|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
التخوف الأمريكي من المشاريع العسكرية الأوروبية ـــ د.خير الدين العايب مقدمة تضاعفت رغبة الدول الأوروبية (خاصة الدول الأوروبية الفاعلة كفرنسا وألمانيا) في تجسيد الاستقلالية الأمنية عن الحلف الأطلسي حين اقتنعت أنه لم تعد هناك أخطار أمنية مباشرة تهددها بعد تفكك الاتحاد السوفيتي. علاوة على ذلك ترى الدول الأوروبية أنها تمتلك المقدرة العسكرية والأمنية التي تسمح لها بالدفاع عن نفسها ضد أية تهديدات أمنية خارجية وأن تحتوي أيضاً أية تهديدات أمنية من داخل المنطقة. وتشعر الدول الأوروبية أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تتراجع عن التزاماتها الاستراتيجية في القارة الأوروبية، لأن هذه الأخيرة تعتبر المجال الأوروبي مجالاً حيوياً من الناحية الأمنية والاستراتيجية، إذ إن العمق الاستراتيجي الأوروبي يمكن الولايات المتحدة الأمريكية من المناورة العسكرية ومراقبة تحركات القوى الدولية العسكرية كفرنسا وروسيا وأوكرانيا، ولذلك دعت الدول الأوروبية إلى إنشاء جهاز أمني أوروبي مستقل يجسد وحدتها. وأوضحت بأن دعوتها لإنشاء هذا الجهاز يجب أن لا يفسر على أنه مشروع يدعو إلى الاستقلالية التامة عن حلف شمالي الأطلسي أو الإنقاص من المهام التي يقوم بها الأسطول السادس، بل على العكس من ذلك، فإن هذا المشروع هو سند لأدوار حلف شمالي الأطلسي لأنه يؤدي دوراً أمنياً في حل المشكلات الأمنية التي تواجهها دول المنطقة. كما يؤدي من جهة أخرى إلى تقريب سياساتها الأمنية التي يغلب عليها الطرح العسكري إلى سياسة أمنية يغلب عليها التعاون والسلم الداخليان. وتعتقد الدول الأوروبية أن المشروع الأمني الذي تعتزم تأسيسه سيحد من ظاهرة تزايد شراء الأسلحة سواء أكانت أسلحة تقليدية أو كيميائية أو شراء أسلحة بطرق سرية يمكن أن تهدد استقرار دول المنطقة، كما يحصل مع تركيا واليونان. وتتخوف الدول الأوروبية من احتمال أن تكون مثل هذه الأسلحة بيد جماعات متطرفة يمكن أن تستعملها لضرب أهداف أوروبية أو توجه ضد منشآت سكنية. 1-أطر ومسارات التنسيق العسكري بين الدول الأوروبية: كان أول اتفاق أبرمته الدول الثلاث فرنسا وإيطاليا وإسبانيا هو اتفاق على مشروع فرنسي لبناء قمر صناعي للمراقبة العسكرية، ومشروع آخر يسمى هيليوس (Helios) يستهدف معرفة وضعية القوات العسكرية الأجنبية المستقرة داخل حوض البحر الأبيض المتوسط. كما يكون دوره إدارة العمليات العسكرية، وتطوير الأهداف الاستراتيجية التي لها علاقة بالقوات النووية(1). والمشاريع الثلاثة ذات الطابع العسكري تمثل رسالة مباشرة للولايات المتحدة الأمريكية على أن الدول الأوروبية بإمكانها أن تدافع عن أمنها العسكري ضد أية تهديدات خارجية دون طلب مساعدة الولايات المتحدة الأمريكية. فسرت الولايات المتحدة الأمريكية الدعوة الأوروبية لتطوير المشاريع العسكرية دون إشراك الولايات المتحدة الأمريكية فيها على أنها تمثل سابقة خطيرة في تاريخ العلاقات الأمريكية – الأوروبية، لأن المشاريع العسكرية والأمنية المذكورة (خاصة مشروع هيليوس) يعد من الوجهة العسكرية تحدياً للتحركات العسكرية والأمنية الأمريكية في المنطقة الأوروبية. لأن المشروع العسكري الذي طرحته الدول الثلاث برأي الولايات المتحدة الأمريكية يهدف إلى مراقبة تحركات القوات الأمريكية (الأسطول السادس) ويستهدف جميع المعلومات الاستخباراتية عن خطط القوات الأمريكية في المنطقة(2)، وهذا ما لا تسمح به الولايات المتحدة الأمريكية لأن وجودها وبقاءها في المنطقة، إنما يرمي إلى ضمان أمن شعوب القارة الأوروبية كما تدعي. كما أن الدول الأوروبية المتوسطية كانت تستهدف من المشاريع العسكرية التي اتفقت عليها أن تدخل المنافسة العسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا اللتين كانتا تحتكران المجال الجوي من خلال رصد تحركات القوات العسكرية الأوروبية سواء في أوروبا الغربية أو أوروبا الشرقية، بدليل أن الأسطول السادس الأمريكي لم تكن مهمته مراقبة تحركات روسيا العسكرية أو جمهورية أوكرانيا فحسب، بل إن مهمته الأساسية مراقبة تحركات الدول الأوروبية الفاعلة (خاصة فرنسا) والتجسس على أسطولها النووي المرابط في مدينة Toulon. ورغم أن فرنسا تعرف ذلك إلا أنها كما يقول الوزير الفرنسي الأسبق (ميشال روكار) لا ترغب في أن تثير زوبعة أمنية وسياسية مع الولايات المتحدة الأمريكية، لأن هذه الأخيرة حليف قديم وإن كانت أثرت على مقدرة فرنسا على التحرك الأمني داخل المجال الأوروبي والمتوسطي أو خارج أوروبا والمتوسط(3). مع ذلك فقد كانت فرنسا أكبر الدول الأوروبية المتحمسة لمشروع هيليوس لأنها لم تسقط من حساباتها يوماً أنها قوة إقليمية نووية وتمتلك وسائل الردع التي تسمح لها بأن تلعب أدواراً أمنية داخل أوروبا الذي تعتبره مجالها الحيوي الرئيسي بسب العلاقات التاريخية والاقتصادية المميزة التي تجمعها مع العديد من دول حوض البحر الأبيض المتوسط خاصة دول الضفة الجنوبية من الحوض. فمشروع هيليوس سيساعدها ليس فقط على مراقبة التحركات العسكرية الأمريكية والروسية بل يساعدها المشروع على مراقبة تحركات دول منطقة حوض المتوسط كلها. بالتوازي مع مشروع هيليوس أبرمت الدول الأوروبية الثلاث اتفاقات عسكرية ثنائية في نهاية عام 1987 وبداية عام 1988 في مجال التعاون للدفاع الجوي وفي مجال الدفاع الجوي –البحري بين إيطاليا وفرنسا من جهة، وفرنسا وإسبانيا من جهة أخرى(4). وتستهدف الاتفاقات إجراء مناورات مشتركة جوية وبحرية وتبادل المعلومات العسكرية في المجال الجوي والبحري بين الدول الموقعة. كما اجتمعت الدول الأوروبية في مارس 1988 بباريس لمناقشة المسائل الأمنية الخاصة بالأسلحة الكيماوية في المنطقة وتقرر خلالها منع نشرها خوفاً من أن تنتقل إلى دول تقع خارج المجال الجغرافي الأوروبي. ووضعت الدول الثلاث برنامجاً يمنع تصدير الأسلحة الاستراتيجية، منها صواريخ أرض –أرض (ACTL) إلى الدول المتوسطية، خاصة تركيا واليونان اللتان تتنازعان على جزيرة قبرص. لقد أصبحت الدول الأوروبية أكثر قناعة بأن عليها أن تتكيف مع تحولات النظام الدولي الجديد الذي أصبحت تحكمه مفاهيم جديدة كالتنافس الاقتصادي والتنافس التكنولوجي وبروز ظاهرة التعاون المتبادل والتكتلات الاقتصادية التي وجدت الدول الأوروبية فيها فرصة لتحقيق ذاتها ولكي تثبت للقوى الدولية الأخرى أنها قادرة هي الأخرى على المنافسة الاقتصادية والأمنية والسياسية. وأصبح الاهتمام بالأمن الإقليمي والاقتصادي بالنسبة لها حقيقة يتعين عليها ترجمتها إلى الواقع، خاصة بعد التوقيع على اتفاقية ماستريخت التي طالبت الدول الأوروبية الأعضاء في الاتحاد بخفض النفقات العسكرية بالنسبة للأسلحة التقليدية والعمل على إدخال تقنيات متطورة إلى المنظومة العسكرية الأوروبية لتكون أكثر قدرة على المناورة لمواجهة التحديات الأمنية من داخل المنطقة الأوروبية. إن دوافع تطوير القدرات الدفاعية الأوروبية ترجع إلى أن الدول الأوروبية أصبحت أكثر قناعة بأن مواجهة التهديدات الجديدة القادمة من داخل المنطقة كالنزاعات الداخلية والإقليمية تتطلب توافر قوات تتميز بالسرعة على الرد والاحتواء خاصة ضد الجماعات التي يمكن أن تستعمل صواريخ ضد أهداف أوروبية أو احتواء أي نزاع عرقي قد ينشب من دون أن تكون الدول الأوروبية قد وضعته في حساباتها. نتيجة لذلك اتخذت الدول الأوروبية مبادرة خفض الأسلحة التقليدية في باريس سنة 1990 تجسيداً لفكرة الوحدة الأوروبية، حيث طالبت اتفاقية (ماستريخت) الدول الموقعة عليها بالكشف عن كل أجهزتها العسكرية وإزالة جزء منها من أجل أمن المنطقة الأوروبية. وبموجب هذه الاتفاقية حصلت الدول الأوروبية أمام مرأى دول حلف شمالي الأطلسي أكثر من 17.000 عربة مدرعة وعدة طائرات قتالية وطائرات هيلكوبتر(5). وبمساندة لقيتها فرنسا من ألمانيا وبريطانيا اقترحت على بقية الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمالي الأطلسي في اجتماع أفريل 1991 فكرة إنشاء قوة أوربية متوسطية موحدة تحت اسم (قوة التدخل السريع)، ولهذه القوة الحق في مواجهة الأزمات داخل وخارج المجال الجغرافي الأوروبي، وتم قبول الاقتراح الفرنسي من أغلبية الدول الأوروبية، في 28 ماي 1991(6). الملاحظ أنه عقب حرب الخليج الثانية أعادت فرنسا طرح فكرة الاستقلالية الأمنية داخل أوروبا، عندما لاحظت أن الولايات المتحدة الأمريكية قد أشرفت على إدارة النزاع في كوسوفو لوحدها دون إشراك الدول الأوروبية بشكل مباشر. واعتبر العديد من الخبراء في الشؤون العسكرية في فرنسا أن هذا التهميش سيضر بمصداقية فرنسا الدولية مع أنها تمتلك مقومات الدولة القادرة على إدارة الأزمات. وهكذا سعى هؤلاء الخبراء ومنهم الجنرال Copal(7) للضغط على الرئيس الفرنسي الأسبق فرنسوا ميتران مطالبين باتباع سياسة أوروبية أكثر عقلانية ومرونة واستقلالية وأكثر قدرة على الحركة، وببدائل مستقلة في معالجة الأزمات الداخلية في الحوض. كما ارتفعت أصوات خبراء شؤون الدفاع والأمن في فرنسا، ليطالبوا صناع القرار في الإدارة الفرنسية بانتهاج سياسة أوروبية، تكون الدرع الواقية لسياسة "القوة الضاربة التي يشرف عليها الأسطول النووي المرابط في Toulon(8). لتطبيق هذه السياسة "جمعت فرنسا إلى جانب الغواصات النووية الاستراتيجية أهم وحدات بحريتها العسكرية، منها خاصة حاملتي الطائرة (فوش) و(كليمنصو)، والغواصات النووية الهجومية، التي تعمل إلى جانب قوة التدخل السريع (FAR) ووسائل عسكرية للتدخل نحو الجنوب(9). يظهر مما تقدم أن التنسيق الأمني بين الدول الأوروبية الثلاث: فرنسا وإيطاليا وإسبانيا قد بدا مبكراً أي قبيل تفكك الاتحاد السوفييتي السابق، مما يعنى أن الدول الأوروبية لم تكن مرتاحة للتواجد العسكري الأمريكي في المنطقة التي تعتبرها مجالها الحيوي والطبيعي. وقد طرحت المشروع الأمني الذي ترغب في أن تنضم إليه بقية الدول الأوروبية الأخرى ليكون نواة مشتركة تجمع الدول الأوروبية وتشرف بإرادتها المستقلة على أمن المنطقة. لقد تخوفت دول الاتحاد الأوروبي من تضاعف الاهتمام الأمريكي بالمنطقة الأوروبية واعتبرته اهتماماً جاء رداً على مشاريعها الأوروبية الداعية إلى الوحدة وانطلاقاً من ذلك سارعت العواصم الأوروبية في باريس وبون إلى إعادة إحياء مشاريعها القديمة للرد على التوجه الأمريكي بالتوسع نحو الجنوب والذي فسرته بأنه توسعٌ يستهدف تضييق الخناق عليها. قال الرئيس الفرنسي في مقابلة تلفزيونية أجرتها معه قناة فرانس 2: إن الاتحاد الأوروبي سيفشل في كل المشاريع التي طرحها إذا بقي مكبل الأيدي أمام المشاريع الأمريكية في المنطقة، فسيأتي الوقت الذي ستصبح فيه أوروبا مقاطعة أمريكية لا تمتلك السيادة ولا القرار السياسي الشجاع. والرد الأمثل على المشاريع الأمريكية يتمثل في التفكير في مشاريع أوروبية تعزز قدرات أوروبا الأمنية والسياسية والاقتصادية(10). هذا ما فكرت فيه أوروبا ابتداءً من عام 1999، إذ سعت جاهدة لبناء قوة أمنية بعيداً عن الحلف الأطلسي تعتمد عليها لدعم مصالح سياستها الخارجية المشتركة على حد تعبير وزير الخارجية الفرنسي روبير فيدرين ولترتيب شؤون بيتها أمنياً بشكل مستقل عن الولايات المتحدة الأميركية وحلف شمال الأطلسي. 2-القوة الأوروبية للتدخل السريع: عززت دول الاتحاد الأوروبي وحدتها للدفاع عن أمنها بقرار اتخذته في القمة الأوروبية التي انعقدت في هلسنكي عام 2000 بإنشاء قوة تدخل أوروبية تجسيداً للرغبة الأوروبية في امتلاك قدرات دفاعية مستقلة، لها القدرة والكفاءة على معالجة الأزمات الناشئة والتدخل السريع. وقوة التدخل السريع الأوروبية هذه قوامها 60 ألف مقاتل مهمتها القيام بعمليات إنسانية عاجلة وبمهمات حفظ أو إعادة السلام في مناطق الأزمات مثل البوسنة أو كوسوفا. حدد عام 2003 موعداً لتسمية قادة تلك القوة المزمع إنشاؤها وتشكيل هيئة للتخطيط واتخاذ القرار، وتحديد التعبئة اللازمة لتحقيق طموحات الدول الأعضاء. ومن أجل تكييفها مع المحيط الاستراتيجي الجديد على حد تعبير فرنسا وألمانيا خلال القمة الثالثة والسبعين الداعية إلى تطوير القوة الأوروبية باتجاه (قوة للتدخل السريع)(11). وجدت فرنسا وألمانيا في النزاع اليوغسلافي فرصة لها لتدعو إلى الإسراع في تجسيد المشروع الأوروبي لأنها لاحظت أن الولايات المتحدة الأمريكية قد أحبطت كل المشاريع السلمية التي طرحتها دول الاتحاد الأوروبي في مجلس الأمن والتعاون الأوروبي لإحلال السلام في يوغسلافيا، حيث عملت الولايات المتحدة الأمريكية على عرقلة الجهود الأوروبية وأشرفت على إدارة النزاع دون إشراك الطرف الأوروبي أو هيئة الأمم المتحدة. ذلك أنها تعتبر نفسها مسؤولة مباشرة عن إدارة النزاعات الدولية، وقد أحبطت المشاريع الأوروبية لكي لا تتخذ الدول الأوروبية النزاع اليوغسلافي كفرصة لتشرف على إدارة النزاعات الداخلية في أوروبا، بل علاوة على ذلك، أشرفت الولايات المتحدة الأمريكية على ضرب الأهداف العسكرية للقوات الصربية في كوسوفو دون الحصول على موافقة مجلس الأمن الدولي. لذلك ترى الدول الأوروبية أن الوقت حان لتجسيد المشروع الأوروبي لإدارة ومواجهة النزاعات الداخلية دون اللجوء إلى قوات حلف الأطلسي التي تشرف عليها الولايات المتحدة الأمريكية والتي أعطت لنفسها الحق للتدخل السريع داخل المجال المتوسطي. من هذا المنطلق دعت فرنسا وألمانيا في بيان أقره المجلس الألماني الفرنسي للدفاع إلى استخلاص العبر من النزاع اليوغوسلافي والعمل على منح الاتحاد الأوروبي وسائل ذاتية ضرورية من أجل اتخاذ القرار والتحرك لمواجهة الأزمات داخل المجال الأوروبي(12). فالإصرار الأوروبي على تشكيل القوة العسكرية للدفاع عن أوروبا زاد من مخاوف الولايات المتحدة على مصالحها في المنطقة الأوروبية. لقد ظهرت فكرة تكوين قوة أوروبية للتدخل السريع أثناء حرب كوسوفو التي أكدت للأوروبيين ما سبق أن ظهر أثناء حرب البوسة والهرسك، ومحوره الرئيسي أن البنية الهيكلية العسكرية الأوروبية داخل نطاق حلف شمال الأطلسي التي نشأت وتطورت تحت تأثير ظروف فترة الدمار بعد الحرب العالمية الثانية، لا يمكن أن توفر للأوروبيين القدرة على الانفراد بصنع القرار أو تنفيذه على الصعيد الأمني، بما في ذلك على الأرض الأوروبية نفسها. وفي الوقت نفسه كان قد انحسر عن غرب أوروبا عامل الخوف من الشيوعية ومعسكرها، وإن بقيت اللغة الديبلوماسية تعبر عن ذلك الإحساس بأن للولايات المتحدة الأمريكية الحق ألا تتحرك إلا بميزان مصالحها الأمنية الدولية. لم يكن من قبيل المصادفة أن القرار الذي اتخذته مجموعة الدول الثماني لإنهاء حرب كوسوفا، تزامن مع اتخاذ قرارين حاسمين في القمة السابقة للاتحاد الأوروبي في كولونيا بألمانيا، أولهما تثبيت آلية جديدة للتعبير عن سياسة خارجية مشتركة وهو ما انعكس في خطوات جديدة أبرزها للعيان استحداث المنصب الجديد الذي استلمه (خافيير سولانا) الأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي، والقرار الثاني هو اتخاذ خطوات جديدة على طريق التمييز الأمني، مما سبق التحضير له باتفاقيات فرنسية – بريطانية في مجال صناعة السلاح أزالت عقبة رئيسية بالنسبة إلى الدور البريطاني، علاوة على استكمال تشكيل الفيلق العسكري الأوروبي المشترك الذي تأسست نواته من فرنسا وألمانيا في مطلع التسعينات(13). في قمة هلسنكي عام 2000 تقررت آلية جديدة من أجل معالجة الأزمات وتقديم المساعدات الإنسانية، وهو ما أصبح مصطلحاً تقليدياً للتعبير عن احتمال التدخل العسكري لغير أغراض الدفاع عن النفس. ومن المفروض تبعاً لذلك أن يكون في قدرة الأوروبيين التدخل على انفراد إذا ما امتنع حلف شمال الأطلسي عن التدخل، أي إذا رفضت الولايات المتحدة الأميركية المشاركة في مواجهة نزاع يهم الأوروبيين إخماده، وهو وضع سبق أن واجهه الأوروبيون لمدة عامين تقريباً أثناء حرب البلقان، حتى استقر الاقتناع بالعجز الأوروبي عن التحرك دون مشاركة أميركية، فجاءت تلك المشاركة مقترنة بالصيغة السياسية الأميركية أيضاً لتحديد مستقبل البلقان. وكانت أزمة كوسوفو بمثابة الإنذار الذي أقلق حكومات دول الاتحاد الأوروبي بعد أن أكدت هذه الأزمة على عدة حقائق لا يتقبلها الكثير من الأوربيين وهي(14): أولاً: أن الحكومات الأوروبية لا يمكنها أن تتخذ ردود أفعال مؤثرة دون دعم أميركي. ثانياً: أن العديد من الدول الأوروبية تفتقر إلى أنظمة القيادة والسيطرة والاتصال المتطورة كما تفتقر إلى الكم الكافي من السفن والطائرات القادرة على نقل الرجال والعتاد إلى مواقع الأزمات بالسرعة الكافية. ثالثاً: الافتقار إلى الأسلحة الموجهة الدقيقة المتطورة (مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية) بالإضافة لأنظمة الاستطلاع الجوي المتطورة القادرة على مراقبة ما يجري على أرض القتال. لم تخف وسائل الأعلام الأوروبية حقيقة هذا العجز. فعلى سبيل المثال أجرت مجلة الإيكونوميست البريطانية مقارنة بين القدرات الدفاعية للولايات المتحدة الأمريكية والقدرات الدفاعية للاتحاد الأوروبي وجاء فيها: أن موازنات الدفاع الخاصة بدول الاتحاد الأوروبي مجتمعة تمثل نصف موازنة الدفاع الخاصة بالولايات المتحدة (290 مليار دولار) وتبلغ قدرة الاتحاد الأوروبي على نقل قوات إلى مواقع الأزمات 10 بالمائة فقط من قدرة الولايات المتحدة(15). كما أن العديد من الدول الأوروبية تقوم بالإنفاق على تكوين جيوش ضخمة بدلاً من التزود بأحدث الأسلحة والتدريبات والأجهزة والأدوات التي تمكنها من الانتقال إلى مسافات بعيدة بسرعة عالية وإتمام مهامها بنجاح كبير. ولكي لا يتكرر ذلك يريد الأوروبيون وفق قرارات قمة هلسنكي اتخاذ الاستعدادات العسكرية اللازمة ليكون في مقدورهم وقبل حلول عام 2003 تعبئة ما يتراوح بين خمسين وستين ألف جندي خلال فترة لا تتجاوز ستين يوماً مع توفير الإمكانات العسكرية لنقلهم وتأمين استمرار عملياتهم العسكرية المحتملة لمدة عام على الأقل. ظهر في قمة هلسنكي أن زعماء الاتحاد الأوروبي يأخذون قراراتهم على الصعيد الأمني مأخذ الجد أكثر من القرارات السابقة. فمنذ معاهدة ماستريخت للوحدة الأوروبية كان قد تقرر التحرك على طريق التمييز الأمني والسياسي الخارجي، ولكن لم يتبع ذلك وضع خطوات عملية قابلة للتنفيذ، ومع تقرير آلية محددة للمتابعة والتعديل عند الحاجة، كما هو الحال في قمة هلسنكي. وجاء تعليق وزير الدفاع الفرنسي على تكوين القوة الأوروبية الجديدة واضحاً وذا مغزى عميق: إذا تحملت أوروبا مزيداً من المسؤولية من خلال تنمية قوتها العسكرية فإن هذا سيسهم على المدى الطويل في إحداث توازن في الحلف الأطلسي. الآن يتجه الاتحاد الأوروبي إلى تولي مسؤولياته وخلال السنوات القليلة القادمة سيكون فاعلاً رئيسياً وأصيلاً على الساحة وهو دور لم يكن موجوداً من قبل. 3-التخوف الأمريكي من المشاريع العسكرية الأوروبية: لم تلق فكرة إنشاء قوة عسكرية أوروبية الارتياح لدى الجانب الأميركي، بالنظر لخشيتها على مكانة حلف شمال الأطلسي في المستقبل. ولهذا السبب لم يتردد وزير الدفاع الأميركي الأسبق كوهين في التعبير عن خوفه من أن يقتل الأوروبيون حلف شمال الأطلسي. وأيدت مار جريت تاتشر تخوف وزير الدفاع الأميركي نفسه عندما أشارت إلى أن المبادرة الأوروبية العسكرية قد تدمر تلاحم الناتو وتدمر معها العلاقة الخاصة بين بريطانيا والولايات المتحدة (فاينانشيال تايمز). وحذر صامويل برجر مستشار الرئيس الأميركي بيل كلينتون للأمن القومي من أن البعض في أوروبا (إشارة إلى فرنسا) يسعون إلى هوية أمنية منفصلة عن الحلف الأطلسي(16). يمكن القول إن أزمات البلقان وما كشفت عنه تداعيات أزمة كوسوفا من الضعف الأوروبي والعجز عن معالجة أزمات أوروبية داخلية، جعلت أوروبا تبحث لها عن حلول ناجعة إضافة لما سببته الضربات الأطلسية على القوات الصربية في كوسوفو وتعاظم الدور الأميركي وتفرده بالقرارات من فتح جروح الاتحاد الأوروبي، وهو ما دفع قادة الاتحاد الأوروبي إلى تبني خطة تكوين قوات أوروبية للتدخل السريع اعتقاداً منهم أن هذا الإجراء سيعزز من تحركهم الأمني في المنطقة الأوروبية –المتوسطية. وحرصاً من الولايات المتحدة الأمريكية على مصالحها الاستراتيجية، وخوفاً على وضعها الدولي من احتمال تعزيز الدول الأوروبية لحضورها في المنطقة الأوروبية، أعلنت أنها سوف تعيد النظر في اتفاقية الصواريخ المضادة للصواريخ التي وقعتها مع الاتحاد السوفييتي عام 1972، وأعلنت أنها ستشكل نظاماً جديداً مضاداً للصواريخ للدفاع عن أمنها وحلفائها ولمواجهة المخاطر والتهديدات الأمنية في المستقبل. فهمت الدول الأوروبية رسالة الولايات المتحدة الأمريكية الموجهة إليها بأن تلزم حدودها العسكرية والسياسية في النظام الدولي الجديد خاصة بعد أن طرحت الولايات المتحدة الأمريكية مشروع الدرع الصاروخي والذي فسرته بأنه إجراء عسكري يستهدفها بالأساس. وقد عارضت الدول الأوروبية المشروع الأمريكي واعتبرته إجراء عسكرياً من شأنه أن يعيد الوضع الدولي الجديد إلى العهد الدولي السابق (الحرب الباردة). عبر الرئيس الفرنسي جاك شيراك عن جوهر الخلاف الأوروبي –الأميركي في تصريحات قال فيها: إن القرن الجديد لن يكون بأي حال قرناً أميركياً، فالصين والهند وأوربا وروسيا كلها ستكون دولاً عظمى في هذا القرن. وعدد نقاط الخلاف بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، فأشار إلى رفض الكونجرس اتفاقية الحظر على التجارب النووية، وإلى مبادرة كلينتون لإقامة درع الصواريخ المضادة للصواريخ، بينما تهدد هذه المبادرة أمن أوروبا لأنها تفتح الباب أمام سباق تسلح رهيب. وقال: إن الإنسان منذ أن بدأ يشن حرباً لم يتوقف السباق بين السيف والدرع ويشهد التاريخ أن السيف خرج دائماً منتصراً. الخاتمة يتضح مما سبق أن دول الاتحاد الأوروبي ترغب في أن يكون لها كيان مستقل عن الولايات المتحدة الأمريكية وذلك لأنها وصلت إلى قناعة أنها قادرة على الدفاع عن أمنها في عالم ما بعد الحرب الباردة فهي تمتلك اليوم وسائل القوة والردع التي تمكنها من إبعاد أي تهديد عليها، هذا من جهة. ومن جهة أخرى يتبين لنا أن أوروبا الموحدة تريد أن تكون لها مكانة في الترتيبات الجارية لإقامة نظام دولي جديد تريد الولايات المتحدة الأمريكية أن تتفرد بإدارته. فالدول الأوروبية تعتقد أن تكتلها الاقتصادي والسياسي يجب أن يتبعه تكتلٌ عسكري يسمح لها بالدفاع عن نفسها وبالمشاركة في إدارة الأزمات الدولية إلى جنب الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن يظهر أن الولايات المتحدة الأمريكية تتخوف من احتمال أن تتحول أوروبا الموحدة إلى خطر يهدد مصالحها في أوروبا والعالم ولذلك سعت جاهدة إلى احتواء الدول الأوروبية خاصة الفاعلة منها ومنعها من التحرك العسكري عبر الحلف الأطلسي الذي أصبحت مهمته لا تنحصر في مراقبة التهديدات الآتية من المنطقة الأطلسية فحسب بل أصبحت مهمته كذلك مراقبة التحركات الأوروبية التي تعمل جاهدة على إنجاح مشاريعها العسكرية الداعية إلى تجسيد الوحدة العسكرية الأوروبية. الفصل الثاني انعكاسات السياسة الأمريكية على المشاريع الأوروبية الوحدوية ضمنت الولايات المتحدة الأمريكية أن الدول الأوروبية التي تعمل على تشكيل قوات للتدخل السريع لن يكون لها هامش من المناورة الأمنية والتحرك في المجال الأمني المتوسطي، لأن استراتيجية الحلف الأطلسي الجديدة التي سمحت له بأن يتدخل خارج مجاله العسكري والأمني سوف يضيق من التحرك العسكري والأمني للدول الأوروبية، خاصة التحرك الفرنسي والإيطالي والإسباني. إلا أن استراتيجية الحلف الجديدة جعلت الدول الأوروبية تعمل تحت المظلة الأطلسية، أي أنه لن تكون للقوات الأوروبية المزمع إنشاؤها أي فاعلية أمنية وعسكرية بعد أن تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من تأمين مصالحها الأمنية والعسكرية في أوروبا(17)(18). ومعنى ذلك أن الدول الأوروبية سوف تعيد حساباتها الأمنية والعسكرية في المستقبل لأن المشاريع الأمنية والعسكرية التي ترغب في إنشائها لن يكتب لها النجاح أمام الهيمنة الأمريكية على أوروبا، هذا من جهة، من جهة أخرى نلاحظ أن الولايات المتحدة الأمريكية التي سبق لها وأن عارضت مشروع هيليوس الأوروبي للتجسس والمراقبة تمكنت من احتواء المشروع الأوروبي بإدخالها نظاماً تجسسياً جديداً سمي (نظام أيشلون) يتمتع بكفاءة عالية ومزود بأجهزة أكثر تقنية من المشروع الأوروبي. والنظام الجديد الذي دخل في الخدمة يغطي المجال الأوروبي والأطلسي كله بالإضافة بعض الجمهوريات السوفييتية سابقاً أي أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تترك المجال للتحرك الأمني الأوروبي سواء في المجال العسكري أو الأمني. ومع ذلك فإن سياسة الدفاع والأمن التي تسعى دول الاتحاد الأوروبي إلى تجسيدها ستكون أمام رهان أمني صعب وأمام سياسة أمنية أمريكية تتمتع بمقدرة عالية على الاحتواء والمناورة، وهذا ما يهدد الكيان الأوروبي، لأنه لا يعقل أن تتوحد الدول الأوروبية الخمس عشرة في المجال الاقتصادي والمالي بينما تبقى تابعة عسكرياً وأمنياً للولايات المتحدة الأمريكية، لذلك قال الرئيس الفرنسي جاك شيراك: إن مستقبل الاتحاد الأوروبي يتحدد بمدى قدرة أوروبا على إدارة أمنها وسياستها الدفاعية دون الرجوع إلى الولايات المتحدة الأمريكية (19)(20). علاوة على ذلك، فإن الدول الأوروبية فوجئت بمشروع الدرع الصاروخي الأمريكي الذي فسرته على أنه مشروع يستهدف وحدتها ومشاريعها الأمنية في المنطقة قبل أن يستهدف روسيا والدول النووية الأخرى. فالولايات المتحدة الأمريكية تقول بطرحها للمشروع العسكري إنها لن تسمح في المستقبل لأوروبا في أن تفكر في طرح مشاريع عسكرية بمعزل عن الولايات المتحدة الأمريكية، فهذه الأخيرة ستبقى تشرف على الأمن الأوروبي(21)، لذلك كانت الدول الأوروبية المعنية وهي فرنسا وإيطاليا وألمانيا أول الدول الأوروبية التي أعلنت عن معارضتها للمشروع الأمريكي لأنه سيعيد العالم إلى فترة الحرب الباردة. وكانت فرنسا من أكثر الدول الأوروبية التي عارضت المشروع الأمريكي الجديد، وفي هذا الإطار، قال وزير الخارجية الفرنسي (الأسبق) هوبير فيدرين: إن هدف المشروع الأمريكي هو تطويق أوروبا واحتواؤها عسكرياً لمنعها من القيام بأي دور دولي، وبشكل عام ينطلق موقف فرنسا من أن أوروبا لم تعد في حاجة إلى دفاع الولايات المتحدة الأمريكية بعد زوال الخطر الشيوعي وأنه يجب أن تسعى أوروبا لبناء دفاعاتها المشتركة بعيداً عن الهيمنة الأمريكية(22)(23). إلا أن الإصرار الأمريكي على تنفيذ المشروع الذي أجريت أول تجربة له يوم 16 جويلية عام 2001، يؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تتخل عن الردع الاستراتيجي كأحد محددات سياستها الدولية الجديدة، مع أن الولايات المتحدة الأمريكية تعرف أن ما تمتلكه من أسلحة يتجاوز بكثير مع ما تمتلكه القوى العسكرية الأخرى، كروسيا والصين وفرنسا، إلا أن مشروع الدرع الصاروخي كما قال زبينياو بريزنسكي يهدف إلى تعزيز مكانة الولايات المتحدة الأمريكية وأمام تنامي القدرات العسكرية للصين ودول الاتحاد الأوربي(24). الملاحظ أن الولايات المتحدة الأمريكية من خلال سياستها الأوروبية الجديدة استطاعت احتواء المشاريع الأمنية العسكرية للدول الأوروبية وتمكنت كذلك من احتواء روسيا ضمنياً من خلال مطالبتها بإقامة شراكة أمنية مع الحلف الأطلسي. ومع أن روسيا لا تزال تتحفظ على إقامة علاقات عسكرية مع الحلف الأطلسي، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية تعرف أن لروسيا تطلعات أوروبية، فروسيا تهتم بالمياه الدافئة وعلى وجه التحديد منطقة البلقان حيث تقيم علاقات مميزة مع الصرب. فسياسة روسيا العسكرية الجديدة تحاول أن تجد لها منافذ بحرية وأمنية تسمح لها بمواصلة إشرافها على المناطق التي كانت تديرها أيام الاتحاد السوفييتي وهي المناطق القريبة من مضيقي البوسفور والدردنيل اللذين يفصلان بحر مرمرة عن هذه المنطقة التي أصبحت القوات المتوسطية للتدخل السريع تقترب منها مما أدى إلى أن تعارض روسيا ذلك، لأن ذلك لن يعطي روسيا هامشاً من التحرك الأمني والعسكري في حالة اندلاع حرب(25). من جهة أخرى عارضت روسيا إنشاء القوات الأوروبية المتوسطية للتدخل السريع لأنها تشكل تهديداً لدول المنطقة خاصة أن هذه القوات أصبحت تقترب من المجال الحيوي لروسيا بالقرب من البحر الأسود. فروسيا لا تزال تحتفظ بـ50 بارجة حربية و10 غواصات نووية، وأصبحت مهمتها كما يقول (توماس اتزولد) مواجهة الخطر القادم من الحلف الأطلسي الذي أصبح يراقب المجال الأطلسي والأوروبي على حد سواء(26). يتضح من التصريح السابق أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن تستهدف من سياستها في أوروبا احتواء دول الاتحاد الأوروبي، فقط، بل كانت سياستها تستهدف روسيا بالأساس لأن هذه الأخيرة لا تزال تعتبر بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية دولة نووية لها تطلعات أوروبية وتحتفظ بمقدرة عالية على إدارة الحروب الكبيرة ويمكن لها أن تشكل تهديداً مباشراً لمصالحها الاستراتيجية في أوروبا. علاوة على ذلك فإن العقيدة العسكرية الأمريكية الجديدة لم تسقط من حساباتها الاستراتيجية أسوأ الاحتمالات العسكرية المستقبلية، وأحد هذه الاحتمالات هو احتمال المواجهة بين روسيا وأوكرانيا والذي بالإمكان أن يؤثر على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في أوروبا، خاصة وأن النزاع لم يُحسم بعد بخصوص تمركزهما في البحر الأسود الذي يمثل من الناحية الجيواستراتيجية امتداداً مُباشراً للمجال الجغرافي الأوروبي، وفي حالة اندلاع الحرب بينهما فإن فوات حلف شمالي الأطلسي ستكون في حالة استنفار تأهباً لضرباتٍ خاطفةٍ قد توجهها القوات الروسية أو الأوكرانية لجنوب أوروبا أو على القواعد العسكرية الأمريكية في أوروبا خصوصاً قواعدها في ألمانيا. لكن احتمال المواجهة بين الأسطول السادس والأسطول الروسي يبقى احتمالاً ضعيفاً، ذلك أن القوتين لا تزالان تتشاوران فيما بينهما بشأن المسائل العسكرية ذات الصلة بأمنهما العسكري والاستراتيجي. لكن هذا الاحتمال لم يسقطه خبراء الاستراتيجية في سيناريوهاتهم العسكرية، ذلك أن الحرب الباردة قد تعود بينهما من جديد. فإذا اندلعت المواجهة بين الولايات المُتحدة الأمريكية وروسيا، فإن هذه الأخيرة "تمتلك عُمقاً استراتيجياً في المنطقة الشرقية للبلقان أفضل من الولايات المتحدة الأمريكية، وبإمكانها أن تصيب أهدافاً استراتيجية في وسط أوربا. فقواتها مُوزعة على حوالي 100 كلم من المضائق التركية، وعلى حوالي 50 كلم من بحر إيجه و200 كلم من الأدرياتيك. بينما تواجه الولايات المُتحدة الأمريكية صعوبات جغرافية في المنطقة تُسببها لها الجبال في يوغسلافيا سابقاً وألبانيا، وهذا يعرقل تمركز قواتها عرقلة كبيرة(27). لكن في حالة المُواجهة، فإن روسيا ستُعاني ضُعفاً في مُستوى الاحتياط من الأسلحة والمؤونة وقطع الغيار التي تبقى قليلة لفترةٍ قصيرةِ المدى. كما أن الصواريخ ومصانع السلاح التابعة لها هي على مسافاتٍ بعيدةٍ من المجال العسكري الأوروبي، وحتى راداراتها في المنطقة ضعيفة في تغطيتها للمناطق المُنخفضة ممّا يجعل من عملية تحديد الأهداف بدقةٍ عملية صعبة. حتى أن دفاعها ضد الطائرات ضعيف وفي حالة هجوم جوي، أرضي، وبحري من الأسطول السادس، فإن قواتها الدفاعية الأرضية ودفاعها الجوي سيتعرض لخسائر كبيرة(28). أما إذا ما امتدت المُواجهات العسكرية إلى قوى أخرى مستقبلاً، فإن الاحتمال الكبير هو أن الولايات المتحدة الأمريكية سلتجأ إلى: أ-احتلال المضائق التركية لمراقبة مداخل البحر الأسود حيث الأساطيل الروسية والأوكرانية. ب-السحب الفوري لحاملات الطائرات والغواصات الحاملة للقاذفات، منعاً لهجوم نووي عليها. ج-تفرقة قوات الأسطول الأمريكي السادس لمنع الضربة الخاطفة عليها من قِبل القوات الروسية أو قواتٍ أخرى. د-يجب أن تكون هنالك حماية جوية لتغطية العمليات البحرية التي تتولاها القوات الحليفة لحلف شمالي الأطلسي والأسطول السادس، والغوّاصات القاذفة للأسطول السادس منعاً للهجمات الجوية –البحرية الروسية(29) (30). ورغم أن كل احتمالات المواجهة العسكرية واردة في المُخططات العسكرية لهذه القوى، فإننا من خلال نظرتنا للواقع الدولي الراهن، نستطيع أن نلمسَ تراجعاً في مفهوم الأمن العسكري وبداية تفكك الظاهرة العسكرية وترابط الظاهرة الاقتصادية مَمثلة في الأحلاف الاقتصادية التي دعمت الاعتماد المُتبادل ونقلت الصراع العسكري إلى صراع اقتصادي، وهذا لا يعني التقليل من أهمية الأمن العسكرية، الذي لن تتناقص أدواره ما دامت النزاعات العرقية والسياسية لا تزال لم تخمد بعدُ في منطقة أوروبا ولا تزال براكين خامدة بالإمكان أن تندفع في أي لحظة كما كان الحال عليه في يوغسلافيا سابقاً. وأكثر من ذلك كله، فإن انعكاسات السياسة الأمنية للولايات المتحدة الأمريكية سوف تكون لها مخاطر على القوى الأوروبية الفاعلة على حد سواء، ذلك أن الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة جورج بوش تسعى إلى تعديل وتوسيع المنظومة الدفاعية. وأكد الرئيس الأمريكي على أنه سوف يعمل