مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد السابع عشر السنة الخامسة خريف - شتاء 2002
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

مفهوم الإرهاب والموقف الدولي إرهاب الدولة وإرهاب المنظمات ـــ عصام مفلح

منذ أن بدأت حركات التحرر المناهضة للاستعمار والصهيونية بالتوسع وتحقيق الانتصارات التي ساهمت في تطويق الظاهرة الاستعمارية، لجأت الدول الإمبريالية إلى إطلاق صفة "الإرهاب" على هذه الحركات، ووصف نضالها وأنشطتها المختلفة بأنها تدخل ضمن دائرة الأعمال الإرهابية.‏

وكانت الهجمة الاستعمارية تشتد ضد نضال الشعوب، بمقدار اتساع مظاهر المقاومة ضدها، ولذلك لجأت في الآونة الأخيرة إلى استخدام تعبير "الإرهاب" و"الأعمال الإرهابية" كوسيلة وغطاء وذريعة للقضاء على نضال شعوب من أجل حريتها واستقلالها وتقرير مصيرها ومحاولة تصفية الأدوات والأساليب المتنوعة التي تلجأ إليها تلك الشعوب في مقاومة المعتدي والتصدي لأطماعه ومخططاته.‏

وقد استغلت الدول الإمبريالية في ذلك الثغرات الموجودة في القوانين الدولية التي تعرّف وتحدّد الدولة المعتدية لا الدولة الإرهابية لتحقيق أهدافها ومراميها في ظلّ استخدام مظاهر القوة والهيمنة من قبلها ضدّ الشعوب وفي ظلّ غياب تحديد قانوني دولي لظاهرة الإرهاب الدولي بشكل عام، وإرهاب الدولة بشكل خاص. من هنا أصبح موضوع "الإرهاب الدولي" من أكثر المواضيع إثارة للجدل ضمن التحليلات في علم العلاقات الدولية.‏

ويمكن تأطير الأسئلة التي تطرح بهذا الخصوص: ما المقصود بكلمة "إرهاب"؟.. ما أسباب الإرهاب؟.. ما هي أنواع وأشكال الإرهاب؟.. ما علاقته بالعنف والعدوان واستخدام القوة؟.. كيف يمكن تشخيص هذه الظاهرة والبحث في إشكالياتها ومضامينها وأبعادها سواء على مستوى المجتمعات الوطنية أو على المستوى الدولي؟... أما فيما يتعلق بقضيتنا القومية المركزية:‏

نريد أن نعرف من هو "الإرهابي"؟... هل هو الشعب الفلسطيني ومنظماته وفصائله التي تخوض معركة حاسمة من أجل تحرير الأرض المغتصبة وعودة الشعب الفلسطيني إلى وطنه؟.. أم حكومة بن غوريون وبيغن وشامير ورابين وبيريس ونتنياهو وشارون وسواهم من مجرمي الحرب.. العصابات الصهيونية العنصرية التي عاثت في أرض فلسطين فساداً وقتلاً وتدميراً وترويعاً، فشردت شعباً بأكمله لتقيم مشروعها الاستعماري الاستيطاني على الأرض الفلسطينية، ولتواصل توسعها، مستخدمة كل أساليب البطش والقهر والترهيب، لاستكمال إنجاز مخططاتها وأطماعها في المنطقة العربية ضمن مشروعها المعلن "من النيل إلى الفرات"؟‏

للإجابة على هذه الأسئلة نجد من الموضوعي تشريح وتشخيص وتوصيف العناصر النظرية للظاهرة الإرهابية ومقاربتها وتطبيقها على الممارسات الأمريكية والإسرائيلية، انطلاقاً من أن العنف ظاهرة متأصلة في المجتمع الأمريكي، وكذلك في المجتمع الإسرائيلي اليهودي، كما تبوح بذلك جملة لا تحصى من الأحداث والممارسات والأطروحات الموثقة التي تجسدها وقائع ومسلمات وخفايا السياسة الأمريكية والإسرائيلية.‏

أولاً –إشكالية تعريف الإرهاب الدولي:‏

لا تزال قضية وضع تعريف متفق عليه لظاهرة الإرهاب الدولي واحدة من المشاكل المستعصية الحل. وإذا كان الاختلاف على المستوى الفقهي الدولي مرتبطاً بالخلفية الإيديولوجية للمفكرين الذين اهتموا بالظاهرة، فإن الاختلاف على مستوى التنظيمات الدولية وخاصة الأمم المتحدة ليس إلا انعكاساً لمظاهر الصراع ضمن المحاور الجديدة للمواجهة.‏

-موقف الفقه الدولي:‏

تبلورت أهم المبادرات الفقهية الدولية لتعريف ظاهرة الإرهاب خلال المؤتمرات الهادفة إلى توحيد القانون الجنائي وذلك منذ سنة 1930. فقد ركزت المبادرات الأولى في تحديد مفهوم قانوني للإرهاب على اعتباره بمثابة خطر شمولي يهدد الإنسانية جمعاء. وقد انبثق عن هذه المبادرة اتجاهان، أحدهما يعتبر الإرهاب خطراً جماعياً، فقد حدد المساهمون في مؤتمر فرسوفيا 1930 الجريمة الإرهابية بأنها (الاستعمال العمدي لكل وسيلة قادرة على إحداث خطر جماعي). أما الاتجاه الثاني فيعتبر الإرهاب بمثابة الجريمة المقوضة لأسس كل تنظيم جماعي. وقد برزت فكرة الجرائم الاجتماعية لأول مرة ضمن إحدى توصيات معهد القانون الدولي بجنيف سنة 1892 عندما اعتبرت أن مفهوم هذه الجرائم على ارتكابها من أجل "قلب أسس المجتمع كما هو منظم حالياً". وهكذا نجد الفقيه سوتيل يعرف الإرهاب بأنه "العمل الإجرامي المقترف عن طريق الرعب أو العنف أو الفزع الشديد من أجل تحقيق هدف محدد". ويرى الفقيه الفرنسي (جورج لافاسير) أن الإرهاب". هو الاستخدام العمدي والمنظم لوسائل من شأنها إثارة الرعب بقصد تحقيق بعض الأهداف".‏

إن هذا الاتجاه المنطلق من الرعب كعنصر أساسي في تحديد مفهوم الإرهاب ظهر واضحاً في دورة كوبنهاغن للمؤتمر الدولي لتوحيد القانون الجنائي، وتبناه عدة فقهاء رأوا في الإرهاب "منهجاً لتطويع الجماهير وشل حركة زعمائها بواسطة الإكراه السيكولوجي والترهيب الإجرامي".‏

ويمكن من خلال مختلف أعمال المؤتمرات الدولية لتوحيد القانون الجنائي أن نستخلص ثلاثة عناصر تحدد مفهوم الإرهاب. وهي الرعب والهيمنة ونية مرتكب الفعل. ويعتبر الرعب بمثابة الخوف والرهبة والاضطراب النفسي الناتج عن صورة شريرة أو خطر قادم. والغرض الأساسي من تحقيق الرعب بسط هيمنة الإرهابي على ضحيته الذي يصبح في وضعية المذعن. وقد ذهب الفقه إلى تحديد أهداف وسيلة العمل الإرهابي بأنها تتمثل في تخريب أسس النظام الاجتماعي انطلاقاً من كون الإرهاب لا يتحقق فقط من أجل الإرهاب. وأخيراً فإن النية تعتبر بمثابة الركن المعنوي من كل عمل إجرامي. وانطلاقاً من هذه العناصر الثلاثة يضع الفقيه" واسيورسكي "تعريف الإرهاب باعتباره" منهج عمل يقوم الفاعل بواسطته ببث الرعب لفرض الهيمنة".‏

-موقف التنظيم الدولي:‏

نكتفي في إطار هذا التحليل برصد أهم التعريفات التي نوقشت في إطار التنظيم العالمي وخاصة منظمة الأمم المتحدة، فهي من وجهة نظرنا كفيلة بتحديد أوجه الخلاف التي يعرفها المجتمع الدولي بشأن موضوع الإرهاب الدولي. لقد عرفت أول مبادرة بهذا الشأن في سنة 1937 عندما أقر المؤتمر الذي عقدته عصبة الأمم المتحدة اتفاقية لقمع ومنع الإرهاب. (1)‏

وقد وصفت الاتفاقية الإرهاب بأنه "الأعمال الإجرامية الموجهة ضد دولة ويكون هدفها أو من شأنها إثارة الفزع والرعب لدى شخصيات معينة أو لدى جماعات من الناس أو لدى الجمهور".‏

وبالإضافة إلى ذلك فإن الاتفاقية نصت على مجموعة من الأعمال التي تعتبر أفعالاً إرهابية من بينها العمدية ضد رؤساء الدول والمسؤولين وأعمال التخريب ضد الأموال العامة والأحداث العمد المؤدية لضرر سيعرض الإنسانية للخطر. ويظهر واضحاً أن مثل هذا التعريف يبقى قاصراً عن تحديد عناصر الظاهرة الإرهابية على الصعيد الدولي إذ يقتصر على الإرهاب الفردي الموجه للمسؤولين والأملاك العامة. أما منظمة الأمم المتحدة فقد قررت منذ سنة 1973 إنشاء لجنة خاصة بالإرهاب الدولي تفرعت عنها ثلاث لجان اقتصرت مهمة إحداها على وضع تعريف للإرهاب الدولي.‏

وقد اتضح منذ البداية أن لجنة تعريف الإرهاب الدولي تتخبط في نفس الصراع القائم حول القضايا الأساسية داخل الأمم المتحدة، وهكذا نلاحظ مثلاً في التقرير الصادر عن لجنة سنة 1979 "لقد رأى بعض ممثلي الدول أنه يجب على اللجنة الخاصة أن تقوم بدراسة معمقة بقصد وضع تعريف للإرهاب الدولي حتى تحيط بدقة بحدود المفاهيم القائمة". ويبقى الخلاف القائم بشأن المفاهيم الأساسية مرتبطاً بتمسك عدة وفود بضرورة التمييز بين الإرهاب الفردي وإرهاب الدولة (الموقف الذي أبدته حركة عدم الانحياز)، أما الاتجاه الآخر (ويتزعمه المشروع الأمريكي والاقتراح الفرنسي والفنزويلي) فينطلق من قصر الإرهاب الدولي على إرهاب الأفراد مستثنياً أو متغاضياً عن إرهاب الدولة.‏

ولئن بقيت منظمة الأمم المتحدة عاجزة عن وضع تعريف موحد للإرهاب الدولي فقد عمدت على صعيد آخر إلى محاولة تصنيف وإدانة بعض الأنشطة التي اعتبرتها إرهابية. وهكذا وافقت لجنة القانون الدولي (2) سنة 1954 على مشروع تقنين الجرائم الدولية. كذلك أصدرت الجمعية العامة بتاريخ 24 تشرين الأول سنة 1970 الإعلان المتعلق بمبادئ القانون الدولي فيما يخص العلاقات الدولية والتعاون الدولي. كما وافقت بتاريخ 14 كانون الأول 1973 على الاتفاقية الخاصة بمنع وقوع الجرائم التي ترتكب ضد الأشخاص المتمتعين بحماية دولية بمن فيهم الدبلوماسيون. ووافقت الجمعية العامة بتاريخ 17 كانون الأول 1979 على الاتفاقية الدولية لمحاربة احتجاز الرهائن (3).‏

ثانياً- أسباب الإرهاب الدولي:‏

للإرهاب الدولي أسباب تكمن في أساس نشوئه وهي كثيرة ومتنوعة، ويمكن تصنيفها في فئتين:‏

أ-أسباب ذات طبيعة سياسية:‏

-الاستعمار والاستعمار الجديد والحفاظ على السيطرة الاستعمارية.‏

-العنصرية والتمييز العنصري والفصل العنصري والصهيونية.‏

-العدوان واستخدام القوة لانتهاك الاستقلال السياسي للدول أو سيادتها أو سلامتها الإقليمية.‏

-احتلال أراض أجنبية أو السيطرة عليها أو على شعوبها.‏

-التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.‏

-الإرهاب واسع النطاق ضد الشعوب بهدف فرض السيطرة عليها وما ينجم عن ذلك من خروج الأهالي من ديارهم.‏

-سياسة التوسع والهيمنة.‏

ب-أسباب ذات طبيعة اقتصادية واجتماعية:‏

*استمرار النظام الاقتصادي الدولي الجار وغير المنصف.‏

*الاستغلال الأجنبي لموارد البلد الطبيعية.‏

*قيام دولة أجنبية بالتدمير المنظم للهياكل البشرية أو السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية لبلد آخر.‏

*عرقلة التنمية المستقلة للبلدان النامية.‏

*الظلم الاجتماعي والاستغلال السياسي والاجتماعي والاقتصادي.‏

*انتهاك حقوق الإنسان وحرياته الأساسية والحبس الجماعي والتعذيب، والانتقام واللامساواة والتهجير الإجباري، والطرد الجماعي، والنزع من الوطن، والاستعباد، والقهر.‏

ثالثاً –أنواع الإرهاب:‏

إن لجوء الأنظمة الاستعمارية والإمبريالية والدكتاتورية القمعية في العالم إلى تضخيم ما تطلق عليه "الإرهاب الدولي" وإلصاق كل تهم الإجرام والإرهاب بممارسيه دون البحث في البواعث.. يعد عملاً تضليلياً، الهدف منه إبعاد الأنظار عن الإرهاب الذي تمارسه ضد شعوب العالم الثالث وضد شعوبنا. وعليه فإن مقارنة ما يسمى بظاهرة "الإرهاب الدولي" تستلزم التمييز بين نوعين من أعمال العنف المصنفة كأعمال. إرهاب دولية، الأول: إرهاب الدولة والثاني: إرهاب الأفراد والجماعات.‏

أ-إرهاب الدولة:‏

يرى بعض خبراء القانون الدولي أن الدول تلجأ إلى وسائل الإرهاب عندما تظهر هوة واسعة بين أهدافها المعلنة وأهدافها الحقيقية التي ترغب في إخفائها لسبب أو لآخر، وعندما تصبح ممارستها السياسية في حالة اختناق تعجز عن تجاوزها بالعمل الدبلوماسي عبر القوانين الدولية المعمول بها.‏

وقد جسد الإرهاب الأمريكي الصهيوني ضد الأمة العربية أبشع أنواع الإرهاب الدولي، فسجله طويل، ويكفي أن نتذكر أن الوجود الصهيوني والإرهاب الصهيوني ضد العرب سواء في الأراضي المحتلة أو خارجها، والغارة الصهيونية على المفاعل الذري العراقي وعلى مقر منظمة التحرير الفلسطينية في تونس واغتيال الفلسطينيين والعرب في أوروبا، وغزو الولايات المتحدة لغرينادا وعدوانها على الجماهيرية الليبية وقصف سكانها الآمنين وتهديدها بقصف مصنع الأدوية الليبي وقصفها لمصنع الشفاء للأدوية في السودان ودعمها للكيان الصهيوني والأنظمة الديكتاتورية في أمريكا اللاتينية وفي آسيا وأفريقيا، هذا بالإضافة إلى الإرهاب الاقتصادي والنفسي الذي تمارسه ضد شعوب العالم الثالث واستعمالها لما يسمى بسلاح التجويع.. وما ينطبق على الكيان الصهيوني ينطبق على ما كان يمارسه النظام العنصري في جنوب أفريقيا حيث يعد الإرهاب هو السلوك اليومي للأقلية البيضاء هناك ضد أفريقيا سواء داخل جنوب أفريقيا أو الدول المحيطة (3).‏

بعد هذا يمكننا أن نحدد مفهوم إرهاب الدولة بما يلي: (إرهاب الدولة هو الاستخدام التعسفي للقوة المتاحة من قبل الدولة، أو المؤسسات التابعة لها، أو الشخصيات المسؤولة فيها، الذي يوجه ضد أمن وسلامة وسيادة دولة أخرى، أو ضد السكان المدنيين فيها، أو هو استخدام الوسائل المحرمة لإبادة أفراد قوات الدولة الأخرى، أو ضد السكان المدنيين فيها، أو هو استخدام الوسائل المحرمة لإبادة أفراد قوات الدولة الأخرى، أو مظاهر الإبادة التي توجه ضد سكان المدنيين الموجودين في الدولة الأخرى لأسباب عنصرية، سياسية، اجتماعية، أو إيجاد ظروف معاشية تتنافى مع حقوق الإنسان بما فيها تهجيرهم بالقوة من أراضيها).‏

إن إرهاب الدولة هو أعلى أشكال الإرهاب، وأكثرها تنظيماً، وأكثرها تناقضاً مع مبادئ القانون الدولي ومواثيق وأهداف المنظمات الدولية والموجه ضد مظاهر الاستقرار والسيادة والسلام في المجتمع الدولي.‏

ب-إرهاب الأفراد والجماعات:‏

إن ما يثير اللبس والإبهام ويعقد عملية التكييف القانوني لما يسمى بظاهرة الإرهاب الدولي، ويعرقل صدور قرارات دولية ذات إجماع دولي بشأن الإرهاب، هو تنامي تيارات متعددة وتمارس هذا النوع من العنف، وإذا كان بعض هذه الجماعات ينطبق عليه صفة الإرهاب فإن جماعات أخرى يبقى إطلاق صفة الإرهاب على أعمال العنف التي تمارسها، يبقى في ِإطار الأخذ والرد.‏

تصنيف تيارات الإرهاب‏

وعليه يمكننا وضع تصنيف لهذه التيارات أن يقسمها إلى ثلاث مجموعات:‏

* المنظمات ذات الاتجاه القومي المطالبة بالانفصال وإقامة دولة قومية:‏

تمارس هذه المنظمات عمليات عنف ضد أفراد ومؤسسات الدولة التي تعتبرها مسؤولة عن حرمانها من تقرير مصيرها وضد أبناء قوميتهم المتعاقدين مع هذه الدولة. ولا يوجد اتجاه إيديولوجي موحد يربط بين مختلف هذه المنظمات حيث تتفاوت اتجاهات الإيديولوجية ما بين اليمين واليسار. وأبرز هذه المنظمات:‏

-حركة (إيتا) في إسبانيا وهي منظمة تطالب بانفصال منطقة الباسك عن أسبانيا وفرنسا وإقامة دولة قومية مستقلة.‏

-المنظمات الكورسيكية المطالبة بالانفصال عن فرنسا وتشمل جيش التحرير الوطني الكورسيكي، العمل من أجل نهضة كورسيكا، والأولوية الثورية الكورسيكية.‏

-جيش التحرير الوطني الأيرلندي، والجيش الأيرلندي: وهما تنظيمان يكافحان من أجل استقلال أيرلندا الشمالية عن بريطانيا وتوحيد شطري أيرلندا، ونفذت هذه التنظيمات عمليات عنف جريئة أهمها محاولة اغتيال رئيسة وزراء بريطانيا الأسبق ماغريت تاتشر ومطاردة أفراد الجيش البريطاني، كما شملت أهدافاً داخل لندن.‏

-القوات المسلحة للتحرير الوطني لبورتوريكو: وهي منظمة تطالب باستقلال بورتوريكو عن الولايات المتحدة الأمريكية.‏

-المنظمات السيخية المتطرفة بالهند: حيث يطالب السيخ المتطرفون بالانفصال عند الهند وإقامة دولة مستقلة.‏

-جماعة أبو سياف في الفلبيين: حيث تطالب هذه الجماعة بالانفصال عن الفلبيين وإقامة دولة مستقلة.‏

*المنظمات اليمنية الفاشية:‏

تنتشر هذه المنظمات على وجه الخصوص في الأنظمة الدكتاتورية العسكرية وفي المجتمعات المصنعة حيث ينصب حقدها وعنصريتها ضد الأجانب وضد التيارات السياسية، وغالباً ما تغمض السلطات الرسمية النظر عن الأعمال الإرهابية التي تمارسها هذه المنظمات أو تقف خلفها بالتمويل والتوجيه، وكثيراً ما تصبح هذه التنظيمات أحد أوجه إرهاب الدولة الرسمي كما هو الحال في الكيان الصهيوني، وقد شهدت أوروبا في الآونة الأخيرة تزايداً في نشاط هذه المنظمات حيث وجهت أعمالها الإرهابية ضد الأجانب وخصوصاً العرب منهم، وقد قتل العديد من المواطنين العرب على أيدي هذه المجموعات وخصوصاً في فرنسا. ولا تخفي هذه المنظمات ميولها العنصرية وأعمالها الإرهابية بل ترفع شعاراتها العنصرية في الانتخابات لكسب مزيد من الأصوات. ومن أهم هذه المنظمات "الجبهة الوطنية" في فرنسا التي يتزعمها العنصري "لوبان" التي تمارس عملها علناً، ولها مقاعد عدة في مجلس النواب الفرنسي، وحصل زعيمها في الدورة الرئاسية الأولى من الانتخابات الفرنسية لعام 2002م على المرتبة الثانية بعد الرئيس شيراك مزيحاً بذلك رئيس الوزراء جوسبان عن المنافسة....‏

وفي الكيان الصهيوني بالإضافة إلى كون وجود هذا الكيان يمثل إرهاباً ضد شعب بكامله، فقد برزت جماعات إرهابية صهيونية مثل جماعة "كاهانا" و"الإرهاب ضد الإرهاب" و"رابطة الدفاع اليهودية" التي تمارس نشاطها ضد العرب في الولايات المتحدة الأمريكية.‏

ونشير هنا إلى وسائل الإعلام الإمبريالية التي تحاول أن تخفي أو تقلل من أهمية العمليات الإرهابية التي تمارسها هذه المنظمات مقابل تضخيم عمليات قوى اليسار المتطرف. وفي غالبية الأنظمة الدكتاتورية الفاشية تنشئ قواتها المسلحة وأجهزة مخابراتها منظمات إرهابية خاصة بها مكلفة بمطاردة المعارضة اليسارية واغتيال أفرادها، أو إيجاد حالة من الترويع والترهيب بين السكان تعطي المبرر للنظام للتدخل وإعلان حالة الطوارئ والقيام بحملة اعتقالات واسعة بحجة إعادة الهدوء والنظام.‏

*منظمات اليسار المتطرف:‏

تعد هذه المنظمات الإرهابية مثيرة للجدل وللاهتمام من قبل وسائل الإعلام الغربي لقوة تنظيمها ولعنف الضربات التي وجهتها لمؤسسات ورموز الأنظمة الرأسمالية والأمريكية ولوجود تنسيق ما بين هذه المنظمات الموجودة، سواء في فرنسا أو إيطاليا أو ألمانيا، وتشكيلها ما يطلق عليه "أممية‏

الإرهاب" (5).‏

وتحدد منظمات اليسار المتطرف أهدافها بتحطيم النظام الرأسمالي الإمبريالي بكل مؤسساته. وينطلق هذا التيار من مواقع الرفض المطلق للواقع الرأسمالي الإمبريالي وعدم جدوى التعامل معه ضمن القنوات الشرعية، فالخيار الإرهابي بالنسبة لها خيار استراتيجي نهائي لا محيد عنه، إنه إرهاب في وجه التفاوت الاجتماعي والمجتمع الاستهلاكي، وضد التلوث وهيمنة التكنولوجيا على الإنسان إلى درجة الاستلاب. ولا تبتعد منظمات اليسار المتطرف، سواء في إيطاليا أو فرنسا أو ألمانيا، عن الجو الذي ساد أوروبا وخصوصاً فرنسا أثناء الثورة الطلابية 1968، حيث طرح الطلاب بشكل عنيف، لأول مرة الحرب العالمية الثانية، الأزمة التي يعيشها الجيل الجديد، المترتبة عن الاختناقات الاقتصادية والاجتماعية والروحية التي بدأت المجتمعات المتقدمة صناعياً تعاني منها في ظل هيمنة الآلة التقنية والمادة على شتى مناحي الحياة وغياب دور فعال لجيل ما بعد الحرب العالمية الثانية. أما أبرز هذه الجماعات اليسارية المتطرفة فهي: الألوية الحمراء في إيطاليا، والجبهة الألمانية للجيش الأحمر، والعمل المباشر في فرنسا.‏

رابعاً –مثالان عن الإرهاب الدولي:‏

أ-الإرهاب الأمريكي:‏

واضح للجميع مثل اللص الذي يحاول صرف انتباه متعقبيه عنه فيصرخ بأعلى صوته: اقبضوا على اللص. في مثل هذا الواقع تقريباً تتصرف الآن إدارة الولايات المتحدة الأمريكية وحكومات عدد من الدول الإمبريالية التي تشجع في الواقع تزايد الإرهاب الدولي تحت راية "مقاومة الإرهاب" وتتحول هي نفسها إلى دولة إرهابية. وفي المعنى الواسع يدرج الحقوقيون في قائمة الإرهاب: أعمال الحروب غير المعلنة، وتصدير الثورات المضادة على أنواعها، والاغتيالات السياسية في جميع أشكالها، وأخذ الرهائن وغيرها، وتتخذ هذه الأعمال طابعاً خطراً عندما تلجأ إليها الدول لا الأفراد. ففي مثل هذه الأعمال يرتقي الإرهاب إلى مرتبة سياسية الدولة وقد يتطور فيتخذ حجم العدوان السافر، وإذا حللنا سياسة الولايات المتحدة الأمريكية من هذه الزاوية في المناطق التي تطلق عليها عادة تسمية "المناطق الساخنة" على كوكبنا وهي مناطق الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا لرأيناها تتصف جميع الأعمال المدرجة تحت اصطلاح الإرهاب مطبقة فيها:‏

العدوان على ليبيبا وغرينادا، تجنيد المرتزقة وإرسالهم للعمل ضد الحكومات الشرعية في نيكاراغوا وأنغولا وأفغانستان، تقديم السلاح والتغطية السياسية لأعمال إسرائيل وجمهورية أفريقيا الجنوبية العدوانية العنصرية (في فترة تطبيق نظام الفصل العنصري)، قيام المخابرات الأمريكية بإعداد وتنفيذ الاعتداءات على حياة قادة الدول الأخرى مثل رئيس مصر جمال عبد الناصر ورئيس جمهورية تشيلي الليندي ورئيس جمهورية الكونغو الشعبية نغوابي وغيرهم، وقائمة مثل هذه الأعمال لا نهاية لها. أما البيئة المناسبة للإرهاب الدولي على مستوى الحكومات فتتمثل في أوضاع التأزم والصراع القائمة في مناطق متعددة من العالم التي أوجدتها وسعرتها سياسة الدول الإمبريالية.‏

* قمة الإرهاب الدولي (اختطاف الطائرة المصرية):‏

أثبتت الولايات المتحدة الأمريكية مجدداً أنها تظل الزعيمة الأولى للإرهاب الدولي عندما اختطفت الباخرة الإيطالية (اكيلي لاورو) استنفرت أمريكا قواتها وقام سلاحها الجوي باختطاف الطائرة المصرية، التي تحمل المختطفين الأربعة، في عملية قرصنة لا مثيل لها. ورافقت القرصنة الجوية الأمريكية حشودات بحرية وجوية وإلكترونية أمريكية في شرق البحر المتوسط ونفذت أمريكا حصاراً إليكترونياً على مصر الداخلية، وتنصتاً دقيقاً على هاتف الرئيس المصري حسني مبارك وأعلنت حالة الطوارئ في القواعد الأمريكية بالمنطقة العربية وتحركت الولايات المتحدة في الأجواء والمياه الإقليمية المصرية وعلى الأرض بكامل حريتها.‏

*الاعتداء على ليبيا:‏

ولعل أكثر ما يبرهن عن النوايا الإرهابية –التدخل الأمريكي المخطط والمبرمج في زمن سابق واعتراف مسؤول في "البيت الأمريكي" حول الاعتداء الأمريكي على ليبيا: "إننا كنا نبحث عن ذريعة لضرب ليبيا" الذي يضاف إليه اعترف مماثل يوم 26 آذار 1986 من مصادر وزارة الدفاع الأمريكية بأن الغارات التي قامت بها قوات الأسطول الأمريكية ضد زورقين ليبيين وموقع للصواريخ في خليج (سرت) "قد خطط لها بدقة منذ أسابيع وأن التخطيط كان تفصيلياً إلى حد تلقين الطيارين حول أفضل طريقة لضرب الزوارق والقاعدة اعتماداً على قاعدة التعبير العسكري المعروف بـ "الضربة الجاهزة". فإذا أخذنا بعين الاعتبار "المناورة" الأمريكية التي حملت الرقم (5) بدأت بالضرب من السواحل الليبية يوم 23 آذار 1986، وأن واشنطن أعلنت لها أهدافاً "تدريبية روتينية" محددة.. لعلمنا من هو الإرهابي حقاً.‏

* أحداث أيلول 2001م:‏

إن الضربات القوية التي تعرضت لها نيويورك يوم الحادي عشر من أيلول عام 2001 وطريقة تنفيذها والدقة في الإصابة تدل على وجود أياد استخبارتية وإمكانيات كبيرة أعدت لهذه العملية لا يمكن أن تمتلكها مجموعات صغيرة وإنما دول.. وإذا حللنا أسلوب السياسة الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والتوازن الدولي نجد أن أمريكا تبحث عن عدو جديد لتبرير هيمنتها على العالم أجمع.‏

ب-الإرهاب الصهيوني في الأراضي العربية المحتلة:‏

بالرغم من كثرة الكتابات التي تناولت بالشرح والتفسير أعمال الإرهاب الصهيوني ضد أبناء الشعب الفلسطيني على مجمل الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلا أن هناك العديد من الجوانب التي لم تحظ بالإحاطة والتركيز. فالاهتمام انصب بالأساس على أعمال الإرهاب التي تمارسها السلطات الصهيونية ضد الفلسطينيين، مثل: الاعتقال، السجن، الضرب، الإبعاد، الاغتيال، مصادرة الأراضي، نسف المنازل، تجريف الأراضي الزراعية.. وكذلك ممارسات الجماعات الإرهابية العاملة ضد أبناء الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة. وذلك بدون بيان علاقة الارتباط العضوي بين إرهاب السلطات الصهيونية وإرهاب الجماعات المتطرفة، ذلك الارتباط الذي تحصل بموجبه الجماعات على مظلة وحماية حكومية. ونلقي الضوء على حقيقة هذا التكامل الوظيفي بين الإرهاب الرسمي وغير الرسمي في السياسة الإسرائيلية، مع توضيح أثر الانتفاضة على آلة الحرب الإسرائيلية وما أصابها من ارتباك وخلل بسبب تحويلها للعمل ضد حجارة المنتفضين:‏

أولاً –الإرهاب الصهيوني الرسمي:‏

ونقصد به الإرهاب الذي تمارسه سلطات الاحتلال الصهيوني ضد أبناء الشعب الفلسطيني على مجمل أرض فلسطين. وإن كانت هناك أحداث كبرى ووقائع جلبة من وقت لآخر لكشف هذا الإرهاب مثل دير ياسين، كفر قاسم، صبرا وشاتيلا، مجزرة قانا، وليس آخراً مذبحة مخيم جنين في شهر نيسان الماضي فإن هناك سياسة صهيونية نظامية مستمرة تتشابك حلقاتها لتقزز شبكة متكاملة من أعمال القمع والإرهاب التي لاقت استهجان مختلف قطاعات المجتمع الدولي بمن فيها بعض الفئات اليهودية داخل (إسرائيل) وخارجها.‏

وتشمل هذه الأعمال الإرهابية:‏

*التوسع في مصادرة الأراضي في الضفة الغربية والقطاع المحتلين وبناء مستوطنات عليها:‏

ويلاحظ في هذا الصدد أن سلطات الاحتلال تركز في أعمال المصادرة على تلك المناطق الحيوية الغنية بمواردها التي ترى فيها أهمية استراتيجية تمكنها من اختزان وتنسيق التجمعات البشرية الفلسطينية آخذة في الانتشار السرطاني لتخترق وتطوق هذه التجمعات بطريقة تجعل منها فئات متناثرة تعوق العمل الجماعي. ومع ارتفاع معدلات إرهاب المستوطنين يتم إجبار العدد من أبناء الشعب الفلسطيني على ترك ديارهم والرحيل إلى مناطق أخرى داخل الأراضي العربية المحتلة أو تركها والخروج منها إلى بلدان أخرى وهو غاية ما تنشده السلطات الصهيونية.‏

وفي هذا الإطار بلغ إجمالي الأراضي الفلسطينية التي تمت مصادرتها من الضفة الغربية منذ عام 1967 وحتى عام 1987 نحو 2.28.000 دونم أي ما يوازي 52% من إجمالي مساحة الضفة الغربية التي تبلغ 5.5 مليون دونم، وقد تم إنشاء مستوطنة يهودية يقطنها حوالي (60) ألف مستوطن يهودي عام 1986. أما في قطاع غزة المحتل فقد تمت مصادرة 160 كيلو متر مربع أو ما يوازي 42% من إجمالي مساحة القطاع التي تبلغ 363 كم شيدت عليها سلطات الاحتلال نحو 31 مستوطنة يقطنها ألفان من المستوطنين الذين يتركزون في الجنوب. هذا ووضعت سلطات الاحتلال مخططات طويلة الأجل للمصادرة والاستيطان ترمي من ورائها إلى تحويل اليهود إلى أغلبية في المناطق المحتلة بحلول عام 2025 وذلك بافتراض نجاحها في جلب اليهود من الخارج بطرد معظم سكانها العرب. (وقد نجحت سلطات الاحتلال في تحقيق أهدافها في جلب اليهود، وما هجرة اليهود السوفييت، والروس إلا دليل على ذلك).‏

*التوسع في سياسة قمع وإرهاب أبناء الشعب العربي الفلسطيني:‏

هناك سياسة صهيونية محكمة موجهة إلى أبناء الشعب الفلسطيني وتهدف إلى فصم علاقته بالأرض أولاً، وهذه السياسة تزداد حدة وكثافة ولا سيما مع استمرار العوامل الديموغرافية في إفراز نتائجها المدعمة للجانب الفلسطيني. ومن هنا فالسياسة الإرهابية الصهيونية تعمل من أجل وقف هذه التحولات من خلال التوسع في طرد العرب خارج الأرض المحتلة وذلك بتصعيد أعمال القمع والإرهاب الذي يزداد ضحاياه يوماً بعد آخر.‏

ومع اندلاع الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الأولى في التاسع من كانون الأول عام 1987 وانتفاضة الأقصى المبارك في 28 أيلول عام 2000 تصاعدت أعمال القمع والإرهاب الصهيوني ضد أبناء الأراضي المحتلة وتحولت الأحداث إلى ما يشبه حرباً ضروساً تقودها آلة الحرب الإسرائيلية ضد الأطفال والشباب الذين تتكون أسلحتهم من الحجارة والزجاجات الفارغة والحارقة المصنعة يدوياً.‏

وتكشف سلوكيات جنود الاحتلال عدة تصرفات همجية بربرية في مواجهة أطفال وشباب الانتفاضة، فنجد أن القوات التي تتصدى لحجارة المنتفضين عبارة عن وحدات من معظم أسلحة الجيش الإسرائيلي من مشاة ومدرعات ومصفحات وتقوم هذه القوات بارتكاب أعمال وصفها "عمرام ميسسناع" قائد المنطقة الوسطى في استقالته بأنها أعمال قذرة ودنيئة. ومن قبيل هذه الأعمال إطلاق الرصاص الحي والمطاطي على رؤوس المنتفضين، استخدام الغازات السامة، صلب الشبان العرب على واجهات العربات المدرعة الإسرائيلية، واقتحام المظاهرات والضرب حتى الموت والرجم بالحجارة باستخدام راجمات آلية تقذف كميات هائلة نحو المتظاهرين وتعمل آلياً، الدفن أحياء، سلخ الجلد لإزالة الرسومات الوطنية مثل العلم الفلسطيني وصورة القادة الوطنيين. كذلك أقدمت سلطات الاحتلال على استخدام طرق ملتوية للاعتقال واغتيال المتظاهرين ومن قبيل هذه الطرق تشكيل وحدتين من الجيش الإسرائيلي تحت اسم "فرق الموت" للقيام بأعمال إرهابية كاغتيال قادة المتظاهرين، وينتحل أفراد هاتين الوحدتين صفة الصحفيين الأجانب لتصوير المظاهرات وتحديد قادتها لاعتقالهم أو اغتيالهم. كذلك ظهرت فرق أخرى جديدة تتنكر في زي السياح وتحمل الكاميرات لنفس الأغراض.‏

كما أدخل الجيش الإسرائيلي برنامجاً للتدريب على مقاومة المظاهرات والإضرابات تم وضعه ضمن برامج التدريب الأساسية للجيش وهو البرنامج الذي أطلق عليه رئيس الأركان الجنرال (دان شومرون)، "برنامج التدريب على الأعمال الشاذة". وفي الوقت نفسه قرر وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك (رابين) السماح لجنود الاحتلال بإطلاق الرصاص الحي على الشبان الفلسطينيين الملثمين، وذلك في إطار سياسته المعروفة (تكسير العظام) وقد أسفرت هذه الأعمال الإرهابية منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى في 9 /12/ 1987 وحتى منتصف أيلول 1989 عن سقوط (936) شهيداً و(46) ألف جريح و(6) آلاف معوق و(6) آلاف حالة إجهاض بسبب استخدام الغازات المحرمة دولياً بالإضافة إلى (9392) معتقلاً.‏

ثانياً –الإرهاب الصهيوني غير الرسمي:‏

ونقصد به الإرهاب الذي تمارسه جماعات وعصابات مشكلة من غلاة المتطرفين الصهاينة الذين تنصب أعمالهم على الإرهاب وقمع السكان العرب من محاولة لإجبارهم على الرحيل مما يطلق عليه اسم "أرض إسرائيل الكبرى". وبالرغم من أن هذه الجماعات لا تحمل صفة رسمية إلا أنها تعمل في إطار تنسيق كامل مع السلطات الصهيونية نظراً لأن هذه الجماعات تشارك تلك السلطات في نفس الأسباب. وتنقسم جماعات الإرهاب غير الرسمي إلى ثلاثة أنواع:‏

1-جماعات تحظى بوضع رسمي تحت أسماء مدنية، استيطانية ومن ثم يحظى عملها الظاهر بالشرعية وتتلقى الدعم الحكومي والدعم من يهود الخارج ومن أمثلة هذه الجماعات حركة كاخ التي يتزعمها كاهانا، وحركة جوش ايمونيم. وقد توسع كاهانا وأعوانه في أعمال الإرهاب التي شملت تهديدات بالقتل للشخصيات الفلسطينية والاعتداء على المواطنين الفلسطينيين وحرق المحاصيل، وتدمير الممتلكات... إلى آخر هذه الأعمال التي تنم عن بربرية وهمجية وترى في التخلص من الفلسطينيين حلاً لكل "مشاكل إسرائيل".‏

2-جماعات سرية أخرى: وهي الجماعات المشكلة من قبل بعض الصهاينة المتطرفين الذين ترعاهم الحكومة والأحزاب الدينية. وتقوم هذه الجماعات بأعمال الإرهاب من حين لآخر لا سيما أعمال النسف والاغتيال للشخصيات والممتلكات الفلسطينية. ومن أمثلة الجماعات: جمعية المحافظة على "الأمن في شوارع الضفة"، "جماعة الإرهاب في مواجهة الإرهاب".‏

3-تشكيلات المستوطنين الإرهابية: نظرا ً لزرع المستوطنين وسط التجمعات البشرية الفلسطينية لتمزيقها فقد سعى المستوطنون منذ البداية، بمساعدة أجهزة "الدولة" إلى تشكيل جماعات مسلحة تجوب المناطق المحيطة بها. وتشن غاراتها وحملاتها المسلحة على سكان المخيمات والقرى الفلسطينية المجاورة، واستغل المستوطنون هنا مقولة "جابوتنسكي" أحد منظري كتلة الصهيونية عام 1933 القائلة: "إن الصهيونية هي استيطان ولذا فهي تحيا وتموت مع قضية القوة المسلحة ومن ثم فقد حول المستوطنون منازلهم إلى ما يشبه الثكنات العسكرية وبدؤوا بالتحرش بالمواطنين العرب لإيمانهم بدور العنف في تثبيت أركان السيطرة الصهيونية على الأرض الفلسطينية المحتلة".‏

ويحصل المستوطنون على مساعدات وإعانات الحكومة المادية والعسكرية وعلى الأسلحة من وزارتي الدفاع والداخلية وبكميات هائلة عدا عن قيام الجيش الإسرائيلي بتدريبهم على أعمال الرماية والقنص.‏

* الارتباط الوظيفي بين الإرهاب الرسمي وغير الرسمي:‏

هناك علاقة ارتباط قوية بين الأجهزة الصهيونية وجماعات الإرهاب الصهيوني بمختلف فئاتها، سواء العلنية أو السرية، وتقوم الأجهزة الصهيونية في إطار هذه العلاقة بإمداد هذه الجماعات بالسلاح وتوفير مظلة حماية لها مشاركة هذه الجماعات في تنفيذ أحد مكونات السياسة الإرهابية للصهيونية كما أن هذه الجماعات تتمتع بحماية حزبية داخل الكنيست. ومن ناحية العلاقة الارتباطية بين الحكومة وهذه الجماعات نراها تزداد يوماً بعد آخر وبالرغم من حرص الحكومة على عدم كشف العلاقة، إلا أن التقارير الرسمية والتحقيقات التي تجري مع بعض الإرهابيين كشفت هذه العلاقة.‏

وقد أشار تقرير مراقبة "الدولة الإسرائيلية" بالقدس عام 1986 إلى أن وزارة الداخلية الإسرائيلية ساهمت في تمويل النشاط السياسي لجماعات اليهود المتطرفين، وأن يوسف بورج –وزير الداخلية في ذلك الوقت والمنتمي إلى حزب المفدال الديني –قدم دعماً مالياً لأعضاء شبكة إرهابية في مستوطنة كريات أربع، كما كشف التحقيق مع التشكيل الإرهابي الذي قام بمحاولة اغتيال عمدة رام الله والبيرة ونابلس في عام 1980 حقيقة هذه العلاقة سواء في تدخل الحكومة في سير التحقيق أو في اعترافات المتهمين والشهود. ونلاحظ أن الإرهاب الصهيوني في الأراضي العربية تجسيد لأفكار "القادة الصهاينة" وفي مقدمتهم (وايزمن) أول رئيس لإسرائيل بقوله عند قيام إسرائيل بأن العالم "سوف يصدر حكمه على الدولة اليهودية في ضوء ما تفعله فلسطين وما تقترفه بحقهم من ظلم وعدوان واغتصاب".‏

ولقد أصدر العالم حكمه من خلال القرار الذي اتخذته الأمم المتحدة عام 1975، باعتبار "الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري". وجاء القرار بسبب الممارسات الصهيونية طوال السنوات الماضية بحق الشعب الفلسطيني وكانت هذه الممارسات منظمة ومبرمجة في سياسة رسمية تتبعها السلطات الإسرائيلية حسب مخطط مرسوم مبني على أفكار الصهيونية.‏

وأخيراً إذا كانت قضية الصراع العربي الإسرائيلي لم تلق ما تستحق من صدق في العرض أمام الرأي العام العالمي فإن الانتفاضة الفلسطينية عام 1987. أو انتفاضة الأقصى في 28 /9/ 2000، قد ذهبت إلى حد خرق هذا الموقف داخلياً، واستطاعت أن تصل إلى العالم أجمع مؤكدة الحق العربي الذي تراكمت عليه أغبرة السنين والظلم التاريخي الذي بها.‏

خامساً – التفريق بين الإرهاب ونضال الشعوب:‏

حتى يكون المناضلون من أجل حق تقرير المصير وضد السيطرة الاستعمارية والأجنبية والاحتلال والعنصرية في مركز قانوني يعترف به في إطار التنظيم الدولي، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار (2103 –12/ 12 /1973 الدورة 28) مبادئ أساسية لتثبيت ذلك المركز هي:‏

* إن نضال الشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية الأجنبية والمنظمة العنصرية في سبيل تحقيق حقها في تقرير المصير والاستقلال، هو نضال شرعي ويتفق تماماً مع مبادئ القانون الدولي.‏

* إن أية محاولة لقمع هذا النضال هي مخالفة لميثاق الأمم المتحدة ولإعلان مبادئ القانون الدولي الخاصة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول.‏

* إن النزاعات المسلحة التي تنطوي على هذا النضال يجب النظر إليها باعتبارها نزاعات دولية بالمعنى الوارد في اتفاقات جنيف 1949 الخاصة بالنزاعات المسلحة والوضع القانوني للمتحاربين.‏

* إن المناضلين ضد السيطرة الاستعمارية والأجنبية والأنظمة العنصرية، إذا ما وقعوا في أيدي أعدائهم يعتبرون أسرى وتنطبق عليهم أحكام القانون الدولي المناسبة وبخاصة اتفاقية جنيف الخاصة بمعاملة أسرى الحرب 1949.‏

* إن استخدام الأنظمة الاستعمارية والأجنبية العنصرية للجنود المرتزقة ضد حركات التحرر الوطني عمل إجرامي. ويعامل هؤلاء كمجرمين.‏

وعلى هذا يمكن تبيان سمات العنف المصاحب للكفاح المسلح إعمالاً لحق الشعوب في تقرير مصيرها والعنف الذي يصفه أعداؤه ومناهضوه تحت مصطلح "الإرهاب الدولي" يمكن تبيان سماته فيما يلي:‏

-إنه عنف جماهيري تمارسه جماعات وأفراد من شعب يؤمن بالأهداف التي تستخدم العنف لتحقيقها.‏

-وهو موجه ضد قوى مستعمرة أو محتلة أو غاضبة أو عنصرية أو مستعملة لذلك الشعب.‏

-ويهدف إلى استرداد الشعب حقه في تقرير المصير.‏

-وهو مدعوم بالشرعية الدولية، ويخدم السلام العالمي.‏

-ولا يمكن وصفه بأنه عدوان على أحد فهو دفاع عن النفس، وعنف في مواجهة ظالم أكبر.‏

-ونظراً إلى أن المستعمر لا يقتصر وجوده على الأراضي المستعمرة بل إن سيادته تمتد إلى أماكن أخرى فإن مبدأ استخدام الكفاح المسلح يمتد إلى حيث يوجد المستعمر.‏

ويبقى مقياس الفصل بين الإرهاب والنضال يتألف من عنصرين يشكلان كلاً واحداً وهما: السبب الذي يدفع المناضل أو المجرم للقتال، والهدف الذي يسعى كل منهما لبلوغه، ولقد أكدت الأمم المتحدة في ميثاقها من حيث المبدأ في كثير من المعاهدات والاتفاقيات، الدولية التي عقدتها وفي قراراتها من حيث الأحكام والممارسة أكدت على الشرعية الأخلاقية والسياسية لكفاح التحرير الذي تخوضه الشعوب المضطهدة بجميع الوسائل الموجودة بتصرفها. وهذا هو ما يميز أعمال التحرير الوطني من أعمال الإرهاب، ذلك أن الكفاح الوطني يندرج مع النزاع المسلح في فئة واحدة ويدخل من الناحية القانونية في نطاق أحكام اتفاقيتي جنيف لعام 1949، الخاصتين بالنزاعات المسلحة.‏

وعلى هذا أيضاً لا يجوز أن ينتج عن الكفاح ضد الإرهاب الدولي أي تقييد لحقوق الشعوب في نضالها ضد الاستعمار والاحتلال والعنصرية والصهيونية وضد جميع أشكال القهر السياسي والاحتلال الاقتصادي.‏

سادساً – شرعية كفاح الشعب العربي الفلسطيني‏

أكدت الأمم في قراراتها المتعددة على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، كما حظي نضال الشعب الفلسطيني بالتأييد الدولي سواء على مستوى دول الانحياز أو منظمة الوحدة الأفريقية، أو المؤتمر الإسلامي وفي العديد من المؤتمرات الدولية، ويرجع ذلك الوضوح إلى عدالة القضية التي يدافع عنها الفلسطينيون وعدوانية الكيان الصهيوني وعدم شرعية وجوده، ومواكبة النضال الفلسطيني بكل جهوده من أجل حل عادل ومشرف للقضية.‏

وقد صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة العديد من القرارات التي تؤكد عدالة القضية الفلسطينية وشرعية نضال الشعب العربي الفلسطيني من أجل استعادة حقوقه الوطنية المغتصبة، حيث ترافق حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره على أرضه مع الحق في استعمال كافة الوسائل المؤيدة لتحقيق هذا الهدف بما فيها الكفاح المسلح. وأهم القرارات الصادرة عن الجمعية العامة حول الموضوع هي:‏

-في عام 1970 أكدت الجمعية العامة مطالبتها بضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة وأعلنت أنها: (تعترف وفقاً لميثاق الأمم المتحدة وتعلن: أن الاحترام التام لحقوق شعب فلسطين غير القابلة للتصرف هو عنصر لا غنى عنه في إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط).‏

-وفي عام 1974 وعلى أثر اعتراف مؤتمر القمة العربي في الرباط بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب العربي الفلسطيني، صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار في تشرين الثاني من نفس العام أكدت فيه من جديد على الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، وأعربت عن قلقها لما يمثله عدم التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية من مخاطر على الأمن والسلام الدوليين ولكون الشعب الفلسطيني قد منع من التمتع بحقوقه غير القابلة للتصرف بما فيها حقه في تقرير مصيره، كما نص القرار على:‏

1-تؤكد من جديد حقوق الشعب الفلسطيني في فلسطين غير القابلة للتصرف وخاصة:‏

أ-الحق في تقرير مصيره دون تدخل خارجي.‏

ب-الحق في الاستقلال والسيادة الوطنية.‏

2-تؤكد من جديد حق الشعب الفلسطيني غير القابل للتصرف في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شردوا واقتلعوا منها وتطالب بعودتهم.‏

3-وتشدد على الاحترام الكلي لحقوق الشعب الفلسطيني هذه غير القابلة للتصرف وإحقاق هذه الحقوق وأن لا غنى عنها لحل قضية فلسطين.‏

4-وتعترف بأن الشعب الفلسطيني طرف رئيسي في إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط.‏

5-وتعترف كذلك بحق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه بكل الوسائل وفقاً لمقاصد الأمم المتحدة ومبادئها.‏

وهذا يشكل مزيداً من اختفاء صفة الشرعية بل الالتزام الدولي بكفاح الشعب الفلسطيني ويسقط كل الاتهامات الجائرة والمتميزة التي تصف الكفاح المسلح الفلسطيني بالإرهاب.‏

الهوامش:‏

(1)-تم إعداد هذه الاتفاقية إثر اغتيال ملك يوغسلافيا في مدينة مرسيليا الفرنسية بتاريخ 19 /تشرين الثاني/ 1934، إذ قررت أمانة عصبة الأمم بطلب من حكومة فرنسا تشكيل لجنة حكومية تكون من مجموعة من الخبراء لإعداد اتفاقية دولية لمنع الإرهاب السياسي.‏

(2)-وهي اللجنة التي أنيطت بها مهمة تدوين قواعد القانون الدولي بتكليف من الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1947.‏

(3)-عرفت هذه الاتفاقية الجريمة بأنها (قبض شخص واحتجازه أو التهديد بقتله أو إيذائه أو استمرار احتجازه من أجل إكراه طرف آخر سواء كان منظمة دولية حكومية أو شخصاً طبيعياً أو اعتبارياً أو مجموعة من الأشخاص على القيام بفعل معين كشرط صريح أو ضمن الإفراج عن الرهينة).‏

ما بين عام 1981 و1986 أدت الأحداث في نيكاراغوا حيث يهاجم متمردو الكونترا الذين تمولهم الولايات المتحدة، وتشارك القتال معهم ضد الحكومة النيكاراغوية الشرعية إلى مصرع 12 ألف شخص ويتم 6 آلاف طفل وترك 250 ألف شخص مواطنهم الأصلية. (مجلة الوحدة، العدد 67، ص 99).‏

(5)-في تشرين الأول عام 1980، أصدرت الألوية الحمراء الإيطالية وثيقة أعلنت فيها معارضتها لحلف شمال الأطلسي، وتبني الخط الذي تنتهجه جماعة بادر –ماينهوف في ألمانيا ضد قواعد الحلف، ودعت إلى قيام أممية إرهابية أوروبية" في مواجهة أممية الأمن الأوروبي".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244