|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
سياسة التنمية في الجزائر* رؤية سوسيولوجية ـــ د.حميد خروف تمهـيد تظـهر التحليلات ذات الطابع السوسيولوجي المتعلقة بالمجتمع الجزائري ، أن الديناميكية الواضحة فيه قد بدأت مع الحصول على الاستقلال السياسي و تطبيق المخططات الإنـمائية المختلفة ، و التي آلت إلى هيكلة البنية الاجتماعية. و لذا يمكن لمتتبع حركية المجتمع الجزائري منذ الاستقلال ، على امتداد أكثر من أربعة عقود من الزمن أن يلاحظ الانتقال النوعي المتمثل في عملية التحول التنموي المرتبط بالأبعاد المختلفة لحياة المجتمع ، الاقتصادية منها و السياسية و الاجتماعية و الثقافية. و لمعالجة هذه المرحلة النوعية من تاريخ المجتمع الجزائري و تحـليل سماتها و التحولات المرتبطة بها ، فانه ينبغي تحليل الأيديولوجية المحددة لمسار هذه التحولات ، الأمر الذي يتطلب كذلك معرفة التشكل التاريخي لواقع المجتمع الجزائري قبل الاستقلال السياسي ، و هو شرط أولي لا يمكن الاستغناء عنه من أجـل فـهم أرضـية التحـول البنيوي للمجتمع الجزائري . و كل ذلك من خـلال منظور شمولي و متكامل. أولا : البنيـة الاجتماعية قبل الاحتلال الفرنسي . تميز المجتمع الجزائري قبل مرحة الغزو الفرنسي بوجود بنية اجتماعية متميزة ، ذلك أن الجزائر كانت تتصف بأنها بلد زراعي ، إذ كان اقتصادها يستند إلى نشاطـين أساسيين هما : زراعة الحبوب وتربية الماشية ، و كانت نسبة هذين النشاطين تتغير تبعا للاتجاه شمالا أو جنوبا للبلاد . أما في السهول الداخلية المرتفعة ، فقد كان النشاطان متشابكين ، يدعم الواحد منهما الآخر (Haddi el Houari :1985,18). و عليه فقد اتسم المجتمع الجزائري في هذه المرحلة بمظاهر النمو الاقتصادي ، سيما في قطـاع الزراعة حيث كانت الجزائر تـعد من بين البلـدان الرائـدة في تصدير القـمح لأوروبا مما جـعلها تقـدم قروضا و مساعدات لفرنسا نفسها . و بالنظـر للحالة التي كان يتمتع بها المغرب العربي تجاه السلطة العثمانية ، فقد وصلت حرية القرار إلى الجانب السياسي مما جعل علاقـة الحاكم في أي بلد مغربي بالخلافـة العثمانية علاقة شكلية ، و لهذا فقد كان الولاة يستقـلون بإدارة الجزائر الداخلية تمام الاستقلال و لا تربطـهم بالدولـة العليا سوى روابط الود و الاعتراف بالحماية ( بسام العسلي : 1980، 161). لقد كان الواقـع الاجتماعي أثناء المرحلـة ما قبل الاحتلال الفرنسي يتسم بازدواج نمط الحياة الحضري و البدوي ، غير أن الحـياة الحضرية ليست مدينيه بوجه الحضر ، بل ريفية إلى حد كبير ، بحيث أن البلد ريفي مع وجود دائم لتجمعات سكنية مدينيه . و تعتبر القبيلة (تتكون القبيلة من مجموعـات متعددة من العائلات ، و بالتالي فان أفرادها لا ينحدرون بالضرورة من جد مشترك أعطى اسمـه لهذه القبيلـة. فـهي مجموع يمتص الفرد بإخضاعه إلى ضرورات أخلاقية - دينية ، و تؤمن له في المقابل الأمن و التماثل الاجتماعي بنسبة أرقى مما تؤمنه العائلة الموسعة و يستند النموذج القـبلي إلى قاعدة أرضية : فهو أرضي أكثر مما هو نسبي حتى و إن كانت الأسطورة تقـوم على رفع شعار الجد المشترك و نشر فكرة القرابة الاجتماعية لتعزيز الأيديولوجية الأبـوية) بمثابة الإطار الاجتماعي السياسي داخل المنطق الاجتماعي ، ذلك أن تحـليل عناصر نمـط زراعـة الحبوب و الاتساع النسبي للأراضي و ضرورة نظـام التناوب السنوي على زراعة الأرض و الحياة الرعوية ، و نـمط السكن ، و عدم جواز تقسيم أرض الجماعة القبـلية النابع من إرادة المجموعة في التكيف مع المعطيات الطبيعية ، كل ذلك يثبت وجود نظـام يمفصل بنى لا معنى لها إلا داخـل منطق هذا النظـام، الذي هو المنـطق الاجتماعي (Haddi el Houari :1985,18). كما ساد المجتمع الجزائري تطـور ثقـافي ، يعود إلى بقاء التعليم حرا من سيطرة الحكام و الدولة. فقد كان سكـان كل قـرية ينظمون بطرقـهم الخاصة و وسائـلهم الذاتـية تعلـيم القرآن الكريم و الحديث و العلوم الإسلامية ( بسام العسلي : 1980 ، 165) . و لعل هذا النشاط الثقافي القائم على الجهود الفرديـة قد كان له دور كبير –فيما بعد-على توفير عناصر التحصـين و المقـاومة من محـاولات الفرنسة و التنصـير و الإدماج التي كانت تشكل التوجه الاستعماري الفرنسي في الجزائر (أسعد السحمراني : 1984 ، 30). لكن بالرغم من الاستقـلالية الإدارية للجزائر ، إلا أن ذلك لم يكن كافيا لحمايتها من الاستعمار ، خاصة أن سوء الإدارة العثـمانية و التفكك الحاصل بين أجزاء العالم العربي و الإسلامي زاد في أطماع الاستعمار الفرنسي في الجزائر لاستغلال ثرواتها. ثانيا : وضع المجتمع أثناء الاستعمار الفرنسي. دخل الفرنسيون الجزائر قصد إلحاقها بالسلطـة الفرنسية ، و ذلك باستخـدام القـهر و الإبادة و سياسة الأرض المحروقة. فقد كانت نظرة الاستعمار الفرنسي منذ البداية أن تصبح الجزائر ولاية تابعة لفرنسا ضمن حدودها الجنوبية ، و عليه اتسمت هذه الاستراتيجية بالعمل العدواني الذي يهدف إلى اغـتصاب حقـوق السكان الأصليـين.فبعد أن فرض الاستعمار الفرنسي وجوده على أرض الجزائر عمل على عدم دعم تواجده بتشجيع هجرات الأوربيين و استغلال ثروات البلاد لحسابها و استنزاف الموارد الطبيعية و البشرية استنزافـاً مدروساً ضد مصالح الجزائريين و احتياجاتهم الحيويـة. فلقد أعلن في سنة 1848 أن الجزائر جزء لا يتجزأ من الأرض الفرنسية بحيث توضع تحت نظام قوانـين البلاد الأم –فرنسا- ( أسعد السحمراني : 1984 ، 32- 34). لهذا فقد حاول الاستعمار الفرنسي منذ دخولـه في سنة 1830 أن يعمـل بكل الوسائل على تمزيق شمل الوحدة الوطنية و القومية للشعب الجزائري عن طريق سياسة »فرق تسد « ، و بالتالي ضرب مقومات الشخصية الجزائرية المتمثلة في الوحدة الوطنية و اللغة العربية و الدين الإسلامي بالاعتماد على وضع سـياسة مضـادة تهدف إلى تفكيك بنية المجـتمع الجزائري و الإدماج عن طريق محاولة التنصـير و الفرنسة والتجهـيل والتفقير كأسس للسياسة الاستعمارية للتمكن من السيطرة (أسعد السحمراني : 1984 ، 35). لذلك كانت الحرب الاحتلالية التي شـنها الاستعمار الفرنسي على بلادنا حرب إبـادة حقيقية تقوم على أسس مدروسة و مخططة؛ تتمثل في القضاء على الإنسان الجزائري في أرضه ليحل مكـانه الإنسان الأوروبي ، و إن لم يكن القضاء عليه ماديا فينبغي أن لا يبقى فيه من الإنسانية إلا ما يجعـله صالحا لشيء واحد هو العبودية ، و لكي يتم ذلك ينبـغي أن يدعم بالقضاء على هياكل الاقتصاد لتقوم مقامها هياكل تابعة للدولة الغازية و ذلك باستعمال المواد الأولية الجزائرية و تسخـيرها للصناعة الفرنسية و كذلك جعل السوق الجزائرية هدفا لترويج البضائع الفرنسية. و هذه الخطة -في نظر الاستعمار الفرنسي- ينبغـي أن تعزز ببرنامج هـدم اجتماعي يتمثل في الهبوط بمستوى حياة الشعب الجزائري إلى درجة المجـاعـة المستمرة و الفقـر المدقع و الصحـة المتدهـورة ، و لهذا الأمر كانت السيطـرة الاستعمارية الفرنسية تهدف من خـلال الخطـة الحربية الاحتلالية و التخريب الاقتصادي إلى غـاية اعمق ، وهي الإذلال و التجهـيل و غرس مركبات الانهزامية في عـقول الشعب الجزائري و أجياله (عبد الله شريط : 1981 ، 51 – 52). لقد كـان للعملية الاستعمارية الفرنسية في الجزائر نتائج لا رد لها على البنية الاجتماعية لهذا البلد. و أدت الرغـبة في خلق مستعمرة استيطانية من منطقة مأهولة فعلا بالسكان إلى سياسة طرد الشعب الـمحلي من أفضل الأراضي الصالحة للزراعة. و لا شك أن هذه العملية آلت إلى تغـيرات جوهرية تتعلق بنظام الملكية (علاقة الأفراد بملكية الأراضي) ، و مؤسساتية (انهيار بعض المؤسسات القبلـية كالزوايا بوصفها مؤسسة خـيرية) ، و عليه فقد أدى هذا التحول القسري لوسائل الإنتاج بصورة محتومة إلى انتقال ما كان حتى ذلك الوقت ملكية لا تقـبل التقسيم. و أصبحت عمليات البـيع اكـثر انتـشارا ، حتى أن أولئك الذين لم يكن باستطاعتهم بيع حقوقهم كانوا يؤجرونها للأوروبيين ، و تدريجيا أصبح الفلاح – الذي كان في وقت من الأوقـات يملك أرضه –مجرد خماس أو حصاد مشارك عليها ، و أولئك الذين كانوا عاجزين عن التكيف مع وضعهم المادي الجديد نزحوا إلى مناطق نائية داخل البلاد. لقد كان لهذه الإجراءات الأثر الكبير في التغيـير الجذري في بنية الملكية الجزائرية ومن ثم في التنظيم الاجتماعي للقبائل ، إذ إن عملية التشتيت هذه اكتملت بواسطة الإجراءات الإدارية التي هدفت إلى إحلال قبائل تربط بينها علاقة الدم (مغنية الأزرق : 1980 - 58 ، 63). عمل الاستعمار الفرنسي في الجزائر على محاولة محو مقومات الشخصية الوطنية المتمثلة في اللـغة العربية و الدين الإسلامي و وحدة التراب الوطـني ، و بالتالي فقد سعـى إلى تعـزيز الغزو العسكري بغزو ثقافي و فكري ، و كل ذلك بهدف محاولـة تحطـيم هذه الشخصية الوطنية للشعب الجزائري حتى يجرده من أهم وسائل المقاومة المعنوية و التصدي للاحتلال. و عليه فقد حارب الاستعمار الفرنسي الثقافة و ما تحـويه من عناصر مادية و معنوية مما أدى إلى تفشي الأمية بين الجزائريين ، فبلغت بعد قرن و ثلث القرن من الاحتلال 94.9 % لدى الرجـال و 98.4 % بين النساء ، أما القلة التي أتاح لها التعليم و الثقافـة فلم تتجاوز نسبتها 05.1 % من الرجال ، 1.6 % بين النساء (مصطفى زايد : 1975 ، 106- 107). و في هذا الصدد يذهب " أحمد طالب الإبراهيمي" إلى القـول " إن فرنسا لم تكـتفي بتجريد الإنسان الجزائري من أرضه و مسخ شخصيته ، بل عملت كذلك على إفساد الأفئدة و العقول ، و قد تجلى عملها التخريبي في إغلاق المساجد و المدارس التي كانت تعلم العربية ، و في هدم الزوايا لأنها كانت مركزا لتثقيف الشباب ، و غرس روح المقاومة في نفوسهم. و هكذا قضت فرنسا على الثقافـة الجزائرية عندما قطعت عن تلك الثقافة جميع الروافد التي كانت تغذيها و تنميها" ( أحمد طالب الإبراهيمي : 1973 ، 14-15). و يلاحظ أن موقف الاحتلال الفرنسي من اللغة العربية و الثقافة الجزائرية أنه كان يهدف إلى القضاء عليها تماشيا و سياسة الفرنسة و الإدماج. فقد عمل الاستعمار على تلقين الإنسان الجزائري في المدرسة الفرنسية عادات جديدة في التفكير و السلوك ، حتى أن أحدهم من ذوي النظريات الخاصة في التعليم الاستعماري يقول : " إن أحسن وسيلة لتقييد الشعوب البدائية في مستعمراتها و جعلهم أكثر ولاء ، و أخلص في خدمتهم لمشاريعنا ، هو أن نقوم بتنشـئة أبناء الأهالي منذ الطفولـة ، و أن نتيح لهم الفرصة لمعاشرتنا باستمرار ، و بذلك يتأثرون بعاداتنا و تقاليدنا. فالمقصود باختصار هو أن نفتح لهم بعض المدارس لكي تتكيف عقولهم و حسبما نريـد". ومن هذا المنطـلق عمل الاستعمار الفرنسي على تكوين نخـبة مزيفـة من المثقفـين ، مقطوعـة عن الجماهير الشعـبية من حيث التنكر للتقاليد و الاحـتذاء بالأجنبي و تقمص شخصيته (أحمد طالب الإبراهيمي : 1973 ، 16). و ضمن هذا السـياق يرى "مصطفى الأشرف" إلى أنه من بين الآثار السلبية المترتبة عن عملية الاحتلال و الغزو الثقافي وجود شخصية الفرد الأصلي في حالة عدم توازن ، ذلك أن هذا الفرد لا يستطيع التوفيق بين التراث الثقافي الذي استلمه من المـاضي و الممارسات التي تفرضها عليه السيطرة الاستعمارية في الحـاضر ، و يلاحظ أن هذه السيـطرة لا تتم عادة إلا عن طريق المدرسة التي تعلم الفرد قـيم المستعمر ، و لهذا فان الاستعمار يعمل بالدرجة الأولى على إدخـال تغـيرات واسعـة في كل المجـالات ، و لعل أولـها هي إبعـاد اللـغة عن مكانتها الحقيقية ، و جعل لغـته تحـل محلـها (Mostpha Lachref : 1972, 317-318). كما كان من آثار المرحلة الاستعمارية للجزائر في جانبها الثقافي بروز صراع ثقافي كبير من تيارين رئيسـيين : - يتمثل الأول في تيار الثقافـة الفرنسية ، و هو يضم بالإضافة إلى دولة الاحتلال جماعة النخبة (يمثل هذا التيار جماعة اتحاد المنتخبين الجزائريـين التي تدعـو إلى دمج الجزائر في فرنسا) من الجزائريين و هو الاسم الذي أطـلقه عليهم الفرنسيون تشجيعا لهم على مواصلة النهج في الاتجاه المناوئ للثقافة العربية في الجزائر و الشخصية الوطنية ، و يتميز أفراد هذه الجماعة بأنهم تكونوا تكوينا مستمدا من الثقافة الفرنسية و تأثروا بمظاهر الحضارة الأوروبية. و لقد بدأ هذا التيار في الظهور منذ الحرب العالمية الأولى ، تم تبلور في بعض المنظـمات السياسية ابتداء من 1930. وإن أنصار هذا التيار هم الذين عمل الاستعمار الفرنسي -سواء عن طريق التعلـيم بوسـائله المختلفة أو الشغـل في إدارة الاحتلال أو بواسطة التجنيد في الجيش الفرنسي- على تلقينهم الثقافـة الفرنسية بحيث أصبح أداة يستخدمها لمحـاربة مقومات الشخصية الجزائرية (رابح تركي : 1975 ، 96-97). - أما التيار الثاني ، فهو تيار الثقافـة العربية ، و يمثله دعاة القومية العربية ( يمثله بصفة رئيسية جمعية العلماء المسلمـين ، رجال الطرق الصوفيـة ، أصحـاب الزوايا حزب الشعب و يؤيده سياسيا : كل من حركة نجم شمال إفريقـيا 1926/ 1937 ، حزب الشعب 1937 ، حركة أحباب البيان والحرية 1945 ، حركة الانتصار للحريات الديمقراطية 1946 ، جبهة التحرير الوطني 1954) ، وكان ينـادي بتحرر الجزائر ضمن منطق شخصية الجزائر العربية الإسلامية ، و على هذا الأساس كان دعاته يقاومون بكل شدة سياسة إدماج الجزائر في فرنسا إقليميا و ثقافيا (رابح تركي : 1975 - 97). و هكذا يبدو واضحا من خلال العرض التحليلي لوضعية المجتمع الجزائري إبـان المرحلة الاستعمارية ، أن فرنسا عـملت على محاولـة تحقيق سياسة الاستيلاء سياسيا و اقتصاديا و الاستلاب اجتماعيا و ثقافيا حتى تتمكن من القضاء على الجزائر نهائيا و ضمها إلى الكيان الفرنسي. إنه لمن الطبيعي أن يـؤول مثل هذا الوضع المتردي للحالة الاقتصادية و الاجتماعية في الجزائر إلى نهوض الحركة الوطنية و القيام بالثورة. و لا شك أن جذور هذه الحركة في الجزائر تقع عند التناقـض بين البنية السياسية الفرنسية و القهر الاقتصادي و الاضطهاد الاجتماعي الممارسـين من قبل السلطـة الاحتلالية ، فعن طريق تحويل التوكيد في الصراع من الجانب الاقتصادي إلى الجانب السياسي ، كانت النزعة الوطنية الجزائرية –إلى حد ما- ردا سياسيا على القهر السياسي ، و مع ذلك فان مطالب الوطنيين كانت تتعلق بالوضع الاقتصادي العام للجزائر ، و كانت تتطور وفـقا لذلك ، و لم يكن الوطنيون بأي حال مجموعة متجانسة من الأفراد فقد كانوا يعتنقون وجهات نظر مختلفة بشأن مستقبل الجزائر ، كما كانوا يدافعـون على مصالح متباينة (مغنية الأزرق : 1980 ، 69-70) . و ضمن هذا السياق يذهب "مصطفى الأشرف" إلى القول بأن تلك هي بعض الجوانب من مقومات النزعة الوطنية التي غلب عليها الطابع الريفي فهي ريفية لأنها انطلقت من الأرض في نطـاقها المحلي ثم توسعت حيت شملت أراضي البلاد كلها على المستوى الوطني ، و كان الاهـتمام هو الاحـتفاظ بالحقل و الملكية و غـيرهما ، و هي من القضايا التي هـددها الغزو الأجنبي بالدرجة الأولى و استولى عليها الاستعمار ، و لا شك أن الأرض في نظر الكثير من الـناس هي قضية حياةأو موت بالنسبة إلى الفرد و الجماعة و الأمة على حد السواء (Mostpha Lachref :1972, 93-94). وفي هذا الإطـار ، يرى " فرنتز فـانون" بأن الثورة الجزائرية طرحت من جـديد كل القضايا المرتبطة بالفلسفة الاستعمارية و كذلك القضايا المتعلقة بواقـع المجتمع . فالمجـتمع المستعمر لابد أن يكون مدركـا أنه من أجل الوصول إلى تحقـيق غـاياته في قهر النظرية الاستعمارية و بناء الاقـتصاد الوطني و تجسيد الأمة الجزائرية أن يقوم ببذل جهد معتـبر في مغـالبته لنفسه ، و أن يفهم الشعب أنه من خلال مجـرى الحرب مجبر أن يخلق من الأجزاء المتفرقة مجتمعا جزائريا جديدا. و لكي يحـقق إنسان الجزائر تطلعاتـه ينبغي أن يكون متماسكا و أن يتوافق مع ايقاع فريد لجرد القيم الوطنية و تقديراتها (فرانز فـانون : 1970-99-100). هذا الأمر أدى ببعض الوطنيـين إلى اختيار سبيل الثورة العـارمة في وجـه السلطة الاستعمارية الفرنسية من اجل تحقيق الاستقلال الشامل للبلاد ، و كان هذا الاختيار مجسدا بالدرجة الأولى في إنشاء إطـار سياسي يجمع كل الوطنـيين و هو جبهة التحرير الوطـني والقـيام بالـثورة المسلحـة فـي 01 نوفمبر 1954 . لم يكن أمام السلطة الفرنسية في هذه المرحلة إلا انتهاج سياسة مغايرة مجسدة في جملة من الإجراءات و الإصلاحات التي تهدف إلى تهدئـة المناطق الريفية من السخـط عليه ، و دعم تراكم رأس المال. و لعل أهم تلك الإجراءات مخطط قسنطينة (1959-1964) الذي كان يعد جزءا من استراتيجية سياسية تقوم على افـتراض أن المجهود الفرنسي للتنمية سيعجـل بنهاية الحرب ، بحيث تتمكن فرنسا من تحويل جزء من تكـاليف العمـليات الحربية إلى مساعدة اقتصادية تسمح في نهاية الأمر بإحلال الشركات الاحتكارية و وكلاء الاستعمار الجديد محل الجنود و الضباط المقاتلـين في الجزائر (اسماعيل العربي : 1974 ، 108). و من هذا المنطـلق تتمثل الخاصية الأولى من الإصلاحات في خلق قوة ثالثة في برنامج قسنطينة أي تكوين نخـبة مزعومة من البرجوازية الجزائرية لكي تعمل على توفـير قـاعدة للارتباط بين فرنساو الجزائر ، و ذلك قصد ضمان تحقيق نوع من التقـدم الاقتصادي الذي يكون من شأنـه عدول الشعب الجزائري عن التفكـير في الحرية و السعـي للحصول على الاستقلال. و تشير القراءة التحليلية لهذا البرنامج –فضلا عن أهدافه السياسية-إلى أنه أريد له أن يكون برنامجا اقتصاديا و اجتماعيا في آن واحد ، فالشق الاقتصادي لهذا المخطط تعتـبر دلالته السياسية أعمق لأنه كان يرمي إلى هدفـين متكاملين : الأول منهما يتعلق بتغيير طبيعة البنية الاستعمارية الفرنسية بالجزائر ، بمعنى أن مخطط قسنطينة كان يرمي إلى تحقيق الانتقال من مرحلة الاستعمار الزراعي الذي يتطلب السيطرة المباشرة على الأرض و السكان إلى مرحلة الإمبريالية و الاستعمار الحديث الذي يقوم على ديناميكية تصنيع محدود. أما الهدف الثاني من هذا المشروع فإنه يتمثل في المساهمة في خلق هذه القوة الثالثة التي تسمح بتحمل أعباء التسيـير المحلي و تكاليـفه على أمـل أن تكون هي أداة الاستعمار الحديث في القضاء على الثورة (محمد المـيلي : 1983 ، 113-114). و لهذا الغرض فقد نص هذا المخطط على نوعين من المشاريع : - المشاريع الكـبرى التي تعمل على توفير قاعدة للصناعة الثقيلة ، و من أهمها مركب صناعة الصلب "بعنابة" و مركز الصناعات الكيماوية في " أرزيو" و معمل تكرير النفط في الجزائر و مشروع الفوسفات في جبل "العنق" . - مشروعـات لصناعة صغيرة للتحويل ، و التي تركت مهمتها للقطاع الخاص الجزائري و الفرنسي ، و هي بمـثابة صناعـة خفيفة تشمل الصناعات الزراعية و الغذائية و مواد البناء (اسماعيل العربي : 1974 ، 108). غير أن بعض المشاريع لم تطبقها الإدارة الاستعمارية لزيادة وطأة الثورة و بالتالي تحويل جزء كبير من اعتماداتها للتسلح ، كما أنها تجاهلت الإصلاح الحقيقي للبيئة و اهتمت بتطوير البـنى التحتية الاقتصادية و الاجتماعية و ذلك لما تعطيه من نتائج اجتماعية إيجابية مباشرة في ميدان زيادة الاستخدام بصورة جوهرية في قطاعات البناء و الأشغال العمومية و الخدمات الادارية (abdelatif Benachenhou : 1980 ,2). بينما يتمثل الشق الاجتماعي من مخطط قسنطينة في كونه ينص على أن 6 % من الملكيات العقارية التي لا تتجاوز 100 هكتار توزع على الفلاحين الجزائريين في ظرف خمس سنوات ، أي أن مجموع ما يوزع خلال هذه المدة لا يتجاوز 250 الف هكتار ، لكن هذه النسبة لا تتوزع بسبب استجابة الجزائريين لتعليمات جبهة التحرير الوطني التي ترمي إلى مقاطعة هذا المشروع و عدم شراء الأراضي. أما بالنسبة للتوظيف في هذه المناصب يتطلب اجتياز مسابقات تستلزم مؤهلات ثقافية معينة، و لهذا فقد ظلت كثير من هذه المناصب شاغرة و لم تتحقق هذه النسبة المحددة (محمد الميلي : 1983 ، 114). ثالثا : سياسة التنمية بعد الاستقـلال. تسود المجتمعات السائرة في النمو و من بينها الجزائر ، رابطة نفسية مشتركة تتمثل في تطلعها للتجديد و محاولة بلوغ التقدم ، أي الرغبة الملحة في تحقيق أكبر قـدر من التنمية في كل المجـالات، و ذلك تعويضا لها عما تعرضت له من تـخلف تمثل في تشويه البنية الاقتصادية و اختلال العناصر الثقافية طوال مدة من الزمن كانت قد عاشتها تحت السيطرة الاستعمارية. و قد كان التحرر السياسي الفرصة المناسبة لشعوب هذه الدول و قيادتها السياسية كي تسعى إلى بناء مجتمعاتها و الارتقاء إلى المكانة اللائقة بها بين الدول. و إذا كانت التنمية تعتبر غاية أساسية من غايات هذه الشعوب ، فكيف يمكن تحقيقها ؟ أي بمعنى آخر ما هي الأيديولوجية التي يمكن أن تعتمدها القيادة السياسية في بلوغ هذه الغايـة ؟. لقد كان اخـتيار معظم بلدان العالم الثالث المستقلـة حديثا الطريق اللارأسمالي لتنميتها الاقتصادية و الاجتماعية ، و هذا الاختيار أملته جملة من المعطيات الموضوعية ، لعل أبرزها : 1-الارتباط الوثيق بين النظام الرأسمالي وبين الاستعمار الغربي الذي عانت من ويلاته هذه البلدان ، و ما آل إليه من تخلف فيها. 2-ما أبداه الاختبار الاشتراكي – في نظر هذه البلدان – من قدرة على توفير أجوبة أكثر قناعة للمشاكل التي كانت سببا في تخلفها. 3-حاجة هذه البلدان إلى تجربة رائدة تسترشد بها ، و تبني عليها تصوراتها المستقلة في إعادة بناء نفسها ، و هذا ما عبر عنه "ماكسيم رودنسون" M.RODONSON في قـولـه : "إن الأيديولوجية الماركسية خاصة في شكلها الماركسي اللينيني كان لها تأثير كبير ، لأنها الأيديولوجية الوحيدة التي تعطي للعالم تفسيرا مقبولا لمشاكله الأساسية ، و كيفيات ناجعـة – على ما يبدو – للخروج من تبعيته الراهنة (ميلود سفاري : 1990 ، 72-73).لقد كانت الجزائر من بين الدول المستقلة حديثا التي واجهت مشكلة الاختيار الأيديولوجي لبناء مجتمع متوازن ، ذلك أن الاقتصاد هو نشـاط مرتبط بالسياسة المنتهجـة من قبل الدولـة توجيها أو تنظيما أو تطبيقا ، و عليه تكمن السياسة الاقتصادية كاستراتيجية و التنمية كعملية إجرائية. و قد كان لاستعادة الجزائر سيادتها السياسية في سنة 1962 أن توفر الشرط الأساسي لضمان المجتمع حرية القرار السياسي ، إلا أن هذا الشرط وحده غير كافٍ لوضع أرضية إنمائية تنطـلق منها لتطبيق سياسة شاملـة في مجـالات الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و التربوية ، و بالتالي فانه من الصعب الحكم على أن الاستقلال السياسي قد حول المجتمع الجزائري مباشرة من حالة " تنمية" ، ذلك أن الإرادة السياسية ينبغي أن تقترن بالإرادة الاقتصادية ، و هذه الأخيرة بدورها لا يمكن أن تصبح حقيقة إلا إذا توافرت شروط اقتصادية و فنية (محمد بالقاسم حسن بهلول : 1985 ، 46). لقد طرحت مسألة الاختيار بين بدائل السياسة التنموية المتباينة في محتواها و المختلفة في منطلقاتها الأيديولوجية ، و طرحت معها كذلك مشكلة بناء الإنسان الجزائري ، إلا أن هذه القضية ليست وليدة الاستقلال ، بل تعود بجذورها الى ما قبل الحرب التحريرية : فالسياسيون من قادة الحركة الوطنية يرون أن تغيير المجتمع غير ممكن في ظل السلطة الاستعمارية الفرنسية لأنها هي التي تمتلك وسائل التغيير حسب مبتغاها (عبد الله شريط : 1981 ، 77-78). و مهما يكن من أمر ، فإن السؤال الرئيسي الذي يبرز كإشكالية هو هل يتم تغيير الإنسان أولا لجعله قادرا على تغيير محيطه أم يتم البدء باللجوء إلى تغيير محيطه و بالتالي يتغير الإنسان تلقائيا نتيجة تأثره بتغيير هذا المحيط ؟. طرحت هذه المسألة كقضية أساسية تشكل الإجابة عنها منطلق الاختيار ، و ضمن هذا السياق تبنت الجزائر الاختيار الاشتراكي كأسلوب لبناء المجتمع الجزائري في المجالات المتعددة الاقتصاديةو الاجتماعية و الثقافية. و لم يكن هذا الاختيار وليد الصدفة ، بل نجد له إرهاصات في تطلعات الحركة الوطنية مثل : - إقامة نظام اجتماعي جديد يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية. - إقامة العلاقات الاجتماعية على أسس ديمقراطية. - تحقيق مجانية التعليم و إجبار يته على جميع الأطفال من كلا الجنسين. - النهوض بالعمل و العمال مع الاهتمام بقضايا الأجور. - مصادرة الأملاك الكبيرة و إعادتها للفلاحين. - ملكية الدولة للهياكل الأساسية للاقتصاد (مصطفى زايد : 146 ، 147 ). وضمن هذا المنظور ، لجأت الجزائر بعد الاستقلال السياسي إلى محاولة تطبيق سياسة تنموية شاملة تبلورت رؤاها ضمن النصوص الأساسية و المواثيق : 1- برنامج طرابلس (1962) : يحدد هذا البرنامج الأرضية التي تجسد عليها عملية التنمية. فهو بادئ ذي بدئ ، يحلل المحتوى الاجتماعي لحركة التحرير الوطني في الفئات الاجتماعية التالية : - فـئة الفلاحـين الفقراء الذين ذهبوا أساسا ضحية لنزع الملكية العقارية و التحديد والتمركز والاستغلال من طرف المستعمرين ، و الأمر يتعلق بالفلاحين الدائمـين كبارهم و صغارهم و الموسمين و الخماسين الذين قد يضاف إليهم صغار المـلاك. - فـئة البروليتاريا و المنتـمون إليها قلـيلون ، و ما تحت البروليتاريا المكتظـة أعـضاؤها في المدن و نجدهم في أغـلب الأحـيان من الفلاحـين الذين طـردوا من ملكيتهم المنزوعة و اضطروا إلي البحث عن عمل بعيد عن الأرياف ، بل و حتى إلى الهجرة إلى فرنسا حيث يعملون عادة في الأعمال الشاقة بأبخـس الأجور. - فـئة اجتماعية أخرى متوسـطة ، و هي تمثل أصحاب الصناعات التقليدية والمستخدمـين الصغار و المتوسطين و الموظفين ، و صغار التجار ، وعددا من أصحاب المهن الحرة ، و كلهم يكونون ما يسمى بالبرجوازية الصغيرة ، و غالبا ما كانت هذه الفئة تشارك بنشاط في كفاح التحرير بتقديم الإطارات السياسية. - هناك أخـيرا طبقـة برجوازيـة نسبيا لا تهم كثـيرا ، تتكون من بعض رجـال الأعمال وكبار التجـار و أصحاب الصناعات ، و يضـاف إلى هذه الطبقـة بعض الملاك العقاريـين و أعـيان الإدارة الاستعمارية. إن هاتـين الطبقتـين الاجتماعيتين قد شاركـتا في الثورة دوريـا ، إما عن ايمـان وطـني أو بصفة انتـهازية ، و إنه ينبـغي أن نستثـني منهم الإقطاعـيين الإداريـين و الخونة الذين انضموا كـليا إلى الاستعمار (وزارة الإعـلام و الثقافـة : 1976 ، 74-75). استنادا إلى ذلك ، فقد حاول برنامج طرابلس أن يدرس الوضع العام للمجتمع الجزائري قبل و أثناء حصوله على الاستقلال السياسي ، وذلك من خلال إبراز الخصائص الأساسية لحركة التحرير الوطني ، موضحا أن مكاسب الكفاح و تنظيمها و إتمامها يجب أن تدرس ، و هنا تكمن المهمة التاريخية للثورة الديمقراطية الشعبية ، و هذا يقـتضي بالضرورة جهدا في تحليل و تكوين مناسبين ، و توجيها صحيحا و صارما ، كما أنه يتطلب اختيارات واضحة و هناك أمران اثنان يجب أن نستلهمهما في عملنا و هما : - الانطلاق من الواقع الجزائري من خلال معطياته الموضوعية و مطـامح الشعب. - التعبير عن هذا الواقع على أن نأخذ بعين الاعتبار متطلبات التقدم العصري و اكتشافات العلم و تجارب الحركات الوطنية الأخرى و محاربة الإمبريالية في العالم. وكذلك ، فإنه يجب تفادي الاستلهام من الصـيغ الجـاهزة دون الرجوع إلى واقع الجزائر الملموس ، و يجب بنفس الطريقة أن نحترز من الانجرار إلى خطأ الذين يزعمون الاستغناء عن تجربة الغير و ما تقدمه الحركات الثورية في عصرنا (وزارة الإعلام والثقافة : 1976-74-75). و من هذا المنطلق ، يسعى برنامج طرابلس إلى بناء مجتمع متوازن اجتماعيا و اقتصاديا. و على هذا الأساس فإن خطوطه العريضة تتمحور حول النقاط المستخلصة على النحو التالي : - بناء اقـتصاد وطني ، يرتكـز على مبدأ التخطـيط في توظيف الموارد المادية و البشرية في قطاعاته المختلفـة. - تحقيق المطامح الاجتماعية للجماهير عن طريق رفع مستوى المعيشة ، و القضاء على البطالة. - و محو الأمية ، و تطوير الثقافة الوطنية. - انتهاج سياسة خارجية مستقلة ، تتمثل خطوطها العريضة في محاربة الاستعمار و الإمبريـالية من خلال دعم علاقات الجزائر بالبلدان الاشتراكية ، و التحالف مع البلدان التي نجحت في دعم اسـتقلالها و تحررت من السيطرة الإمبريالية ، و كذلك دعم حركات التحرر و النضال من أجل التحرر الدولي. 2- ميـثاق الجـزائر (1964) : تضمن محـتوى هذا الميثاق معالجـة الآثـار التي خلفها الاستعمار الفرنسي في الجزائر ، و ذلك بتحليل الوضع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي ، و كذلك التطرق إلى أهم القضايا التي تشغل بال القيادة السياسية – في المرحلة ما بعد الاستقلال – و التي تعبر عن طموحات الشعب و أمانيه في إعادة بناء المجـتمع اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا لتحقيق القدم و تحسـين مستوى معيشة الفرد الجزائري ، و على هذا الأساس تنصب أهم أهداف التنمية في تلك المرحلة حول النقاط التالية : - إعـادة الوجه الحقـيقي للإسلام . - السعي من اجل انتصار مبادئ الديمقراطية. - مناهضة الإمبريالية عن طريق تبني الاشتراكية. - العمل على إزالة الفوارق الجهوية و تقريب الهوة بين الريف و المدينة. - القضاء على التباين في عادات الاستهلاك بين فئات الشعب المختلفة و تحسين مستوى معيشة الفرد الجزائري. - بناء مجتمع صناعي متحرر من التبعية. - ضرورة خلق فكر سياسي و اجتماعي مستمد من قيمنا الخاصة ، مغـذى بالمبادئ العلمية، محصن ضد المواقف الفكرية الخاطئة ، تدلنا على أهمية مفهوم جديد للثقافـة. - توفـير الخدمات الصحية في كافة المناطق. - إزالة الأمية عن طريق تحقيق ديمقراطية التعليم. - إدخال اللغة العربية في التعليم ( ميثاق الجزائر 1964 ، 35-78 ). 3-الميـثاق الوطـني (1976) : يعتبر الميثاق الوطني بمثابة الإطار المرجعي للسياسة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية في الجزائر ، فلقد تضمن بلورة الرؤى المختلفة التي تعرضنا الى بعضها سواء في برنامج طرابلس (1962) ، أو في ميثاق الجزائر (1964). و عليه ، فإن الميثاق الوطني هو " استمرار لعملية التوضيح السياسي ، و البلورة الأيديولوجية التي ما فتئت تتطور منذ أكثر من 20 سنة ابتداء من نداء أول نوفمبر 1954 ، و وثيقة الصومام 1956 و برنامج طرابلس في 1962 ، و ميثاق الجزائر في 1964 إلى بيان 19 يونيو 1965 ، وهو يمثل بدون شك مساهمة جديدة في التحرير الكامل للشعب الجزائري، و يعبر في آن واحد عن تطـلعاته العميقـة و إرادته الجبارة " (حزب جبهة التحرير الوطني ، الميثاق الوطني : 1976، 8). و من هذا المنطـلق تتحدد معالم بناء المجتمع الجزائري في اتبـاع الاشتراكية كنظام اجتماعي و اقتصادي . " ذلك أن الاشتراكية في الجزائر ليست اختيارا تعسفيا ، و لا نظاما مستوردا ألصق بجسم أمة خـامدة ، و إنما في مسـيرة حية تضرب بجـذورها في أعماق الكفاح من أجل التحرير الوطني ، و ترتبط ارتباطا وثيقا بالأمة الناهضة و بمصـيرها " (حزب جبهة التحرير الوطني ، الميـثاق الوطني : 1976، 30). و على هذا الأساس فإن الاشتراكية في الجزائر ترمي إلى تحقيق أهداف ثلاثـة : - دعم الاستقلال الوطـني. - إقـامة مجتمع متحرر من استغلال الإنسان للإنسان. - ترقية الإنسان و توفـير أسباب تفتح شخصيته و ازدهارها (حزب جبهة التحرير الوطني ، الميثاق الوطني : 1976، 30). إن القراءة التحليليـة لمفهـوم الاشتراكية و محاربة بنائها في الجزائر يتضمن وجود مـبادئ أساسية تتمثل في : 1-القضاء على استغـلال الإنسان للإنسان. 2-إحداث تنمـية شاملـة و منسجمة ، قـائمة على أساس تخطيط علمي المفهوم ، ديمقراطي التصميم ، حتمي التنفيذ. 3-إعطاء القـيمة الحقيقية للعمل من حيث النظر إليه ليس كحق فحسب ، بل هو أيضا واجب و شرف. 4-إعطـاء الأولية لتلبية الحاجات الأساسية للجماهير الشعبيـة. 5-تحرير الفرد وترقيته باعتباره مواطنا مسؤولا (حزب جبهة التحرير الوطني ، الميثاق الوطني: 1976، 39-47). ضمن هذا السياق يتمحـور بناء الاشتراكية في الجزائر من خـلال القيام بثلاث ثورات أساسية تمـثل في مجموعها مجـالا أساسيا لعملية التنمية الشاملة . و يتعلق الأمر بالثورة الثقافية و الثورة الزراعية و الثورة الصناعية. استنادا إلى كل هذه التصـورات المستلهمة من مفهـوم الاشتراكية في الجزائر كنظـام اقتصادي و اجتماعي ، فان سياسة التنمـية المعتمدة من قبل المجتمع الجزائري محددة بمجموعة من الاتجاهات الرئيسية المتمثلة في : - التنمية قاعدة و مطلب للاستقلال الاقتصادي و للرقي الاجتماعي. - وسائل التنمية المستقلة. - تحكم الدولة في دواليب الاقتصاد و التعبئة المكثفة للادخار. - اعتماد أسلوب التخطيط لتجسيد محتوى السياسة الثورية و تطبيقها. - تشغيل المواطنين القادرين على العمل . - النهوض التكنولوجي. - التعاون مع الخارج (حزب جبهة التحرير الوطني ، الميثاق الوطني : 1976، 226). صفوة القول .. فإنه من خلال تحليل معطيات المواثيق السابقة و تصوراتها بدءا بتطلعات الحركة الوطنية و انتهاء بالميثاق الوطني ، يمكن استخلاص بعض التوجهات الرئيسية في كيفية بناء المجتمع الجزائري و أسلوب تنميته : - بناء دولة عصرية ذات سيادة و اقتصاد قوي. - اخـتيار الاشتراكية كنظام اقتصادي و اجتماعي ترتبط فلسفتـه بخصائص الشخصية الوطنية و مطـامح الشعب الجزائري. - دعم مقومات الشخصية الوطنية و إبراز هوية المجتمع الجزائري. - تحقيق ديمقراطية التعليم و التكوين و اكتساب القدرة العلمية و المهارات التكنولوجية. - النهوض بمستوى المرأة و إشراكها في التنمية. - تحقيق مبدأ العدالـة بين أفراد الشعب ، و تحسين مستوى معيشتهم. رابعا : مسار التنمية و التحول الاجتماعي . تسـعى الدول السائرة في طريق النمو و من بينها الجزائر إلى اجتياز أسباب التخلف ، و محاولة اللحاق بالدول المتقدمة ، و بالتالي إحداث تغييرات اجتماعية شاملة ، أي محاولة تحديث مجتمعاتها من خلال توجيه اهتمامها لزيادة الدخل القومي و رفع مستوى المعيشة بين الأفراد ، و ذلك من منطلق الأخذ بأسلوب التنمية الشاملة و الاهتمام على الخصوص بالاتجـاه نحو التصنيع ، الذي تنـظر إليه هذه الدول نظرة متميزة ، باعتباره يمثل أفضل الحلول المتاحة لاستغلال مواردها الطبيعية و استثمار طاقاتها البشرية ، إذ يوفر لأفراد المجتمع المزيد من فرص العمل المنتج ، و بالتالي يمكنها من تقليص الفجوة العلمية و التكنولوجية و الاقتصادية القائمة حاليا بينها و بين المجتمعات المتقدمة. و لقد تبنت الجزائر هذا الاتجاه ، إذ وجهت القيادة عنايتها إلى وضع استراتيجية للبلاد ، تميزت بتنوع السياسة الاقتصادية المعتمدة. و قد ارتكزت عملية التنمية أساسا على التصنيع ، و ذلك نتيجة لظروف و بواعث اقتصادية و اجتماعية أحدثها التطور العام ، و عليه فقد اجتاز مجتمعنا المعاصر خلال أكثر من ثلاثة عقود ، تحولات تظهر للعيان في الكثير من المجالات ، و أن هذه التحولات التي تحدث في المجتمع إنما تفصح عن نفسها في أفكار الأفراد و قيمهم من خلال الممارسات و السلوكات المختلفة ، و ذلك على اعتبار أن أي تغير يطرأ على أي نسق من أنساق المجتمع ، لابد أن يمس بشكل أو بآخر بقية الأنساق الأخرى المشكلة لبناء المجتمع مما يؤدي في النهاية إلى حدوث تحول ملحوظ في مكونات البناء الاجتماعي. و لا شك أن المنهج التنموي الذي تم اتباعه بعد الاستقلال هو نتيجة طبيعية لمسار كفاح التحرير الوطني الذي يعد بدوره استمراراً للحركة الوطنية. و مهما يكن من أمر فان ما يميز أساسا المجتمع الجزائري المعاصر هو بالتأكيد إشكالية التحول التي نجدها على مستوى كافة نظمه ، سواء أخذنا كل نظام على حدة أم في مجملها ، ولهذا فإن التجربة التنموية في الجزائر في المجـال الاقتصادي و الاجتماعي هي بدون شك تبرز بوضوح هذه الإشكالية (NADJI Safir : 1985,217-219). استنادا إلى ذلك ، فان المجتمع الجزائري قد تمـيز بفترتـين متباينتين من حيث التوجه السياسي و الاقتصادي و ما ترتب عنه من تحولات مختلفـة : - الفـترة الأولى ، و هي تمـثل العشرينية الأولى من بداية الاستقـلال السياسي ، إذ عرفت الجزائر توجها ذا أبعاد اقتصادية و اجتماعية و ثقافية ارتبطت فلسفته بالنظام الاشتراكي. وهذا النظام أفرز أنماطا سلوكية معينة ، محددة بقيم كان لها تأثير كبير في توجيه سلوك الفرد الجزائري في الحالات المختلفة ، السياسية منها و الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية. - أما الفـترة الثانية فهي التي تمتد من الثمانينات حتى الوقت الحـالي ، و تتسم بتحول سياسي و اقتصادي مغـاير ، يتمثل في انتهاج أسلوب الإصلاحات و المرور إلى نظـام اقـتصاد السوق. وضمن هذا السياق الزمني ، يمكن الوقوف اقتصاديا عند ثلاث مراحل مر بها المسار التنموي في الجزائر. 1- مرحلـة الانتظـار : لقد كان ميراث الجزائر بعد الاستقلال يتميز بالتشوه الاقتصادي و التخلف الاجتماعي و الاختلال الثقافي ، و ذلك بالرغم من الإمكانات المادية التي تركها المعمرون و المتمثلة في بعض المنشـآت النفطية و استخراج المعـادن ، و جـملة من الورشات الصغيرة الخاصة بالصناعات الخفيفة ، غير أن ما يمكن ملاحظته على هذه المنشآت أنها غير كافية لسد حاجات الوطن ، فـضلا عن كونها متمركزة في مناطق جغرافية محـددة ، الأمر الذي أدى إلى عدم التوازن الجـهوي. و كل ذلك جاء نتيجة لأن الاستعمار الذي خضعت له الجزائر يتمـيز بطبيعـة استعمارية استيطانية ، مما جعل من البنيان الاقتصادي القلـيل الذي أقـامه الفرنسيون يتجـسد في خدمة المتروبول و الاحتكارات الأجنبيـة ، و يتمركز في يد أقلية من المعمرين التي قامت باستغلال الثروات الطبيعية لصالحها ، فضلا عن استحواذها على الأراضي الخصبة (C.Benoist-Lucy : 1988, 357-359). لقد ترتبت عن هذه المخلفات اصطدام التجربة التنموية في الجزائر في بدايتها بعدة عوائق من بينها ضعف البنية التحتية ، و نقص الكفـاءات أو انعدامها في بعض المجالات نتيجة لعودة المعمرين إلى بلدانهم ، لذا فإن الاقتصاد الجزائري في هذه المرحلة قد تأسس وفق نماذج اجتماعية لم ترق بطبيعة الإنسان المحلي إلى مستوى الإنتاج و لهذا فقد عرفت الجزائر توجهات اقتصادية لم يستطع الفرد الجزائري التصدي لها أو حتى استيعابها ومعرفة أهدافها الاجتماعية ، بل انسجم معها ، نظرا لأنه كان يفتقر للعنصر الثقافي بفعل الجهل الذي ورثه عن الاستعمار (الإمبريالية). فالفترة التي تلت الاستقلال السياسي مباشرة ، تميز الوضع العام أثناءها بالتسيير الفوضوي ، و المزيد من الضغوط الاقتصادية و تعقيدها و ذلك على الرغم من توفر المواد الطبيعية التي بإمكانها توجيه هذه المرحلـة نحو التنمية الاقتصادية. فالنقص في الكفاءة العلمية و الإنتاجية و الوصول باقتصاد المرحلة إلى ما هو أفضل أدى بصانعي القرارات الاقتصادية آنذاك إلى البحث عن تنظيمات اقتصادية معادية للرأسمالية بالرغم من أن الجزائر عرفت استعمارا إمبرياليا و ليس رأسماليا ، و بهذا المفهوم الملتوي للمرحلة قد وقع الاختيار على مـبادئ الاشتراكـية بدافـع الانتـقام من الرأسمـالية التي بدت لهم أنها تجسدت في الاستعمار (ناصر يوسف : 1995 ، 199-200). و على هذا الأساس يمكن اعتبار هذه المرحلة مرحلة مخاض و تحولات اجتماعية ، لأن الظروف التي لازمت هذه المرحلة تميزت بثلاثة أوضاع عسيرة : - الاهتمام بحل المشاكل الاجتماعية الناجمة عن الحرب التحريرية. - مواجهة العجز المالي الذي خلفه الاستعمار – عند خروجه – بفعل ممارسته تخريب المؤسسات الاقتصادية و تهريب أموالها و نهب خزائن المؤسسات المالية. - تعويض الإطـارات الإدارية و الفنية الأجنبية التي تعمدت ترك الشغـور في الجـهاز الإداري الاقتصادي للجزائر ، مما أدى إلى إثارة البلبلة و فرض واقع سياسي معاد للاستقلال. و يلاحظ إلى جانب الظروف المرتبطة بالواقـع الاقتصادي و الاجتماعي و الفـني التي خلفها الاستعمار الفرنسي وجود واقع سياسي يتمثل في عدم الاستقرار حول رؤية سياسية موحدة لتنظيم بناء المجـتمع ، و من ثم الانطـلاق في مسار عمليـة التنميـة الشامـلة ، و ذلك بالرغـم من وضـوح التصورات العـامة لبناء المجتمع المحددة في برنامج طرابلس 1962 ، وكذلك في ميثاق الجزائر 1964 (محمد بالقاسم حسن بهلول: 1985 ، 45-46). تعد هذه المرحلة التاريخية في المسار التنموي مرحلة ركود على الصعيد الاقتصادي رغم القرارات السياسية المتمثلة في تأميم رأس المال الأجنبي في ثلاثة نشاطات كبرى : أراضي المعمرين سنة 1963 ، المناجم سنة 1966 ، المصارف 1966 ، 1967 ، بالإضافة إلى مجموعة غير متلاحـمة من المؤسسات كالأمـلاك الشاغـرة و بعض قطـاعات الصناعـة التحويلية (عبد القادر جغلول : 1982، 181) ، فضلا عن احتلال العمال للمزارع و الممتلكات التي تركها المعمرون بصورة مفاجئة و جماعية كمـبادرة قاعـدية (جماهيرية تلـتها محاولة الدولـة تقنينها في إطـار ما يسمى بالتسيير الذاتي (محمد السويدي : 142). كان القطاع الزراعي يمثل أولويات اهتمام القائمين على الاقتصاد الجزائري من حيث العمل على تطويره ، و ذلك بالاعتماد على أساليب تنظيمية و إجراءات اقتصادية مكنت من سـد بعض الفجوات و الاختلالات جراء الفراغ الإداري و التنظيمي اللذين أحدثهما هروب الكفاءات الفرنسية بعد الاستقلال السياسي مباشرة ( Charles Robert : 1974 , 120-121). 2- مرحلـة الاقتصاد المخـطط : تعد هذه المرحلة انطلاقة جديدة ، متميزة في تاريخ المسار التنموي في الجزائر ، تجسدت في ارتباط القرار السياسي بالمسـعى الاقـتصادي ، إذ تمكـنت الجزائر من إعادة النظر في الملكية و الوسائل الإنتاجية ، و تبني أسلوب التخطيط كأداة لتوجيه عملية التنمية و تنظيمها ، فكان ذلك بمثابة نقطة التحول حيث دخلت الجزائر تجربة صياغة استراتيجية شاملة لبلوغ التقدم الاقتصادي و الرفـاه الاجتماعي ، تقوم هذه الاستراتيجية على إزالة الاختلال و التشوه فيما خلفه الاستعمار في البنية الاقتصادية ، و بالتالي محاولة تنفيذ خطة تتميز بالانتقال النوعي إلى اقتصاد قـوي ، قـادر على تخطي مظاهر التخلف اعتمادا على التخطيط في ضبط الوسائل و تحديد الغايات. ولقد ساعد في تنفـيذ هذا المسعى تلك الإجراءات المرتبطة بمبدأ التأميم و إعادة الثروات الوطنية، و عليه فقد أصبحت سياسة التخطيط ميزة جلية ترتبط بكيفية تحقيق التنمية كعملية إجرائية ، و لذا يمكن وصف التخطيط الاقتصادي بأنه " محاولة إرادية مباشرة أو في بعض الحالات إجراء مراقبة على مستوى بعض المتغيرات الأساسية في اقتصاد البلاد على مستوى الدخل و الاستهلاك وتوفير مناصب العمل و الاستثمار و الادخار و التصدير و الاستيراد بغرض تحقيق الأهداف المخطط لها مسبقاً ، و هذه الأهداف ينبغي بلوغها في فترة زمنية معينة " (جمال الدين لعويسات : 1990 ، 31). لقد أكد برنامج طرابلس و ميثاق الجزائر على أهمية التخطيط المستند إلى العلم ، باعتباره الأسلوب الأمثل لتوجيه الاقتصاد و السير به في طريق الديمقراطية. فهو الأسلوب الفعال لضمان تنمية البلاد تنمية شاملة و منسجمة ، حيث تستهدف خطط التنمية تغيير الهيكل الاقتصادي المشوه و إعادة بنائه باتجاه زيادة مساهمة القطاعات الإنتاجية في الإنماء لضمان استمرارية التنمية ، و ذلك بتطوير قوى الإنتاج و رفع إنتاجية العمل من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة ، للوصول بكل ذلك إلى تقدم الإمكانات الذاتية للبلاد و استقـلالها ، و زيادة التراكم الحقيقي و بالتالي الخروج من التخلف. إن استراتيجية التخطيط في الجزائر المصادق عليها سنة 1966 حددت ضرورة تدخل الدولة في إعادة بناء الهيكل الاقتصادي المنشود ، و إعطاء الأولوية لحل المشاكل المترتبة على مخلفات الاستعمار عند خروجه من الجزائر فالفرد الجزائري خرج من عهد الاحتلال بثلاث خصائص هي : - إنسان مستغل ، إما كمجرد عامل ، و هو الغالب ، و إما كمجرد مالك تابع. - إنسان جاهل على صعيد التعليم و التكوين المدرسي. - إنسان جـائع بسبب سياسة الإفـقار المطبقة عليه و التراكم الأولي للرأسمالية الاستعمارية (محمد حسن بهلول : 1985 ، 18-19). من هذا المنطلق أصبح تدخل الدولة و الاستناد إلى أسلوب التخطيط شرطا ضروريا لتحقيق التنمية الشاملة ، و التحكم في مسارها ، و لهذا فإن اعتماد الجزائر على هذا التخطيط هو تعبير عن ثلاث خصائص كبرى هي : 1-حقـيقة مذهـبية (أيديولوجية) ، تتمثل في استقرار الدولة على تطبيق النهج الاشـتراكي في بـناء الاقتصاد الوطني و تنظيمه و تسييره ، و هذا الاختيار قد عبرت عنه النصوص الوثائقية قبل الاستقلال أو بعده ، تماشيا و الواقع التاريخي و الاجتماعي للشعب الجزائري و استجابة لتطلعات الثورة. 2-حقـيقة سـياسية ، تتمثل في كون الدولـة هي الجـهاز الوحيد القادر على حماية مصالح المجتمع من الاستغلال الخارجي (رأس المال الأجنبي) الذي مكنته ظروف الاحتلال من النفوذ في هيكل الاقتصاد الوطني و السيطرة عليه ، خاصة و أن رأس المال الوطني يبدو ضعيفا أمامه و غير قادر على منافسته. 3-حقيقة اقتصادية ، هي أن الجزائر لم تتكون فيها خلال مرحلة الاستعمار طبقة رأسمالية وطـنية –بمعنى الكلمة- خاصة في القطاع الإنتاجي كالزراعة و الصناعة بما فيها البناء ، و لا يهمنا وضع الطبقة في كل من قطاعي النقل و التوزيع لأنهما لا ينتجان القيم الاستعمارية ، و إنما يتداولانها، و بالتالي بحكم هذه الوظيفة الاقتصادية فهما قطاعان شبه منتجين ، فالطبقة الرأسمالية المسيطرة على الساحـة الاقتصادية كانت تتمثل في الأجـانب المالكين لوسائل الإنتاج ، أما مالكو وسائل الإنتاج الوطنـيون فكانوا في الزراعـة إما خاضعـين لعلاقات الإنتاج الطبيعي (قبل الرأسمالي) ، و إما خاضعين لعلاقات الإنتاج الرأسمالي البسيط ، بينما كانوا في الصناعة مجرد أفلاك رأس المال الأجنبي (محمد حسن بهلول : 1985 ، 18-20). ولهذه الاعتبارات تمت صياغة استراتيجية عامة للتنمية في الجزائر ، تتضمن وضع مشروع سياسي عبر عن التوقعات و النوايا الإنمائية لسبع سنوات 1967-1973 ، حيث استهدف هذا المشروع تحقيق شروط الانطلاق و بناء القاعدة التقنية و الاجتماعية في هذه الفترة ، على أن يتم تحقيق سـياسة الاستخدام و إشباع حـاجات الجماهير ، و التقليل من مظاهر الفوارق بين المـناطق أو بين المدن و الأرياف عن طريق انتهاج سياسة التنمية الجهوية خلال الفـترة (1974-1980). ويلاحظ أنه في نطاق هذه الاستراتيجية عمدت الدولـة إلى إعداد مجموعة من المخططات التنموية ، بدءا بالمخـطط الثلاثي (1967-1969). فالمخططـان الرباعيـان الأول والثاني (1970- 1977) ، إضافـة إلى المخططـين الخماسيـين الأول و الثاني في عشريـة الثمانينات (1980- 1989). 3- مرحلـة المراجعة و التمهيد لاقتصاد السوق : لقد أكدت استراتيجية التنمية الجزائرية منذ البداية على مبـدأ التكـامل الداخلي بين القطاعات الاقتصادية الوطنية ، بمراعاة الترابط الوظيفي بين الصناعة و الزراعة و تطوير الثورة الهيدروكربونية. إذ استهدفت إحداث تغييرات عميقة في البنيات الاقتصادية في البلاد ، لتنتقل من اقتصاد تقليدي إلى اقتصاد عصري ، تتداخل و تتكامل فيه الأنشطة الإنتاجية المتميزة لتكثيف المبادلات بين فروع قطاع اقتصادي واحد أو بين قطاعات اقتصادية متعددة ، بحيث تؤدي إلى تنمية شاملة منسجمة ، و ذلك بتوسيع المناهج الصناعية إلى جميع القطاعات الإنتاجية. و بهذا الصدد أعلن المخطط أنه عند نهاية العقد 1970-1980م يجـب أن يكون بمقـدور الصناعة الوفاء بحاجتها و حاجة الزراعة من وسائل الإنتاج ، و أن تقضي على البطالة و تساهم في تحسين الظروف الحياتية للسكان. لكن برغم هذه التأكيدات فإنه يلاحـظ و بعد انقـضاء هذه الفـترة التحتية أن الاقتصاد الجزائري لا يـزال يعـاني من فجـوات و نقـائص واختلالات داخلية ، حيث تدل المؤشرات على اختلال كبير في تركيب الصناعة ، و عدم كفاية النمو الصناعي من الوصول بالاقتصاد الجزائري إلى مرحلة النمو الاقتصادي الذاتي الاندفاع ، عن طريق تأصيل مجموعات أوسلاسل مترابطة من الصناعات المنتجة للبضائع الإنتاجية و السلع الوسيطية ، كما يلاحظ عدم الاهتمام الكافي بفروع إنتاجية أخرى بالغة الأهمية كالزراعة. وبهذا بقي الاقتصاد الجزائري معتمدا على تصدير المحروقات بصورة أساسية، و على استيراد مقادير متزايدة من البضائع الاستهلاكية ، بما فيها المواد الغذائية بالإضافة إلى المنتوجات الصناعية الوسيطية و المعدات و الآلات. كما تبين ضعف مساهمة الصناعة في حل مشكلة البطالة ، و اقتصار النمو الصناعي على فئات اجتماعية محـدودة ، إذ بقـت فـئات عريضة من سكان الأرياف على هامش هذه العملية (دليمي لخضر: 1983 ، 72-78). إن فهم هذه الاختلالات يستـلزم دراسة عوامل التخـلف و تحـليل التشكل التاريخي لهذه العوامل ، بيد أن بعض المؤشرات مثل قيام قطاع منتج لوسائل الإنتاج و الترابط المعيب بين الزراعةو الصناعة ، و ضعف الترابط بين القاعدة الهيكلية و الصناعة ، تبرز أن هناك انفصاما بين الأهداف المعلنة للتخطيط و بين الشواهد الفعلية في الاقتصاد ، الأمر الذي يستدعي مراجعة تقويمية للمنطلقات الإنمائية ، لتشخيص مواضع الخلل والانفصام بين المطامح المنشودة لتنمية الممارسات الفعلية. وبناء على ذلك ، فان المؤكد أن محاولة الكشف عن التغيرات المنهجية في تجربة التخطيط تعتبر الخطوة الأولى لعمليات تطويره و تطويعه لظروف الاقتصاد الجزائري. و لذا فان عشرية الثمانينيات ، و ما تبعها قد تميزت بإعادة النظر في بنية الاقتصاد الوطني ضمن شعار المراجعة (Said chukhi : 1944, 7-8). بهذا فقد استندت هذه المرحلة إلى مخططين خماسيين، امتدت فترتهما من (1980-1989)، كانت قرارات المخطط الخماسي تهدف بالدرجة الأولى إلى تغطية نقائص المشاريع المتبقية من مخططي السبعينيات و محاولة إنمائها ، و هذا الأمر جعل من اعتبار الصناعة دائما كقاعدة للنموذج التنموي. فقد أعطيت الاستثمارات في هذا المخطط إلى الصناعة الحقيقية كما برز اهتمام المرافق الاجتماعية في قطاعي الصحة و التربية (J. Genereux , 1988 , 361). لقد تميزت هذه المرحلة بإعادة النظر في الاقتصاد الوطني و تغيير هياكله التي تأسست في مراحل سابقة ، و إن كان الهدف من كل ذلك هو تحسين الأداء الإنتاجي و التكثيف من قطاعات الاستثمارات ، الأمر الذي أدى إلى عدة انحرافات عن مبادئ الاشتراكية حيث انفرد المخطط الخماسي الأول 1980-1984 بالبحث عن حلول جذرية للمعضلات التي نجمت عن الثورة الزراعية و في المؤسسات الصناعية الكبرى (ناصر يوسف ، 1955 ، 26). عرف هذا التوجه ظهورا أثناء المخطط الخماسي الثاني ، سيما أنه تزامن مع انخفاض سعر البترول الذي كانت له انعكاسات سلبية على تحريك القطاعات الاقتصادية ، مما أدى إلى بروز أزمة اقتصادية و اجتماعية في البلاد، لذلك يلاحظ بأنه بالرغم من اعتماد الجزائر على سياسة التخطيط التي تهدف إلى خلق التوازن الاقتصادي و الاجتماعي ، إلا أنها لم تتمكن بما وصلت إليه في بناء المجتمع من مواجهة الأزمة التي مست آثارها البناء الاجتماعي بمكوناته المختلفة ، السياسية منها و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية ، و هذا الأمـر آل إلى التراجـع عن مكاسب التجربة التي خاضتها الجزائر منذ الاستقلال ، و هو ما جعل الاقتصاد الجزائري في التسعينيات أكثر استعدادا لاعادة النظر ، أي بمعنى آخر في حاجة إلى تغيير هياكله ضمن مسار أيديولوجي جديد ، ترتبط فلسفته بتطبيق سياسة اقتصاد السوق و التوجيه نحو الليبرالية (ناصر يوسف ، 1955 ، 206-221). و صفوة القول .. فإن الجزائر قد ورثت كباقي الدول التي عانت من ويلات الاستعمار الاستطاني اقتصادا منهارا جراء النهب المستمر للثروات . و عليه فقد ثم اخـتيار عشية الاستقلال الوطني النموذج الذي ساد خلال الستينيات و يتعلق الأمر بالخط الاشتراكي ، و من ثم فقد مرت التجربة الجزائرية في ميدان التنمية بتحولات ناتـجة عن عوامل داخلية و أخرى خارجية انتهجت من خلالها الدولـة عدة إصلاحات متعاقبـة بداية بالتسيـير الذاتي للمؤسسات و انتـهاء بالإصلاحات الهيكلية و كل ذلك ضمن ايديولوجيتـين متعاقبتـين بـدءاً بالاشتراكية كنظـام اقتصادي و اجتماعي و انتـهاء بتحول في سياسة الدولـة و الدخـول في اقتصـاد السوق. قائمة المراجع : 1- بسام العسلي : الجزائر و الحملات الصليبية ، بيروت / دار النفائس / 1980. 2- عبد الله شريط : المشكلـة الأيديولوجية و قضـايا التنمـية ، الجزائر/ ديوان المطبوعات الجامعـية / 1981. 3- رابح تـركي : التعلـيم القومي و الشخصية الوطنية ، الجزائر / الشركـة الوطنية للنشر و التوزيع / 1975. 4- مغنـية الأزرق : نشوء الطبقات في الجزائر (دراسة في الاستعمار و التغيير الاجتماعي- السياسي) ، ترجمة " سمير كرم " ، بيروت / مؤسسة الأبحاث العربية / 1980. 5- مصطفى زايد : التنمية الاجتماعية و نظام التعليم الرسمي في الجزائر . 6- أحمد طـالب الابراهيمي : من تصفـية الاستعـمار إلى الثورة الثقافـية ، ترجـمة "حنفي بن عيسى" ، الجزائر / الشركة الوطنية للنشر و التوزيع / 1973. 7- فـرانز فـانون : سوسيولوجية ثـورة ، ترجـمة " ذوقـان قرطـوط " ، بيروت / دار الطليعة / 1970. 8- اسماعيل العربي : التنمية الاقتصادية في الدول العربية في المغرب ، الجزائر/ الشركة الوطنية للنشر و التوزيع / 1974. 9- محمد المـيلي : المغرب العربي بين حسابات الدول و مصالح الشعوب ( الطبعة الثانية) ، بيروت / دار الكلمة للنشر / 1983. 10- أسعد السحمراني : مالك بن نبي " مفكرا إصلاحيا " ، بيروت / دار النفائس / 1984. 11- عبد القادر جغلول : تـاريخ الجزائر (دراسة سوسيولوجية) ، ترجمة (فيصل عباس) ، الطبعة الثانية ، بيروت / دار الحداثة للطباعة و النشر و التوزيع / 1982. 12- محمد السويدي : التسيير الذاتي ، الجزائر / المؤسسة الوطنية للكتاب / 1986. 13- جمال الدين لعويسات : التنمية الصناعية في الجزائر ، ترجمة "سعدي الصديق "، الجزائر/ ديوان المطبوعات الجامعية / 1990. 14- ميلود سفـاري : الصـراع بين الدين و الأيديولوجيا في الجزائر غداة الاستقـلال ، مجلة جامعة قسنطينة للعلوم الإنسانية ، العدد (1) / جوان 1990. 15- نـاصر يوسف : الأبعـاد الاجتماعية للاقتصاد الجزائري ، مجـلة العلوم الاجتماعية ، جامعة الكويت ، المجلد (23) ، العدد (1) / ربيع 1995. 16- دليـمي لخضر : التخطيط الصناعي في الجزائر (1967-1977) ، رسالة ماجستير مودعة بمعهد العلوم الاقتصادية ، جامعة قسنطينة / 1983. 17- محمد بالقاسم حسن بهلول : ممـيزات التنمـية في الجزائر المستقلـة ، مجلة المجاهد ، العدد 1300 / جويلية 1985. 18- حـزب جبهة التحـرير الوطـني (اللجـنة المركزية للتوجيه) ، ميـثاق الجـزائر ، (مجموعة النصوص المصادق عليها من طرف المؤتمر الأول لحزب جبهة التحرير الوطني المنعقد ما بين 12-16 أفريل 1964 ) ، الجزائر/ المطبعة الوطنية / 1964. 19- وزارة الإعلام و الثقافـة : النصوص الأساسية لجبهة التحرير الوطني (1954-1962) ، الجزائر / مركب الطباعة بالرغايـة / 1976. 20- Abdelatif Benachenhou , Planification et développement en Algérie (1962-1980) , Alger : imp commercial, 1980. 21- C. Benoist-Lucy .j. Généreux , Institution et vie politique.in : Enjeux du monde (Panorama économique mondial), Paris : Hachette, 1988. 22- Haddi el Houari , De L’Algérie Pre-coloniale à L’Algérie coloniale : Economie et société, Alger : ENL , 1985. 23- Mostpha Lachref L’Algérie : Nation et société, Alger : SNED, 1972. 24- Nadji Safir , Essais d'analyse sociologique (culture et developpement) T1, Alger : O.P.E. 1985 25- Saif Chikhi , A justement stucturel , configuration sociale et precarisation des conditions d’existence en Algérie, in : les cahiers du cread , revue du CREAD N° 37 , 1er trim , 1994. * جامعة قسنطينة- الجزائر. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |