|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
الهوية وتفاعل العروبة والإسلام ـــ محمد خالد عمر مقدمة: أن يكتب الإنسان عن ذاته، وعن أمته وهويته فهذا يعني أنه مجروح في عدالته. حيث الموضوعية المطلقة هنا ضرب من المستحيل. لكنه قد يكتب بموضوعية نسبية عن الحالة الطبيعية للأمة. وأنا أعتبر نفسي أنّ الله أكرمني بتوفيقه عندما بدأت دراستي هذه رغم كثرة الدراسات وكبر الأسماء التي تناولت هذا الموضوع ولمعانها. حيث خرجت مئات الدراسات. والأبحاث والكتب التي حاولت أن تدرس العلاقة بين العروبة والإسلام، كما أزعم أنني قمت بتقديم مقولة تجاوزت بها الطروحات السابقة، إن من حيث الأداة البحثية، أو من حيث النتيجة التي دعت إلى توحيد رايتي المشروعين النهضويين (المشروع القومي، والمشروع الإسلامي). ولأنني ممن آمن بالعروبة فعلاً انتمائياً، من الإسلام عقيدة ومنهجاً وسلوكاً. رحت أبحث عن العلاقة بين العروبة والإسلام انطلاقاً من إيماني بدور الأمة، ومهمتها ومسؤوليتها. فوجدت نفسي نتيجة البحث أكثر إيماناً بحاجة الأمة إلى توحيد الرايتين حيث حاجتها إلى هذه الوحدة لا تقل عن حاجتها للحياة، وكلما تقدم بي العمر وصقلتني التجارب، وضرستني السنون ازددت قناعة بضرورة التوحّد التفاعلي بين رسالة السماء، وفعل العروبة القيميّ خاصة بعد أن تكشّف الوجه الحقيقي للإمبريالية العالمية بنظامها العالمي الجديد، وفي خضم العلاقات السياسية اليومية التي تستهلك كثيراً من عناصر القوة لدينا، وتفتّت قوانا بالتجهيل والتسطيح والخوف والانبهار. وقد استطاعت الإمبريالية أن تستخدم الضغوطات الاقتصادية، والاجتماعية والثقافية، والسلوكية أسلحة بيدها. فاخترقت بعضنا، وجنّدت بعضنا الآخر لمصلحتها وعقدت مع الصهيونية العالمية حلفاً مرجعياً يتلخّص بمقولة مؤلفة من مفردتين (الكل أنا، وأنا الكل). ولما صار العربي في نظر الغرب هدفاً للتقزيم، والوطن العربي هدفاً للابتلاع كان لا بد من مشروع ينافح عن الوجود العربي ويحمل روح التحديّ. وقد رأيت أن أقدم بذرة آمل أن تنتش في بيئة صالحة معطاءة، وقد رأيت أيضاً أن القوميين العرب هم المؤهلون الحقيقيون لحمل راية العروبة والإسلام مشروعاً متكاملاً قادراً على التحدي والممانعة، وقد وعت القوى الأخرى هذا الأمر تماماً، وأدركت القوة الكامنة في اتحاد القوتين المادية والروحية منذ وقت مبكر، ولم يكن بعد المشروع النهضوي العربي قد قوي عوده، فراحت تضع الخطط الاستراتيجية الثقافية والاقتصادية، وحتى السلوكيات الأخلاقية لتدمّر كل تطلع إلى المستقبل يبعث الإنسان العربي الجديد ووضعت كل هذه الخطط في خدمة السياسة التي تعتبر الأمة التي تحمل الإسلام روحاً وفكراً العدو الأول حتى ولو ابتعدت عن التفاعل مع إسلامها وتجسيده سلوكاً حياتياً لأنها صاحبة مشروع متكامل يمكن أن تعود إليه حتى وعت ذاتها. فالأمة العربية المكونة بعد الإسلام تملك كل عوامل تكوين الأمة وفق كل النظريات التي اجتهد أصحابها في تحديد الأسس، والعوامل الأساسية لبناء الأمم المميِّزة لهويتها والمميَّزة في محيطها.. وهذه الحالة من التفرقة، والتجزئة التي جاءت على الدولة والدين ساهمنا جميعاً بها، وذلك بابتعادنا عن قيم الأمة، ومشروعها الفكري الحضاري. من هنا أدركت الحاجة إلى مثل هذه الدراسات الموحدة، والتي لا تسقط بالتقادم وقد لاحظت في دراستي موضوع العروبة والإسلام خطاً بيانياً نازلاً عند الدارسين الإسلاميين، وتبايناً واضحاً في آراء الدارسين الآخرين حيث تراوحت مواقفهم بين تناقض المفهومين بعض إلى تكاملهما، أو احتواء أحدهما الآخر عند دارسين آخرين، فضلاً عن أن بعض الدراسات أخذت في كثير من الأحيان تبرز دور العرب في الإسلام، وراح واضعوها ينبشون في التراث لعلّهم يجدون ما يؤيد كلامهم ليظهروا هذا الفضل، ونسوا، أو تناسوا أن العربية في الإسلام مسؤولية، وليست ميزة لأبنائها، كما جهد آخرون في تهميش الدور العربي، وإظهار الإسلام بلا هوية ولا وطن. وكأنّ الأمر رهان، وسباق بين المفهومين، وعلى كل منّا أن يبرز وجهة نظره، ويدعم موقفه المسبق الذي أخذ شكله النهائي قبل أن يبدأ بالدراسة، والعمل على تعميمه ما أمكن، وهذا القلق الذي لاحظته في الدراسات التي قرأت، والتي حاولت أن تبيّن كنه العلاقة بين العروبة والإسلام، صعّد في نفسي الدافع للدراسة، فضلاً عما ما وصلت إليه أمور العالم العربي والإسلامي، والمرتبة التي احتلاّها بين الأمم، والتي كانت من أهم أسبابها الخشية غير المبررة من الإسلام على العروبة علماً أنه روحها والخشية غير المبررة أيضاً من العروبة على الإسلام وهي مادته. وهكذا أردنا أن يكون خطابنا للقرن الحادي والعشرين نداءً لأبناء الأمة (لتوحيد الرايتين)، وإيقاظ الهمم لأداء الرسالة انطلاقاً