على توسيع هذه المنظومة بعد الانتهاء من مشروع الدرع الصاروخي، بحيث لا تقتصر المنظومة الدفاعية على البر فحسب وإنما تشمل البحر أيضاً(31). بمعنى آخر أنه سيجري تحديث المنظومة العسكرية البحرية بأن يدخل عليها أنواعهاً جديدة من الصواريخ الاستراتيجية البعيدة والمتوسطية المدى لكي تصبح أكثر قدرة على مواجهة الصواريخ القادمة من الدول التي تشكل خطورة على الولايات المتحدة الأمريكية يعني ذلك القوى النووية الأوروبية والروسية. إلا أن التحديث الجديد للمنظومة يعني للدول الأوروبية –كذلك- أن المشروع يستهدفها بالدرجة الأولى. فالولايات المتحدة الأمريكية لن تسمح أن يكون لأوروبا نظام دفاعي موحد لأنه في هذه الحالة ستتعرض مصالحها في أوروبا للخطر، وستطالب الدول الأوروبية بالانسحاب الأمريكي من المنطقة، لأن النظام الدفاعي الأوروبي قادر على حماية الأمن الأوروبي، ومعنى ذلك بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية أن أوروبا، بخاصة الدول التي تطالب بالاستقلال الأمني والعسكري (فرنسا)، ستتمكن من إنجاح مشاريعها العسكرية والاقتصادية، وفي هذه الحالة ستخسر الولايات المتحدة الأمريكية مواقف استراتيجية حساسة في منطقة أوروبا. كما تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من تهميش روسيا التي لم يكن لها أي دور تلعبه في نزاع كوسوفو، ومع أنها عارضت الضربات الجوية الأطلسية على القوات الصربية، إلا أن تحذيراتها للولايات المتحدة الأمريكية من أنها ستقدم أسلحة للقوات الصربية لم تلق صدا لدى الولايات المتحدة الأمريكية التي استطاعت أن ترغم قوات ميلوزفيتش على وقف ضرباتها على المناطق السكنية لمسلمي ألبان كوسوفو(32)، ومعنى ذلك لن يكون لروسيا أي فاعلية أمنية وعسكرية أمام الهيمنة العسكرية والأمنية للولايات المتحدة الأمريكية في أوروبا. إن تراجع مكانة روسيا الدولية أمام تعاظم الهيمنة الأمريكية أثر على علاقاتها الدولية. فروسيا لم تعد لها تلك المكانة التي كان يحتلها الاتحاد السوفييتي (السابق) الذي لعب دوراً استراتيجياً في إدارة الصراع الدولي. يقول أيجور إيفانوف وزير الخارجية الروسي: إننا نعيش مرحلة خطيرة توظف فيها الولايات المتحدة الأمريكية الردع العسكري والاقتصادي لإبعاد روسيا عن مجالها الحيوي الأوروبي مع أن روسيا دولة أوروبية بالأساس، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه فستصبح روسيا دولة منعزلة عن محيطها الإقليمي(33)(34). كما أن روسيا مثلها مثل دول الاتحاد الأوروبي عارضت مشروع الدرع الصاروخي، لأنه برأيها مشروع يستهدفها بالأساس. وكما يقول وزير الدفاع الروسي سيرجي إيفانوف: إن روسيا تعارض المشروع الأمريكي ليس فقط لاعتبارات أمنية، فروسيا واثقة من أنها ستجد مشروعاً يواجه المشروع الأمريكي بل إن روسيا تعارض المشروع لأنه يهدد التوازن الاستراتيجي العالمي ويوجد السبب لسباق جديد على التسلح بما في ذلك في الفضاء(35)(36). والواقع أن روسيا تنظر إلى التوجه الأمريكي نحو بناء نظام دفاعي صاروخي على أنه تجاوز واختراق لمعاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الموقعة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي الأسبق في عام 1972. الفصل الرابع مشاهد مستقبلية للتنافس الأوروبي –الأمريكي- وانعكاساته على الأمن الإقليمي العربي نحاول في هذا المبحث عرض ثلاثة مشاهد مستقبلية محتملة للتنافس الأمريكي –الأوروبي في المنطقة وفق تقنية السيناريو. 1-السيناريو الأول: استمرار التنافس في مختلف المجالات. 2-السيناريو الثاني: حدوث اتفاق واندماج بين مصالح الطرفين. 3-السيناريو الثالث: احتمال نجاح مشروع أحد الطرفين مقابل فشل مشروع الطرف الآخر. 1-السيناريو الأول: استمرار التنافس الأمريكي –الأوروبي: حاولت دول الاتحاد الأوروبي، منذ حرب الخليج الثانية، أن يكون لها نوع من الاستقلالية عن الولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة بعدما اقتنعت أن هذه الأخيرة تعمل على ألا يكون لأوروبا الموحدة أي تأثير فاعل في الحياة الدولية. وظهر ذلك جلياً إبان أزمة كوسوفو التي سعت دول الاتحاد الأوروبي إلى المشاركة في حل النزاع من خلال مساعي أوروبية. ولكن تدخل الولايات المتحدة في النزاع عبر الحلف الأطلسي أبعد أي دور أوروبي في حل الأزمة، عندها بدأت ترتفع أصوات تطالب المجموعة الأوروبية بأن يكون لها كيانها المستقل عن المظلة الأمريكية. فبعد أن عززت دول الاتحاد الأوروبي –بعد إصدارها للعملة الأوروبية الموحدة- من موقعها كقوة إقليمية، كتبت جريدة (الواشنطن بوست) قائلة: إن دول الاتحاد الأوروبي(37) بإصدارها لعملة واحدة سوف تدخل في متاهات كبرى لأن القارة الأوروبية لا تزال تعيش في إرث تاريخي حيث أن العديد من الدولي الأوروبية لا تزال تحاول الاستحواذ على الكيان الأوروبي(38). وكانت الجريدة تقصد أن التنافس بين الدول الأوروبية (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) سوف يفشل المشروع الأوروبي مستقبلاً. ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تراقب عن قرب المشاريع الأوروبية الوحدوية لأنها تعتقد أن أي خطوة تقدم عليها أوروبا تضر بمصالحها في المنطقة. ولذلك فإنه من غير المستبعد أن يتزايد التنافس بين القوتين في المستقبل لأن دول الاتحاد الأوروبي الفاعلة سوف تعمل جاهدة على تثبيت وجودها في المنطقة لأنها تعتبرها منطقة نفوذ تابعة إليها(39)(40). ومع التحولات الدولية التي أعقبت حرب أفغانستان والتي أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية خلالها أنها سوف تشن حرباً على ما أسمته بالإرهاب الدولي، فإن الدول الأوروبية تعتقد أنه عليها هي أيضاً أن تشارك في الحملة الدولية ضد الإرهاب. ومع أن الولايات المتحدة الأمريكية أرغمتها على اتخاذ إجراءات رادعة ضد العناصر التي تنتمي إلى تنظيمات إرهابية، وذلك بإلقاء القبض عليها، وبالإضافة إلى تجميد أرصدة التنظيمات المتهمة بضلوعها في أعمال إرهابية، إلا أن دول الاتحاد الأوروبي (خاصة فرنسا وإيطاليا) سوف لن تستجيب للقرارات الأمريكية كلها لأنها تعتقد أن استجابتها الكاملة للإدارة الأمريكية في حربها الجديدة معناه بالنسبة إليها أنها تظل تابعة للقرار الأمريكي وهذا سوف يؤثر باعتقادها على كيانها الأوروبي وعلى مصالحها في المنطقة. ومع أن التنافس بين القوتين سوف يكون على مناطق النفوذ الاستراتيجية في العالم، خاصة في إطار الترتيبات الدولية الجارية لإقامة نظام دولي جديد، فإن دول الاتحاد الأوروبي تريد أن يكون لها منطقة تتبع نفوذها، وهي تعرف أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تعمل على أن تسيطر على كل مناطق النفوذ في العالم، أي أن الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي يحاولان بسط نفوذهما على المنطقة وسوف يساهم ذلك في تزايد تنافسهما مستقبلاً لأن كل قوة ترى أنها إذا بسطت نفوذها على المنطقة عندئذ يكون لها دور بارز في الحياة الدولية وهذا تجسيد لمقولة مورتن كابلن الذي قال أن منطقة أوروبا والبحر المتوسط تعد قلب العالم وذلك لما تتمتع به من أهمية استراتيجية. هنالك اتجاهان رئيسيان سوف يحددان طبيعة التنافس الأمريكي الأوروبي مستقبلاً والتي سوف يكون لهما انعكاسات دولية خصوص المنطقة العربية التي تسعى كل قوة إلى احتوائها في إطار الترتيبات الجارية لإقامة نظام دولي جديد. الاتجاه الأول: التنافس على تحديد مسار السلام في منطقة الشرق الأوسط: مع أن الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر الشريك الاستراتيجي لإسرائيل في منطقة الشرق الأوسط وتعمل جاهدة على أن تظل إسرائيل متفوقة عسكرياً على دول المنطقة، إلا أن التحولات الدولية التي أعقبت التفجيرات التي شهدتها مدينتي نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر عام 2002 غيرت العديد من معطيات الصراع في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة الأمريكية التي ادعت أنها الشريك الرئيس في عملية السلام في الشرق الأوسط التي ابتدأت من مدريد عام 1991 أصبحت تميل علناً للطرف الإسرائيلي بحيث أنها اعتبرت ما تقوم به التنظيمات الفلسطينية كحماس والجهاد الإسلامي شكلاً من أشكال الإرهاب، وطالبت السلطة الفلسطينية بتفكيك التنظيمات الفلسطينية كشرط رئيسي لاستئناف المفاوضات مع الطرف الإسرائيلي. وهكذا تغيرت سياسة الولايات المتحدة الأمريكية من سياسة تحاول جاهدة إيجاد مخرج للصراع إلى سياسة تحاول تضييق الخناق على الطرف الفلسطيني لكي يستجيب هذا الأخير للطلبات الأمريكية والإسرائيلية بضرورة إيقاف العمليات الاستشهادية ضد الأهداف الإسرائيلية. أما الطرف الأوروبي ممثلاً في دول الاتحاد الأوروبي وخاصة الدول الأوروبية الفاعلة فإنها عبرت عن استنكارها للسياسة الجديدة التي يتبعها الرئيس الأمريكي جورج بوش والذي حاول برأيها الربط بين ما حدث بالولايات المتحدة الأمريكية في 11 سبتمبر وبين الصراع في منطقة الشرق الأوسط، حيث اعتبر الرئيس الأمريكي المقاومة الفلسطينية بأنها مقاومة إرهابية يتعين على المجتمع الدولي الذي قالت أنه ساندها ووقف إلى صفها في محاربة ما أسمته بالإرهاب الدولي، أن يساعدها على تفكيك الجماعات الإرهابية الفلسطينية لأن هذه التنظيمات تهدد الأمن الدولي ومعنى ذلك –في التصور الأمريكي- أنها تهدد الأمن الإسرائيلي. لقد عارضت دول الاتحاد الأوروبي التوجه الأمريكي الجديد ورأت أنه لا يخدم مسار السلام في المنطقة، وهذا ما جعل الطرف الفلسطيني والعربي يطالب خلال القمة العربية التي عقدت في لبنان في 27 و28 مارس عام 2002 بدور فاعل للشريك الأوروبي في عملية السلام(41)(42)، لأنه يعتبر أكثر نزاهة من الطرف الأمريكي الذي أعلنت الإدارة الجديدة برئاسة جورج بوش دعمها المباشر والعلني لسياسة رئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون. من هذا التحليل يمكن أن نستشف أن طبيعة التنافس الأوروبي –الأمريكي- سوف تتزايد خلال السنوات القادمة، وهذا التنافس لا يمكن أن نفصله عن تنافسهما على الترتيبات الدولية. فدول الاتحاد الأوروبي تعرف أن الولايات المتحدة الأمريكية اتخذت من حوادث 11 سبتمبر بالولايات المتحدة الأمريكية الذريعة لبسط نفوذها على العالم عبر ما تدعيه بمحاربة الإرهاب، مثلما حاولت إقناع الدول الأوروبية بمحاربة الشيوعية في أوروبا والعالم بعد الحرب العالمية الثانية، واستطاعت أن تبسط نفوذها على العالم لقرابة الخمسين سنة إلى حين تفكك الاتحاد السوفييتي وانهارت المنظومة الاشتراكية في أوروبا الشرقية. ولذلك سوف تحاول الولايات المتحدة الأمريكية جاهدة الاحتفاظ بمصالحها في منطقة الشرق الأوسط عبر إسرائيل ولكن بإضعاف الطرف الفلسطيني والعربي من خلال تضييق الخناق عليه سياسياً وعسكرياً إلى حين يفكك التنظيمات الفلسطينية التي تتبنى المقاومة لمواجهة الاحتلال الفلسطيني. الملاحظ أن الدول العربية، خاصة المتواجدة في المنطقة، سوف تشعر بإحباط شديد من الانحياز الأمريكي لإسرائيل وسوف تضطر إلى الانحياز إلى الطرف الأوروبي لأنها سوف تعتبره السند الدولي لها في صراعها مع إسرائيل بعد أن كان السند الدولي في السابق الاتحاد السوفييتي. ويعني ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تجد نفسها في منافسة علنية مع دول الاتحاد الأوروبي والتي سوف تعمل جاهدة في السنوات القادمة لإثبات أنها جديرة بالإدارة الإقليمية لمثل هذا الصراع المعقد(43)، وسوف تستند دول الاتحاد الأوروبي إلى النجاحات التي حققتها على صعيد وحدتها كالوحدة النقدية التي جعلتها أكثر التحاماً من ذي قبل. يكفي أن بريطانيا مثلاً، التي كانت من ذي قبل، أكثر الدول الأوروبية انحيازاً للولايات المتحدة الأمريكية، بدأت تأخذ خطوات تتعارض والتوجه الأمريكي الجديد في الحياة الدولية، فقد زار مثلاً، توني بلير منطقة الشرق الأوسط والتقى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في وقت رفض فيه الرئيس الأمريكي جورج بوش استقبال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لأنه على حد زعمه شخصية تدعم الإرهاب في المنطقة. وتعد فرنسا من أكثر الدول الأوروبية مستفيدة من تغير الموقف الأمريكي من السلطة الفلسطينية لأنها الدولة الأوروبية التي طالبت أكثر من مرة بضرورة ترجمة مفهوم الشراكة الأوروبية المتوسطية إلى حقيقة وكانت تقصد من ذلك أن الشراكة إذا ما تحققت فإنه سوف تعزز من الموقف الأوروبي المساند للقضية الفلسطينية. ففرنسا تريد أن يكون لأوروبا كيان مستقل ولذلك فإن خلافتها مع الولايات المتحدة الأمريكية بشأن النزاع في الشرق الأوسط سوف تتضاعف في المستقبل لأنها سوف تحاول الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية على قبول مشاريعها السلمية لإقامة السلم في المنطقة(44)(45)(46). فدول الاتحاد الأوربي، لا تزال تعتقد أنها معنية أكثر من ذي قبل بالنزاع في الشرق الأوسط، وخاصة بعد أن وقعت معظم الدول المتوسطية على اتفاقية برشلونة التي رأت فيها الدول الأوروبية أنها تمثل ورقة هامة عليها أن تلعبها في صراعها على إدارة المنطقة في المستقبل. فإسرائيل وفلسطين تعد دولاً متوسطية ومن حق الدول الأوروبية الشريكة في اتفاقية برشلونة أن تشارك في الترتيبات لإقامة سلم دائم في منطقة الشرق الأوسط. من هنا يمكن القول إن دائرة التنافس بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي سوف تتسع على المدى الطويل، لأن الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت تنظر للنزاع في الشرق الأوسط على أنه نزاعٌ لا يمكن فصله عن الحرب التي أعلنتها ضد ما أسمته (بالحرب على الإرهاب)، وهي تعتقد أنه لا يمكن التقدم في إيجاد حل للنزاع طالما لم تتخل التنظيمات الفلسطينية عن خيار المقاومة، وهذا ما ترفضه معظم دول الاتحاد الأوروبي التي أعطت الحق للتنظيمات الفلسطينية للرد على الجرائم الإسرائيلية التي ترتكب في حق الشعب الفلسطيني. كما إن التنظيمات الفلسطينية لا يمكنها أن تتخلى عن خيار المقاومة والانتفاضة(47) لأنها تعتبرها الورقة الرابحة التي يمكن من خلالها أن تضغط على إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية لتنفيذ الاتفاقات التي وقعت إسرائيل عليها مع السلطة الفلسطينية. ومع الإقرار أن السلطة الفلسطينية في وضع صعب للغاية نتيجة للتفوق الإسرائيلي العسكري والدعم الذي تلقاه إسرائيل من الولايات المتحدة الأمريكية وخاصة بعد حوادث 11 سبتمبر، فإنه يمكن القول إن خيار المقاومة سوف يستمر في المستقبل لأن السلطة الفلسطينية لا تخسر شيئاً بعدما أدركت أن الولايات المتحدة الأمريكية قد تخلت عن حيادها الذي قالت إنها تلتزم به عندما رعت مفاوضات السلام منذ مؤتمر مدريد عام 1991. الاتجاه الثاني: استمرار التنافس الأمني –الاقتصادي- على منطقة المغرب العربي: اعتقدت دول الاتحاد الأوروبي أن الولايات المتحدة تهتم بمنطقة الشرق الأوسط أكثر ما تهتم بمنطقة المغرب العربي. فمنذ التسعينيات تضاعف اهتمام فرنسا وإيطاليا بهذه المنطقة في وقت كانت الولايات المتحدة الأمريكية منشغلة بما يجري في الشرق الأوسط، حيث كانت ترتب لعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط، ولكن ما ظهر، بعد انتهاء أعمال المؤتمر، أن الولايات المتحدة الأمريكية أبدت تذمراً من التحركات الأوروبية تجاه منطقة المغرب العربي، والتي رأت فيها الولايات المتحدة الأمريكية أنها تستهدف مصالحها. لقد أصبحت منطقة المغرب العربي أمام مشروعين يرمي كلٌ منهما إلى الاستحواذ على المنطقة. ففرنسا تحاول جاهدة أن يكون لها دور في المنطقة لأنها تعتبرها منطقة نفوذ خاصة بها والولايات المتحدة الأمريكية تعتبر المنطقة مهمة إليها لبسط نفوذها على العالم. الواقع أن فرنسا التي تقود التوجه الأوروبي الجديد نحو الانفصال عن المظلة الأمريكية لن تسلم بالأمر الواقع وسوف تعمل جاهدة على منافسة الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة. علاوة على ذلك، فإن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تعمل جاهدة لاحتواء الدول الأوروبية الفاعلة لكي لا تستحوذ على منطقة المغرب العربي، لأن ذلك يهدد مصالح الولايات المتحدة الأمريكية خاصة مصالحها النفطية. 2-السيناريو الثاني: التنسيق والتعاون الأوروبي – الأمريكي- في مواجهة التحديات الدولية: ينطلق السيناريو من الافتراض القائل بأن الوضع الدولي الجديد الذي أعقب حوادث نيويورك وواشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية في 11 سبتمبر يفرض على الولايات المتحدة الأمريكية أن تقترب وتعمل مع حلفائها من أجل إدارة النظام الدولي الجديد الذي يجري الترتيب له. ومع أن للولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي مصالح مشتركة، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فقد شاركا في العديد من الحروب والأزمات، فإن التحديات الأمنية الجديدة استوجبت من الولايات المتحدة الأمريكية أن تنظر إلى المسائل الأمنية على أنها هم مشترك يتعين على المجموعة الدولية أن تواجهها جماعياً. ومع الإقرار بأن دول الاتحاد الأوروبي كانت تتبع سياسة معتدلة في تعاطيها مع ملف الشرق الأوسط، حيث أنها طالبت أكثر من مرة من أن يكون لها دورٌ فاعلٌ في عملية السلام في الشرق الأوسط، إلا أنه مع ذلك بدأت تميل إلى الطرح الأمريكي والإسرائيلي القائل بأن التنظيمات الفلسطينية تمارس بشكل وبآخر الإرهاب(48)، ويتعين على السلطة الفلسطينية أن تفكك التنظيمات التي تمارس الأعمال الفدائية لكي يتسنى للطرفين الإسرائيلي والفلسطيني الجلوس إلى طاولة المفاوضات. ومن هنا تجد دول الاتحاد الأوروبي نفسها –وذلك للحصول على مكانة لها في الترتيبات الجارية لإقامة نظام دولي جديد- مضطرة لاتباع سياسة الولايات المتحدة الأمريكية التي تميل إلى الطرف الإسرائيلي أكثر من الطرف الفلسطيني، فيصبح الموقف الأوروبي والأمريكي متناسقاً وموحداً بمطالبة السلطة الفلسطينية والدول العربية الفاعلة (مصر وسوريا) بضرورة تفكيك التنظيمات الفلسطينية، وإيقاف العمليات الفدائية ضد إسرائيل. في مقابل ذلك سوف تعترف دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية بإقامة دولة فلسطينية مجاورة لدولة إسرائيل. هذا التصور المستقبلي بدأت تتبلور ملامحه من خلال مطالبة فرنسا وبريطانيا السلطة الفلسطينية بالتعاون على مواجهة ما يسمونه بالإرهاب وهذا ما جعل رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات يتهم التنظيمات الفلسطينية حركة حماس والجهاد الإسلامي بممارسة الإرهاب. لقد أرادت دول الاتحاد الأوروبي أن لا تضيع الفرصة السانحة أمامها بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية في حربها ضد ما تسميه بالإرهاب الدولي، ولذلك أدرجت الصراع في الشرق الأوسط، ضمن حملتها الجديدة في مواجهة الإرهاب الدولي. وتعرف دول الاتحاد الأوروبي أنها إذا ما عارضت الولايات المتحدة الأمريكية في حربها الجديدة فإنها يمكن لها أن تخسر مواقع جديدة في النظام الدولي. أما الولايات المتحدة الأمريكية فإنها سوف تكافئ دول الاتحاد الأوروبي على تعاونها معها في مواجهة التهديد الآتي من الجنوب وفي إقامة مشروعها الشرق أوسطي. ولذلك فإن التعاون سوف يكون في المستقبل حول إدارة الحرب الجديدة ضد ما يسمى بالإرهاب الدولي وتحديداً في منطقة الشرق الأوسط. وبحكم العلاقات المميزة التي تربط دول الاتحاد الأوروبي بالدول العربية المتوسطية، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تريد أن توظف هذه العلاقة بمطالبة دول الاتحاد الأوروبي بأن تضغط على الدول العربية من أجل تغيير نظرتها لطبيعة الصراع في المنطقة، وإذا نجحت دول الاتحاد الأوروبي في إقناع الدول العربية المواجهة لإسرائيل بضرورة إيقاف الانتفاضة الفلسطينية وتفكيك التنظيمات الفلسطينية (خاصة حركة حماس والجهاد الإسلامي)، فالطريق سوف يكون ممهداً لها لتنفيذ مشروعها السياسي والاقتصادي في المنطقة. وتتفق دول الاتحاد الأوروبي التي تشترك في قوات الحلف الأطلسي، مع التوجه الأمريكي الداعي إلى إحلال الأمن في العالم، ولذلك فإن القوتين سوف تنسقان معاً في إطار الحلف الأطلسي الذي أعطى لنفسه حق التدخل لمواجهة التهديدات والأزمات الخارجة عن الدائرة الأطلسية وجميع هذه التهديدات التي تمس بالأمن الأوروبي والأمريكي تجعل القوات الأطلسية تراقب توسع الأزمات والتهديدات، ولن تتوان في المستقبل التدخل في حالة ما إذا لاحظت أي تطور يمس بمصالحها(49). علاوة على ذلك، فإن دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، لا يزالان يعتقدان أن روسيا لا تزال تشكل تهديداً للأمن الأوروبي، ولذلك فإن القوتين سوف يواصلان عملهما بمراقبة التحركات الروسية العسكرية والأمنية، خاصة بالقرب من البحر الأسود. فروسيا سوف تحاول جاهدة بأن يكون لها منفذ حيوي في البحر الأسود، ولكن دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية لن يسمحا لها بأن يكون لها أي دور فاعل في المنطقة الأوروبية مستقبلاً، بل سوف يضيقان الخناق عليها عبر إدخالها في الحلف الأطلسي لكي لا يكون لها أي هامش من التحرك الذاتي بمعزل عن قوات الحلف الأطلسي(50). 3-السيناريو الثالث: احتمال تمكن الولايات المتحدة من بسط نفوذها على أوروبا: بالرجوع إلى معطيات الواقع الدولي الجديد الذي أعقب تفكك الاتحاد السوفييتي، نلاحظ أن الولايات المتحدة الأمريكية قد تمكنت من إعادة ترتيب الحياة الدولية وفق مصالحها الاستراتيجية من دون أن تنافسها أية قوة دولية. أما منطقة أوروبا، فإنه يمكن القول، إن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تضاعف من اهتمامها بها في المستقبل، وسوف يؤدي ذلك إلى إفشال المشروع الأوروبي الوحدوي في التوسع نحو مناطق النفوذ خاصة المناطق العربية لاعتبارات أساسية تتمثل في مقدرة الولايات المتحدة الأمريكية على إدارة الأزمات وحل المشكلات وفي توافرها على وسائل الردع القادرة على التأثير على دول الاتحاد الأوروبي. وبالرجوع إلى واقع العلاقات الأوروبية العربية، فإن الملاحظ أن هذه الدول أصبحت لا تعول كثيراً على دول الاتحاد الأوروبي في المجال الاقتصادي حيث تحافظ دون الاتحاد الأوروبي على علاقاتها التجارية التقليدية ولكن العلاقات السياسية والعسكرية، فإنها تميل إلى الولايات المتحدة الأمريكية أكثر ما تميل إلى دول الاتحاد الأوروبي. علاوة على ذلك، فإن الولايات المتحدة الأمريكية استطاعت إبعاد دول الاتحاد الأوروبي من أن يكون لها علاقات عسكرية واسعة مع الدول العربية وتضاعف الاهتمام العسكري الأمريكي بالدول العربية تحديداً عقب التفجيرات التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية في 11 من سبتمبر عام 2002، فهذا الحدث الدولي زاد تعزيز الولايات المتحدة الأمريكية لمكانتها وهيمنتها الدولية، بينما زاد تراجع دول الاتحاد الأوروبي من التأثير في الحياة الدولية وأصبحت الولايات المتحدة الأمريكية تتخذ مبادرات دولية من دون الرجوع إلى استشارة شركائها الأوروبيين، وأغضب ذلك دول الاتحاد الأوروبي، خاصة فرنسا، التي رأت أن الهيمنة الأمريكية سوف تؤثر على الكيان الأوروبي وعلى علاقاته الدولية. يمكن القول أنه بعد التفجيرات التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية أن المشروع الأوروبي سوف يتراجع لحساب المشروع الأمريكي لاعتبارات كثيرة ذكرها وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد نذكر منها(51): 1-تضاعف الاهتمام الأمني والعسكري الأمريكي بمنطقة أوروبا بحيث أعطيت تعليمات عسكرية للأسطول السادس للتأهب والاستعداد الكامل لمواجهة التهديدات الأمنية التي تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية. 2-تعزيز الأساطيل الحربية للحلف الأطلسي بأجهزة عالية الدقة لمراقبة أي تحرك بحري يمكن أن يستهدف المصالح الأمريكية أو الناقلات الحاملة للنفط التي تجوب أعالي البحار في البحر المتوسط والمحيط الأطلسي. فإن الاعتبارات الأمنية المذكورة، تعطينا انطباعاً، أن دول الاتحاد الأوروبي المتذمرة من السياسة الأمريكية الجديدة لمرحلة ما بعد 11 سبتمبر سوف لن يكون لديها أي وسائل لمواجهة الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لأن الولايات المتحدة الأمريكية جعلت من حوادث 11 سبتمبر ذريعة لبسط نفوذها على مناطق العالم، وبالتالي فإنها استطاعت أن تحتوي الدول الأوروبية التي كانت تتخوف من أنه يمكن أن يكون لها نفوذ مستقبلي في المنطقة الأوروبية، وها هي تجد الفرصة مواتية لها لتعيد ترتيب أدوارها الأمنية والعسكرية والاقتصادية في المنطقة الأوروبية بحجة مواجهة التهديدات الإرهابية العالمية. الملاحظ كذلك أنه بعد التفجيرات التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية، عاد مفهوم الأمن العسكري كمحدد رئيسي في السياسة الأمريكية الجديدة وأصبحت تصريحات المسؤولين الأمريكيين على رأسهم الرئيس الأمريكي جورج بوش ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد ووزير الخارجية كولين باول ومستشارة الأمن القومي كونداليزا رايس تتحدث عن الحرب والردع العسكري والحرب السرية وقد زادت ميزانية الدفاع الأمريكية من 330 مليار دولار عام 2002 إلى 453 مليار دولار عام 2003(52) بدافع مواجهة التهديد الجديد المتمثل في ما يسمى (بالإرهاب الدولي). فمثل هذه المؤشرات الجديدة في السياسة الأمريكية من شأنها أن تزيد في قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على بسط نفوذها على العالم. كما أن دول الاتحاد الأوروبي لن يكون بمقدورها منافسة الولايات المتحدة الأمريكية عسكرياً وأمنياً، وبالتالي فهذا سوف يؤثر على مشاريعها الأمنية والعسكرية في منطقة أوروبا. الخاتمة يتضح مما تقدم أن المسار المستقبلي للتنافس الأوروبي –الأمريكي- سوف يكون له انعكاسات على المنظومة الأمنية للدول العربية المتوسطية، حيث اتضح أن ما ترمي إليه الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي ليس حل مشاكل المنطقة المتوسطية وإيجاد حلول عاجلة لها، وإنما إدخال المنطقة العربية المتوسطية في أحلاف عسكرية وأمنية واقتصادية تبقيها تابعة للقوى المتنافسة على المنطقة أمنياً وعسكرياً واقتصادياً. وما يمكن أن نصل إليه مما تقدم، أن التنافس بين القوتين يندرج في إطار التنافس الدولي بين القوتين على وضع الترتيبات للنظام الدولي الجديد لمرحلة ما بعد الحرب الباردة، حيث تحاول كل قوة احتواء دول المنطقة عسكرياً واقتصادياً. علاوة على ذلك، وجدنا أن دول المنطقة العربية لم يكن أمامها خيار آخر غير التقرب من إحدى الكتلتين المتنافستين –أي الولايات المتحدة الأمريكية أو دول الاتحاد الأوروبي- ووجدنا أن المنطقة العربية المتوسطية أصبحت منطقة تميل للطرف الأمريكي أكثر ما تميل للطرف الأوروبي، وهذا لأن هذا الأخير –أي الطرف الأوروبي- لم يحقق لها مطالبها التي اقترحتها على دول الاتحاد الأوروبي في أثناء انعقاد لقاء برشلونة الأوروبي المتوسطي، خاصة مطالبها الاقتصادية بتقديم مساعدات مالية وتجارية عاجلة لها لإنعاش اقتصادياتها المنهارة، ولذلك وجدت الدول العربية أن مصلحتها مع الولايات المتحدة الأمريكية وليس مع دول الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك فإن الدول العربية التي عولت على دول الاتحاد الأوروبي لكي يكون شريكها الرئيسي في عملية السلام في الشرق الأوسط، تحاول أن تبقي علاقاتها معه خاصة في المجال الاقتصادي والسياسي، مع أنها تعرف أن تقربها من دول الاتحاد الأوروبي لن تستفيد منه أكثر، لأن الولايات المتحدة الأمريكية استطاعت احتواء دول الاتحاد الأوروبي خاصة بعد الحوادث التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية في 11 سبتمبر عام 2002 حيث أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب على ما أسمته بالإرهاب الدولي، وأعلنت معظم الدول العربية مساندتها ودعمها للولايات المتحدة الأمريكية في حربها الجديدة. من هنا وجدنا أن المسار المستقبلي للتنافس الأوروبي الأمريكي لا يخدم المصالح العربية المتوسطية بقدر ما يبقي المنطقة رهينة للمصالح الأمريكية في المنطقة المتوسطية. الهوامش: (1)-فاطمة محمد، عقبات الشراكة الأوروبية –المتوسطية، جريدة الخبر، الجزائر، 17 جويلية 1997. (2)-عزوز كردون، الأمن والاستقرار في المتوسط، شؤون الأوسط، مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق، لبنان، إفريل 1999، ص17. (3)-نفس المرجع، ص 17. (4)-Bernard Ravenal, Mediterranee, Le nord contre le sud. Paris: fondation des etudes de defense nationale, 1998, p. 45. (5)-Bureau de I’agence France Press (A F P) a vienne: “Destruction sans precedent d’armements conventionnels en Europe”. Vienne, n161041, novembre 1996. (6)-Alain Cartan, “L’armement Francais et la nouvelle donnee stratefique”. Regard sur I’actualite, n177, Paris: La documentation francaise, Janvier 1995, p. 15. (7)-الجنرال إيتيان كوبل Etienne Copel هو نائب رئيس هيئة الأركان لجيش الطيران الفرنسي (سابقاً). (8)-Bernard Labatut, La recherché d’une securite collective en Mediterranee, op.cit, p.193. (9)-Bernard Ravenel, Mediterranee le nord contre le sud, op-cit, pp 268-269. (10)-أجريت المقابلة بتاريخ 23 جانفي 1999. (11)-المرجع ذاته ص 10. (12)-معين أحمد محمود، "هل ينجح الأوروبيون في محاولة التحرر في المظلة الأمريكية"، جريدة الاتحاد، أبو ظبي، 14 جانفي 2000، ص9. (13)-لواء ركن دكتور محمود خليل "المشروع الأمريكي للصواريخ.. هل يكون مقدمة لحرب باردة جديدة؟، مجلة درع الوطن، أبو ظبي، جانفي 2001، ص27. (14)-المرجع ذاته، ص 9. (15)-Rodrigo De Ratio “A la recherché de la securite europeenne”. Rapport publie par I’assemblee de L’Atlantique nord (OTAN), bruxelles, 2000. (16)-Economist, avril 1999, p23. (17)-محمود عبد الفضيل "مصر والعرب والخيار المتوسطي (الفرص والمحاذير)، السياسة الدولية، العدد 127، إفريل 1996، ص 22. (18)-محمود خليل "المشروع الأمريكي للصواريخ. هل يكون مقدمة لحرب باردة جديدة؟ مرجع سابق، ص30. (19)-نفس المرجع، ص 32. (20)-زبيغنيو بريزنسكي "حلف شمالي الأطلسي: وخيارات التوسع شؤون الأوسط، العدد 84 جوان 1999، ص13. (21)-محمد دياب "أبعاد توسيع الحلف الأطسي"، النهار، 14 جوان 1997. (22)-زبيغنيو بريزنسكي، مرجع سابق، ص 14. (23)-The Mediterranean-2000 Project, Cooperation et stabilite en Mediterranean programme pour le partenarial. Rome: Institut des affaires Internationales (IAI), Avril 1998. (24)-Pedro Moya, Cadres de cooperation en Mediterranee, op-cit, p.45. (25)-Claude Nigoul et Maurice Torrelli, Menaces en Mediterranee, op-cit. p.53 (26)-Ibid, p. 116. (27)-Ibid, p. 41. (28)-محمود خليل، المشروع الأمريكي للصواريخ، مرجع سابق، ص 32. (29)-محمد دياب "توسيع الناتو وحرب البلقان: أهداف استراتيجية وجيو سياسية شؤون الأوسط، عدد 83، ماي1999، ص35. (30)-نفس المرجع، ص 35. (31)-محمود خليل، المشروع الأمريكي للصواريخ، مرجع سابق، ص 56. (32)-ملف أعده قسم الدراسات والبحوث بجريدة البيان (دبي) عن المشروع الأمريكي الجديد للدفاع الصاروخي، 17 ماي 2000. (33)-Washingtion Post, 12 April 1999. (34)-جيفري جيدمن، أوروبا وأمريكا على مفترق طرق (ترجمة: سليمان عوض)، واشنطن، المعهد الأمريكي للسياسة العامة، 1999، ص 20. (35)-من البيان الختامي للقمة العربية التي انعقدت ببيروت في 27-28 مارس 2002 للتفصيل، انظر: ملف أعده قسم الدراسات والبحوث بجريدة البيان، دبي، 5/4/2002. (36)-خالد بن يحيى، المواقف الأوروبية جديرة بالاحترام من عملية السلام في الشرق الأوسط، الاتحاد، الإمارات العربية المتحدة، 26/7/2002، ص 25. (37)-رفضت دول الاتحاد الأوروبي الانحياز إلى الموقف الأمريكي الذي طالب بتغيير الرئيس الفلسطيني ياسر على عرفات من السلطة الفلسطينية وأعلنت أنها سوف تواصل الاتصال به لأنه رئيس دولة منتخب من قبل شعبه. (38)-فيرنر فاينفلد، يوزيف يانتج، سيفن بيرينلد "التحولات في الشرق الوسط وشمال إفريقيا: التحديات والتحولات أمام أوروبا وشركائها. أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 1999، ص20. (39)-حازم صدقي "خيار الانتفاضة لدرء العدوان الإسرائيلي، البيان: 23/4/2001. (40-)-عاطف الغمري "التأييد الأوروبي لسياسة بوش الشرق أوسطية"، الخليج، عدد 8473، 31/7/2002. (41)-الملف السياسي "الخطوط الأمريكية العامة في الألفية الثالثة، قسم الدراسات والبحوث، جريدة البيان، 28/5/1998. (42)-Peter Van Ham, L’Ukranie. La Russie et la securite europeenne: incidences sur la Politique occidentale. Paris: Institut d’etudes de securite, Fevrier 1997, p. 21. (43)-دونالد رامسفيلد "أمريكا في مواجهة التهديدات الجديدة" (مقال مترجم)، جريدة الشرق الأوسط، 18 مارس 2002. (44)-Le Monde diplomatique, 21/2/2001. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |