لمعرفتهم ماذا تستهدف أمريكا وهو الحصول على نصيب كبير من ثروة المنطقة البترولية. وقد أعلن اللورد /كيرزول/ المعروف بعجرفته صراحة أنه ضد دخول المصالح الأمريكية في المنطقة وذكر بأن نصيب بريطانيا من الإنتاج العالمي لا يتعدى 4% في حين أن الولايات المتحدة تنتج داخل حدودها ما مقداره 70% في الوقت الذي يستخرج فيه رعاياها من حقول بترول المكسيك ما مقداره 12% من الإنتاج العالمي كما أشار إلى القيود التي تفرضها الولايات المتحدة على النشاطات في أمريكا الوسطى. بعد نصيحة (غلبنكيان) أيدت وزارة الخارجية وجهة النظر هذه واقترحت على الأمريكيين التجمع في شركة واحدة هي الهيئة التعاونية لإنماء الشرق الأدنى التي يمكنها الحصول على حصة معقولة من رأسمال الشركة التركية للبترول. وقد حصلت شركة ستاندرد أويل /نيوجرسي/ (أسو) ساندارد (إنديانا) سنكلير وتكساسو على 25% من رأسمال الشركة العراقية مثل الشركة الفرنسية للبترول أما ال 50% الباقية فقد ظلت من نصيب الشركة الإنكليزية – الفارسية: B.P إلا أن /ديتردنغ/ رئيس /شل/ لم يكن ينوي السماح لهذه الشركة المنافسة بأخذ حصة الأسد وهنا تقدم /غلبنكيان/ الذي كانت تربطه ب /ديتردنغ/ صلات جيدة عارضاً مساعيه الحميدة وبعد محادثات طويلة في فندق كارلتون بلندن تم الاتفاق على أن تتخلى الشركة الإنكليزية – الفارسية عن نصف حصتها للشركة الهولندية للبترول /شل/ مقابل حصولها على البترول المستخرج، وكان ذلك بمساعي /غلبنكيان/ الذي قضى سبع سنوات كاملة يلاحق هذا الموضوع. وهكذا وزعت أسهم الشركة العراقية على المصالح البريطانية والأمريكية والهولندية /وغلبنكيان/ على الشكل التالي: - مجموعة الشركة الإنكليزية – الفارسية مجموعة دارسي 23.75 B.P - شركة البترول الأنكلوسكونية (مجموعة شركة شل والشركة الملكية الهولندية) 23.75%. - الشركة الفرنسية للبترول 23.75%. - الهيئة التعاونية الأمريكية لإنماء الشرق الأدنى 23.75%. - شركة التنقيب غلبنكيان 5% دون أن يكون له حق التصويت. وتم التصديق على هذا الاتفاق رسمياً، وجدد في مؤتمر جمع الأطراف كلها في فندق Desthermes /ديسيرمس/ خلال شهر حزيران 1928، كما اتفق الجميع في المناسبة نفسها وبعد سنوات من المباحثات على تقاسم كل بترول يكتشف من قبل أحدهم على أرض الإمبراطورية العثمانية ويقول مؤلف كتاب /الجانب الخفي من تاريخ البترول/ في الواقع لم يكن لهذه الاتفاقيات أن تتم إلا بفضل الملك فيصل الأول الذي كان يحاول التملص من الوصاية الإنكليزية بعد أن حارب الفرنسيين". ومما يذكر أن البترول في العراق تدفق قبل 75 عاماً من الآن وذلك في مكان يدعى /بابا قرقر/ وفي الساعات الأولى من صباح 25 تشرين أول 1927. وقد وصل ارتفاع السائل إلى 15 متراً في الهواء ولا يبعد هذا المكان كثيراً عن مدينة كركوك في المنطقة الواقعة شمال العراق وقريباً من الموصل أيضاً وكانت المؤشرات واضحة على وجود النفط منذ آلاف السنين في منطقة بابا قرقر وكان الاعتقاد بأن المنطقة أتون مشتعل حسبما ورد في كتاب /دانييل/ من الإنجيل. لقد أراد الأمريكيون أن يبقى الباب مفتوحاً في بقية المناطق. وكذلك تأمين غيرهم للمنافسة ولكن الفرنسيين /وغلبنكيان/ أصروا على أن يكون أي امتياز جديد في أراضي الدولة العثمانية المغلوبة من حق جميع الفرقاء حسب معادلة التقسيم في بترول العراق، على أن تكون المنافسة حرة ومفتوحة في الأراضي التي لم تكن خاضعة للدولة العثمانية وكانت ثمة مشكلة في تحديد الأراضي التي كانت تخضع للحكومة العثمانية فقد كانت الحكومة العثمانية تعتبر ارض كثيرة تابعة لها ولها السيادة عليها، في حين أنها لم تكن تمارس أي نفوذ أو سلطة واجتمع الفرقاء في مدينة /اوستنر/ عام 1928. وجرى نقاش طويل حول الموضوع وهنا تدخل /كما يقال/ /غلبنكيان/ نفسه ليسوي الأمر بعد أن كاد المؤتمر أن يفشل بسبب عدم الاتفاق على خارطة الدولة العثمانية وحدودها. وهنا فتح /غلبنكيان/ خارطة كبرى للشرق الأدنى اشتراها من إحدى مكتبات /أوستنر/ على الطاولة، وتناول قلماً أحمر سميكاً ورسم به خطاً على الخريطة ضم حدود السعودية وإمارات الخليج وقطر والبحرين، عدا الكويت فقد ظلت خارج الخط الأحمر. لأن الجميع يعرفون أن الأمريكيين (شركة غولف) يقومون بالتنقيب في الكويت عن البترول. وقد قال /غلبنكيان/ الذي أنقذ الموقف "هذه هي الإمبراطورية العثمانية كما عرفتها عام 1914. وأنا أعرف الناس فيها لأني ولدت فيها وعشت فيها وخدمتها. فمن كان منكم يعرفها أكثر مني فليتفضل" وانكب الأعضاء على الخارطة ينظرون فيها إلى الخط الأحمر الذي أصبح شهيراً فيما بعد وتحمل اسمه (اتفاقية الخط الأحمر) وفي 31 تموز 1928 وفي العاصمة البريطانية لندن تم ضم خارطة الخط الأحمر إلى محاضر الجلسات السرية التي لم تبلغ لأحد وبخاصة العرب. سر الأمريكيون عندما وجدوا أن الكويت خارج نطاق الخط الأحمر وهي المكان الذي كانوا يعتزمون التنقيب فيه عن النفط، كما سر البريطانيون الذين رأوا البحرين وقطر وكل مشيخات الخليج وإماراته داخل الخط الأحمر أي أن تلك البلاد كانت تخضع للحكومة العثمانية السابقة، في حين كان الإنكليز لا يعترفون في ذلك الوقت للأتراك بالسيادة عليها، وبمقتضى هذه الاتفاقية يلتزم الفرقاء بعدم التدخل منفردين بصورة مباشرة أو غير مباشرة في إنتاج أو صناعة البترول في أراضي الدولة العثمانية السابقة باستثناء الكويت إلا مع الفرقاء أو بعد الحصول على موافقتهم والواقع أن اتفاقية الخط الأحمر ما هي إلا إعادة للاتفاقية التي عقدت في آذار عام 1914 بين ممثلي ألمانيا – بريطانيا – البنك القومي التركي – مجموعة دارسي الذين كانوا يشكلون أعضاء شركة البترول التركية صاحبة أول امتياز في العراق وهكذا ضمنت بريطانيا كل نشاط بترولي في المنطقة لصالحها ويبدو أن هذا الخط لم يكن حاسماً ولا مانعاً، ولم يستعمل إلا عندما كانت الدولتان الكبيرتان بريطانيا وأمريكا تريان الحاجة إليه. فالأمريكيون حصلوا على امتياز للتنقيب عن النفط وحدهم في البحرين، وكذلك في الأراضي السعودية الواقعة على الخليج، وقاسموا البريطانيين نفط الكويت ولا شك أن الأمريكيين كانوا منافسين أقوياء للإنكليز في المنطقة فبعد أن كان الإنكليز يتحكمون مائة% بكل النفط أصبح بعد فترة ليست طويلة أغلبه بيد الأمريكيين. وقد ظلت جميع الأطراف تحترم هذه الخارطة فترة طويلة ولكن بعد عام 1946 أصبح حبراً على ورق بعد إعلان الفريق الأمريكي في هذه الشركة "شركة البترول العراقية" بأنه حل من الاتفاقية وتبعه جميع الفرقاء بغية المشاركة في الأعمال البترولية الواسعة التي بدأت بها الشركة العربية الأمريكية للبترول "أرامكو" في المملكة العربية السعودية. وقد حدث ما كانت تخشاه بريطانيا من التفوق الأمريكي بعد التحلل من اتفاقية الخط الأحمر وقد أدى ارتباط الشركات الأمريكية السبع التي تؤلف هيئة إنماء الشرق الأدنى باتفاقية الخط الأحمر إلى شل نشاطها الخارجي. وساعد الشركتين الأمريكيتين "سناندارد أوف كاليفورنيا وستاندارد أوف تكساس) اللتين لم تشتركا في التوقيع على الاتفاقية بأن تعملا بحرية في الجنوب، حيث حصلتا على امتيازات ثمينة في البحرين أولاً ثم في المملكة العربية السعودية ثانياً. كانت امتيازات الشركة مقتصرة على شمال العراق "شرق دجله" مع استثناء المنطقة المتنازل عنها والتي هي على الحدود الإيرانية – العراقية، والتي كانت إيران قد تنازلت عنها لتركيا عندما كانت تحتل العراق ثم أعطي لها الامتياز في تلك المنطقة. وفي عام 1932 أعطت الحكومة العراقية امتيازات للتنقيب عن البترول غرب دجلة وشمال خط العرض 33 إلى الشركة البريطانية المسجلة باسم BOD. وكان يشترك في هذه الشركة مساهمون إيطاليون وألمان وبالرغم من المجهود الكبير الذي بذلته الشركة إلا أنها لم تنجح، مما دعا شركة بترول العراق للسيطرة عليها. وقد أعطي امتيازها لشركة بترول الموصل المحدودة، وفي 29 أيلول 1938 حصلت شركة العراق من الحكومة العراقية على امتياز مدته خمسة وسبعون عاماً للتنقيب عن البترول في منطقة البصرة. وعلى أثر ذلك تألقت شركة بترول البصرة المنبثقة عن شركة بترول العراق وقد عقد هذا الاتفاق مع الشركة في 29 تموز 1938. وكان محيط امتيازها واسعاً يضم سهول ما بين النهرين، ولكن البترول لم ينفجر إلا بعد عدة سنوات في منطقة /الزبير/ الواقعة إلى الجنوب وبالقرب من شط العرب وفي أيلول 1948 اكتشف البترول بالقرب من البصرة وفي عام 1954 اكتشف بئر في الرميلة أكثر غزارة من الأول. وكانت آبار هذا الحقل أعمق حوالي أربعة أضعاف عمق الآبار في حقل كركوك وأن طبقة الرمل النفطية يبلغ عمقها ميلين وقد ربطت حقول البترول الشمالية بالجنوبية عن طريق الأنابيب ثم بالبحر الأبيض من جهة في موانئ بانياس في سورية وطرابلس في لبنان وحيفا في فلسطين ولكن احتلال اليهود لحيفا أوقف العمل بخط الأنابيب المذكور كما تم ربط هذه الحقول بالخليج عن طريق حيفا والفاو وأم قصر وغيرها. لم تكتفِ شركة بترول العراق "أو بالأحرى الاستثمارات البترولية الإنكليزية أو الأخوات السبع التي دام حكمها للشرق الأوسط منذ عام 1919-1945 بالعراق. فقد مدت نشاطها إلى قطر حيث كانت شركة الأنكلوإيرانيان) /انكلوبرسيان سابقاً/ قد حصلت على حق التنقيب في المنطقة من قبل حاكم قطر. وكان ذلك بعد قليل من اكتشاف الأمريكيين للبترول في البحرين عام 1930 ثم إن الحاكم وافق بتاريخ 17 مايس 1935 على هذا الامتياز وبعد ذلك وبالاتفاق مع شركة نفط العراق تعاونتا على تشكيل شركة للعمليات سميت /شركة التنمية البترولية/ (قطر) وابتدأت الشركة العمل عام 1937 وكان أول بئر مكتشف هو بئر دخان في كانون الأول 1939، وبسبب الحرب أغلقت الشركة جميع حفرياتها وآبارها، وظل ذلك حتى ما بعد الحرب عام 1947 حيث أعيد العمل عام 1947. خلال هذه الفترة كان الأخطبوط الآخر يتحين الفرصة ليلف بأذرعه المنطقة العربية التي لم تثر نهم الاستثمارات البريطانية حتى ذلك الوقت، وهذا الأخطبوط هو الاستثمارات الأمريكية ممثلة بالشركات البترولية وما من شك في أن أحداً من سكان المنطقة ما كان ليلتفت إلى القادم الجديد بعد أن وجد نفسه أسير الاحتكارات البترولية الإنكليزية، ومن ورائها الاستعمار البريطاني المهيمن عليها وبالأحرى صاحب السيادة، فقد استطاعت الاستثمارات البريطانية استيعاب المنافسة الفرنسية، وحتى بعض الشركات الأمريكية وقيدتهم باتفاقية الخط الأحمر. ثم باتفاقية قصر /اشنشاري/ في اسكتلنده الذي جمع رؤساء ستاندرد (نيوجرسي) إيكسون. /والتر تيفل/ والشركة البترولية الإنكليزية الإيرانية جون كودمان بحجة حضور حفلة صيد كبيرة، وخلال أوقات الفراغ اتفق الجمع على الوقوف بوجه القادمين الجدد إلى المنطقة كشركة (سوكال) أي (ستاندرد أويل كومباني) في البحرين والعربية السعودية (وغولف) في الكويت، بعد فشل لورنس في الحصول على البترول السعودي كما اتفق هؤلاء على تشكيل احتكار سري للبترول مع توزيع عادل للأسواق. وتحديد النمو وعقلنة الإنتاج واستقرار للأسواق، ووضع حد للأسعار، وانضمت إلى هذا الاتفاق (15) شركة أمريكية أخرى منها أربع رئيسية (ستاندارد أويل كاليفورنيا – غولف- بيكساكو- وموبيل) وهكذا تكون (مع استاندارد أويل نيوجرسي) (وشل) (وشركة الأنكلو برسيان) الاتحاد الاحتكاري الشهير (للأخوات السبع). كان القادمون الجدد يعملون للحصول على السمعة الحسنة وبالعمل الجيد والابتعاد عن السياسة بالإضافة إلى حب المغامرة والجرأة والسرعة في اتخاذ القرار حصولا على كل شيء وأخذوا يتصرفون بكل شيء، وأصبحت ولا تزال المنطقة حيوية وهامة جداً لهم في جميع النواحي الاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية. كانت الحاجة ماسة لخروج الشركات البترولية الأمريكية للتفتيش في الخارج عن البترول ويعود ذلك إلى الكميات الهائلة التي أخذت تفقدها الآبار الأمريكية –كما أسلفنا- في الولايات المتحدة لذلك أخذت بالتفتيش عن المواد الخام الخارجية، لتقف أمام التطور الآلي الهائل الذي ظهر بعد الحرب العالمية الأولى. وبالرغم من وجود حصة أمريكية في شركة نفط العراق إلا أن الأمريكيين لم يكونوا أحراراً في هذه الشركة التي تسيطر عليها بريطانيا ولم يكن بإمكانهم التوسع وبخاصة في المنطقة العربية عن شركة بترول العراق لذلك بدأ التفكير في الدخول المباشر إلى المنطقة بالرغم مما أقامه الإنكليز ضدهم من حواجز وهنا تبدأ قصة شركة الأرامكو بالظهور. وتبدأ القصة منذ حصول شركة ستاندارد أويل كومباني أوف كاليفورنيا SOCAL على امتياز التنقيب عن البترول في البحرين والشركة المذكورة هي الوحيدة من بين الشركات الأمريكية الكبرى التي كان لها اهتمامات خارج الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الأولى بالإضافة إلى أنها من كبريات الشركات المنتجة في الولايات المتحدة نفسها وتعتبر درة شركات روكفلر المعروفة باسم ستاندارد وفي عام 1930 كان لها نشاط في ستة بلدان دون أن تلاقي النجاح المطلوب، وأخيراً وجدت في الميجر النيوزلندي (فرانك هولمز) المعروف بغرابة أطواره ضالتها المنشودة وكان هذا الرجل الذي خدم في البحرية الأمريكية سابقاً قد طاف في المنطقة العربية مع بداية العشرينيات ووصل إلى البحرين عام 1920 على أساس التفتيش عن المياه, ولكن تفكيره الحقيقي في الواقع كان منصباً على البترول والعمل على الحصول على الامتيازات في المنطقة لصالح شركة بريطانية صغيرة تسمى (استرن أند جنرال سندكين) وقد زار عام 1922 مناطق الجزيرة العربية وقابل الملك عبد العزيز آل سعود واتفق معه على التنقيب عن البترول في المنطقة الشرقية بمساحة 15 ألف كم2 وذلك بمحاذاة الخليج مقابل قسط سنوي بقيمة 2500 جنيه استرليني ولم يكن لدى هولمز الوسائط الكافية لكي ينقب جدياً داخل المنطقة حيث امتيازه وفي عام 1927 أقلع عن دفع القسط السنوي المترتب عليه ثم تخلى نهائياً عن الامتياز وتوجه إلى البحرين وكان قد حصل أيضاً عام 1925 على اتفاق جدده في عام 1927 ولما لم يجد هولمز البترول لا في الإحساء ولا في البحرين عرض امتيازاته على الشركات البريطانية التي رفضت مثل هذا العرض لاعتقادها بعدم جدوى المحاولات التي تبذل بسبب تأكدها من عدم وجود البترول في المنطقة وهنا عرض هولمز على الشركات الأمريكية ما لديه من امتيازات فاشترت شركة "غولف أويل كوربوريشن" منه امتياز البحرين عام 1927 وبما أنها كانت مرتبطة باتفاقية الخط الأحمر لذلك اضطرت لبيع الامتياز في البحرين لشركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا SOCAL التي لم توقع على اتفاقية الخط الأحمر، وعندما احتج الإنكليز وتدخلوا لدى شيخ البحرين للتخلي عن الاتفاقية مستندين للاتفاقيات الأبوبة المقصودة بين بريطانيا وشيخ البحرين عام 1914م والتي تمنع الحاكم من القيام بإجراء كهذا دون موافقة الحكومة البريطانية وأخذت في وضع العراقيل أمام الشركة المذكورة التي اشتكت لوزارة الخارجية الأمريكية وتدخلت هذه بالأمر وانتهى بموافقة بريطانيا بعد أن أحدثت الشركة المذكورة بالحيلة في كندا (باعتبارها أرض بريطانية) شركة البحرين للبترول التي استخرجت النفط هناك. ولكن بريطانيا اشترطت أيضاً توظيف البريطانيين في معظم وظائفها العاملة في البحرين وأن يكون اتصالها بحاكم البحرين عن طريق موظف بريطاني ترضى عنه الحكومة البريطانية ثم تم تسجيل الشركة في البحرين باسم شركة نفط البحرين المحدودة (بابكو BABCO) على قاعدة الشروط التي صاغتها السلطات البريطانية وبموجب القانون الكندي لتكون بشكل غير مباشر معتبرة شركة بريطانية. وأشد ما كان في المنافسة بين الشركات البريطانية والأمريكية هو الحصول على نفط المملكة العربية السعودية فقد كانت منافسة حامية بين الشركات الإنكليزية ومعها شركات الأخوات السبع والشركات الأمريكية وتبدأ القصة عندما زار السعودية /شارل كراين/ رئيس لجنة كراين المعروفة والتي زارت سورية للاطلاع على رغبات السوريين في الانتداب. وقد استقبل المذكور من قبل العاهل السعودي في شهر شباط 1931 وبناء على طلب الملك عبد العزيز أرسل كراين عالماً جيولوجياً خبيراً في البترول وهو السيد /كارل تويتشل/ الذي جاب أنحاء المملكة السعودية طولاً وعرضاً والذي أكد آمال /فيلبي/ وتوقعاته عن وجود البترول وكان هذا قد استطاع اكتساب ثقة العاهل السعودي الملك عبد العزيز وأصبح من مستشاريه الخاصين بعد أن أصبح وهابياً واعتنق الدين الإسلامي وتلقب باسم عبد الله فيلبي، وقد لعب هذا دوراً كبيراً في خدمة المصالح البريطانية والأمريكية على حد سواء وكان من الناحية الظاهرية أيضاً الوكيل العام لشركة فورد في المملكة العربية السعودية والتي ساعدته على جمع ثروة كبيرة وقد رزق عدة أولاد وأحدهما أصبح فيما بعد الجاسوس الشهير لصالح الاتحاد السوفييتي. بدأت شركة ستاندرد أويل كاليفورنيا (SOCAL) تجس نبض (جون فيلبي) وإمكانية تعاونه معهما فقبل أن يقوم بدور المفاوض مع الملك لحساب الشركة، وهنا أرسلت الشركة برقية للملك عن طريق فيلبي تكرر طلبها في إرسال بعثة جيولوجية للقيام بالدراسات الأولية في منطقة الإحساء على أن تجري مفاوضات بعد ذلك حسب وجود البترول أو عدمه، ولكن الملك رد بأن تكون المفاوضات على الامتيازات قبل القيام بأبحاث جيولوجية. بعد ثلاثة شهور حضر السيد (لويد هاملتون) المستشار القانوني لشركة ستاندارد أويل كاليفورنيا إلى جده في 20 شباط عام 1933مع بعثة خبراء على رأسها (كارل تويتشل) وفي بداية المفاوضات وجدت الشركة نفسها أمام منافسة قوية من شركة بترول العراق، وكان رئيسها /لونفريك/ موجوداً في جدة قبل مدة طويلة وهنا وجدت الشركتان المتنافستان أنهما متعادلتان في نسبة النجاح في إحدى أمسيات شهر أيلول 1933 ولم تقتصر المنافسة التي صادفتها الشركة على شركة بترول العراق بل ظهر أيضاً (هولمز) لبضعة أيام كمنافس ولكنه لم يلاقِ التشجيع الكافي لذلك آثر الاختفاء من الساحة. في تلك الليلة على الرغم من التردد الظاهر على الملك عبد العزيز الذي كان قد تخلص من معاهدة 1910 والتي كانت تشبه المعاهدات التي عقدتها بريطانيا مع دول الخليج وهي المعروفة بالمعاهدات الأبدية وتم إلغاؤها عام 1925، وأصبح حراً يتصرف بموارده الطبيعية وبعد انتصاراته على الهاشميين وتثبيت ملكه أرسل لكل من الممثلين المتنافسين رسالة يشير فيها إلى أن الامتياز سيمنح للشركة التي تستطيع أن تدفع فوراً مبلغاً من المال قدره مائة ألف جنيه إسترليني ذهباً كسلفة على العائدات التي تستحق فيما بعد إذا اكتشف البترول وقد أراد الإنكليز أن يدفعوا بالجنيهات الإسترلينية أو الروبيات ولكن كان فيلبي قد نصح الملك بأن يطلب مبلغاً ضخماً من المال كما نصح هاملتون بأن يعرض الدفع بالذهب الأمر الذي أقنع الملك بالعمل وكان مثل هذا المبلغ ضخماً جداً في ذلك الوقت مما جعل الشركة البريطانية تتردد بدفع المبلغ بالإضافة إلى أن الإجراءات الروتينية البريطانية كانت بطيئة بينما أقدمت الشركة الأمريكية على لسان (هاملتون) وأعلنت أنها وضعت في حساب الملك وباسمه في إحدى المصارف مبلغاً قدره خمسون ألف جنيه ذهباً أي نصف المبلغ الذي طلبه الملك وقد استقبل هاملتون بحضور فيلبي استقبالاً جيداً وأعطي لصالح SOCAL امتيازاً لمدة ستين عاماً مقابل دفع القيمة ذهباً وبلغت قيمة الامتياز 35 ألف ليرة ذهباً دفعها هاملتون بعد أن اشتراها من لندن لأن تصدير الذهب كان ممنوعاً في الولايات المتحدة وفي 29 أيار 1933 وقعت الاتفاقية في جده ثم وقعها الملك عبد العزيز ودخلت في التنفيذ في 14 تموز ونشرت في الجريدة الرسمية للحكومة السعودية وهكذا تقاسمت في الواقع حتى ذلك الوقت بريطانيا وأمريكا (بترول العرب) وفي تشرين الثاني عام 1933 أعطي الامتياز لشركة كاليفورنيا ارابيان ستاندرد أويل كومباني "الكازوك" التي شكلتها شركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا وقد تم تغيير اسم الشركة في كانون الثاني 1944 لتصبح شركة الزيت العربية الأمريكية المعروفة باسم أرامكو (ARAMCO). 4- التعسف في تحديد أسعار البترول المعلنة والخسائر التي تلحق بالمنتجين كانت أسعار النفط قبل الحرب العالمية الثانية يجري تحديدها وفق نظام "نقطة الأساس المنفردة BASING POINT SYSTEM" ويعني ذلك أن تنسب أسعار النفط في جميع موانئ العالم إلى منطقة الخليج الأمريكي وذلك عندما كانت أمريكا المنتج والمصدر الرئيسي للنفط.. وبعبارة أخرى فيكون السعر المعلن للنفط العربي في ميناء التصدير مساوياً لسعر النفط في الخليج الأمريكي. كما أن النفط العربي في هذا السعر المعلن يخصم منه تكلفة النقل (المسافة) من الخليج العربي إلى الخليج الأمريكي بالإضافة إلى مبلغ 10.5 سنت وهي قيمة ضريبة على الواردات الأمريكية مضافاً إليها رسوم المرور في قناة السويس. أما بعد الحرب العالمية الثانية فقد تحولت الولايات المتحدة من بلد منتج للنفط ومصدر له إلى بلد مستورد للنفط حيث أصبح الإنتاج النفطي فيه لا يسد الاستهلاك المحلي كذلك تحولت دول أوروبية واليابان من الفحم إلى النفط لبناء اقتصادياتها التي حطمتها الحرب العالمية الثانية وهنا ازدادت الحركة التجارية العالمية للنفط وانقلبت المعادلة السابقة عكسياً كما اضطرت الشركات لهذه الأسباب إلى اعتماد اتفاقيات تعتمد على المناصفة في الأرباح وعلى أساس جديد للأسعار يعتمد على نقطة أساس هي سعر النفط الفنزويلي تسليم الساحل الشرقي للولايات المتحدة وبسبب ذلك أصبح النفط العربي يتحمل أجور نقل وهمية لدى تسعيره وهي أجور نقله من الخليج العربي إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة مضافاً إليها ضريبة الواردات الأمريكية وفي كل الأحوال لم تكن الدول المنتجة للنفط تستطيع إلا قبول هذه الطرق الملتوية التي تبعد عنها استحقاقاتها الحقيقية. كانت حرب تشرين 1973 بداية مرحلة جديدة في السياسات النفطية لدى الدول العربية المنتجة للنفط بخاصة وللدول الأخرى المنتجة للنفط والمصدرة له عامة، فقد أدى الحظر النفطي العربي إلى شد انتباه العالم إلى أهمية المنطقة العربية من ناحية الحاجة العالمية للطاقة بعد أن أصبحت الدول تعتمد في تنمية صناعتها وازدهارها كما أحست الدول المنتجة بأهمية ما لديها من قوة لذلك بدأت في وضع سياسات مرحلية جديدة تهدف للسيطرة التامة على ثروتها النفطية من جهة وإلى إعادة تقويم سعر النفط بما يتلاءم والمصالح الوطنية المشروعة لهذه الدول ولهذا بدأت قرارات التأميم النفطي تأخذ طريقها إلى حيز الواقع بعد أن ضعفت سيطرة الشركات الاحتكارية وعلى رأسها الشركات الأمريكية بسبب السياسة التي كانت تتبعها الولايات المتحدة الممالئة لإسرائيل بالإضافة إلى استخدامها وتهديدها باستخدام حق الفيتو في كل أمر تعتقد أنه يضر إسرائيل. وقد بدأت قرارات تأميم النفط العربي من ليبيا بعد حكم القذافي عام 1969 وتلتها العراق 1/6/1972 بتأميم شركة نفط العراق ثم الكويت في 1/12/1975 حيث تم تأميم شركة نفط الكويت ثم قطر في 17/9/1976 حيث تم تأميم شركة نفط قطر المحدودة أما المملكة العربية السعودية فقد صرح وزير البترول السعودي في 30/3/1977 بأن اتفاقية تملك السعودية لشركة الأرامكو ستكون بأثر رجعي اعتباراً من 1 كانون ثاني 1976. 5- ما أشبه اليوم بالبارحة احتل الإنكليز العراق من أجل البترول ويستعد الأمريكيون لاحتلاله من أجل البترول. ولكن هل سكت الشعب العراقي في المرة الأولى ليسكت في المرة الثانية؟ وما دور حماية إسرائيل؟ كان العراق من نصيب بريطانيا من التركة العثمانية بموجب اتفاقية سان ريمو 20 نيسان 1920 وكانت بريطانيا تطمح باحتلاله منذ مدة طويلة قبل الحرب العالمية الأولى نظراً لموقعه الجغرافي بالنسبة لأمن الإمبراطورية الهندية - البريطانية وزاد الأمر إلحاحاً للاعتقاد بوجود البترول في الخليج والعراق لذلك كانت بريطانيا تعمل لتحقيق هدفها بدقة وجاءت الحرب العالمية الأولى وكانت فرصة مناسبة لها لاحتلال العراق وعندما استقر لها الوضع. نشر القائد البريطاني الجنرال (مود) منشوراً نشر في بغداد ذكر فيه "بأن الجيوش البريطانية دخلت بغداد كمحررة وليست جيوش احتلال كما أنها جاءت لحماية الشعب من الظلم والغزو وهي ستضمن حرية التجارة وسوف لن تفرض على السكان أنظمة أجنبية" فأمنيتها الوحيدة أن يتحقق ما تطمح إليه "نفوس فلاسفتكم وكتابكم مرة أخرى" ووعدت الأهالي "بالسعادة والغنى المادي والأدبي"...! بفضل نظامات توافق القوانين المقدسة والآمال الوطنية القومية" ولكن تصرفات الإنكليز في الحكم وأسلوبهم في معاملة الشعب العراقي لم تكن كما ذكر الجنرال مود وكانت إجراءاتهم تخالف رغبات الشعب العراقي فقد كان يطمح للاستقلال وليس بتغيير أسلوب استعماري تركي بأسلوب استعماري بريطاني لذلك بدأت القوى الوطنية تشعر بالنيات السيئة المبيتة لها وما كان الإنكليز يسعون إليه من السيطرة واستغلال ثرواته الطبيعية لصالحهم والواقع أن هذين الهدفين كانا دائماً وأبداً الموجهين لسياسة بريطانيا في العراق بالرغم من التغيرات المتعاقبة في أسلوب الحكم وصراحته الملتوية. كانت الحرب في العراق وبالاً على البلاد ولقي الشعب الأمرين من الاستعمار العثماني ومن بعده الاستعمار البريطاني على حد سواء وأدى إلى كارثة في الاقتصاد الوطني فقد تعطلت المشاريع واقتلعت الأشجار وجند الولاة العثمانيون آلاف العمال للخدمة في الجيش وأرغم حوالي 90 ألف عراقي على الانخراط قسراً في فيالق العمل البريطانية التي مارست إنشاء مختلف المواقع العسكرية ونتيجة لنقص الأيدي العاملة بارت مساحات شاسعة من الأراضي وأدى ذلك إلى نقص المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية والركود الصناعي وارتفاع الأسعار وتفشي الجوع /كما حدث في سورية/ بنطاق لم يعرف العراق له مثيلاً فهذه البلاد لم يكن بإمكانها تحمل مضار الحرب ومساوئها بخاصة أن مثل هذه الحروب لم تكن تهم شعوب المنطقة وليس لها فيها أية مصلحة وعلى العكس يقع الغرم والكوارث على عاتقها. خلال فترة الحرب حكم الإنكليز العراق حكماً مباشراً عن طريق الإدارة العسكرية يحيط بها مجموعة من الخبراء المدنيين العسكريين المختصين /على حد قولهم/ في الشؤون العراقية مثل برسي كوكس والآنسة /جرنر دبل/ عالمة الآثار. وكانت الإدارة العسكرية عبئاً ثقيلاً على الشعب العراقي الذي لم يعتد مثل هذه الشدة في تطبيق الأنظمة والقوانين التي تفرضها الإدارة العسكرية التي أدخلت نظام العمل الإجباري وعبأت الفلاحين للعمل لصالح القوات البريطانية. وحظرت كسلطة محتلة تجارة المواد الغذائية. ووجهت جميع الموارد لخدمة وسد حاجات الجيش كما فرض على البدو دفع الضرائب التي لم يعتادوا على دفعها مما أثار النفوس ضد الحكم البريطاني. بالرغم من إغداق الإنكليز على شيوخ القبائل الهدايا والعمل على استمالتهم لمؤازرتهم بأن خلقت نوعاً من الحكم الذاتي في مناطق كثيرة عينت على رأس الحكم فيها أبناء الطبقات الإقطاعية المحلية وأبناء رؤساء العشائر وأخذت السلطات البريطانية تضغط على الضباط الفارين من الجيش التركي الذين كانوا هم وبقية الشعب يطالبون بالاستقلال ونفت عدداً كبيراً منهم إلى سيلان والهند ومصر. حاول الإنكليز حكم العراق على أساس الأسلوب الهندي الرؤساء من الإنكليز وبينهم وبين الشعب توجد طبقة هندية تستقدم لتكون الطبقة الحاكمة الثانية وكان الموظفون الإنكليز يفضلون هذه النظرية لأنهم في هذه الحالة يتقاضون الرواتب الضخمة على حساب الشعب المسكين وقد أرهقت هذه الرواتب الميزانية العراقية كما أرادوا أن يقسموا العراق إلى دولة منفصلة عن بعضها كتجربة الفرنسيين في سورية عندما خلقوا فيها عدة دول وفيما كانت وزارة الخارجية البريطانية تعمل بناء على نصائح لورنس على إنشاء دولتين منفصلتين لولدي الشريف حسين عبد الله وزيد على أساس وجود فيصل ملكاً في سورية ولكن /ولسن/ رئيس الإدارة البريطانية الذي خلف /برسي كوكس/ بعد تعيينه كسفير لبريطانيا في طهران اعترض على هذه الفكرة وكان يعمل على بقاء العراق تحت السيطرة البريطانية المباشرة لذلك رفض فكرة الملكية في العراق وأجرى استفتاء صوري كانت نتيجته تفضيل السكان حسب زعمه بقاء بريطانيا على رأس الحكم مما شجع هذا على اقتراح دستور ينص على أن يكون رأس الدولة المندوب السامي البريطاني يعاونه موظفون إنكليز وجنود وعرب كما هو الحال في المستعمرات البريطانية في إفريقية وغيرها وكان المفترض استدعاء أعداد كبيرة هندية للإقامة في العراق ويكون الحكم عن طريقها. مما تقدم ظهر واضحاً للمواطنين العراقيين أن البريطانيين يريدون البقاء في العراق وأنهم استبدلوا حكم الترك بحكم المكتب الهندي في لندن وبومباي. وزاد الأمر وضوحاً إعلان الانتداب البريطاني على العراق في نيسان 1920 بقرار من مجلس الحلفاء في سان ريمو والواقع أن الانتداب الذي فرض على المنطقة إن كان في العراق أو سورية كان نوعاً من الاستعمار ولكن بلباس جديد. وإذا كان الانتداب نظرياً هو مسؤولية بريطانيا أو فرنسا للأخذ –حسب زعمهم- بيد الشعوب المنتدبة أمام عصبة الأمم فهو بالنسبة للشعوب التي فرض عليها الانتداب كان خديعة استعمارية. لذلك بدأ الغليان في العراق كما هو الحال في سورية وابتدأت الاجتماعات السياسية وعقدت الندوات للمطالبة بالاستقلال الكامل ورغم ظهور تيارات سياسية كثيرة إلا أن الجميع كانوا يطالبون بالاستقلال الكامل. وفي 8 آذار 1920 أعلن الوطنيون العراقيون في دمشق استقلال العراق وبدأ خطباء المساجد يحضون الناس على الثورة وهو الأمر الذي لم يرق للسلطات البريطانية. فقبضت على بعض الزعماء ونفتهم مرة ثانية خارج العراق. وهنا لجأت بريطانيا إلى سياسة المراوغة وتأليف اللجان كعادتها لامتصاص النقمة الشعبية وشكلت لجنة برئاسة المستشار العدلي البريطاني بوشام كارتر. وقد توصلت هذه اللجنة إلى قناعة بأن حكومة مستقلة، يرضى عنها الشعب في ظل الانتداب هي أفضل الوسائل لإشاعة الاستقرار بشرط أن تنبثق عن مجلس تأسيسي على غرار المجلس المصري ولكن الحركة الوطنية اشتدت ورفضت مقترحات اللجنة الاستشارية. وهنا أدرك الحاكم أن الأسلوب المقنع على ضوء تجارب الحكم في الهند لا يمكن أن ينجح في العراق واقترح استدعاء /برسي كوكس/ من طهران لمعالجة الموقف وكان المذكور أحد الأعمدة التي بنى عليها الإنكليز إمبراطوريتهم الشرق أوسطية وقد هنأه تشرشل عند استلامه مقاليد العراق. ولكن الأوضاع أخذت تتدهور بسرعة وأخذت الانتفاضة تعم العراق بالإضافة إلى الاجتماعات الجماهيرية الوطنية الحاشدة في بغداد ومن ثم في المدن العراقية الأخرى طوال شهر مايس وحزيران من عام 1920 وفي الثلاثين من حزيران 1920 بدأت الثورة في /الرميثة/ إثر خلاف بين أحد الزعماء القبليين وأحد الضباط السياسيين البريطانيين. وتقع هذه في الفرات الأدنى ثم انتقلت الثورة بصورة عفوية من حركة عشائرية إلى ثورة حقيقية جماهيرية عمت الفرات الأوسط ثم إلى مختلف أنحاء العراق وعرفت باسم ثورة العشرين أو ثورة (الرميثة) واجتاحت الثورة طوال شهر القسم الأكبر من العراق وألحق الثوار عدة هزائم بالفصائل العسكرية البريطانية – الهندية التي أرسلتها السلطات البريطانية للتنكيل بالثوار. وكانت انتصارات المناضلين في سبيل الاستقلال كبيرة جداً جعلت المحتلين البريطانيين يستعدون لإجلاء قواتهم عن القسم الشمالي من العراق ولم تستطع بريطانيا القضاء على الثورة إلا بعد مجهود ضخم وكلفت الخزانة البريطانية (40) مليون جنيه إسترليني وقدم الشعب العراقي حوالي ثمانية آلاف قتيل وخسرت القوات البريطانية حوالي (2500) جندي. والواقع أن الثورة كادت أن تنجح لو لم تفت بعضدها الخلافات الداخلية بين السنة والشيعة والأكراد وغيرهم. كما كانت معزولة عن الحركات التحريرية في البلدان الأخرى وحدثت اصطدامات دامية بين العشائر نفسها، وكانت الانتفاضة نفسها محصورة بصورة رئيسية في المناطق الريفية لأن الإنكليز استطاعوا قمع ثورات المدن وقد زج المحتلون بجيش كبير ضد الثوار فحطموا قوتهم الأساسية والرئيسية في أواسط تشرين ثاني 1920 وكانت عشائر الفرات آخر من وضع السلاح، وقد أثارت الشدة التي لجأت إليها الحكومة البريطانية النقمة على الإدارة البريطانية حتى في بريطانيا نفسها واستخدمها حزب العمال في حملته الانتخابية بانسحاب بريطانيا من العراق كما أن مجلس عصبة الأمم قرر في 17 تشرين الثاني 1920 أنه غير قادر على مقاومة الرغبة الجارفة للشعب العراقي بإنشاء حكومة وطنية مؤقتة برئاسة زعيم عربي. وعلى هذا الأساس اضطر /برسي كوكس/ بعد وصوله إلى إنشاء حكومة وطنية مؤقتة برئاسة عبد الرحمن الكيلاني نقيب الأشراف الطالبيين في 27 تشرين الأول 1920 وقد ضمت الوزارة عدداً كبيراً من مختلف الزعامات الطائفية والعرقية ومنذ ذلك الوقت بدأ بالتفتيش عن شخص له مكانته لتولي عرش العراق وقد اختير الملك فيصل الأول ملكاً على العراق في 23 آب 1921 وأصبح العراق مملكة خاضعة لبريطانيا ورغم صعود فيصل للحكم إلا أن الإنكليز هم المسيطرون ولم يكن الشعب راضياً عن حكم فيصل الموالي للإنكليز ولا توجد مناسبة وطنية إلا وتحدث بعدها اضطرابات دامية ضد الحكومة وفي 6 أيلول 1933 توفي الملك فيصل الأول في مدينة برن السويسرية بظروف غامضة وتولى مكانه ابنه الملك غازي وكانت له ميول وطنية إلا أن غازي قتل هو الآخر في 4 نيسان 1939 في حادث سيارة اتهم الشعب الإنكليز بتدبيرها لأنه كان محبوباً من الشعب وتولى بعده ابنه الصغير فيصل الثاني الذي قتل خلال الانقلاب الذي قام به عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف في 14 تموز 1958 وتم القضاء على الملكية ودخل العراق في عهد جديد وانتهى فيه تسلط الإمبريالية الغربية وبخاصة الإنكليز عن البلاد. كانت تجربة الحكم الاستعماري البريطاني للعراق فاشلة من كل النواحي وتحاول الإمبريالية الأمريكية حالياً أن تعيد نفس الدور في العراق معتمدة على مجموعات من العملاء والتفكير بتفتيت العراق عن طريق إثارة النعرات الطائفية والعرقية مثلما تم في الاتحاد اليوغسلافي وغيره من الدول الأوروبية. هناك من يقول من المحللين السياسيين وما أكثرهم أن البترول هو السبب الذي يكمن وراء إصرار الأمريكيين ومن خلفهم البريطانيين على ضرب العراق وإقامة نظام مطيع ينفذ مطالبهم. وكما رأينا في الدراسة عن البترول أن المصالح الأمريكية والبريطانية كانت كبيرة في العراق وبخاصة البريطانية وكانت هناك منافسة قوية بين هذه المصالح. وهذا ما جعل بريطانيا تقف مع أمريكا بهذا الشكل المخزي بأمل أن يعاد لها حصتها من البترول وتستفيد من عودة العلاقات التجارية بين العراق وبريطانيا فالعراق كان شريكاً كبيراً لبريطانيا وبخاصة خلال الحرب العراقية – الإيرانية. ويمتلك العراق حسب كل التقديرات ثاني أكبر احتياطي بترولي في العالم بعد المملكة العربية السعودية، هناك اعتقاد بأن العراق بعد عقد أو عقدين سيصبح أكبر منتج للبترول وحالياً تساهم العراق ب 3% من الإنتاج العالمي رغم ما أصاب صناعة النفط العراقية من أضرار ورغم كل المعوقات فالعراق حالياً ينتج يومياً حوالي 2.55 مليون برميل مسجلاً مستوى لم يبلغه منذ الفصل الأول من عام 2002م ومن المعلوم أن إنتاج النفط في الوطن العربي هو 20.5 مليون برميل يومياً في عام 2001 وقد تدنت عائداته بنسبة 21% أي نحو 192 مليار دولار عام 2000 إلى نحو 152 مليار دولار عام 2001 ويقدر الاحتياطي النفطي المؤكد في الدول العربية عام 2001 بحوالي 56.8 مليار برميل بزيادة نسبتها 0.6% عن عام (2000) وهو يمثل 61% من الاحتياط العالمي وقد جاءت الزيادة في احتياطي النفط العام العربي عام 2000 من الاكتشاف الذي تحقق في حوض /مرزوق/ في ليبيا وأيضاً من زيادة احتياطات الجزائر بنسبة 6% لتصل إلى 12 مليار برميل كما ارتفع الاحتياطي العربي بنسبة 26% ليصل إلى 3.15 مليار برميل كما زاد الاحتياطي السوداني بنسبة 212% ليصبح 81% مليار برميل كما ارتفع الاحتياطي السوري بنسبة 26% ليصل إلى 3.15 مليار برميل. ورغم صحة ما يقال إلى حد ما وما ذكرناه سابقاً عن الاهتمام الأمريكي بالسيطرة على النفط وحسب ما جاء في صحيفة الاتحاد الإماراتية في عددها الصادر في 21 كانون أول 2002 وطبقاً لما تراه مجموعة أخرى فإنه حالما يتم تحرير العراق من نظامه الحالي (حسب قولهم) فإنه سيغرق السوق العالمية بالنفط الرخيص الأمر الذي من شأنه دعم الاقتصاديات العالمية وإزالة المخاوف حول مصادر تأمين الطاقة ويكون ذلك على حساب الشعب العراقي وربما العربي. إن النفط في الواقع ليس هو وحده الذي يدفع بالإدارة الأمريكية المتصهينة لشن الحرب على العراق بل هو حماية أمن إسرائيل فقد استطاعت إسرائيل بمساعدة أمريكا من تحييد مصر في حرب تشرين وتوقيع السادات على اتفاقية كمب ديفيد دون النظر إلى المستقبل عام 1973. كما استطاعت أمريكا بضربها الأفغان وسيطرتها على مقدرات الباكستان من تحييد هذه القوة الإسلامية التي كانت ولا تزال تشكل رديفاً قوياً للعرب إذا أخلص زعماؤها الجدد ولم يكن هناك سوى العراق لوضعه تحت السيطرة والذي أنهكته الحروب مع إيران وهجومه على الكويت والحرب ضد التحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة ومع ذلك لم تستطع أمريكا تركيعه وظلت إسرائيل تعتبره خطراً عليها فلديه كل الإمكانات الضخمة التي تؤمنها له العائدات النفطية الضخمة. رغم اتفاقية النفط مقابل الغذاء ليكون عدواً لدوداً لإسرائيل وهي التي ضربت مفاعلاته الذرية. وكانت القطيعة بين العراق تمنع البلدين الشقيقين من تكثيف جهودهما وقواتهما للوقوف في وجه المخططات الأمريكية والإسرائيلية لإنهاء القضية الفلسطينية لصالح إسرائيل والكل يعلم أن هذه الكتلة البشرية التي تضم شعب البلدين هي نواة القوة العربية والصخرة التي تنكسر عليها أطماع الصهاينة وهم يعلمون أن هذه الكتلة الصلبة من الشعب العربي هي التي دحرت الصليبيين وأخرجتهم من القدس ولم تتوحد جهود البلدين مرة في التاريخ إلا وكان النصر حليفهما. دمشق 7/3/2003 المراجع الرئيسية : - دليل الجمهورية العراقية 1960 مطبوعات المجمع العلمي العراقي. - الجانب الخفي من تاريخ البترول ترجمة محمد سميح السيد مركز الدراسات العسكرية. - صراع القوى في المحيط الهندي والخليج: محمد عدنان مراد - بريطانيا والعرب محمد عدنان مراد - جزيرة العرب جان جاك بيربي - الخليج العربي جان جاك بيربي - الستراتيجيتان السوفيتية والأمريكية هنري باريس ترجمة أحمد عبد الكريم - عمان والساحل الجنوبي للخليج العربي شركة الزيت العربية الأمريكية - أضواء على الخليج العربي ومسقط وعمان الدكتور إبراهيم الشريعي - سياسة بريطانيا في الخليج والكويت في القرن التاسع عشر الدكتور جاكلين إسماعيل مجلة دراسات الخليج 1978. - الأمن في الخليج ترجمة ملحم شاؤول - مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط قسم الدراسات في الجيش - سقوط إيدن ونستون تشرشل - عدة أعداد من مجلة دراسات الخليج ومجلة العربي وجريدة الاتحاد الإماراتية - دليل الخليج القسم التاريخي، القسم الجغرافي ج ج لوريمر - إلخ... |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |