|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
الوجه الجديد للعالم ـــ موسى الزعبي ماهي الصفات الجيوسياسية الرئيسة على كوكبنا الأرضي في مطلع هذا القرن الواحد والعشرين، بعد الاعتداءات التي حدثت بتاريخ الـ (11) من أيلول عام (2001)، وبعد الحرب، أو الغزو الذي شن على أفغانستان، باسم الحرب ضد القاعدة ونظام الطالبان في أفغانستان؟ والحرب على العراق؟ فالولايات المتحدة تهيمن على العالم بشكل لم تقم به أية إمبراطورية من قبل مطلقاً. فهي تمارس سيطرة ساحقة في المجالات التقليدية الخمسة التي ترمز إلى القوة: السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والتكنولوجية، والثقافية. "فالولايات المتحدة، هي إذن، الدولة العالمية الأولى(PROTOMONDIAL) ـ كما يعتقد أحد المحللين السياسيين الأمريكيين. فلها القدرة أن تدَّعي لنفسها أن تقوم بدور الإمبراطورية الشمولية، إمبراطورية ذاتية، بحيث يخضع الأعضاء الآخرون في العالم لسلطتها وسيطرتها، بصورة إرادية"(1). فللمرة الأولى في تاريخ الإنسانية، إذن، يسيطر على هذا العالم قوة وحيدة فائقة، تباهي وتفاخر بإمبرياليتها الهيمنية، بعد احتلالها أفغانستان، ثم العراق، بعد أن خطت خطوات أخرى أعمق أثراً في تفردها في معالجة الشؤون الدولية عندما قررت تدمير بغداد واحتلالها عسكرياً، وهي تجول وتصول، تخرب وتدمرـ وتهدد وتتوعد، ولا من رادع يردعها، وما من أحد يستطيع أن يقف في وجهها. فقد هيمنت على أفغانستان باستخدام طرق ثلاثة: سحقها تحت القنابل الموجهة وغير الموجهة، ومن الأوزان الثقيلة وغير الثقيلة،... الخ. ودامت عملياتها أياماً عديدة بحجة القضاء على القاعدة، وهي لا تفرق بين حفلات الأعراس والمحتفلين أم بين مقاتلين، أم بين أطفال ومدافعين. وتقتل الأسرى والمعتقلين، وتنقلهم أنى تشاء وكيف تشاء، ولا تعترف بحقوق الإنسان، من أي نوع كان. كذلك، أقامت واشنطن تحالفاً دبلوماسياً وحتى عسكرياً كبيراً لدعم أعمالها بالانتقام من شعب أفغانستان، حتى مع روسيا والصين. أما في موضوع العراق، فإنها لم تعبأ بما يسمى بالمنظمات الدولية، مثل مجلس الأمن، لدرجة أن وجهت التهديد والوعيد لمن يقف في وجهها ولو بالكلام اللطيف، بل إنها خطت خطوات واسعة نحو التفرد في شؤون العالم منفردة، كما أنها لم تعبأ بالمتظاهرين ضد الحروب، ولو كانوا بالملايين، يهتفون لا للحروب والدمار، يجوبون شوارع المدن الكبرى في كل مكان من العالم. وهكذا، خطت، بل سارت بعيداً وإلى أقصى درجة بتجاوز مرجعية المنظمات الدولية. وتبارى زعماء النظام الحاكم في الولايات المتحدة الأمريكية بالتصريحات يهددون ويتوعدون، كل من يقف في وجه طموحاتهم واستراتيجياتهم المعلنة وغير المعلنة وباستخدام عبارات ينأى أحياناً أولاد الشوارع عن استخدامها. تصريحات تتوالى ليل نهار، دون انقطاع. ويقومون بتجييش الجيوش، منفردين أم بقوات متممة من قوات بريطانية أو ماشابه كقوات تابعة وليست حليفة، هذه القوات، كانت منذ عهد ليس ببعيد، تتصف بالعجرفة والغرور. في الوقت نفسه، تنأى عن بعض حلفائها، مع توجيه النقد اللاذع لقادتهم ووصفهم بأوصاف يخجل المرء من ذكرها، ومعتبرينهم مزعجين وعلى رأس هؤلاء القادة الألمان والفرنسيين. مع ذلك، لا بد من القول، إن مثل هذا العرض للقوة الغاشمة، في هذا العصر الجديد، من الأمور المخادعة، سواء في المجال العسكري أو الدبلوماسي. فعلى الرغم من تفوق الولايات المتحدة الساحق فإنها سوف لن تستطيع مواجهة الاستمرار في احتلال أفغانستان أو العراق... أو... في الواقع، عسكرياً، ((كما حاولت إنجلترا أن تفعله في القرن التاسع عشر بالنسبة لأفغانستان، وفي العقود الأولى من القرن العشرين، في العراق)) في حين أن ذلك الأمر لم يكن يشكل أية عقبة تكنولوجية، إذ تملك الولايات المتحدة، جميع أنواع الأسلحة من تلك الموصوفة بأسلحة الدمار الشامل، وقد استخدمتها فعلاً، أكثر من مرة، أم تلك الأسلحة الأحدث، والأكثر قدرة على التدمير والقتل(2). لكن لماذا نعتقد بذلك؟ والجواب، إن التفوق العسكري سوف لن يفسر أو يترجم بالغزو الإقليمي، كما حدث في القرن التاسع عشر وخلال النصف الأول من القرن العشرين. بحيث أصبحت تلك الأعمال معتبرة كتدخل في شؤون الغير، سياسياً، ومكلفاً مالياً. وغير ممكن أمام إرادة المقاومة، كارثياً على المستوى الإعلامي، حيث تأكد أن وسائل الإعلام أصبحت تُعَدُّ كفاعل استراتيجي من الدرجة الأولى(3). ديناميكية العولمة هناك ظاهرة مركزية أخرى: لقد استهوت جميع الدول ديناميكية العولمة. ويتعلق الأمر، إذا صح القول، بثورة رأسمالية ثانية. إذ تمس العولمة الاقتصادية. أقل ثنايا الكرة الأرضية متجاهلة تماماً استغلال الشعوب أيضاً، مثلما هو الأمر تنوع الأنظمة السياسية. فقد عرفت الأرض عصراً جديداً من الغزو أيضاً، كما حدث في عصر الاستعمار. ففي حين كان الفاعلون الرئيسون في التوسع السابق من الغزاة، وكانت الدول، فهذه المرة فإنها المشروعات والتكتلات المكونة من المجموعات الصناعية والمالية الخاصة، هي التي تعتزم السيطرة على العالم. فلم يكن أبداً سادة الأرض، قليلي العدد، ولا أقوياء أيضاً، بمقدار ما هم عليه اليوم. وتقع هذه المجموعات، بصورة رئيسة في ثالوث مشكل من: الولايات المتحدة الأمريكية، ثم الاتحاد الأوروبي، وأخيراً اليابان، ويقع نصف هذه المجموعات في الولايات المتحدة. وقد تسارع هذا التمركز لرأس المال والسلطة بشكل رهيب، خلال مجرى العشرين سنة الأخيرة، تحت تأثير الثورات التكنولوجية والمعلوماتية. وستكون هناك قفزة جديدة إلى الأمام منفذة انطلاقاً من بداية الألف الثالثة الجديدة، مع التقنيات الجينية الجديدة المتعلقة بالأحياء، فاتحة الأبواب أمام توقعات جديدة، من التوسع في الرأسمالية. وتستعد الخصخصة الكبرى لتمس كل ما في الحياة والطبيعة، مشجعة على ظهور سلطة مطلقة أكثر، حسبما هو محتمل، وأكثر من جميع ما أمْكننا معرفته في التاريخ. ولا تستهدف العولمة غزو البلدان أكثر من غزوها للأسواق، إلى درجة ما. وإن ما يقلق هذه السلطة الحديثة، ليس غزو المناطق في الواقع، كما كان عليه الحال في الفتوحات الكبرى، حيث كانت حقبات الاستعمار، بل الاستيلاء على مناطق الثروة. ويترافق هذا الغزو مع تدمير عجيب لكل شيء، كما حدث في العراق من قبل الجيوش الأمريكية والإنجليزية. وكما حدث في الأرجنتين بطرق أخرى، حيث حدث انهيار يستحق المرور عليه، وذلك في كانون الأول من عام (2001). لقد كان هذا البلد مثالاً إلى درجة أن امتدحه صندوق النقد الدولي كرمز شامل، وبأنه يحاول أو يجرب تصدير تجربته وتعميمها على العالم، مع إصرار دوغماتي تشمل الكرة الأرضية بالكامل. لكن سقوط الأرجنتين، هو بالنسبة لليبرالية الجديدة (NEOLIBERALISME) كسقوط جدار برلين بالنسبة للاشتراكية الدولية: إنه الموضوع المرتبط بفقدان الثقة، والتأكيد من وجود المأزق. لأنه أصبح يوجد في كل مكان من العالم، صناعات بالكامل قد أضحت ضحايا كارثية، بصورة فظة، وفي جميع المناطق. ومع جميع الآلام الاجتماعية التي نتجت عنها: من البطالة الشديدة، والاستخدام الجزئي لليد العاملة، وعدم الثبات، والطرد من العمل. فهناك "18" مليون شخص دون عمل في نطاق الاتحاد الأوربي، كما أن هناك "1" مليار عاطل عن العمل، واستخدام جزئي في العالم... وهناك استغلال مفرط للرجال والنساء أيضاً وما هو نسائي أكثر استغلال الأطفال: "300" مليون من بينهم، محل استغلال، ويعملون بشروط أكبر من قدراتهم وبشروط قاسية. فالعولمة هي أيضاً عمليات سلب ونهب على مستوى الكون. وتدمر المجموعات الكبرى البيئية بوسائل لا تقاس. إنها تستغل الثروات الطبيعية بشراهة لا مثيل لها، تلك الثروات التي هي الخير المشترك للإنسانية. وتقوم بذلك. دون تردّد، ودون وازع من ضمير أو رادع. ويترافق ذلك، بإجرام مالي، في الوقت نفسه، مرتبط بأوساط رجال الأعمال والبنوك الكبرى، التي تتعامل بمبالغ تتجاوز الـ "1000" مليار دولار في العام، بعبارة أخرى أكثر من الناتج القومي الخام (PNB) لثلث الإنسانية. نهب كوني إن عملية الترويج للسلع (MARCHANDISATION) الشاملة، تترجم بالتفاقم الشديد لعدم المساواة. ففي حين يمثل الإنتاج على مستوى الكرة الأرضية للسلع الاستهلاكية الغذائية الأساسية يمثل أكثر من (110%) من الحاجات العالمية، هناك "30" مليون شخص يستمرون بالموت جوعاً كل عام، وإلى جانب ذلك، هناك، أكثر من "800" مليون شخص ممن يعانون من سوء التغذية. وكان هناك الـ (20%) الأغنى من سكان هذا العالم، كانوا يملكون دخلاً أكثر بـ "30" مرة ارتفاعاً من أولئك الـ (20%) الأفقر، حسب إحصاء عام (1960). وكان ذلك الأمر يعتبر شائناً. لكن بدلاً من تحسن الأوضاع، تفاقمت بشكل أشد. حيث لم يعد اليوم دخل الأغنياء بالنسبة إلى أولئك الفقراء أكثر بـ "30" مرة، بل وصل إلى "82" مرة، أكثر. فمن الـ "6" مليار نسمة، من سكان الكرة الأرضية هناك "500" مليون شخص بالكاد ممن يعيشون بيسر، في حين، يظل "5.5" مليار من هؤلاء بحاجة إلى الغذاء، ويعانون من الفاقة والحرمان، حقاً إن العالم يسير على قمة رأسه. لقد جرى كنس البنيات المتعلقة بالدول، مثلما هو الأمر بالنسبة للبنيات الاجتماعية التقليدية، كنست جميعها، بطريقة كارثية. إذ تنهار الدولة في كل مكان لحد ما، في بلدان الجنوب، والشرق، وتنسحب السلطات أو تطرد من المناطق المحيطية التي تصبح مناطق غير آمنة حقيقية. حيث تتنامى الماهيات الفوضوية، وتتهرب من كل شرعية، وتغوص في حالة من البربرية والفوضىِ، كما في الصومال، وفي الكونغو، وفي سيراليون ـ وفي كولومبيا ـ وفي الفلبين وفي سيرالانكا... الخ. وتتغلب القوة على القانون والحق والعدل عندئذ، تصبح جماعات العنف فقط هي القادرة على فرض قانونها، وفرض الأتاوات على السكان. وتظهر أخطار جديدة: إرهاب فائق، وتعصب ديني أو عرقي، وتكاثر الأسلحة النووية، والجريمة المنظمة، وإرهاب الدول، وشبكات المافيا، والمضاربات المالية، والإفلاسات لدى المشروعات الضخمة، والفساد المستشري في كل أنحاء العالم، وانتشار الأوبئة الجديدة "مرض فقدان المناعة المكتسبة، الإيدز أو السيدا"، وفيروس إيبولا، ومرض كروتز فلدت ـ جاكوب (CRUTZFELDT- JACOB).... الخ. وبينما تنتصر الديموقراطية والحرية ظاهرياً في عالم تخلص من بعض الأنظمة الشمولية هي الأسوأ نسبياً، فإن إخضاع بعض الأعمال للرقابة في بعض البلدان، وكذلك منع حرية التعبير في بلدان أخرى، تحت مظاهر متنوعة تؤدي إلى العودة لأعمال القمع بشكل شاذ. وبالتالي حدوث أعمال عنف من كل الأنواع. وفي هذا العصر الجديد، في زمن الإنترنت والثقافة الشمولية، والاتصالات الكونية وتكنولوجيا المعلوماتية، تلعب كلها، وبشكل لم يسبق لها مثيل مطلقاً من قبل، دوراً إيديولوجياً مركزياً لتحجيم الفكر. تفجر العالم لقد نتج عن جميع هذه التغييرات البنيوية والذهنية في مجال التنفيذ منذ العقد الأخير من القرن العشرين، وبداية القرن الواحد والعشرين، نتج عنها تفجر العالم بشكل حقيقي. فلم تعد للمفاهيم الجيوسياسية ـ مثل الدولة، والسلطة، والسيادة، والاستقلال، والديموقراطية، الحدود... الخ ـ المعاني نفسها. حتى أنه لوحظ في سير العمل الحقيقي للحياة الدولية، أن الفاعلين فيها قد تغيروا. فعلى المستوى العالمي، أصبح الممثلون الثلاثة الرئيسون "الذين كانوا، تحت النظام القديم، شرف النسب ورجال الدين، والشعب" أصبحوا بعد الآن: 1ً) ـ المجموعات أو ا لروابط من الدول، مثل مجموعة التبادل الحر لأمريكا الشمالية ـ ACCORD DE LIBRE - ECHANGE – ALENA – NORD- AMERICAIN ـ والمؤلفة من الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، المكسيك"، ثم الاتحاد الأوروبي، الذي سيحتوي على "25" دولة، ثم الـ (MERCADO COMUN DEL SUR) (MERCOSUR)، الذي يضم بعض دول أمريكا اللاتينية وهي: الأرجنتين، البرازيل، الأوروغواي، والباراغواي، والذي تشكل بتاريخ "21" آذار عام "1991" باسم السوق المشتركة للجنوب. وهناك مجموعات أخرى.... الخ. 2ً) ـ المشروعات أو المؤسسات الشمولية، والمجموعات الكبرى لوسائل الإعلام والمجموعات المالية. 3ً) ـ المنظمات غير الحكومية (ONG) ذات المستوى العالمي: "السلام الأخضر، وأمنستي انترناشيونال، و (أتاك، ATTAC)، وهيومان رايت ووتش، ووورلد لايف.... الخ. وتتحرك هذه المجموعات الجديدة والفاعلة على نطاق كوني، وضمن نطاق أقل تقييداً من منظمة الأمم المتحدة ـ كعلامة على هذا الزمن الذي يتميز أيضاً بوجود منظمة التجارة الدولية (OMC)، كحكم دولي جديد شامل. وللتصويت الديمقراطي تأثير قليل جداً على سير العمل الداخلي في هذه المجموعات الفاعلة الثلاث الكبرى الجديدة. فقد حدث هذا التغير في العالم الذي أفرغ الديموقراطية من معناها، وأقيم دون حذر، ودون أن يكون المسؤولون السياسيون على وعي ذلك. التحرك ضد العولمة الليبرالية لقد تسببت جميع هذه التبدلات السريعة والفظة، في عدم الاستقرار لدى القادة السياسيين، في الواقع. إذ يشعرون بأنفسهم في معظمهم، بأنه قد تم تجاوزهم من قبل العولمة التي أعدت قواعد جديدة للعبة، وجعلتهم عاجزين عملياً، لأن السادة الحقيقيين للعالم، لم يعودوا هؤلاء الذين بأيديهم مظاهر السلطة السياسية. لهذا، يضاعف المواطنون من الأفعال والتحركات ضد السلطات الجديدة، كما شاهدنا ذلك في شهر كانون أول عام "1999"، بمناسبة قمة منظمة التجارة الدولية، في سيتل (SEATTLE) ثم في براغ، ودافوس "سويسرا"، ونيس "فرنسا" وكيبك "كندا"، ثم في جين. والمواطنون مقتنعون تماماً أن هدف العولمة الليبرالية، في العمق، في مطلع الألفية الثالثة، هو تدمير النزعة الجماعية، وتملك القطاع الخاص للدوائر العامة والاجتماعية، من قبل السوق. لهذه قررت هذه الجماهير معارضتها. ملاحظة أخرى، سوف لن يضمن التفوق الجيوسياسي، وممارسة دور القوة الفائقة في عصر الليبرالية الجديدة (NEOLIBERALISME)، سوف لن يضمن مطلقاً مستوى تنمية إنسانية مرضية لجميع المواطنين. فعلى سبيل المثال، ففي بلد ما غني أيضاً، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، هناك "32" مليون شخص، من بين السكان، يصل العمر المتوسط، إلى أدنى من الـ "60" عاماً، كما يوجد "40" مليون مواطن، ليس لهم تغطية صحية، ويعيش "45" مليون دون مستوى عتبة الفقر، وهناك "52" مليون أمياً... وبالطريقة نفسها، في نطاق الاتحاد الأوربي الغني، هناك اليوم "50" مليون فقير، و"18" مليون عاطل عن العمل. أما على المستوى العالمي، يبقى الفقر هو القاعدة، والرغد هو الاستثناء. وأصبحت ظاهرة عدم المساواة إحدى الميزات البنيوية في زماننا. وبأنها تتفاقم على الدوام، ويبتعد فيها الفقراء عن الأغنياء. إن الـ "225" شركة الأضخم والأكثر غنىً في العالم ـ تمثل ما مجموعه أكثر من "1000" مليار دولار، أي ما يعادل الدخل السنوي لـ "47%" من الأشخاص الأشد فقراً من سكان العالم، أي الـ " (2.5) مليار شخص". وهناك أفراد عاديون، هم أكثر غنى من الدول اليوم: حيث يتجاوز الإرث الخاص بـ "خمسة عشر شخصاً، الأكثر ثراءً على الكرة الأرضية، يتجاوز الإنتاج الداخلي الخام (PIB)"(4) الإجمالي لمجموع البلدان الإفريقية شبه الصحراوية... مسيطرون، ومُسيطر عليهم من يهيمن أو يسيطر على العالم اليوم؟ يمكن القول إن الثالوث المضاعف هو الذي يقبض على زمام أمور الكرة الأرضية، ويتحرك كنوع من السلطة التنفيذية العالمية. فعلى المستوى الجيوسياسي، يتشكل الأول من الثلاثي الحاكم: من الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة، وفرنسا. وعلى المستوى الاقتصادي، يتشكل الثاني من الثلاثي الحاكم: الولايات المتحدة، ألمانيا، اليابان، وتشغل الولايات المتحدة، أو تحتل الموقع، فائق الهيمنة (HYPERDOMINANTE) في الحالتين. فلم يتوقف عدد الدول عن التزايد، منذ مطلع القرن العشرين، ماراً من حوالي الأربعين، ليصل إلى ما يقارب المائتين. لكن، يستمر العالم بأن يبقى مهيمن عليه من قبل مجموعة صغيرة من الدول على المستوى الجيوسياسي: الولايات المتحدة الأمريكية، المملكة المتحدة، فرنسا، روسيا الاتحادية، اليابان. حيث تقود هذا العالم منذ نهاية القرن التاسع عشر... وهناك بالكاد ثلاث دول هي "كوريا الجنوبية، سنغافورة، تايوان" التي بلغت مستوى تقدم سمح لها بلوغ وضع أو مرتبة البلدان المتطورة وذلك من بين عشرات البلدان التي ولدت عن تصدع الإمبراطوريات الكبرى الاستعمارية: البريطانية، الفرنسية، الإسبانية، الهولندية، البرتغالية، البلجيكية. ويبقى العديد من الدول، تغوص في أوحال تخلف مزمن وفقر يكاد أن يكون أبدياً حسب الظاهر. وسيكون أمام هذه الدول صعوبات جمة للخروج من هذه الورطات بالاعتماد على استغلال الموارد الأولية "بما في ذلك مشتقات النفط"، عن طريق بيعها، حيث يعتمد على ذلك اقتصادها. في الوقت نفسه، فهم يشهدون أسعار هذه المواد وهي تهبط حتمياً. فهناك العديد من منتجات الأساس: "المعادن، الفـيبر، السلع الاستهلاكية، كونها تستخدم اليوم بشكل أقل، من قبل البلدان الكبرى المتطورة، أو أنها تُحـلُّ محلها منتجات صنعية. كذلك اليابان في عام (1973) كل وحدة إنتاج صناعي، خفضت من استهلاكها من المواد الأولية بحوالي (40%). وستعتمد الثروة الجديدة، أكثر فأكثر، على المواد السمراء: أي المعرفة والبحوث، والقدرة على التجديد، وليس على إنتاج المواد الأولية، كل ذلك خلال القرن الواحد والعشرين. ويمكن حتى التأكيد بهذا الصدد، أن العوامل الثلاثة للقوة ـ مساحة الأرض الوطنية، الأهمية الديموغرافية، الثروة من المواد الأولية ـ لم تعد تشكل أكثر من أوراق رابحة مرغوب بها، إلى درجة أن أصبحت، وبغرابة عبئاً ثقيلاً أحياناً في عصر ما بعد المرحلة الصناعية Postindust ERIELLE. إلى درجة أن تدون الدول، ذات المساحات الواسعة، وذات السكان العديدين، والغنية جداً في المواد الأولية ـ روسيا، الهند، الصين، البرازيل، نيجيريا، أندونيسيا، الباكستان، المكسيك ـ تدون من بين البلدان الأفقر على سطح الكرة الأرضية ـ باستثناء الولايات المتحدة، فإنها تشكل الاستثناء من تلك القاعدة. بالمقابل، فهناك دول صغيرة جداً، في زمن العولمة، دون أرض تقريباً، ودون عدد كبير من السكان، ودون أية مواد أولية ـ موناكو، وليشتنشتاين LIECHTENSTEIN، وكايمانس (CAIMANS)، وسنغافورة ـ حيث تمتلك دخولاً بالنسبة للفرد الأعلى في العالم. الفوضى المعممة لم يتوقف "وَكْرُ" الفوضى عن التوسع، ليشمل دولاً أكثر ويمتصها كل مرة ويضيفها إلى الدول التي تعاني من ركود اقتصادي وبلداناً يسودها العنف المستوطن. فهناك أكثر من ستين نزاعاً مسلحاً، منذ عام (1989)، نهاية الحرب الباردة، مما تسبب في مئات آلاف القتلى، وأكثر من (17) مليوناً من اللاجئين! لقد أصبحت الحياة اليومية جهنمية، بكل بساطة، ولا تطاق، في العديد من الأماكن من الأرض. حتى العديد من الأشخاص، والشباب منهم بشكل خاص، يبحثون للهرب من الفوضى والعنف، أكثر فأكثر، ويريدون الهجرة بأي ثمن نحو المناطق المتطورة والموطدة السلام وبحثاً عن لقمة العيش. كما لوحظ أيضاً، هناك آخرون ينكرون كفاح من هم أكبر منهم سناً من أجل الاستقلال، في بعض المناطق، ويعلنون عن رغبتهم بعودة القوى الاستعمارية "كما جرى في جزر القمر". دون أن يعلموا، أن تخلف بلادهم يعود جزئياً إلى ذك الاستعمار ويتساءل بعض المثقفين، فيما إذا كان العالم الثالث قد توقف كونه كياناً سياسياً. ويشهد كل ذلك على وجود أزمة تعاني منها الدولة/ الأمة، نتجت عن السياسة الحالية، حيث تحول الثورة الرأسمالية الثانية، وعولمة الاقتصاد، والتغيرات التكنولوجية، تحول البيئة الجيوسياسية، في الوقت الحاضر أيضاً، حيث يتضاعف عدد الشركات العملاقة، إلى درجة تغلب وزن هذه الشركات على وزن الدول، بسبب اندماجها مع بعضها أو اتحادها، وتجمعها. إذ تتجاوز أرقام حجم أعمال شركة جنرال موتورز، الدخل الداخلي الخام (PIB) للدانمارك، كما يتجاوز رقم حجم أعمال شركة اكسكسون موبيل الدخل الداخلي الخام للنمسا. وتبيع، كل شركة واحدة من المائة شركة كبيرة رئيسة، أكثر مما تصدر كل واحدة من المائة والعشرين بلداً من البلدان الأفقر في العالم. إذ تسيطر هذه الشركات العملاقة والشاملة على (70%) من التجارة العالمية. ويمتلك زعماء هذه الشركات، كذلك الحال بالنسبة للمجموعات المالية، والإعلامية، تمتلك السلطات الحقيقية. وذلك عن طريق قوتها كمجموعات ضغط لوبي LOBBY) عالمية، وإنها تحط بثقلها على القرارات السياسية الصادرة عن الحكومات الشرعية والمنتخبة. وبهذا، فإنها تصادر الديموقراطية لصالحها. الضرورات ضد السلطات يبدو أن أكثر الضرورات، في مقاومة أو معارضة السلطات التقليدية "الأحزاب، النقابات، الصحافة الحرة"، بأنها، قليلة الفاعلية أو التأثير، وبشكل لم يسبق لها مثيل. ويتساءل المواطنون ما هي المبادهات الجريئة التي تعيد الأوضاع إلى حالها، من أجل القرن الواحد والعشرين، في مجال العقد الاجتماعي ضد العقد الخاص. وهم يتذكرون أن عشرة أيام تكفي "أن تهز العالم" كما حدث في تشرين أول عام (1917) أيام الثورة البلشفية. وبأن المدحلة الضاغطة للرأسمالية قد توقفت للمرة الأولى، وبشكل دائم. لقد كانت انطلاقة الرأسمالية قد أُنْعِشَت بأعمال المنظرين الكبار، أمثال: (آدم سميث، ودافيد ريكاردو)، ونتيجة الإنجازات التكنولوجية الحاسمة: "الآلة البخارية، السكك الحديدية..."، وبواسطة انقلابات جيوسياسية هامة "تعزيز الإمبراطورية البريطانية، توحيد ألمانيا، بروز الولايات المتحدة". كل هذا الترافق، نتج عنه الثورة الرأسمالية الأولى. وشجعت على توسع اقتصادي هام. لكن في الوقت نفسه ـ فقد سحق هذا التوسع: العمال، حتى أولئك الذين حققوا الثروة، عن طريق عملهم في المعامل الجديدة، كما يشهد على ذلك ما كتبه تشارلز دكنز (CHARLES DIEKENS) وإميل زولا (?MILE ZOLA) أو جاك لندن (JACK LONDON)، من روايات عنيفة. فكيف يمكن الاستفادة أو استغلال هذه الثروة الضخمة، جماعياً، التي نتجت عن طريق التصنيع. كل ذلك، مع تجنب أن يبقى هؤلاء المتواضعين، مسحوقين اجتماعياً؟ وسيرد كارل ماركس على هذا السؤال، في مؤلفه الرئيس، رأس المال، عام (1887). وقد توجب الانتظار خمسين عاماً، من أجل مجيء استراتيجي سياسي نابغة، هو لينين، على رأس البولشفيك، من أجل الاستيلاء على السلطة في روسيا على أمل مسيحي بتحرير "البروليتاريا في جميع البلدان". ثورة الرأسمالية الثانية ويعرف الاتحاد السوفياتي تفجراً يمزقه، بعد سبعين عاماً، ويعرف العالم تغيراً جديداً كبيراً، والذي سيطلق عليه اسم "الثورة الرأسمالية الثانية"، وهي كالأولى، تبحث عن تضافر حزمة من التغييرات، التي ظهرت في ثلاثة حقول: 1ً) في المقام الأول: في المجال التكنولوجي، فقد جعل هذا التغير أو التبدل جميع قطاعات النشاطات، معلوماتيةبما فيها المرور إلى النشاطات الرقمية، جعلها معلوماتية: "الصوت، أو النص، والصورة، تنقل بعد الآن بسرعة الضوء، بطريقة الرمز الوحيد"، وقد شوشت العمل، والاقتصاد، والاتصالات، والثقافة، وأعمال الإبداع، والتسلية..... الخ. 2ً) في المقام الثاني: في المجال الاقتصادي. شجعت التقانات الجديدة على التوسع في المجالات المالية. فقد أنعشت النشاطات المالكة لأربعة أنواع أو أصناف رئيسة: كونية، مستمرة، فورية، وغير مادية. وقد شجع كل من ريغان ومارغريت تاتشر في ثمانينات القرن العشرين، البورصات الكبرى (BIG BANG) ومجموع القواعد أو التنظيم، الخاصة بها. حيث شجعا العولمة الاقتصادية، التي شكلت دينامية رئيسة في مطلع هذا القرن الواحد والعشرين، وفي التأثير على العالم، بحيث لم يعد في قدرة أي بلد أن يتهرب من هذه العولمة. 3ً) وفي المقام الثالث: في المجال الاجتماعي، فقد تسببت هذه التغييرات بإحداث الضرر في المزايا التقليدية للدول/ الأمم ومتسببة في تخريب بعض مفاهيم التصور السياسي والسلطة. وقد بدا ذلك على أنها مركبة أو مبنية على شكل شبكة أفقية، أكثر فأكثر، وعمودي وتسلسلي وتسلطي منذ عهد قريب ـ وبحيث تسمح وسائل الإعلام الكبرى الجماهيرية بالتلاعب بالأذهان وعلى نحو رضائي. وتبحث المجتمعات التي فقدت التوجه الصحيح، وكذلك وقعت في اليأس والقنوط، تبحث عن معاني ونماذج جديدة، لأن هذه التبدلات أو التغييرات الكبرى الثلاث، نتجت في آن واحد، عن ذلك. وهذا ما يزيد من تأثير الصدمة. الاتصالات والتسوق في الوقت نفسه، اعتمدت الديمقراطيات الحديثة على عمودين، هما التقدم، والتلاحم الاجتماعي ـ الذين حل محلهما اثنان آخران ـ هما، الاتصالات والسوق ـ اللذان بدلا من طبيعة العلاقات. فقد أصبحت الاتصالات الخرافة الأولى في الوقت الحاضر، مما تسببت بالأزمات بين الأشخاص، بصورة خاصة، وكذلك الحال، في نطاق العائلة، كما في المدرسة، وفي المؤسسات كما في الدول، كونها القادرة على تسوية كل شيء. مع ذلك، بدأ يدب الشك، بأن تسببت كثرتها، بشكل جديد من النفور أو الكراهية، وبأنها، بدلاً من أن تحرر الاتصالات، فقد حبست الزيادة في الاتصالات الخاصة بالعقل.(5) وأصبح للسوق بعد الآن، ميل لإدارة جميع النشاطات الإنسانية وتنظيمها، وكانت بعض المجالات ـ الثقافية، الرياضية، الدينية ـ باقية خارج مدى سيطرتها. والآن، فقد جرى امتصاصها بواسطة فلك السوق. فقد فوضت الحكومات أمورها، إليها، أكثر فأكثر "التخلي عن قطاعات، الخصخصة". وفي هذه الحالة، يبقى السوق الخصم الرئيس أمام التلاحم الاجتماعي "والتماسك العالمي، لأن منطقهُ يريد فقط مجتمعاً، ينقسم إلى مجموعتين: مجموعة من الموسرين، وأخرى من غير الموسرين. ولا يهتم السوق بهؤلاء الأخيرين مطلقاً. فهم خارج اللعبة أيضاً، كما يقال. ويستمر السوق كونه المنتج لعدم المساواة، من حيث الجوهر، ويزيد من عجرفة مذهلة. ويشهد على ذلك هذه الطرفة: قيل إنه يوجد إعلان يغطي أروقة عشرات المطارات الأوربية، ينقل نموذجاً يصور عن الثورة الثقافية الصينية، يظهر فيها صفوفاً من المتظاهرين، ينتظمون في مواكب عديدة، وهم يلوحون بأعلام متعددة الألوان، ووجوههم عابسة، ويحركون الأعلام في الهواء، ويلوحون بها، وهم يصرخون: "أيها الرأسماليون، في جميع البلدان، اتحدوا". ويتعلق الأمر هنا بدعاية نشرتها مجلة فوربس (FORBES)، مجلة المليارديرية. وهذا الأمر، تبديل لاتجاه الشعار الشيوعي الأكثر شهرة، والقائل: "بروليتاريا، في جميع البلدان اتحدوا". وأصبح من الواجب إعادة النظر بهذه الطريقة الخداعة، من أجل ذلك، من أجل إشهار ا لمائة والخمسين عاماً، التي مرت على صدور البيان الشيوعي، كاحتفال بذكراه. ذلك البيان الذي شارك في كتابته كل من كارل ماركس وفريدريك انجلز، عند بلوغ الأول، سن الـ (30) عاماً، والثاني (28) عاماً. وكذلك ثورة عام (1848): "التي فرضت التصويت العام الذكوري، وإلغاء العبودية"، تم التمرد بشهر أيار عام (1868). وبطريقة تؤكد، أيضاً، ودون الخوف أن تصبح محل تكذيب "فإن الإعلانات لم تصبح ممزقة، ولا محل إهمال"؛ في أمرين: فلم تعد الشيوعية محل خوف، أما الرأسمالية، فإنها انتقلت إلى الهجوم فكيف يمكن توضيح عجرفة رأس المال هذه؟ الوهم المدمر لقد بدأ بعد سقوط جدار برلين واختفاء الاتحاد السوفياتي، وفي ظرف غباوة أو بلادة سياسية، حيث يتوضح الخزني لوهم مدمر. فقد أصابت الرؤى الفجائية من جميع النتائج إلى الشرق من عقود زمنية من التدويل، أصابت الأذهان بصدمة وشوشتها. فقد تجلى النظام دون حرية ودون اقتصاد السوق في لامعقوليته المأساوية، وعن نتيجته الطبيعية من الظلم أو الجور. فلقد أُرهق الفكر الاشتراكي، بطريقة معينة، باستمرار. وبالطريقة نفسها، فقد أُرهق نموذج التقدم الإيديولوجي المدعي بالتخطيط المطلق للمستقبل والبرمجة للسعادة. فقد توضحت أربع قناعات جديدة، في نطاق اليسار، واضعة شروطاً للأمل لتحول المجتمع جذرياً: ما من بلد يستطيع أن يتطور بشكل جدي دون اقتصاد السوق. ويتسبب تأميم وسائل الإنتاج بصورة منهجية والمبادلات، يتسبب في التبذير والنقص. ثم لا يشكل التقشف لخدمة المساواة، بحد ذاته، برنامجاً لحكومة. وأخيراً للحرية الفكرية وحرية التعبير، شرط ضروري، بعض من الحرية الاقتصادية. لقد تسبب إخفاق الشيوعية وانبجاس الاشتراكية، بطريقة غير مباشرة، بالتدمير الإيديولوجي لليمين التقليدي "الذي تم اكتشافه، من أجل قاعدة عقائدية وحيدة، معاداة الشيوعية"، وإنها كَرّسَت الليبرالية الجديدة (N?OLIB?RALISME) كمنتصر كبير في المجابهة شرق ـ غرب. فهذه الدينامية، كانت إذن قد شهدت اختفاء خصومها الرئيسين، بعد أن كانت قد كبحتهم منذ بداية القرن العشرين، وبأنها تنتشر الآن على المستوى الكوني، مع طاقة بعشرة أضعاف. وهي تحلم بفرض مفاهيمها على العالم، بسبب وَهْمِها أو خداعها الخاص، كونها فكراً وحيداً على الأرض بالكامل. ويسمى هذا المشروع في الغزو بـ "العولمة". فهي تنتج عن الترابط الاقتصادي أكثر فأكثر في جميع البلدان، مع ترابط وثيق بالحرية المطلقة لانتقال رؤوس الأموال، وعلى إزالة الحواجز الجمركية، وعلى التنظيمات، وتكثيف التجارة والتبادل الحر، وعلى تشجيع كل ذلك من قبل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومن قبل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، ومنظمة التجارة الدولية. لقد أقيم فصل بين الاقتصاد المالي والاقتصاد الحقيقي، فمن حوالي الـ (1500) مليار دولار التي تمثل العقود المالية اليومية، على المستوى العالمي، هناك (1%) فقط، مخصص لإيجاد ثروة جديدة. والباقي هو ذو طبيعة نظرية. وتترافق هذه الأنظمة العجيبة للنيولبراليزم، مع انخفاض ذي مغزى لدور الفاعلين العموميين، حتى في البلدان المتطورة جداً. وقد بدأت بالبرلمانات وغيرها من المؤسسات الديمقراطية كذلك، بدمار بيئي، وتفجر في التفاوت أو عدم المساواة، وبالعودة الحساسة لظهور الفقر والبطالة ونتائجها الاجتماعية: مثل تفجر العنف الاجتماعي، وجنوحية إجرامية وفقدان الأمن. كل ذلك، تمثل نفي للدولة الحديثة والمواطنة. العلوم التقنية والمجتمع إننا نشهد، في الوقت نفسه، انفصالاً جذرياً، بين التكنولوجيات الجديدة ، من جهة، ومفهوم التقدم في المجتمع، من جهة أخرى، فقد عملت الانطلاقة، منذ مطلع ستينيات القرن العشرين، لعلوم الأحياء الجزئية، والمشاركة بقوة للحساب الذي يسمح بعد اليوم بالمعلوماتية، وعملت على سرقة الاستقرار العام للنظام التقني بشكل صارخ. وتصبح السيطرة على هذه بالقوة العمومية، أكثر صعوبة فأكثر. والنتيجة: فقد تكشف عجز المسؤولين السياسيين عن تقدير التهديدات الخفية بالنسبة لمستقبل الإنسانية، نتيجة التسارع في العلوم التقنية(6) وتمر هنا، أيضاً، بالاعتماد على خبراء غير منتجين والذين يقودون القرارات الحكومية في الظلام. مستقبل الإنسانية إن المشاهد للكرة الأرضية عن بعد، يَفْتَن بلونها الأزرق المستحب، المبرقع بالأبيض، والمبقع بالغيوم، وبالانطباع عن الثروة والرخاء الذين تطلقهما. كما يفتن بالإنبات الوافر، وبمباحث الإنبات الغزيرة، والحيوانات الآهلة الكثيرة. وقد سيطرت هذه الطبيعة السخية، الفردوسية، الوافرة، وخلال آلاف السنين. وقد تغذى الكائن البشري، منذ ظهوره، وعاش فيها منذ زمن بعيد، ويتعاطف مع هذه الطبيعة الأم. لكن شرع الإنسان في التدمير الممنهج للأوساط الطبيعية، منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر، نتيجة الثورة الصناعية، باسم التطور والتقدم. وتلاحقت أعمال النهب والتخريب من جميع الأنواع، محدثة دماراً في التربة والمياه وفي مناخ الأرض. وجرت الأعمال الحضارية المتسارعة، والقضاء على الغابات الاستوائية، والتسبب في تلوث البحار والأنهار، والقيام بأعمال أدت إلى تسخين الجو، وإفقار طبقة الأوزون، والتسبب في الأمطار الحامضية: هذا التلوث الناتج عن تأثيرات تعرض مستقبل كرتنا الأرضية للخطر بعد اليوم. من جهة أخرى، أصبح الكائن البشري، بعد الآن، على مقدرة أن يغير نفسه جينياً. إذ تتسارع المغامرات العلمية، وتدعنا نستشف اللحظة التي تصبح عمليات تفسيل الجنس البشري، بالنسبة للبعض قابلة المواجهة أو محل نظر في مواجهتها. ولم يتم اجتياز الحدود. سواء أكانت مثبتة على المستوى الدولي أو على المستوى الوطني، بعد، في مجال الاستنساخ أو التفسيل. وإن موضوع النعجة دولي (DOLLY)، تلك النعجة المستنسخة، أصبحت اليوم بالغة سن الرشد، وقد برهنت على صحة الاستنساخ في ربيع عام (1997) إلى جميع من كان يشك حتى ذلك الوقت بهذا العمل العلمي. من جهة أخرى، يثير موضوع تواجد منتجات الذرة مثلاً، أو الصويا المعالجة جينياً، في الأسواق الأوربية، تثير العديد من الأسئلة بشأن الأخطار التي يمكن التعرض لها: فلأي هدف، ومن أجل من، فهل وضعت الأجهزة العضوية، المعدلة جينياً، تحت الاختبار؟ وهل من الضروري القيام بذلك؟ وهل ذلك مقبول؟ يمكن أن يواجه نصف سكان العالم مشاكل النقص في المياه الصالحة للشرب في عام (2003). وفي عام (2010)، سينقص الغطاء من الغابات في مجمل الكرة الأرضية أكثر من (40%)، مقارنة بالعام (1990). وفي عام 2025، يمكن أن يصل عدد سكان العالم من "7.5 إلى 9.5" مليار نسمة، مقابل (6) مليار اليوم. وفي العام (2040)، يمكن أن يؤدي تراكم الغاز الناتج عن الدفيئات، إلى ارتفاع في درجة حرارة الكرة الأرضية من (1 إلى 2) سنتغراد، على درجة الحرارة المتوسطة للكرة الأرضية، وارتفاع في مستوى مياه المحيطات والبحار من (0.2 إلى 1.5)م. فيجب على البلدان المصنعة ـ حيث أن الرفاه قائم جزئياً على الإنتاجية الكثيفة، وعلى الاستغلال المفرط للبيئة ـ وكما على البلدان النامية، يجب البحث وبسرعة، عن الوسائل التي تستجيب للحاجات الحالية، دون تعريض قدرات أجيال المستقبل للخطر في المستقبل، وتلبية حاجاتهم الخاصة. كوارث بيئية ما هي الرهانات الرئيسة التي تجابهها الإنسانية، في مطلع القرن الواحد والعشرين؟ لنتجنب انحرافات علم أصبح علماً تقنياً (TECHNOSCIENCE)، بشكل كبير، وأكثر فأكثر قرباً من السوق: إنها، خفض تلوث البيئة والكفاح ضد التبدلات التي تحدث في المناخ بشكل كبير وكامل. وحماية التنوع الحياتي BIODIVERSITE وعرقلة إنهاك المصادر الطبيعية، وكبح تآكل التربة والتصحر. وإيجاد الوسائل لإطعام من (8-10) مليار كائن بشري. يؤدي إتلاف البيئة أو تخريبها، إلى نتائج خطيرة على المدى الطويل، وتستطيع تأثيراتها أن تكون غير قابلة للإصلاح. مثال ذلك، يلزم عدة قرون زمنية، وحتى آلاف السنين، من أجل أن تفقد بعض الفضلات النووية، إشعاعاتها النشيطة القاتلة. فالعالم يخر تحت الحطام. فعلى مستوى الكرة الأرضية، فهناك أكثر من (2) مليار طن من الفضلات الصناعية الصلبة، وحوالي (350) مليون طن من الحطام الخطر ـ إليها، يجب إضافة (7000) طن من المنتجات النووية، حيث لا نعلم، كيف التخلص منها على الدوام ـ والتي تتراكم كل عام. وإن بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE) مسؤولة عن (90%) من إنتاج هذه المنتجات الخطرة. إن القلق المتعلق بحماية الطبيعة، هو من الأمور القديمة جداً: فقد كتب عن ذلك مهندس زراعي لاتيني، حول وقاية التربة منذ القرن الثالث الميلادي، جرى البحث عن تنظيمات ستهدف حماية الغابات نتيجة إصلاح الأراضي الكثيف، المرتبط بالتوسع الديموغرافي، لكن، إنه مطلع القرن الواحد والعشرين، الذي يشكل التفكير البيئي. فقد صاغ عالم الكيمياء السويدي، سفانت أرهانيوس (SVANTE ARRHANIUS) في عام (1910)، وللمرة الأولى، فرضية تتعلق بإعادة تسخين المناخ للكرة الأرضية, مرتبط بتراكم تدريجي للغازات الصناعية في الجو. وأخذ الاهتمام بهذه الأمور يزداد، فقد اهتم في عام (1926) بنذر تلك الغازات، عالم الأحياء فلاديمير فرنادسكي (VLADIMIR VERNADSKY)، ومن ثم في خمسينيات القرن العشرين اهتم بعض علماء الاقتصاد بذلك كنث بولدنك Kenneth boulding اهتموا جميعاً بموضوع الآثار الحاسمة الناتجة عن النشاطات الإنسانية على البيئة. وأخذ الرأي العام يشعر بالقلق، منذ سبعينيات القرن العشرين، نتيجة التوسع الاقتصادي والديموغرافي السريع، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من آثار سيئة على المدى الطويل. فقد صدر في عام 1964) مؤلف بعنوان: "ليس لنا سوى أرض واحدة: (NOUS NA'VONS QU'UNE TERRE)". وفي عام (1972)، صدر تقرير بعنوان أوقفوا النمو أو التنمية؛ (HALTE ? LA CROISSANCE) الصادر عن نادي روما، وتغذي جميع هذه المؤلفات، الخشية من كارثة بيئية رئيسة مرتبطة بالتزايد السكاني المفرط، وعلى التلوث البيئي، وإفناء أو نضوب المصادر الطبيعية. وقد حاول مؤتمر ستوكهوم عام (1972)، من ثم، في عام(1980) إجراء المحادثات تحت عنوان: استراتيجية عالمية لحفظ البيئة، في محاولة لتحديد ميزات عالم مناسب، من حيث التطور، ويحترم البيئة. لقد أصبح موضوع "التنمية المستمرة"، في مقدمة اهتمامات العالم وبارتباط ذلك بتنمية البيئة (Eco D?VELOPPEMENT)، منذ عام (1987) مع نشر تقرير منظمة الأمم المتحدة، تحت عنوان: مستقبلنا المشترك (OUR COMMON FUTURE). النقص في المياه الصالحة للشرب في القرن السادس عشر، كان يقدر عدد سكان الكرة الأرضية بـ (450) مليون فرد. ثم تزايد ذلك العدد، ليصبح(1.5) مليار في عام (1900)، وأضيف إلى ذلك الرقم الأخير مليار من الناس حتى عام (1950). واليوم، يتزايد سكان الكرة الأرضية بوتيرة لا سابق لها. إذ تحمل الأرض على ظهرها ما مقداره (6.3) مليار نسمة، وهذا الرقم يمكن أن يصل إلى (10) مليار إنسان، نحو عام (2050). ففي عام (2001)، (95%) من القادمين الجدد على الكرة الأرضية، ولدوا في البلدان الأقل تطوراً. فإذا كان لجميع الناس، مستوى حياة على الأرض كافة، كما هو الحال في سويسرا، يمكن للكرة الأرضية عندئذ، بالكاد أن تؤمن حاجات (600) مليون شخص فقط. وإذا كان الأمر عكس ذلك، أي أن يعيشوا، كما يعيش الفلاحون في بنغلادش، يمكن لحوالي (18 إلى 20) مليار إنسان، أن يستمروا بالعيش، وكان حوالي (100) مليون شخص، ممن ينقصهم الحطب، أثناء العقد الأخير من القرن العشرين، الحطب من أجل العمل على طبخ وجبتين في اليوم الواحد. في حين يوجد (1.5) مليار كائن بشري، مهددين بنقص الحطب للتدفئة، خلال مدة قصيرة. كما يقدر أن (800) مليون شخص، يعانون من سوء التغذية. ويتسبب النقص في الماء على سطح الكرة الأرضية، بالقلق. إذ سيشكل الماء دافعاً للتوترات الاجتماعية والاقتصادية، التي يمكن أن تصبح خطرة جداً في يوم من الأيام، في جميع الأحوال. وتشكل إفريقيا العربية، والشرق الأوسط العربي، المناطق الأكثر تأثراً بنقص الماء. حيث ستنخفض مصادر المياه بالنسبة للفرد، من 80%، ضمن مدى حياة إنسانية واحدة. إذ سيتراجع من (3430) متر مكعب، إلى (667) متر مكعب. والمعروف أن عتبة الإنذار، مؤكدة بـ (2000) متر مكعب للشخص الواحد. وهناك تهديدات متعددة تحط بثقلها، فيما يتعلق بالمياه العذبة الصالحة للشرب قبل كل شيء، تحويل الأنهار نحو الري، مما يؤدي إلى جفاف في بعض المناطق الواقعة في سافلة الأنهار. ففي الاتحاد السوفياتي السابق، حيث انخفضت المساحة بمقدار (40%) ما بين الأعوام (1960-1989)، وتحولت تدريجياً هذه المساحة إلى صحراء مالحة. يضاف إلى ذلكن بناء السدود التي تستهدف ري الأراضي، أو إنتاج الكهرباء، وتسبب في إغراق مناطق واسعة، وتخل أو تشوش هجرات الأسماك، ويمكن أن تتسبب في إحداث الفيضانات، باتجاه أسفل الأنهار. في الوقت نفسه، فقد نتج عن ذلك القضاء على بعض الغابات بسبب تحويل الأنهار، وطين الغابات، مما يتسبب عن ذلك العديد من المشاكل المناخية، كما أن السيطرة على الأنهار قد تسببت بأزمات متزايدة بين الشعوب. وهناك قلق آخر رئيس، وهو عدم معالجة المياه الوسخة، نتيجة طرح ما نتج عن الزراعة أو الصناعة، فنهر الدانوب، أصبح ضحية العديد من الملوثات، خصوصاً في ألمانيا، حيث منبعه. فهناك العديد من العلامات التي تجعلنا نفكر أن المياه هي في طريقها إلى أن تصبح سلعة غذائية نادرة. والتوترات التي تثيرها هنا وهناك. ليست، بلا شك، سوى علامات نُذُرٍ عداء لإحداث قطيعات أكثر عمقاً بلا شك. فالمياه العذبة، هي رهان لا يقبل الجدل، في القرن الواحد والعشرين، إلا في الحالة التي يمكن إيجاد الوسائل قليلة الكلفة، للتخلص من ملوحة مياه البحار، خلال العقود الزمنية القادمة. لكن، ستصبح البحار والمحيطات نفسها، محل رهان من النوع نفسه وإن كان بدرجة أقل. إذ ستشكل التقليلات أو التخفيضات في المصادر الخاصة بصيد الأسماك، مصدراً لخلافات متعددة. وفي المستقبل القريب، إنه تلوث بعض البحار، الذي بدأ بالبحر الأبيض المتوسط، الذي يمكنه أن يتسبب في مواجهات بين البلدان الشاطئية لهذا البحر. لقد أقر مؤتمر برلين حول المناخ، في شهر نيسان عام 1995، أقر الفكرة، أن السوق ليس على قدرة لكي يستجيب لمعالجة الأخطار الشاملة التي تحط بثقلها على البيئة. وأظهر مؤتمر كيوتو (اليابان)، الذي انعقد بتاريخ تشرين الثاني عام (1997)، أن تأثير الدفيئات يمكن أن يتسبب في تأثيرات كارثية على المدى الطويل. وهذا ليس تأكيداً، لكن، يقيناً، إذا أردنا الانتظار حتى الحصول على تأكيدات عملية، أو "شبه تأكيدات" فسيكون الأمر متأخراً جداً للتحرك. وسيكون لارتفاع مستوى مياه المحيطات، وربما الآن، بأن يتسبب في حدوث أضرار لا يمكن إصلاحها، ومناطق ستصبح ربما متصحرة بالكامل. وسيكون هناك (6) مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة سوف تختفي كل عام، بدوافع التصحر. أما التآكل، والإفراط في استغلال التربة، واستغلال مراعي بعض المناطق أكثر مما ينبغي، في كل مكان من العالم، مما يتسبب في قضم مساحات واسعة من الأراضي القابلة للزراعة، بوتيرة متسارعة. والنتيجة، سوف تتحول المناطق الجافة، ونصف الجافة، إلى صحارى. عندها لا يمكن للأرض أن تتسبب في إطعام سكانها في هذه المناطق. وعندها أيضاً، ستصبح الحيوانات والنباتات نادرة فيها. موت الغابات فقد تحولت مساحة (14) مليون كيلو متر مربع من الغابات "ثمان وعشرين مرة من مساحة فرنسا"، إلى صحراء قاحلة، حتى بداية تسعينيات القرن العشرين، وهناك أكثر من (30) مليون كيلو متر مربع أصبحت مهددة بالتصحر أيضاً. ويمكن لهذه الظاهرة أن تصبح معطلة، أو معرقلة، وذلك بوضع حد لأعمال استصلاح الأراضي، وبسبب أعمال زراعة الأراضي رخصة العود، وكذلك تحويل بعض الأراضي إلى مناطق استكلاء "من الكلأ". وقد قدرت تكاليف خطة العمل هذه، من قبل برنامج الأمم المتحدة، بـ (14) مليار دولار. لقد أصبحت التوازنات البيئية في الكرة الأرضية، هشة، نتيجة التلوث الصناعي بصورة أساسية، خصوصاً في بلدان الشمال، وإقليمياً أيضاً، عن طريق فقر بلدان الجنوب. وهذا لا يراد به القول، إن الحدود الطبيعية للإنتاج، وعدد السكان، قد تم الوصول إليها، أو بلوغها، على الكرة الأرضية، وهذا يعني أن شروطاً اجتماعية واقتصادية وسياسية، لا معقولة، يمكن أن تصبح شروطاً إنسانية، تؤدي إلى الموت من الجوع. وهناك، ما بين (10 إلى 17) مليون هكتار من الغابات تختفي كل عام، طبقاً لمصادر أخرى. وهذا يعني أربع مرات من مساحة سويسرا. وفي كل عام، هناك حوالي (6000) نوع من الحيوانات تشطب من الكرة الأرضية، إلى أبد الآبدين، ويشكل مواز يُسَرِّع اختفاء الرداء الخضري، من التآكل في ملايين الهكتارات، كما أن أعمال حريق الشجر للزرع في موضعها، تطلق كميات كبيرة من الغازات الكربونية في الجو. ولم تعد الأشجار عندئذ على قدرة من امتصاص فوائض الغازات. والنتيجة: إن القضاء على الغابات هو أحد الأسباب الرئيسة لتأثير المزروعات المحمية. والغابات الأكثر تأثراً، هي الغابات الاستوائية، التي تفقد من "1.5 إلى 2% من مساحتها كل عام. فقد اختفى في إندونيسيا حوالي (80%) من الغابات ذات الرطوبة العالية من جزيرة صوماطرا، حتى سبعينيات القرن العشرين. وقد تضاعف قطع الأشجار من بورنيو بمقدار خمس مرات، خلال ستة عشر عاماً. ويرجع سبب هذا التدمير وأصله الرئيس إلى التسارع الشديد في عدد السكان، الذين يستخدمون الحطب كوقود من أجل الطبخ، والأرض من أجل زراعتها. ويعتبر استغلال الغابات من قبل البلدان الغنية، بمقدار (20%) من قطع الأشجار المنفذ في العالم الثالث. إن نزع الغابات يدمر الميراث البيولوجي الوحيد: وتؤوي الغابات الاستوائية الرطبة. (70%) في الواقع، من أنواع الأشجار التي أحصيت على كرتنا الأرضية. وتسارع التجارة الدولية بالتأكيد في تفاقم التربة ونزع الغابات. ويستمر "مفهوم التنمية المستمرة" بالتقدم. والفكرة العامة بسيطة: التنمية مستمرة إذا ورثت أجيال المستقبل بيئة من نوع مساوٍ على الأقل إلى تلك التي تلقيناها من الأجيال السابقة. ويمكن مع ذلك أن نتساءل، إذا استند المنطق الحالي للتنمية، على السوق، من حيث الأساس، فهل ينسجم عندئذٍ مع الاستمرارية في حياة طبيعية في بيئة نظيفة حقاً؟ مثال ذلك، الزراعة في بلدان أوربا الغربية، التي تبعث على الصبر بهذا الصدد. فباسم الإنتاجية، أصبح كثير من الفلاحين، نوعاً من الصناعيين، وإنهم لا يقيمون أية علاقة مباشرة مع الطبيعة، لأن تربية الحيوانات والزراعة، يمكنها بعد الآن أن تستغني عن التربة. فقد فتحت هذه القطيعة مع رابط ذي علاقة بالأسلاف أمام جميع الانتهاكات، خصوصاً فيما يتعلق بعمليات الاختيار "CHOISIFICATION" للحيوان، ومن تحويله، من آكل للعشب إلى آكل للحم، إذ أخذت هذه الحيوانات تستهلك الهياكل العظمية الخاصة بأجناسها، سواء أكانت حاملة لعدوى ما أم أنها هي الناشرة للعدوى، لقد فاقم هذا الإفساد لسلسلة الغذاء الطبيعي، باسم خلل أو عدم انتظام العقائد الليبرالية، تفاقم عن طريق النزعة التسامحية (LAXISME) أي المذهب الأخلاقي واللاهوتي أو السياسي، الذي يدعو إلى التسامح والتصالح ـ في مجال السيطرة الصحية للسلطات، مما سمح بظهور نوع من الأمراض مثل ما يسمى: "البقرة المجنونة" الذي نشر "خوفاً مرعباً" جديداً، في أماكن عديدة من العالم. وسيكون هناك ديناميكيتان متعاكستان، خلال عشر السنوات التي ستأتي، وستلعبان دوراً حاسماً على الكرة الأرضية، حسبما هو محتمل. من جهة هناك، مصالح الشركات الكبرى العالمية، المدفوعة بمشاغلها المالية، والتي تؤدي خدمة للتكنولوجيا العلمية (TECHNOSCIENCE) على أمل الحصول على الربح بالدرجة الأولى. من جهة أخرى، هناك أيضاً، جذب أخلاقي، بشأن المسؤولية، نحو تنمية أكثر عدلاً تأخذ بالاعتبار المخاوف على البيئة، وهي بلا شك، من الأمور الحيوية بالنسبة لمستقبل الإنسانية. تكنولوجيا فائقة HYPERTECHNOLOGIE يضاف إلى ذلك الثورة المعلوماتية التي عملت على تفجر المجتمع المعاصر. إذ تسببت في تشويش انتقال الخيرات، وشجعت على توسع الاقتصاد المعلوماتي، والعولمة. وهذا لم يقم بقلب جميع بلدان العالم إلى مجتمع وحيد، للآن. إلا أنه يدفع باتجاه اهتداء المجتمع نحو طراز اقتصادي وحتى وحيد، وذلك بإقامة شبكة على سطح الكرة الأرضية لخدمة ذلك الطراز. حيث أقام نوعاً من الرابط الاجتماعي/ الليبرالي، مشكل بالكامل، من شبكات، فاصلة الإنسانية إلى أفراد معزولين، الواحد عن الآخر، في عالم فائق التقانات. النتيجة: أصبح منطق المنافسة مرتفعاً إلى درجة أن صار من الضرورات الطبيعية للمجتمع. وقد أدى ذلك العمل إلى فقدان الشعور أو الإحساس بـ "العيش المشترك"، و"الخير المشترك". ومستحدث إعادة توزيع الأرباح الإنتاجية، لصالح رأس المال، وبحضرة العمال. وهنا يتعمق التفاوت أو عدم المساواة. فعلى سبيل المثال، هناك، في الولايات المتحدة (1%) من السكان، يمتلكون (39%) من ثروة تلك البلاد. وتعتبر كلفة التضامن من الأمور التي لا تطاق، وأصبحت فكرة صرح الدولة ـ العناية الإلهية- مدمرة(7) فأمام هذه الشراسة والعجالة في جميع هذه التبدلات، تضمحل السمات، وتتراكم الشكوك، ويبدو العالم قد أعْتَم، ويبدو التاريخ أنه قد زاد في الأزمات ويجد المواطنون أنفسهم في قلب الأزمة، عندما يموت الطاعن في السن، ويتردد الجديد في أن يولد، أو كما يقول توكفيل (TOXQUEVILLE)، "عندما لا يوضح الماضي المستقبل، تمشي الروح في الظلمات". هوامش البحث (1)- INTERNATIONAL HERALD TRIBUNE (7) JANVIER 2002. (2)- ON PEUT TOUTEFOIS PR?VOIR QUE LES ETAT – UNIS VONT MAINTENIR LEURS FORCES EN. AFGANISTAN AND IRAK POUR LONGTEMPS. GEORGES. W. BUSH A ASSUR?, FIN DECEMBER 2001, QUE LE TROUPES AMERICAIN EST ENGAGEES DAN LES OPERATIONS CONTRE LE RESEAU AL – QUA?IDA ET SON CHEF OUSSAMA BEN LADEN Y RESTERAIENT POUR UNE (ASSEZ LONGUE PERIODE). (3)- L’ ANCIENNE SECR?TAIRE D’ETAT DU PRESIDENT CLINTON, MADELEINE ALBRIGHT, EST ALL?E JUSQU’A AFFIRMER, PAR EXEMPLE QUE “LA CHAINE CNN EST LE SEIZIEME MEMBRE DU CONSEIL DE SECURITE DE NATIONS UNIES”. (4)- VALEUR DE LA PRODUCTION GLOBALE (BIENS ET SERVICES) D’UN PAYS. (5)- CF. IGNACIO RAMONET. LA TYRANNIE DE LA COMMUNICATION, PARIS, GALIL?E (1999) GALLIMARD, COLL “FOLIO ACTUEL” NO. 92; 2001. (6)- CF “RAVAGES DES TECHNOSIENES” MANIERE DE VOUR, Nْ 38. MARS – AVRIL 1998. (7)- CF RICCARDO PETRELLA, ECONOMIE SOCIALE ET MONDIALISATION DE L’ECONOMIE SUEO EDITEUR (3680, RUE JEANNE – MANCE, MONTR?AL, QU?BEE, H 2X 2 K5) 1997. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |