مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد السابع عشر السنة الخامسة خريف - شتاء 2002
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

الإسلام والعروبة ـــ عدنان الرفاعي

البحثُ السليمُ الهادفُ إلى معرفةِ عَلاقةِ الإسلامِ بالعروبةِ ، يبدأُ بالبحثِ الصادقِ في دُستورِ الإسلامِ ( القرآنِ الكريمِ ) لمعرفةِ حقيقةِ الإسلامِ ، بشكلٍ مجرّدٍ عمّا أُلصِقَ به من رواياتٍ ومفاهيمَ تُناقضُ جوهرَهُ الذي يبيّنُهُ القرآنُ الكريمُ .. ويبدأُ – أيضاً – بالبحثِ في جذورِ العروبةِ كلغةٍ وثقافةٍ وتاريخٍ لمعرفةِ حقيقةِ العروبةِ بمفهومِها المجرّدِ عن سياساتِ المشروعِ القوميِّ وآليّاتِ تحقيقِه ..‏

فالطرحُ السليمُ للمشروعِ الإسلاميِّ يكون نتيجةَ الفَهْمِ السليمِ المجرّدِ عن التاريخِ لكتابِ اللهِ تعالى‏

( القرآنِ الكريم ) ، وبإدراكِ الخطِّ الفاصِلِ بينَ المنهجِ وبين تمثُّلِ البشرِ له عَبْرَ التاريخِ .. والطرحُ السليمُ للمشروعِ القوميِّ يكونُ نتيجةَ الفَهْمِ السليمِ المجرّدِ عن أيِّ أيدلوجيّةٍ غريبةٍ عن روحِ هذه الأمّةِ وثقافتِها ، للروحِ الذي حافظَ على لُغةِ هذهِ الأمّةِ وثقافتِها وتُراثِها عَبْرَ التاريخ ..‏

إنّ الإسلامَ هو الحاملُ الروحيُّ والعقائديُّ للعروبةِ ، وهو الحامي لِلُغَتِها القوميّةِ عَبْرَ التاريخِ ، وبالتالي هو التربةُ والمُناخُ اللذان تنبتُ فيهما كرامةُ هذه الأمّةِ وشأنُها وعزّتُها ، فالوِحدةُ العربيّةُ ببعدها الجَغرافيِّ لم تتحقَّقْ إلاّ في ظلِّ الدولةِ الإسلاميّةِ .. وبالتالي فالعروبةُ من منظارِ الإسلامِ ليست امتيازاً، فهي تكليفٌ ومسؤوليّةٌ سيُسألُ عنها العربُ إنْ هم تخلّفوا في حَمْلِ رايةِ الإسلامِ إلى البشريّةِ جمعاء ..‏

( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ ) ( الزخرف : 44 ) ..‏

فقولُهُ تعالى ( وَإِنَّهُ ) يعني القرآنَ الكريمَ ، وبالتالي الإسلامَ ، وقولُهُ تعالى ( وَلِقَوْمِكَ ) يعني العُمقَ القوميَّ العربيَّ .. فالإسلامُ شَرَفُ العروبةِ وعِزُّها ورافِعُ شأنِها ، وهو المُكَوِّنُ الثقافيُّ الأوّلُ لها.. وقولُهُ تعالى ( وَسَوْفَ تُسْأَلونَ ) يُبيّنُ مسؤوليّةَ العروبةِ في حملِ لواءِ الإسلام ..‏

ولذلك فالشرَفُ والرِّفعةُ والعِزّةُ التي سمى بها العربُ بحملِهِم للواءِ الإسلامِ ، ستؤولُ إلى غيرِهِم إنْ هم تولَّوا عن حملِ هذا اللواءِ كما يَجِبُ عليهم .. ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ) ( محمد : 38 ) ..‏

والعروبةُ هي الحامِلُ اللغويُّ والثقافيُّ والتاريخيُّ للإسلامِ ، فالبلادُ العربيّةُ انتشرَ فيها الإسلامُ أثناءَ الفتوحاتِ الإسلاميّةِ انتشارَ النارِ في الهشيم ، لأنَّ الثقافةَ العربيّةَ ليست غريبةً عن روحِ الإسلام ، والعربُ حملوا – في بدايةِ الدعوةِ – رسالةَ الإسلامِ على أكتافِهِم إلى مشارقِ الأرضِ ومغاربِها ..... والقرآنُ الكريمُ عربيُّ اللغةِ ، ودلالاتُ كلماتِهِ التي هي أحكامُ الإسلامِ ، لا يفهمُها إلاّ من يتكلَّمُ العربيّة ..‏

( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) ( يوسف : 2 ) ..‏

( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) ( الشعراء : 193 – 195 ) ..‏

والعروبةُ كَلَُغةٍ هي مُقدِّمةُ الإسلامِ مُنذُ آدمَ عليه السلام .. فالمُفرداتُ القرآنيّةُ ( التي هي جزءٌ من مُفرداتِ اللغةِ العربيّة ) فِطريّةٌ مُوحاةٌ من اللهِ تعالى ، علّمها اللهُ تعالى لآدمَ عليه السلام ، قبل أنْ يَهْبِطَ بها إلى الأرضِ .. والعربُ الأميّونَ حافظوا على هذه المُفرداتِ حتى بُعثَ الرسولُ محمّدٌ( ص ) بكتابٍ مصوغٍ من هذه المُفردات التي هي أصلُ كلِّ لُغاتِ البشر ..‏

فقولُهُ تعالى ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ) ( البقرة : 31 ) ، يتقاطعُ مع قولِهِ تعالى ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ ) ( النحل : 89 ) عِندَ هذه الحقيقةِ .. فالأسماءُ كلُّها علّمَهَا اللهُ تعالى لآدمَ عليه السلام ، والقرآنُ الكريمُ تحمِلُ مُفرداتُهُ تبياناً لكلِّ شيءٍ ، وبالتالي تبياناً للأسماءِ كلِّها التي علّمَهَا اللهُ تعالى لآدمَ عليه السلام ..‏

وقد تأكّدتْ هذه الحقيقةُ في النظريّةِ الخامسةِ ( إحدى الكُُُبَر ) ( * ) ، حيث تبيّنَ أنّ الحرفَ في المُفردةِ القرآنيّةِ هو واحِدَةُ معنى ، واللَبِنَةُ الأولى في بناءِ دلالاتِ الكلمةِ .. وهذا ما كان ليكونَ إلاّ إذا كانتْ المُفردةُ القرآنيّةُ فِطريّةً مُوحاةً من اللهِ تعالى ..‏

فالإسلامُ يلتقي مع العروبةِ عِندَ عُمقٍ عالميٍّ يشْمَلُ البشريّةَ جمعاء .. فعالميّةُ الإسلامِ كدينٍ ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ) ( الأعراف : 158 ) ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) ( سـبأ : 28 ) ، تلتقي مع عالميّةِ المُفرداتِ القرآنيّةِ كَلُغةٍ أولى للبشريّةِ نَطَقَ بها أبو البشريّةِ جمعاء ( آدمُ عليه السلام ) ، قبل أنْ تبتعدَ لُغاتُ البشرِ عن اللغةِ الأمِّ ( المفرداتِ القرآنيّة ) ..‏

فلا بُدَّ أنْ يكونَ الكتابُ الذي أُنزلَ مع الرسولِ محمّدٍ ( ص ) [ القرآن الكريم ] ، بلغةٍ هي أصلُ لسانِ البشريّةِ جمعاء ، تحقيقاً لقولِهِ تعالى .. ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) ( إبراهيم : 4 ) .. فاللغةُ الأمُّ لكلِّ لغاتِ العالمِ هي المفرداتُ القرآنيّةُ ، حيثُ تفرّعتْ لُغاتُ البشرِ عن المفرداتِ القرآنيّةِ وابتعدَتْ عنها مع الزمن ، باستثناءِ العربِ – الأمّيّين لغةً – الذين حافظوا على لُغةِ السماءِ حتى مجيءِ الكتابِ المصوغِ من هذه المفرداتِ ، وهو القرآنُ الكريمُ الذي تولّى اللهُ تعالى من خلالِه عَمَلِيّةَ الحِفظِ هذه ..‏

وعالميّةُ الإسلامِ تلتقي مع عالميّةِ العروبةِ عند البيتِ الحرام ..‏

( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً ) ( البقرة : 125 )‏

( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ ) ( آل عمران : 96 ) ..‏

( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ ) ( المائدة : 97 ) ..‏

فالبيتُ الحرامُ الموجودُ على أرضِ العروبةِ ، هو أوّلُ بيتٍ وُضعَ للناسِ دون استثناءٍ ، مثابةً وأمناً وقياماً ، فالبشريّةُ جمعاءَ تلتقي كروحٍ وتاريخٍ عند المقدّساتِ الإسلاميّةِ العربيّة ..‏

وهكذا نرى أنَّ عالميّةَ رسالةِ الإسلامِ كَلُغَةٍ ( القرآن الكريم بمفرداتِهِ الفطريّة ) ، وكمكانٍ مقدّسٍ‏

(البيت الحرام ) ، تلتقي مع عالميّةِ العروبةِ كلغةٍ وتاريخٍ وثقافة ..... هذا التقاطعُ بين عالميّةِ الإسلامِ والعروبةِ نستشِفُّهُ من الدلالاتِ المجرّدةِ للصورةِ القرآنيّةِ التالية ..‏

( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) ( الأنعام : 124 ) ..‏

إنََّ القوميّةَ مبنيّةٌ على أساسِ اللغةِ ، فاللغةُ هي وِعاءُ ثقافةِ الأمّةِ ، وساحةُ تفاعلِ أبنائها مع بعضِهِم عَبْرَ التاريخ .. والإسلامُ لم يأتِ لإلغاءِ لُغاتِ البشرِ ( وبالتالي لإلغاءِ قوميّاتِهم ) ، فالقرآنُ الكريمُ يبيّنُ لنا أنَّ اختلافَ لُغاتِ البشرِ ( ألسنتِهِم ) هو آيةٌ من آياتِ اللهِ تعالى ، شأنُهُ بذلك شأنُ اختلافِ ألوانِهم ..‏

( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ )‏

( الروم : 22 ) ..‏

.. فلا يمكنُ للقوميّةِ أنْ تكون ديناً وعقيدةً ، وإذا جعلناها كذلك نكون قد ألغينا وجهَهَا الإنسانيَّ ، واستبدلناهُ بعنصريّةٍ ضالّة .. ولا يمكنُ للدينِ أنْ يكونَ متعلِّقاً بحدودٍ جَغرافيّةٍ وخاصّاً بقوميّةٍ محدّدةٍ وجنسٍ محدّدٍ من البشرِ ، وإذا جعلناه كذلك سيصبحُ وضعيّاً من صُنْعِ البشرِ ، وَنَتَاجَ سِلبيّاتِ‏

تاريخِهم ..‏

نحنُ العربَ نفتخرُ بالغزاليِّ ( الخُراسانيِّ المولدِ من مدينةِ طوس ) ، وبابنِ سينا ( البُخاريِّ المولدِ من قريةِ أفشنة ) ، وبالفارابيِّ ( التركستانيِّ المولدِ من قريةِ فاراب ) ، وغيرِهِم ممّن رفعوا سويّةَ التراثِ العربيّ .. فما جاءَ بهم إلى ساحةِ العروبةِ هو الإسلامُ ، فلولا الإسلامُ لكان هؤلاءِ فلاسفةً في قوميّاتِهِم وعَبْرَ لُغاتِهِم القوميّةِ ، ولربّما كان بعضُهُم من أعداءِ العروبةِ ثقافةً وفكراً ..‏

وحتى لا تختلطَ علينا الأمورُ في إدراكِ الرابطِ الذي يصلُ الإسلامَ بالعروبةِ ، لا بُدّ من إدراكِ الخطِّ الفاصلِ بين العروبةِ كانتماءٍ وثقافةٍ ولغةٍ وتاريخٍ من جهةٍ ، وبين العروبةِ كمشروعٍ سياسيٍّ من جهةٍ أُخرى .. أي علينا أن نُدرِكَ الفارقَ بين مُكوِّناتِ العروبةِ من جهةٍ ، وبين مُكوِّناتِ المشروعِ القوميِّ من جهةٍ أُخرى ..‏

ولا بُدّ من إدراكِ حقيقةِ الإسلامِ كعقيدةٍ وشعائرَ ونواميسَ شرعيّةٍ يحملُها القرآنُ الكريمُ من جهةٍ، وبين الإسلامِ كمشروعٍ سياسيٍّ هادفٍ إلى إقامةِ الدولةِ على أساسٍ مذهبيٍّ وِفقَ نموذجٍ محدّدٍ بمرحلةٍ تاريخيّةٍ من جهةٍ أُخرى .. أي علينا أنْ نُدرِكَ الفارقَ بينَ حقيقةِ الإسلامِ كما يريدُهُ اللهُ تعالى من جهةٍ ، وبين ما لُبِّسَ عليهِ عَبْرَ التاريخِ من جهةٍ أُخرى ..‏

فحينما يلتقي القوميّونَ على إدراكِ حقيقةِ العروبةِ وحقيقةِ مكوِّناتِها كلغةٍ وثقافةٍ وفكرٍ ، بشكلٍ مجرّدٍ عن مُكوِّنات المشروعِ القوميِّ كسياسةٍ ومقوّماتِ دولةٍ وكعصبيّةٍ تاريخيّةٍ ، سيجدونَ العروبةَ انتماءً ونَسَباً لا يرتقي إلى مُستوى العقيدةِ التي ارتقى إليها الإسلامُ ، وأنّها ليستْ امتيازاً داخلَ الإطارِ الإسلاميِّ ، بل هي مسؤوليّةٌ إضافيّةٌ داخلَ هذا الإطار ..‏

وبالتالي فإنّ طرحَ المشروعِ القوميِّ كدولةٍ تُلغى فيها الحدودُ الجَغرافيّةُ بين الأقطارِ العربيّةِ ، يحتاجُ إلى إلغاءِ الحدودِ الاقتصاديّةِ ، وإلى إلغاءِ سلبيّاتِ الحدودِ الدينيّةِ والمذهبيّةِ التي اصطنعها البشرُ ونسبوها إلى السماءِ .. أي يحتاجُ إلى رفعِ العروبةِ من مُستوى الانتماءِ ( كتاريخٍ وجَغرافيا ) إلى مُستوى عقيدةِ الضرورةِ الحضاريّةِ التي تحفظُ التعدّديّةَ الدينيّةَ والمذهبيّةَ كضرورةٍ ثقافيّةٍ وفكريّةٍ ، للحفاظِ على مُختلفِ ما أنتجتْهُ الثقافةُ العربيّةُ عَبْرَ التاريخ ..‏

وحينما يلتقي الإسلاميّونَ على إدراكِ حقيقةِ الإسلامِ وحقيقةِ أُسُسهِ التي أنزلها اللهُ تعالى ، بشكلٍ مجرّدٍ عن بعضِ الإضافاتِ التاريخيّةِ التي حُسِبَتْ على الإسلامِ والإسلامُ منها براء .. سيجدونَ الدولةَ الإسلاميّةَ ضرورةً اجتماعيّةً تُقَدَّرُ بظروفِها الحضاريّةِ ، شريطةَ أنْ يتوفّرَ فيها تطبيقُ منهجِ اللهِ تعالى على المسلمين ، وشريطةَ أن يضمنَ المسلمُ حريّةَ عبادتهِ للهِ تعالى ، وحريّةَ ممارسةِ اعتقادِهِ .. وبالتالي سيجدونَ هذه الدولةَ مستوعِبَةً للآخَرينَ ،مع حريَّتِهِم الكاملةِ في مُمارَسَةِ شعائرِهِم وكامِلِ حقوقِهِم وواجباتِهِم الموازيةِ تماماً لحقوقِ المسلمينَ وواجباتِهِم ..‏

فحقُّ المواطَنَةِ محفوظٌ في الدولةِ الإسلاميّةِ لكلِّ أبناءِ الوطَنِ مهما كانت دياناتُهُم ومذاهبُهُم‏

( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ( الممتحنة : 8 – 9 ) ..‏

وسيجدُ الإسلاميّونَ أنّ الدولةَ الإسلاميّةَ مُحدَّدَةَ النموذجِ سياسيّاً وِفقَ صبغةٍ محدّدةٍ مماثلةٍ‏

(سياسيّاً) لمرحلةٍ تاريخيّةٍ محدّدةٍ ، هي دولةٌ غيرُ موجودةٍ في القرآنِ الكريمِ ، ولا في استمراريّةِ السياقِ التاريخيِّ ، وذلكَ للأسبابِ التالية :‏

[ 1 ] – القرآنُ الكريمُ فيما يتعلّقُ بمسألةِ الشورى ، وما يترتّبُ عليها من آليّةٍ سياسيّةٍ ، دلالاتُهُ مفتوحةٌ وليست مؤطّرةً بقالبٍ محدّدٍ .. فمسألةُ الشورى في كتابِ اللهِ تعالى تحملُها ستُ كلماتٍ في عِبارتين .. العِبارةُ الأولى تَصِفُ عَلاقَةَ الحاكِمِ بالمحكومينَ : ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر ) ( آل عمران : 159 ) ، وهي كما نرى لا تُحدِّدُ آليّةً مُحَدَّدَةً لهذه العَلاقَةِ ، والعِبارةُ الثانيةُ تَصِفُ إيصالَ الحاكِمِ إلى الحُكمِ وعَلاقَةَ المحكومينَ مع الحاكِمِ ومع بعضِهِم بعضاً : ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) (الشورى : 38 ) ، وهي كما نرى لا تُحدّدُ آليّةً مُحَدَّدَةً لهذه العَلاقات .. فالشرطُ الوحيدُ في مسألةِ الشورى هو العدلُ والصدقُ والأمانةُ ومشاركةُ جميعِ أبناءِ الأمّةِ ، وبالتالي فكلُّ آليّةٍ ديموقراطيّةٍ تضمَنُ هذا الشرطَ هي آليّةٌ إسلاميّةٌ تحملُها هاتان العِبارتان القرآنيّتان ..‏

[ 2 ] – القرآنُ الكريمُ يُبيّنُ خُلاصةَ الكُليّاتِ في عَلاقاتِ التعاملِ البشريِّ داخلَ المجتمعِ الإنسانيِّ ، ولا يَمُدُّ أحكامَهُ التفصيليّةَ إلى جزئيّاتِ الأنظمةِ المدنيّةِ ، ولذلك فإنّ الدعوةَ إلى إقامةِ دولةٍ إسلاميّةٍ على أُسُسٍ مدنيّةٍ بعينِها ، موافقةٍ لأنظِمَةٍ مدنيّةٍ تاريخيّةٍ سابقة ، هي دعوةٌ لإقامةِ دولةٍ تاريخيّةٍ ، لا لإقامةِ دولةِ الإسلام ..‏

[ 3 ] – حتى في التاريخِ ذاتِهِ ، وفي بداياتِ الدولةِ الإسلاميّةِ ، نرى أنّ آليّاتِ الحُكمِ والوصولِ إلى الحُكمِ مُختلفةٌ ، فالآليّةُ التي استلمَ بها أبو بكرٍ الصدّيق رضي اللهُ تعالى عنه ، تختلفُ عن الآليّةِ التي استلمَ بها عُمَرُ بن الخطّابِ رضي اللهُ تعالى عنه ، وهاتان الآليّتان تختلفان عن الآليّةِ التي استلم بها عثمانُ بن عفّان رضي اللهُ تعالى عنه ، وعن الآليّةِ التي استلمَ بها عليٌّ كرّمَ اللهُ تعالى وجهَهُ .. وحتى آليّةُ استلامِ أبي بكرٍ الصدّيقِ نراها مختلفةً تماماً من وجهتي نظر السنّةِ والشيعة .. ونرى أيضاً أنّ آليّاتِ الوصولِ إلى الحُكمِ بعد عَصْرِ الخلفاءِ الراشدين لا عَلاقةَ لها بمنهجِ اللهِ تعالى لا من قريبٍ ولا من بعيد ، بل وتناقِضُ منهجَ اللهِ تعالى ..‏

[ 4 ] – القرآنُ الكريمُ لا يدعو إلى فرضِ الإسلامِ على جميعِ أبناءِ الدولةِ الإسلاميّةِ ، كما يتوهّمُ الكثيرون ..... فالرابطةُ الأُسريّةُ التي هي أقوى الروابطِ الإنسانيّةِ ، سمحَ القرآنُ الكريمُ بإقامتِها وِفقَ تعدديّةٍ دينيّةٍ يكون فيها الأبُ مسلماً والأمُّ كتابيّةً ..‏

( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) ( المائدة : 5 ) .. فكيف إذاً يُلغي الإسلامُ الحقُّ التعدديّةَ الدينيّةَ والمذهبيّةَ والقوميّةَ داخل الدولةِ الإسلاميّة ؟ !!! ..‏

.. ولو نظرنا إلى الواقِعِ وإلى التاريخِ سنرى أنّ عَدَمَ التقاءِ القوميّينَ على إدراكِ الفارِقِ بين مُكوّناتِ العروبةِ كلغةٍ وانتماءٍ وثقافةٍ وتاريخٍ من جهةٍ ، وبين مكوّنات المشروعِ القوميِّ كسياسةٍ وآليّةِ حكمٍ من جهةٍ أُخرى ، جعلهم يختلفونَ حتى معَ بعضِهِم بعضاً ، وفي عَدَمِ تحقّقِ أيِّ وِحدةٍ بين أيِّ قطرين عربيّين حتى الآن لأكبرُ دليلٍ على ذلك ..‏

وسنرى أيضاً أنّ عَدَمَ التقاءِ الإسلاميّينَ على إدراكِ الخطِّ الفاصِلِ بين حقيقةِ الإسلامِ الذي يُريدُهُ اللهُ تعالى وبيّنَهُ في كتابِهِ الكريم ، بعيداً عن بعضِ الرواياتِ التاريخيّةِ من جهةٍ ، وبين ما لُبِّس على بعضِ جوانبِ الفِكرِ الإسلاميِّ من عَصَبِيَّاتٍ ما أنزل اللهُ تعالى بها من سلطان من جهةٍ أُخرى ، جعلَهُم يختلفونَ حتى معَ بعضِهِم بعضاً ، ويتمزّقون مذاهبَ كلُّ مَذْهَبٍ بما لديهم فرحون ..‏

( فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ) ( المؤمنون : 53 – 54 ) ..‏

فكما أنّ الخلافَ بين القوميّينَ لا عَلاقةَ له بالعروبةِ كانتماءٍ ولغةٍ ونَسَبٍ ، ويَكْمُنُ في سياساتِ طرحِ آليّاتِ تحقيقِ المشروعِ القوميِّ ، كذلك فإنّ الخلافَ بين الإسلاميّينَ لا عَلاقةَ له بالإسلامِ كعقيدةٍ وشعائرَ ، ويَكْمُنُ في الرؤى المختلفةِ والمذاهبِ المختلفةِ والمفاهيمِ المختلفةِ لتحقيقِ دولةِ الإسلامِ على أرضِ الواقِعِ ..‏

.. وهكذا نرى أنّ الخلافاتِ داخلَ المشروعين العربيِّ والإسلاميِّ ، وخلافاتِهِما مع بعضِهِما ومع الآخرينَ ، هي خِلافاتٌ سياسيّةٌ لا عَلاقةَ لها بالعروبةِ ولا بالإسلام ..‏

فحينما تنتهي الخلافاتُ السياسيّةُ بين طارحي المشروعِ القوميِّ ، سيجدون خِلافاتِهِم مع طارحي المشروعِ الإسلاميِّ قد انتهت .. وحينما تنتهي الخلافاتُ السياسيّةُ بين طارحي المشروعِ الإسلاميِّ ، سيجدون خلافاتِهِم مع طارحي المشروعِ القوميِّ قد انتهت .. فحيثيّاتُ الخلافِ بين الأقطابِ المُكوِّنةِ لكلِّ مشروعٍ من المشروعين ، هي ذاتُها حيثيّاتُ الخلافِ التي تُوهِمُ بوجودِ عِدَاءٍ بين المشروعين ..‏

وممّا أوهَمَ بوجودِ هُوَّةٍ بين المشروعينِ سياسيّاً ، هو تزامُنُ استيقاظِ حَرَكَةِ التحرِّرِ العربيِّ للخلاصِ من حُكْمِ الإمبراطوريّةِ العثمانيّةِ ، التي حَكَمَت العربَ باسمِ الخلافةِ الإسلاميّة ، معَ تحالفِ الغربِ واليهودِ لإسقاطِ هذه الإمبراطوريّة .. فاليهودُ الذين لمْ يستطيعوا أخذَ فِلسطينَ من العثمانيّين ، تحالفوا مع الغربِ الذي سعى لإسقاطِ الإمبراطوريّةِ التي وصلتْ جيوشُها إلى قَلْبِهِ ..‏

.. فمساهمةُ العربِ بإسقاطِ آخرِ رمزٍ يحملُ اسمَ الخلافةِ الإسلاميّةِ ، تحرّراً من الحُكْمِ العثمانيِّ الذي استمرَّ أربعةَ قرونٍ ، كانت في الزمنِ الضائعِ بالنسبةِ للعربِ ، فهو الزمنُ الذي سعى فيه أعداءُ العربِ والإسلامِ على حدٍّ سواء ، للخلاصِ من هذه الإمبراطوريّةِ .. ولذلكَ فالدماءُ العربيّةُ والعثمانيّةُ التي أُريقتْ لتحرّرِ العربِ من الإمبراطوريّةِ العثمانيّةِ ، خَطَفَ ثَمَنَها الغربُ واليهودُ – عن تخطيطٍ مسبقٍ – لتحقيقِ أطماعِهِم في البلادِ العربيّة ، فتمّت تجزئةُ الوطنِ العربيِّ إلى دولٍ فُصِّلتْ حسبَ مصلحةِ الكيانِ الصُّهيونيِّ الذي خُطِّطَ لقيامِه على أرضِ فِلسطينَ العربيّة ، وتمَّ إعطاءُ فِلسطينَ لليهودِ ..‏

.. ولذلك نرى أنّ عميلَ المخابراتِ البريطانيّةِ الملقّبَ بـ لورنس العرب يكتبُ عن مُهمّتِهِ التي أُوكِلَتْ إليهِ في قِيادةِ العربِ ضِدَّ العثمانيّين : [ بما أنّني لست مُغفّلاً ، فقد كان واضِحاً مُنْذُ البدايةِ أنّهُ في حالِ فوزِنا بالحربِ فستصبحُ الوعودُ التي قطعناها للعربِ حِبراً على ورقٍ ، ولو كنتُ مستشاراً شريفاً للعربِ لعملتُ على تسريحِ رجالي من الثوّار ، ولما جعلتُهُم يُجازفون بأنفسِهِم لمثلِ هذا الهدف ] ..‏

فعلى الرُّغم من ضرورةِ العملِ التحرّريِّ العربيِّ للخلاصِ من سياسات التجهيل والتخلّف التي مارسها العثمانيّون ،كان على العربِ أن يميّزوا بين إسقاطِ نظامِ الإمبراطوريّةِ العثمانيّةِ لصالحِهِم كعربٍ وكمسلمين في الوقتِ المناسبِ ، وبين إسقاطِ المشروعِ الإسلاميِّ لصالحِ غيرِهِم في الوقت الذي يُريدُه غيرُهُم .. وفي هذه التجربةِ وما آلتْ إليه من نتائجَ ، دليلٌ على أنّ كُلاً من المشروعينِ ضمانٌ لاستمرارِ المشروعِ الآخَر ..‏

.. وما يجبُ أنْ نعلمَهُ أنَّ الإسلامَ لم يأتِ لإلغاءِ القوميّاتِ ، وإنّما ليدفعَ حركتَها الإنسانيّةَ بالاتّجاهِ السليمِ ، ولينأى بها عن سُبُلِ الضلالِ .. فالكريمُ عِنْدَ اللهِ تعالى ليس المنتسبَ إلى هذه القوميّةِ أو تلك ، إنّما هو التقيُّ ..‏

( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) ( الحجرات : 13 ) ..‏

فالتعدديّةُ القوميّةُ محفوظةٌ في الإسلامِ ، وبالتالي فالمشروعُ الإسلاميُّ الحقُّ تُحْفَظُ فيه التعدديّةُ القوميّةُ .. ولمّا كانت اللغةُ العربيّةُ لُغةَ النصِّ الإسلاميِّ المقدّسِ ( القرآنِ الكريم ) ، فلا شكَّ أنّ العروبةَ هي حَجَرُ الزاويةِ في بِناءِ المشروعِ الإسلاميِّ ..‏

وأرضُ العروبةِ كانت ساحةً لنزولِ مُعظمِ الرسالاتِ السماويّةِ .. وبالتالي فالمشروعُ القوميُّ الحقُّ تُحفظُ فيه التعدديّةُ الدينيّةُ والمذهبيّة ..‏

إنَّ لكلِّ إنسانٍ ديناً ونسباً ، ولا يمكنُنا أن نسلخَ الإنسانَ عن دينِهِ ، ولا عن نَسَبِهِ ، وبالتالي فمُستَوَياتُ الهُويّةِ المُركّبةِ من الدينِ والنسَبِ والمذهَبِ ، لا تتصارعُ فيما بينها حينما نعي تماماً حقيقةَ الدينِ وحقيقةَ الانتماءِ والنسَبِ بشكلٍ سليمٍ .. وكلُّ مُستوٍ من هذه المستوياتِ يتصارعُ أتباعُهُ فيما بينهُم ( فضلاً عن صِراعِهِم مع المُستوياتِ الأُخرى ) حينما لا يدركون حقيقتَهُ ، فكم تصارَعَ الإسلاميّون فيما بينهم داخِلَ المذهبِ الواحدِ وخارِجَهُ ؟ ، وكم تصارعَ القوميّونَ داخلَ الطرحِ الواحدِ وخارِجَهُ ؟ .. وكم وكم .... ؟ ..‏

ولذلك فإنّ الحديثَ عن أيٍّ من المشروعين هو حديثٌ سياسيٌّ ، يُعطي الأولويّةَ للدولةِ وَنُظُمِها الحضاريّةِ على حِسابِ الحقيقةِ الفِكريّةِ والثقافيّةِ .. وهذا يُحتِّمُ علينا أنْ نُميِّزَ – في كلٍّ من المشروعين – بين المعنى السياسيِّ من جهةٍ وبين المعنى الفكريِّ والثقافيِّ من جِهةٍ أُخرى ..‏

فالإسلامُ السياسيُّ ( كمشروعِ دولة ) يُعطي الأولويّةَ للدولةِ ونظامِها على حِسابِ الدعوةِ للإسلام .. وبالتالي فالمشروعُ الإسلاميُّ ( الإسلامُ السياسي ) لن يُكتبَ لهُ النجاحُ والاستمرارُ إلاّ بعد إيجادِ معيارٍ سليمٍ مُستنبطٍ من كتابِ اللهِ تعالى ، في الفِكرِ والعقيدةِ ، يُجمعُ عليه المسلمون ، أي بعدَ الانطلاقِ من الإسلامِ الفِكريِّ كمقدّمةٍ تُجمِعُ عليها الأمّةُ ، باتّجاهِ الإسلامِ السياسيِّ كنتيجة ..‏

من هنا نجدُ أنَّ مُقدّمةَ المشروعِ الإسلاميِّ هي الوِحدةُ الفِكريّةُ ( الإسلامُ الفكريُّ ) بينَ أبناءِ هذه الأمّة ، فدون الوِحدة الفِكريّةِ لن تتحقّقَ الوِحدةُ السياسيّةُ ، وإنْ تحقّقتْ فلنْ تستمرَّ طويلاً ..‏

وكذلك الأمْرُ بالنسبةِ للمشروعِ القوميِّ كطرحٍ سياسيٍّ يَهْدِفُ إلى إقامةِ الوِحدةِ العربيّةِ .. فالوِحدةُ الفِكريّةُ والثقافيّةُ على معيارِ العروبةِ كلغةٍ وانتماءٍ وثقافةٍ وتاريخٍ ، هي المقدّمةُ السليمةُ للوِحدةِ السياسيّةِ المنشودة .. وبالتالي فإعطاءُ الأولويّةِ – في المشروعِ القوميِّ – للدولةِ على حِساب الوِحدة الثقافيّةِ والفكريّةِ لأبناءِ هذه الأمّةِ ، لن يؤدّيَ إلاّ إلى مزيدٍ من تمزّقِ هذه الأمّةِ ( سياسيّاً ) ومن تشرذمِها ..‏

فالعربيُّ ( مسلماً كان أم مسيحيّاً ) يَمْلِكُ هُويّةً مُركّبةً ، يُمكنُنا أن نختصرَ تركيبَها في مَنظومتين :‏

[ أ ] – عَلاقتهُ مع اللهِ تعالى .. وفي هذه المنظومةِ يدخلُ الدينُ والمذهبُ ..‏

[ ب ] – عَلاقتهُ مع البشرِ ، وفي هذه المنظومةِ يدخلُ العمقُ القوميُّ كلغةٍ وثقافةٍ وانتماء .‏

ولذلك فالرسولُ محمّدٌ ( ص ) قومُهُ العربُ على مُختلفِ أديانِهِم .. وأمّتُهُ المسلمونَ على مختلفِ قوميّاتِهِم .. فمتّبعو منهجِ الإسلامِ ( على مختلفِ قوميّاتِهِم ) يُخاطِبُهُم اللهُ تعالى بصيغةِ الأمّةِ .. ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) ( آل عمران : 110 ) .. وقومُ الرسولِ ( ص ) – على مختلفِ أديانِهم – يُخاطبُهُم اللهُ تعالى بصيغة القومِ التي أُضيفَ إليها ضميرٌ متّصلٌ عائدٌ إلى الرسولِ ( ص ) ، مبيّناً عتابَهُ جلّ وعلا ، وعتابَ رسولِهِ ( ص ) ، لعدمِ سموِّهم في حملِ رسالةِ الإسلامِ كما يجبُ عليهم .. ( وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) ( الأنعام : 66 ) ... ( وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ) ( الفرقان :‏

30 )‏

وبما أنَّ اللهَ تعالى يدعو المؤمنينَ من البشرِ على مُختلفِ أديانِهِم ليكونوا إخوةً ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) ( الحجرات : 10 ) ، وبما أنّ اللهَ تعالى يأمرُ بِعَدَمِ الإكراهِ في الاعتقادِ الدينيِّ ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ ) ( البقرة : من الآية 256 ) ، ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) ( يونس : 99 ) ، وبما أنَّ العروبةَ كلغةٍ وثقافةٍ وانتماءٍ وتاريخٍ مُشْتَرَكَةٌ بين جميعِ أبناءِ الأمّةِ على مُختلفِ أديانِهِم ومذاهبِهِم ..... لذلك فلا يمكن لهاتين المنظومتين أنْ تتصارعا ..‏

فالعصبيّةُ في تصوّرِ عدمِ توافقِ المشروعين ، لا تعودُ إلى حقيقةِ الإسلامِ ، ولا إلى حقيقةِ العروبةِ ، وهي ذاتُها العصبيّةُ التي تقودُ الغارقينَ في مُستنقَعِها إلى أن يتقاتلوا داخلَ المشروعِ الواحدِ ، بل داخل المذهبِ الواحدِ والطرحِ الواحد ..‏

وفي هذا السياقِ يَبْرُزُ مفهومُ فصلِ الدينِ عن الدولةِ ، وفصلِ الدولةِ عن الدين ، ومفهومُ عدمِ فصلِ الدينِ عن الدولةِ ، وعدمِ فصلِ الدولةِ عن الدين .. فمعظمُ الداعينَ إلى الفصلِ بين الدينِ والدولةِ ، ومعظمُ الداعينَ إلى عدمِ الفصلِ بين الدينِ والدولةِ ، يتعصّبون لدعواهم ، دون أن يُدركوا حقيقةَ الدينِ الذي يتحدّثون عنه ، وحقيقةَ الدولةِ التي يتحدّثون عنها ، في دعواهم الذي يدعون إليه ..‏

فإذا كان الدينُ المعنيُّ في هذه الدعوةِ هو الدينُ الحقُّ المبنيُّ على دلالاتِ كتابِ اللهِ تعالى ، والذي تُصانُ فيه كرامةُ البشرِ مهما كان دينُهُم وانتماؤهُم القوميُّ ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ) ( الإسراء : 70 ) ، والذي يدعو البشرَ على مختلفِ أديانِهِم ومذاهبِهم وقوميّاتِهم لأن يتعاملوا بينهم بالبرِّ والتقوى شريطةَ عدمِ اعتداءِ بعضِهِم على بعض ( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) ( الممتحنة : 8 ) ، والذي يُبيّنُ أنّهُ حتى في حسابِ الآخرةِ على العملِ ، لا تُظلمُ أمّةٌ بالنسبةِ إلى أمّةٍ أُخرى .. ( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً ( 123 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ) ( النساء : 123 – 124 )‏

.... إذا كان الدينُ المعنيُّ في هذه الدعوةِ هو المنهجُ الحقُّ الذي يُريدهُ اللهُ تعالى ، بعيداً عمّا لُفِّقِ من رواياتٍ ، وعمّا حُسِبَ نصوصاً دينيّةً من تاريخٍ لا علاقةَ له بمنهجِ اللهِ تعالى لا من قريبٍ ولا من بعيد ، حين ذلك سيطالِبُ غيرُ المسلمينَ ( قَبْلَ المسلمين ) بعدمِ فصلِ الدينِ عن الدولةِ ، لأنّهم جميعاً (مُسلمينَ وغيرَ مسلمين ) لن يجدوا لدولتِهِم منهجاً أفضلَ من منهجِ اللهِ تعالى ، وسيكون – في هذه الحالةِ – فَصْلُ الدينِ عن الدولةِ ، جريمةً بحقِّ الدينِ وحقِّ الدولة ..‏

.. أمّا إذا كان الدينُ المعنيُّ في هذه الدعوةِ هو ما لُفِّقَ من رواياتٍ تاريخيّةٍ حُسِبَتْ على الدين ، لا تزيدُ الأمّةَ إلاّ تشرذماً وتمزّقاً إلى طوائفَ ومذاهبَ كلٌّ منها يُكفِّرُ غيرَهُ باسمِ الدين ، وكلٌّ منها يتقوقَعُ في دهاليزِهِ المظلمةِ التي تضعُ الآخرين في خندقِ العِدَاءِ ، وفي ساحةِ الكُفرِ والزندقةِ ، ففي هذه الحالةِ يُعَدُّ فصلُ الدينِ عن الدولةِ أمراً لصالحِ الدينِ والدولةِ على حدٍّ سواء .. فكيف للفكرِ الغارقِ في العصبيّةِ المذهبيّةِ والطائفيّةِ ، والذي يضيقُ ببعضِ أتباعِهِ ، أنْ يتّسعَ الأمّةَ على مختلفِ أديانِها وطوائفِها ومذاهبِها وقوميّاتِها ؟ !!! ..‏

وإذا كانت الدولةُ المعنيّةُ في دعواهم دولةً ديمقراطيّةً مبنيّةً على العدلِ والحقِّ ، فإنّ مفهومَ فصلِ الدولةِ عن الدين ، أو عَدمِ فصلِهِ ، لا معنى له ، لأنّهُ في الدولةِ الديمقراطيّةِ تتحدّدُ النظمُ وآليّاتُ الحُكمِ بناءً على إرادةِ أبنائها ، وبالتالي سيختارونَ ما يريدون ، وما يُناسِبُ حريّتَهُم في الاعتقاد ..‏

وإذا كانت الدولةُ المعنيّةُ في دعواهم دولةً مبنيّةً حَسْبَ النظامِ الفِرعونيِّ ، الفردُ فيها مجرّدُ رأسٍ من قطيعٍ يشْمَلُ الأمّةَ ، فإنّ مفهومَ فَصْلِ الدولةِ عن الدينِ ، أو عَدَمِ فصلِهِ ، لا يأتي بأيِّ نتيجةٍ ، لأنّ الدينَ – في هذه الحالةِ – هو ما يقولُ الحاكِمُ ، والدولةَ هي مزرعتُهُ التي يفعلُ فيها ما يشاء ..‏

إنّ ما يفصِلُنا عن التاريخِ بماضيهِ ومستقبلِهِ هو الواقعُ ، فالواقِعُ نتيجةُ التاريخِ الماضي ، ومقدّمةُ التاريخِ المستقبل .. والواقعُ العربيُّ والإسلاميُّ – على حدٍّ سواء – يدعونا إلى الوِحدةِ ، سواءٌ على الصعيدِ القوميِّ أم على الصعيدِ الإسلاميِّ .. والواقِعُ يقول لنا : إنّ الوِحدةَ العربيّةَ السليمةَ الطرحِ من مقدّماتِها إلى نتائِجِها هي الحلقةُ الكُبرى داخلَ إطارِ الوِحدةِ الإسلاميّة .. فالوِحدةُ الإسلاميّةُ لن تتحقَّقَ دون الوِحدةِ العربيّةِ ، والوحدةُ العربيّةُ لن تتحقّقَ إلاّ على معيارِ الإسلامِ الحقِّ الذي أعطى الأمّةَ روحَها وهُويّتَها .. ( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ( الأنفال : 63 ) ..... فالعالمُ كلُّهُ ، والغربُ خاصّةً ، لا يفرِّقون بين عربيٍّ وآخر ، ولا يفرِّقونَ بين مسلمٍ وعربيٍّ ..‏

... لذلك فالمشروعانِ ( الإسلاميُّ والعربيُّ ) ، مقدّماتُهُما واحدةٌ ، ونتائجُهُما واحدةٌ ، هذا ما قالَهُ الماضي ، وما يقولُهُ الحاضِرُ .. وهذا ما سيؤكِّدُهُ المستقبل ..‏

( * ) لقد تمَّ – في النظرية الخامسة ( إحدى الكُبَر ) – إعطاءُ كلِّ حرفٍ قرآنيٍّ قيمةً عدديّةً هي ذاتُها ترتيبُ مجموعِ ورودِهِ في القرآنِ الكريم ، وتبيّنَ أنَّ مجموعَ القِيَمِ العدديّةِ للجملةِ القرآنيّةِ يتعلّقُ بشكلٍ مطلقٍ بالمعنى والدلالاتِ التي تحملُها هذه الجملةُ القرآنيّةُ .. فلمّا كان الحرفُ القرآنيُّ هو اللبِنَةُ الأولى في البناءِ الرقميِّ ، ولمّا كان البناءُ الرقميُّ مرتبطاً ارتباطاً مطلقاً ببناءِ المعنى والدلالات ، فإنّ الحرفَ القرآنيَّ هو اللبِنَةُ الأولى في بناءِ المعنى والدلالات ، وهذا يقتضي حتماً أنْ تكونَ المفردةُ القرآنيّةُ فِطريّةً موحاةً من اللهِ تعالى ، وليست وضعيّةً من صُنعِ البشر ..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244