من أنّ وعي الذات، وحمل المسؤولية والعمل على تحقيقها أمانة، وواجب ديني، ووطني. وقبل أن أبدأ في عرض فكرتي لا بد لي من تحديد مفاهيمي والمصطلحات التي أود استخدامها، ومن ثم أبدأ بعرض العلاقة بين هذه المفاهيم، وتلك المصطلحات لندلّل على وحدة الرايتين، ولأن أهم المصطلحات التي تدخل في صلب هذه الدراسة هي (الدين-الوطنية- الإسلام- العرب-العروبة). ولا بأس أن نبدأ بتقديم فهمنا للمعنى الذي أردنا إظهاره من هذه المصطلحات. الدين: هو منهج فكري توحيدي، وتشريعي، تطبعه هوية أمته بلغتها ووعائها الثقافي والسلوكي الذي يتخطى دعوته العبادية الفردية لتصبح العبادة فيه سلوكاً حضارياً إنسانياً يدعو إلى الحق، والخير، والسمو ولما كان الدين اعتقاداً ومنهجاً وعبادة جاز لنا أن نصنف أبناء الرسالات السماوية التوحيدية مسلمين ومسيحيين في حقل اعتقادي واحد، كما يمكن لنا أن نصنّف أبناء الأمة العربية الإسلامية مسلمين ومسيحيين في وحدة منهجية سلوكية نابعة من منظومة قيمية عربية أقرّها وأكد عليها الدين الجديد، ويبقى سبيل العبادة من حيث أنه طقس أقرب للتفرد والفردية. وهكذا فإن أبناء الأمة الواحدة يمثلون وحدة دينية حيث الدين المنهج. ومن هنا فهمنا الآية الكريمة (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم( آل عمران /73/. أي منهجكم وليس بمعنى طريقة تعبدكم. الوطنية: الوطن مكان إقامة الإنسان، ومقره، وانتماؤه إليه، سواء ولد به أم لم يولد، أمّا الوطنية فهي حب الإنسان وطنه فالوطن الأرض، والوطنية حب الأرض، وحب الأرض يقضي بالضرورة حب الأمة التي تسكن هذه الأرض كما أن حب الأمة والانتماء إليها يقضي بالضرورة حب الأرض التي تقطن عليها الأمة. فالدفاع عن الوطن دفاع عن السفينة كلها وأعني هنا جغرافية الأمة. إذاً هناك فرق بين أن أتكلم عن الإسلام في العالم، وبين أن أتكلم عن العالم الإسلامي، ونحن إذاً نتكلم هنا عن العالم الإسلامي أعني ركاب السفينة الواحدة وإذا ما علمنا أن د. علي شريعتي في تعريفه للوطنية يقول: (لا تناقض بين الدين والوطنية إذ الوطنية دائماً الدفاع عن الجغرافيا)(1) وأيّ جغرافيا سيدافع عنها المسلم/، سيدافع عن مقدساته عن جغرافية دار الإسلام عن جغرافية الأمة التي ينتمي إليها. الإسلام لغة: السلم والسلامة، والسلام، والأمن والأمان. والسلام اسم من أسماء الله الحسنى. فهو هنا منهج حضاري أساسه الحب، وصرحه الأمن والسلام والعدل. الإسلام اصطلاحاً: رسالة السماء الخالدة إلى الأرض تحمل منهجاً فكرياً توحيدياً، وتشريعياً عادلاً يدعو إلى الحب، والسلام والأمن، وتطابق الفكر مع السلوك. فهو مرجعية منهجها ومشروعها العدالة، غايتها الإنسان، ووسيلتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالإسلام إذاً بمدلوليه اللغوي، والاصطلاحي منسجم تماماً في أهم معانيه مع النهج الذي يدعو إلى الحق في العبادة، وإلى الخير في السلوك. ولما كانت رسالات السماء رسالات خالدة موحدة الغاية، والهدف، والوسيلة كان كل منتسب لرسالة السماء ضمن هذه المرجعية، منتمياً للمشروع الفكري العادل مسلماً. وعندما جاءت رسالة السماء التي زاوجت، وفاعلت بين قيم العروبة، ونهج الإسلام الحنيف. هذا المشروع الفكري والمنهج الإنساني الذي حمل رسالته الإنسانية وهويته الثقافية، والفكرية مطبوعة بخاتم العروبة. فحامله الثقافي والفكري اللغة العربية وآثاره الفكرية والعلمية والأدبية انطلقت من مادته، وتربته الأولى (العروبة) كما أن أرض العروبة هي مقدسات الإسلام، وتاريخه تاريخ الأمة. فالعروبة إذاً عائلة الإسلام، وأهله ووطنه، وبيئته التي عاش بها، وترعرع وسارا معاً وتلقيا الضربات معاً وعاشا الانتصارات معاً. فما العروبة التي دافع عنها الإسلام وأكرمها إذا كان المسلم هو المنتسب إلى هذه العائلة العربية ورسالة السماء الخالدة.؟ وقبل أن نبدأ بتعريف العروبة العنصر الذي تفاعل مع الإسلام حاولنا أن نفرّق بينها، وبين العرب كجنس بشري قطن الأرض العربية، وأقام عليها أهم الحضارات التي فتحت للعالم آفاقاً معرفية بدءاً من الأبجدية، وانتهاء بالتشريعات القانونية. كان علينا أن نبدأ بتعريف العرب. فمن العرب؟. العرب لغة: قال صاحب العبر: (إن لفظ عرب مشتق من الإعراب وهو من البيان)(2). وقال د. حسن إبراهيم حسن: (يظهر أن المدلول الحقيقي للفظ عرب هو الصحراء فلقد أطلق اسم العرب على القبائل التي قطنت الصحراء)(3). ونحن لا نرى تبايناً بين المفهومين لأن الصحراء تفصح عمّا فيها فهي أيضاً معِربة مبنية وأهلها أهل الإفصاح والإبانة. أما العرب اصطلاحاً: فيمكن أن نقسم الدراسة تاريخياً إلى فترتين: أ-قبل الإسلام ب-بعد الإسلام فالعربي قبل الإسلام منتم إلى جنس من البشر: وإنني أتفق مع الآراء التي قالت: إنّ جميع الذين قطنوا المساحة الجغرافية التي تسمى اليوم الوطن العربي هم من الجنس العربي، وإن ما يسمى باللغات القديمة التي كان يتكلم بها أهل هذه الأصقاع، والتي تنتسب إلى أقاليمها، أو القبيلة التي تكلمت بها، ما هي إلا لهجات لـ اللغة الأم التي هي اللغة العربية غير أنّ البعد التاريخي، والجغرافي في العصر القديم أحدث في نظرنا هذا التباعد حيث وسائل الاتصال البدائية ساهمت في خصوصية اللهجات حتى أصبح يطلق عليها لغات. فكانت الآكادية نسبة إلى الآكاديين، والبابلية نسبة إلى البابليين، والإبلائية نسبة إلى الإبلائيين،(4) وقد أكدت الدراسات أن اللغة العربية جذرُ اللغات في المنطقة(5). أمّا تسمية العرب فهناك أكثر من رأي. فإسرائيل ولفنسون مثلاً يرى (أنّ اللهجات كانت تنسب إلى أقاليمها، أو أكبر قبائلها، وكانت كلمة عرب تطلق على نوع خاص من القبائل، وهو النوع الذي يسكن البادية، ولم يكن هناك فرق بين عربي وأعرابي إلا في عصور قريبة من ظهور الإسلام، أمّا قبل ذلك فكل من الكلمتين تدل على سكان البادية، أما سكان المدن والأمصار فكانوا ينسبون إلى قبائلهم، أو يعرفون بمناطقهم)(6). ولما كانت كل القبائل والممالك التي قامت على هذه البقعة من الأرض لها لغات جذرها واحد، وتتبع دستوراً أخلاقياً مشتركاً، وتجربة تشريعية منهجية حقوقية واحدة بل هم أول من عرف الشرائع، وعمل بها منذ /لبت عشتار- إلى شريعة حمورابي- إلى مدرسة بيروت الحقوقية، التي كانت نواة الفكر القانوني الروماني (على رأي سعيد ملاعب في كتابه حضارة الحكمة والحكماء)(7). وحتى عصر الضعف والتفرّق حيث انتقلت تشريعاتهم إلى عرف القبيلة الذي كان الضابط الأهم في تقويم السلوك، واتّباع مكارم الأخلاق. وقد رأينا أن لفظة العربي التي يشكك بعض الباحثين في إمكانية إطلاقها على كل شعوب الممالك قامت على هذه البقعة من الأرض، والتي جاءت متأخرة برأيهم. حيث أول ذكر للعرب ورد عام /863/ ق. م في زمن شلمنصر ملك الآشوريين أطلقت على العرب كحالة عيش، وليس على جنس مغاير لجنس البابليين مثلاً، أو غيرهم(8). وسواء جاءت تسمية العرب من إطلاق تسمية أكبر القبائل، أو لنسبتهم إلى الصحراء أو لأنهم يتسمون بالفصاحة التي اشتقت من جذر عرب بمعنى أوضح وأبان. فإن العربي هو الجنس البشري الذي يجمع كل القبائل، وشعب الممالك التي قامت. وقد جهد كتَّاب التاريخ، وقراؤه اليوم لفصل العرب عن العرب، واعتبار كل تسمية لمملكة أو قبيلة- قوماً، وذلك لتنفيذ هدف قديم جديد هو الهيمنة على هذه الأرض وإنسانها. من هنا قلنا: إن التسميات التي وردت في التاريخ، والتي قسمت العرب إلى (عرب عاربة، ومستعربة، وبائدة)(9) هي أيضاً من صنع واختلاق الذين كتبوا لنا تاريخنا. يقول د. أحمد سوسة: "إن كل بلاد العالم تكتب تاريخها إلا الأمة العربية فقد تركت المستعمرين الأجانب يكتبون تاريخها كما يشاؤون وفق رغباتهم ونزواتهم السياسية"(10). فما موقف الدكتور أحمد سوسة اليوم إذا علم أنّ أمتنا غير قادرة في بداية القرن الواحد والعشرين على قراءة تاريخها آثارياً أيضاً. وإن المستشرقين، وعلماء اللغات الأجانب هم الذين يقرؤون لنا الرقم، ويترجمونها بما يتناسب مع مصالحهم وأطماعهم ومن ثم يصدرونها لنا معلومات ثابتة لا تقبل النقاش. وإذا كان أول باحث كتب عن أوغاريت والمفردات العربية في الأوغاريتية على رأي الأستاذ حميدو حمادة هو الباحث عز الدين الياسين وقد نشر أبحاثه في كتاب عام (1952) باللغة الإنكليزية فإن بقية الكتب التي صدرت ترجمها بعض الباحثين العرب كما قدمها أصحابها وكانت قد حملت بين طياتها تشويهاً لما جاء في الألواح الطينية، أو الرقيمات الأصلية المحفوظة في متاحفنا. ولكي ندرك مدى التحريف الذي مارسه علينا قرّاء الآثار الغربيون يمكن أن نأتي ببعض الأمثلة كما أوردها الباحث حميدو حماده في محاضرته المعنونة (أسطورة بعل وعناة) حيث يقول: (حينما بدأتُ ( ويقصد على التحريف) بمحاولات الرد اكتشفتُ بأن الأمر يحتاج إلى مجلدات للرد على من يدّعون التخصّص باللغة الأوغاريتية وآدابها مثال (ميديكو، وكاسوتو وغوردون) وغيرهم ويتابع قوله: من لوحة محفوظة في متحف حلب وتحمل الرقم (A 016.630 +/ 16639) تم اكتشافها عام 1931 من قبل بعثة فرنسية لا زالت أفواج من الدارسين غير العرب تأتي للبحث، والتخصّص في هذه اللوحة التي كانت بواكير نشرها من قبل (فيريلك، وجنسبيريخ، ولانشر، وايسفلد، وغوردف) وغيرهم. تلت ذلك مئات من الدراسات حول هذه اللوحة. وبدأت تصلنا ترجمات هؤلاء الباحثين التي قام بها بعض المترجمين المستشرقين، أو العرب إلى لغتنا العربية فابتعد النص الأصلي عن لغته الأم العربية بعد أن أضاف المزيد من الإبهام والغموض إلى النص الأصلي. من هذه الترجمات ما قام به السيد مفيد عرنوق حينما ترجم كتاب –اللآلئ للباحث ديل ميديكو- وعلى الرغم من العنوان المثير لهذا الكتاب (التوراة الكنعانية) وعلى الرغم من الدفاع المستتر، والمبطن إلا أن هذا الكتاب يخفي بين طياته تشويهاً وربطاً مغرضاً يتوجب الرد عليه بكل الإمكانيات المتاحة. ولا بد من العودة إلى اللوحة الطينية الأصلية المحفوظة في متحف حلب لتكون الحكم في كل ترجمة دقيقة ففي الرد على ميديكو في أسطورة عناة في العمود السادس منها، ولأبيّن التزوير المتعمّد نتتبع ميديكو كما أسلفنا. فمثلاً من اللغة الأوغاريتية يمكن أن نقدم الجملة، وترجمتها المقبولة ونتبعها بترجمة ميديكو المزورّة. ففي الأوغاريتية جملة –نشأ. غر. عل. يدم –ترجمتها الحقيقية- رفع الحبل على اليدين- أمّا ترجمة ميديكو: -استجر العدو رئيس اليهود يم. جملة أخرى في الأوغاريتية: -لرئش. عفر. فلثت-. ترجمتها –ذر التراب على رأسه-، أمّا عند ميديكو: -الفلسطيني أمسك به-. ثم يتابع الباحث حميدو فيقول: -أعبرا الجبل- أصبحت- حدد حدوداً للعبرانيين- ولقد فسّر ميديكو العالم المحايد الذي لا يجزئ الحقيقة، كما يقول مترجم كتاب اللآلئ الأستاذ مفيد عرنوق كلمة الأيدي: يهودا ويهوديم. والسمسار المرسال: أصبحت –مدينة السامرة عاصمة إسرائيل-. والفعل أمض: -أصبح مدينة عاي- وآلاف الحقول- أصبحت آلاف الشياطين-)(11). وهكذا نرى أن غالبية قرّاء الرقم قدّموا لنا ما أرادوا ولم يقدموا لنا الحقيقة وقد استطاع أمثال هؤلاء في القرنين الآخيرين أن يسقطوا على التاريخ ما يشاؤون من مصطلحات تمزيقية مستغلين جهلنا، وركوننا إلى ما يقدمونه من معلومات. فمثلاً: المصطلح الذي أطلقه اليهودي النمساوي شولتزر عام /1781/م وأعني مصطلح (السامية) الذي استطاعت القوى التي أنتجته أن تدخله حتى في مناهجنا المدرسية /12/، كان الهدف من وجوده تثبيته في الأذهان، واجتثاث الأمة من جذورها، وتقسيم شعبنا إلى شعوب ممزّقة متباينة وإظهاره نسيجاً غير متجانس. فضلاً عن إدخال الصهيونية وريثة اليهودية المزوّرة بحصة إرثية مختلقة في هذه المنطقة، وزرع هذا الكيان الصهيوني في جسد الأمة، وإضفاء حالة الشرعية على وجوده بتوليد مصطلحات جديدة مثل مصطلح (الشرق أوسطية) الذي أسقط على الجغرافيا العربية، وأريد له أن يحل تسمية بديلة عن /الوطن العربي/ لطمس الهوية العربية إلى الأبد بالنزوع إلى القطرية، والانتماءات الضيقة، وتثبيت حالة التمزق جغرافياً كما أسقط مصطلح السامية على التاريخ العربي لفصل العربي عن أخيه العربي. من هنا أكدنا ضرورة إيجاد مصطلح عربي بديل عن مصطلحي (السامية والحامية) والرد على (مصطلح الشرق أوسطية) عملياً بوحدة الأمة. وقد حافظ الجنس العربي على نقائه في حدود مضبوطة قبل الإسلام. فقد كان العرب نسابين مهرة، وكانوا يحرصون على أنسابهم، ويتفاخرون بها، وكانوا لا يدخلون في نسبهم إلا الخالص في نسبه، عربي الأب والأم. لذلك كانوا يسمون عربي الأب هجيناً، أو معلهج حتى ولو كانت أمه ابنة ملك من غير العرب، كما كانوا يسمون عربي الأم المدّرع، ولا ينال أي منهما مرتبة الخالص في النسب، وخلّد الشعر هذه العادات. يقول حسان بن ثابت مثلاً في الهجين(13) مهاجنة إذا نسبوا عبيد * ـ * ـ * عضاريط مغالثة الزناد كما يقول آخر في المدرع. إن المدَّرع لا تعني خؤولته * ـ * ـ * كالبغل يعجز عن شوط المحاضير وبغض النظر عن موقفنا تجاه هذه المواقف إلا أنها تدل على حرص تأصيلي غير معهود في أي أمة غير أمة العرب، ولا نعرف أمة حافظت على نسبها مثل العرب حتى فجر الإسلام. هذا التقديم عن العرب قبل الإسلام ما هو إلا إضاءة على الجنس العربي، والأرض العربية الممتدين إلى ستة آلاف عام في وحدة جغرافية تاريخية، كما يؤكد الدكتور ميشال عيساوي في كتابه مشكلاتنا القومية(14). أمّا العربي بعد الإسلام (فهو منتم للعروبة): فلقد انتقلت التسمية من كونها مدلول لجنس بشري محسوس إلى مفهوم انتمائي مجرد يدلّ عليه فعل انتمائي يؤدي إلى قيمة يحملها المؤمن بها فكراً وحضارة بَنَتها أمة بدأت بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي حمل العروبة سلوكاً، وجاء متمماً لأخلاقها، وحمل الإسلام رسالة ومنهجاً يسعى لبناء إنسانية الإنسان. وأصبح الانتماء إلى هذه الأمة مرتبطاً بالفعل الدالّ عليه فمن قام بهذا الفعل الانتمائي أصبح عربياً. فالعروبة إذا لم تعد جنساً، ولا عصبية وولاء، بل هي انتماء يرتكز على العناصر المكوّنة للعربية-كاللغة والتاريخ، والجغرافيا، والمنهج السلوكي القيمي وقد أقامت الأمة حضارتها على المرتكزات ذاتها مضافاً إليها الصفة الشرعية الدينية المنهجية السلوكية، بحيث صار كل فرد له دوره، وأهميته في بناء الحضارة الإنسانية، انطلاقاً من هذه الأمة المكوَّنة، التي كانت لحمتها العروبة، وسداها الإسلام الحنيف، رسالة السماء الخالدة إلى الأرض التي حملت الحب، والأمن والسلام. فالمسيحي العربي ابن التوحيد ينهج نهج رسالة السلام، والمحبة والأمن والأمان، وهو منتم لمادة الإسلام الأولى لأمته العربية مدافعاً عنها تاريخياً وجغرافياً: فهو مسلم اعتقاداً من حيث أنه منتسب لرسالة السماء الخالدة، ومسلم منهجاً وسلوكاً وتاريخاً ووطنية لأنه منتسب للعروبة. وقد أدرك ذلك النصارى العرب فكانت لهم أيام مشرقة إبان الفتح العربي الإسلامي وأياد بيضاء في المشاركة في بناء الأمة الواحدة، وقد أكد كثير من الدارسين والمفكرين، والساسة من المسيحيين العرب انتماءهم هذا بفعلهم وآرائهم نذكر منهم مكرّم عبيد، وأمين نخلة، وفكتور سحاب، والياس خوري الذي تنبّه إلى خطورة ما يدعو إليه الاستعمار الغربي من تفريق المجتمع العربي حسب الدين إلى أكثرية وأقلية، وفارس الخوري، والمطران جورج خضر وآخرين كثر. وهكذا تنشر الأمة رسالتها الخالدة للعالم أجمع رسالة خير ومحبة وعطاء وحضارة بحيث يساهم كل أبناء الأمة في هذا الشرف. لكننا وبمجرد تعريف العروبة الأمة بهذا الشكل الناصع سيخرج منها الذين يرون في الثقافة العربية ثقافة قاصرة، كما سيخرج منها الأمميون المنتمون إلى الطبقة، كما يخرج منها أصحاب الدعوات الإقليمية، الذين يضيّقون انتماءاتهم. باختصار نقول: العربي بعد الإسلام: هو من تكلم العربية، وفكّر عربياً وعمل لصالح العروبة. فمن ارتضى لنفسه العروبة منهجاً، وعمل لصالحها كان مسلماً بهذا الانتماء، ومن ارتضى لنفسه الإسلام ديناً ونهجاً، وانتماءً روحياً، وحضارياً التزم لغة العرب، ودافع عن أرض العرب التي هي مقدسات الإسلام، ودافع عن تاريخ النبي صلى الله عليه وسلم ودولته ورسالته ارتضى لنفسه أيضاً العروبة نهجاً، ووطناً، وتاريخاً ومقدسات لأنه سيدافع عن تاريخ هذه الأمة، وأرضها ونهجها، ولغتها. وبهذا يكون الانتماء إلى العروبة انتماءً إلى الإسلام، كما يكون الانتماء إلى الإسلام انتماءً إلى العروبة (فالعربي هو المسلم، والمسلم هو العربي) وكلاهما صاحب مشروع فكري أخلاقي حضاري واحد يناقض بالضرورة مشاريع الهيمنة، والاستلاب، والاستغلال. العلاقة بين العروبة والإسلام في دراستنا لهذين المفهومين، وعلاقتهما لا بد لنا أن نبيّن أننا لم نكن بحاجة إلى دراسة مثل هذه العلاقة إلا في عصور متأخرة رغم كل المؤامرات والدسائس لفصل العروبة عن الإسلام، والتي حيكت منذ اليوم الأول لاتصالهما. يقول: الطبري والبلاذري في تاريخهما: (إن الولاء للدولة العربية المسلمة كان يحمل معنى الإسلام، والعروبة في آن واحد، لذا كان الأعاجم يرون أنّ من دخل الإسلام صار عربياً)(16)، وقد جاء جواب مولى هشام بن عبد الملك لأبي جعفر المنصور سنة 132 هجري معبراً عن ذلك لما سأله أبو جعفر المنصور عن هويته قال: (إن كانت العروبة لساناً فقد نطقنا به، وإن كانت ديناً فقد دخلنا فيه)(17)، وبقي هذا الطابع واحداً حتى عصور متأخرة رغم تفرّق الأمة إلى دول، إلا أنها استطاعت أن تحافظ على هويتها الانتمائية. فالمغربي في عصر الدول المتفرقة وزير في دولة الشرق كابن خلدون مثلاً. إلى أن استطاع الصفويون في القرن السادس عشر قسم العالم الإسلامي إلى عالمين شرقي، وغربي متذرعين بالمذهب الشيعي الذي وضعوه شعاراً لهذا القسم لأننا نفهم حقيقة المذاهب الإسلامية جميعها اجتهادات تشريعية وإن خلفية أي نزاع ساهم في قسم الأمة إلى أمم كانت خلفية قومية عرقية، أو انتهازية يقول د. علي شريعتي: (إن الدولة الصفوية رغم ادعاءاتها الإخلاص للتشيع إلا أنها العدو اللدود للإسلام، ولوحدة المسلمين إذ أن نهوض الدولة الصفوية شرق الدولة العثمانية وإثارتها المعارك ضدها متسترة بالصراع الشيعي السنّي كان ضربة غدر من الخلف للمسلمين، وإن الدور الذي لعبه الصفويون كان أهم أسباب هزيمة العثمانيين أمام حملة الغرب حيث تم تعاون وثيق بين الدولة الصفوية والدول الاستعمارية الغربية)(18). وإذا أردنا تحديد نقطة التحوّل يمكن أن نقول: لقد أصاب د. علي شريعتي عين الحقيقة عندما كشف زيف إدعاء الدولة الصفوية: الإخلاص للتشيع لأن الإخلاص للتشيع في حقيقته إخلاص للإسلام، وما الصراعات المذهبية سوى صراعات قاتلة في جسد الأمة الواحد، وهذا ضرب من المرض والضعف. وهذه النزاعات الجانبية والهامشية في غاياتها غيّرت وجهة الجيوش العثمانية من أبواب فينا إلى الوطن العربي الإسلامي. ولا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تكون مسيرة الجيش العثماني المسلم في غزوه للوطن العربي المسلم فتحاً. بعد الصفوية جاءت الطورانية التركية التي نزعت إلى عرقيتها أيضاً، وبدأت تتريك العرب سلوكياً قبل تتريكهم لغوياً. بالإضافة إلى تدخلات الأوربيين في الشؤون الداخلية للعالم العربي، وبانحيازهم شكلاً لطرف ضد طرف آخر بقصد إضعاف الجميع، والسيطرة على الأمة. وقد تنبّه المفكرون العرب المسلمون لخطورة ما جرى من الصفويين، ويجري من الطورانيين والمطامع الاستعمارية فبدأت تظهر الحاجة ملحّة إلى دراسة العلاقة بين العروبة والإسلام، وتجلّت واضحة في نهاية القرن التاسع عشر على يد كثير من المتنوّرين الذين كانت طروحاتهم تبشّر بولادة مشروع نهضوي تمثّل فيما طرحه الكواكبي في كتابه (أم القرى) الذي دعا فيه إلى خلافة إسلامية مركزها مكة. غير أن أوضح هذه الدعوات وأجرأها تلك التي جاءت على لسان المفكر العربي المسلم جمال الدين الأفغاني حيث دعا إلى جامعة إسلامية يقودها العرب المميّزون في محيطهم الإسلامي الكبير، وقد رأينا في طرح الأفغاني صيغة متقدمة جداً في وقتها. لأنه حاول أن يمنع ابتلاع العروبة باسم الإسلام من قبل الفكر الذي تبنّاه الاتحاديون، والذي جعلوه قناعاً لطورانيتهم. وقد قابلت الدعوة الطورانية صيحات قومية عربية جاءت كردة فعل على الطورانية التركية لكنّها لم تقدّم مشروعاً واضحاً في حينها. سار المشروع النهضوي الوليد في خط بياني نازل بعد الأفغاني لأسباب كثيرة منها داخلية، ومنها خارجية غير أن هناك محطات فكرية متميزة أعادت الأفغاني إلى الأذهان بعد أن خبا وهج هذا المشروع. ففي منتصف القرن العشرين خرج علينا المفكر مالك بن نبي بفكرة كومنولث إسلامي فقال: (يكون الكومنولث منطلقاً من العالم الإسلامي كل ضمن دائرته حيث يمكن أن يكون المرء جزائرياً في الدائرة الأولى، وعربياً في الثانية وإسلامياً في الثالثة، وإفريقياً في الرابعة، وعالمياً في الخامسة)(19). ولم نر في هذه الدراسة إلا شكلاً جديداً لفكرة الكواكبي، وقد ظهرت أسماء كبيرة، وكثيرة قدّمت رؤيتها في هذين المفهومين أمثال محمد عمارة وأكرم زعيتر، والطاهر لبيب، وعبد القادر زبادية، وقسطنطين زريق، والياس مرقس، وجورج خضر، والدكتور علي شريعتي، وآخرون. كانوا ينتقلون بين فكرة الكواكبي، وفكرة الأفغاني إلى الفكرة العلمانية إلى الإسلاموية وراحوا يفنّدون المفهومين دون أن يقدّموا صيغة واضحة مقنعة لعلاقة العروبة والإسلام. وقد رأينا أن نصنف أهم هذه الآراء في اتجاهات ثلاثة: 1-رأي الإسلامويين: الذي برز في النصف الأول من القرن العشرين والذي حاول فيه أصحابه أن يهمّشوا القومية العربية فهو أقرب إلى النظرية الاحتوائية. فقد وصفوا دعاة القومية العربية بالشعوبيين العرب، ونتيجة لذلك جاء مشروعهم قاصراً عن التوازن في الطرح بعد أن نزعوا عن الإسلام هويته العربية، ولم يدركوا عروبته فأضاعوا جماهيريتهم الإسلامية. 2-رأي العلمانيين: وهم الذين نادوا بالأممية حيناً، والإقليمية حيناً آخر، وبفصل الدين عن الدولة في كل الأحيان، وقد أخضعت هذه الآراء الفكرة القومية لوجهة نظرهم. فقد تلاشت عند الأمميين، وضاقت كثيراً عند الفرعونية، والفينيقية، وهذا ما يتعارض مع العلاقة التفاعلية بين العروبة والإسلام التي صنعت الحضارة العربية الإسلامية. 2-رأي توفيقي: تراوح بين القطيعة، والتعايش الإصلاحي، وقد اعتمد هذا الاتجاه أفكار الكواكبي، والأفغاني أساساً، وبنى عليها، ومن ثم طوّرها إلى فكرة الدوائر مثل مالك بن نبي، ولا بأس أن أعرض لرأي سمعته مؤخراً من الإمام محمد مهدي شمس الدين حيث قال: إننا نعيش ضمن أكثريتين عرب فيهم مسلمون، وغير مسلمين، ومسلمين فيهم عرب وغير عرب. لذلك نزعم أنّنا جئنا بفكرة جديدة نقدم فيها بذرة مشروع يوحّد الانتماءين في انتماء واحد ويجمع المشروعين براية واحدة حيث تفاعلت الميزات الخاصة لكل مفهوم فخرجت ميزات واحدة للمفهوم الجديد. العروبة والإسلام برأينا: هناك منهجان للدراسة فإمّا أن نبدأ بعرض العوامل التي تؤسس للفكرة التي نود طرحها، وإمّا أن نطرح الفكرة، ومن ثم نعرض العوامل التي أسسنا عليها فكرتنا، وقد اخترنا أن نبدأ بالمنهج الثاني. وقد رأينا من العرض التاريخي أنّ الانتماءين كانا انتماء واحداً والمفهومين كانا اسماً لمسمى واحداً أيضاً. حيث الأسلمة والتعريب كانا يسيران معاً إبان الفتح العربي الإسلامي، وقد تفاعل عنصراهما منذ اليوم الأول تفاعلاً كيميائياً ألغى الميزات الخاصة لكل مفهوم وخرج عنصر واحد بفاعلية مختلفة ومهمة تكوّنت بتكوّن هذا العنصر الجديد. فالعروبة والإسلام بعد نزول الرسالة على قلب نبينا الكريم شكّلا حالة تفاعلية شبيهة بحالة الماء بفاعليته، ووظيفته فهما كالأكسجين والهيدروجين في تكوين الماء، وأي انفصال لعنصري الماء يعني بالضرورة فقدان الفاعلية والوظيفة والوجود لهذا العنصر المكوّن. إذاً فالعلاقة تفاعل كيميائي، أو علاقة تزاوجية بين رسالة السماء، ومادة العروبة مكوّنة مولوداً جديداً (إسلامي الأب، وعربي الأم) حيث لم يعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فرداً، بل أصبح بعد رسالة السماء أمة، وانتماء، ومن ثم توسّعت هذه الأمة، وتمّ انتشارها إلى خديجة زوجه، وإلى أبي بكر صديقه، وإلى عليّ ابن عمه –رضي الله عنهم جميعاً. وبدأت تكبر دائرة التفاعل الانتمائي إلى أقصى اتساعها كأمة واحدة موحدة لها شخصيتها ومقوماتها. فقد انطلقت من المهد مكة المكرمة إلى العاصمة المدينة المنورة، ومنها إلى عالم عربي إسلامي مترامي الأطراف ومرصوص البنيان. وأي خلل في هذا الانتماء سوف يضرب معه البنيان كله. وقد استطاعت هذه الأمة الدولة المكونة أن تفتح الأصقاع، وتصهر في داخلها كافة المنتسبين لها اختيارياً إلا بعض الذين لم يحقق المنهج الجديد رغباتهما الفردية. وقد عملنا على إلقاء نظرة سريعة على عناصر الأمة الدولة المكونة فكانوا أربعة: آ-عربياً جنساً مسلماً ديناً كامل الانتماء أمراضه التعصب والتطرف والجهل والجاهلية والتسطيح في الفهم. ب-مسلماً ديناً عربياً انتماء إمّا كامل الانتماء، أو نازعاً إلى عرقه ناقص الإيمان. ج-عربياً جنساً مسلماً انتماءً. إمّا كامل العروبة مسلم الانتماء. أو غير كامل العروبة عدواً للانتماء. د-غير عربي جنساً وانتماء، وغير مسلم ديناً وانتماءً. هؤلاء لم يستطيعوا الانسجام مع الدولة فكانوا أعداءً وبقوا أعداء. وهكذا نرى أن العناصر الثلاثة الأولى تشكل المواطنة الحقيقية، أمّا العنصر الرابع فهو الذي صار يكيد المكائد، والدسائس، ويغذّي النزعات القومية أمثال اليهود والأعاجم، وأعني بالأعاجم اللفظ على إطلاقها، أي كافة العناصر غير العربية والتي لم تسلم للدين أو للدولة. بعد أن قدّمنا حيثيات الرأي أصبح واجباً علينا أن نجيب على سؤالين عريضين يلخّصان مقولتنا التي طرحناها في كتابنا كدراسة موسعة بعنوان: (عروبة الإسلام إسلام العروبة)(20). حيث أجبنا على السؤالين: كيف يمكن أن يكون الإسلام عربياً؟ وكيف يمكن أن يكون العربي مسلماً؟. في إجابتنا على التساؤل الأول عروبة الإسلام أي كيف يكون الإسلام عربياً؟ يمكن أن نقول: إن عروبة الإسلام تحققت بصورة تلقائية منذ أيام الفتح الأولى حيث الأسلمة والتعريب كانا يسيران معاً إبان الفتح العربي الإسلامي الأول. كما قدَّمنا. وقد يكون هذا هو السبب الرئيسي الذي دخلت منه الحركة الشعوبية التي فقدت وجودها بعد الفتح العربي الإسلامي فقامت تحارب الإسلام بحربها للعروبة. فهذا الدكتور علي شريعتي يرى في الحركة الصفوية حركة معادية للإسلام ويقول: "بدأت منذ العهد العباسي تحت شعار مساواة العرب بالعجم لكنها خلصت إلى أفضلية العجم على العرب. ويتابع في كتابه /العودة إلى الذات/ فيقول: إلى أي ذات أعود؟ هل أعود إلى ذاتي الصفوية أم إلى الساسانية أم إلى الأخمينية؟ ثم يعيد التساؤل إلى أي ذات أعود إلى ذاتي القومية فسوف أسقط فريسة العرقية، والفاشية الجاهلية وهي عودة رجعية. ثم يقرر بعدئذ أن ذاتنا هي الذات الإسلامية الحية بثقافتها، وروحها وتاريخها ومقدساتها. وإذا ما علمنا أنه هو الذي يقول: لا تناقض بين الدين الإسلامي والوطنية إذ الوطنية هي الدفاع عن الجغرافية المتكاملة. فالدين الإسلامي له طابع خاص فإذا ما دان به شعب أصبحت الجغرافيا تابعة له، وأصبحت جزءاً من الوطن الكبير الذي يضم الفكر. "ثم يقول د. شريعتي: لقد تكوّنت الذات الإيرانية الحقيقية مع الدولة العربية الإسلامية وانتهت بالحركة الصفوية(21). وقد أدركت الثورة الإيرانية الآن هذا الأمر فتبنّت قرارين هامين أكدت فيهما انتماءها وهما: 1-اعتبرت أن مسؤوليتها عن القدس، وبلاد المسلمين لا تقل عن مسؤولية العرب فدعمت المقاومة الوطنية العربية الإسلامية حيث الوطن، وطن الراية الواحدة راية الدولة العربية الإسلامية وخاصة إذا كانت البقعة من مقدسات الإسلام. 2-شجعت التعليم والتعلم للغة العربية، وهذا الأمر لا يقل أهمية عن الأمر الأول لأن تعلم اللغة العربية يربط المسلم بوطن هذه اللغة، وقيمها التي نقلتها ديناً وأخلاقاً ونهجها وتاريخها وحضارتها. من هنا رأينا أن الإسلام العربي خلق إيماناً متكاملاً دافع عن الجغرافيا والتاريخ وأقام الأمة فهذا صلاح الدين الأيوبي وقف عربياً مسلماً يدافع عن جغرافية العروبة والإسلام ومقدساتهما وتاريخهما وهويتهما فهو المثال الأهم للمسلم الذي قام بفعل الانتماء إلى العروبة على أكمل وجه. ولن أذكر هنا مقولة غورو وسلوكه عام 1920 يوم احتلال دمشق. أمّا عندما نجيب عن التساؤل الثاني أي كيف للعربي أن يكون مسلماً؟ يمكن أن نناقش الفتح العربي الإسلامي للأمة العربية حيث كان هذا الفتح فتحاً تحريرياً توحيدياً للوطن، والمواطنين العرب، وقد أقر الإسلام العرب على دياناتهم السماوية وبقي الرباط العربي أساساً للمساهمة في بناء حضارة الأمة، وهذا ما دفع العرب سكان المناطق المفتوحة إلى مساعدة الفاتحين ضد الاستعمارين الفارسي والرومي. ويمكن هنا أن نستشهد بقول أورده رياض نجيب الريس في كتابه "المسيحيون العرب" يقول: "للنصرانية العربية الأرثوذكسية يومان أغرّان في تاريخ العرب القومي يوم في الشام ويوم في العراق(22). 1-في الشام: رفض النصارى العرب أن يحاربوا في صفوف الجيش الروماني وانضم كثير منهم إلى صفوف العرب المسلمين. 2-في العراق: انضم المثنى بن حارثة الشيباني على رأس قبائل بني شيبان إلى جيش سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في فتح بلاد العجم، وفي قتال كسرى، وكان شباب شيبان من النصارى الأرثوذكس، غير أن هؤلاء النصارى هم العرب الأقحاح وقد نالهم من الأذى ما نال العرب طيلة فترات الاستعمار. وقد أكدت الدراسات بالمقابل أنّ النصارى العرب لم يعانوا من الاضطهاد إلا في ثلاث حقب أ-الحقبة الأولى: أيام الاحتلال البيزنطي. ب-الحقبة الثانية: حقبة الغزو الصليبي الذي برز حقده على العنصر العربي مسلماً كان أم مسيحياً، وما أورده المؤرخون من مذابح، ونهب وجرائم في أنطاكية وغيرها يشهد على ذلك. ج-الحقبة الثالثة: أيام الاستعمار الغربي الحديث. بعد أن دلّلنا على فكرة عروبة الإسلام وإسلام العروبة. لا بأس أن نقول: إن هذه هي الفكرة التي كان يراها الآخرون عدواً رئيسياً. فقد بدأ أعداء الأمة في الداخل والخارج ومنذ اليوم الأول المؤامرات، والدسائس للفصل بين العروبة والإسلام، فكانت الشعوبية التاريخية التي نزعت إلى قوميتها أهم الأعداء الداخليين طبعاً بعد اليهود الذين كانوا دائماً ماثلين في كل جريمة، ومؤامرة للنيل من الأمة. فضلاً عن الدول الاستعمارية التي لها مصلحة في تقويض الدولة العربية الإسلامية. وبقي العداء اليهودي والاستعماري عداءً مرجعياً. لأن الأمة العربية برسالتها حملت مشروعاً حضارياً توحيدياً لله، وتوحيدياً للغاية والمنهج شمولي الهدف، إنساني الغاية عالمي الدعوة، وهذا لا يتوافق إطلاقاً مع المشروع اليهودي المشروع الأناني الذي ينزع إلى الهوى، والذي هو أيضاً شمولي الهدف لكنه عولمي الدعوة فئوي الغاية ولأن الغاية عنده تبرر الوسيلة. فهو لا يتورع عن استخدام أي وسيلة، ولا يقيم وزناً لأي مقدس فهو يعيش على دماء الناس وكرامتهم. والعداء المرجعي دائم لا تغيّره الأيام، ولا تحوّله السنون، وكل من اعتمد المرجعية اليهودية فهو بالضرورة عدو للعروبة والإسلام. لذلك انطلقت التصريحات، والتلميحات الإمبريالية التي وضعت الإسلام الأيديولوجية الأخطر في العالم عليها. ومن الجهة الأخرى فقد ظهر سلاح داخلي استخدمه أعداء الأمة يصب في مصلحتهم وأعني تهميش الإسلام وتغييبه عن الفاعلية الأساسية في تكوين الشخصية العربية المتميزة، وكان ذلك جلياً في تغريب بعض المثقفين للفصل بين العروبة والإسلام مستخدمين بذلك أسلحة فتاكة أهمها محاربة العروبة بسلاح الإسلام، ومحاربة الإسلام بسلاح العروبة، وقد كانت هذه الأسلحة هي الأمضى لأنها طعنة الابن وسيف الأخ. وظلم ذوي القربى أشد لأن الداء الداخلي أفتك بالجسد. وكما قدمنا فقد تعاظمت هذه الطروحات العدائية في بداية القرن العشرين، وقد ساهم في تفاقم أمران الأول: طرح أفكار ذات نزعات قومية، وشعوبية واضحة من قبل الآخرين، والثاني انبهار الغرب، وتأثر بثقافته وتبعية غير مدروسة من قبل بعض أبناء الأمة وقد كان ذلك واضحاً جلياً في كتابات جبران، والريحاني وعلي عبد الرازق في كتابه أصول الحكم حيث يقول: الإسلام شرع تبليغيّ وليس شرعاً تطبيقياً، وبمقابل ذلك ظهرت أفكار سياسية من مفكرين قوميين، وطنيين غيورين. أمثال فيكتور سحاب الذي يقول: (إن أعداء الأمة من النصارى يرون أنّ على الأكثرية المسلمة أن تتخلّى عن إسلامها حتى تصبح أهلاً لحمل الفكرة القومية، وأنا أرى أن القومية تعبير عن شخصية معينة، والعروبة لها خصائصها الرئيسية تفاعلها مع الإسلام حيث علاقتنا بالإسلام لا تحتمل دولة علمانية لأننا لا نستطيع أن نتخلى عن الإسلام لأن الإسلام ليس ديناً فقط. وإن هذا النتاج الحضاري الذي أسميه الحضارة الإسلامية يحيل في حياتي أنا المسيحي العربي نسبة 90% وهناك جزء اختلف فيه عن المسلم وهو المتعلق بشكل مباشر بمراسم الصلاة)(23). وقد أوهمت القوى الاستعمارية بعض النصارى أن هناك خطراً من الأكثرية المسلمة على الأقلية النصرانية، وأنهم قدموا لحمايتهم فتنبّه الساسة، والمفكرون النصارى العرب ففضحوا ألاعيب الاستعمار، وكشفوا زيف ما جاء به. فهذا الياس خوري يقول: (هل الخطر في المجتمع العربي هو على الأقليات؟ بينما السؤال الحقيقي يبدأ بالملاحظة بأنه منذ بدايات الضغط الاستعماري الغربي على المنطقة انصب الهجوم على الأكثرية والأرض وذلك لتفتيت الأرض إلى دويلات وتحطيم الإسلام بكتابات عنصرية ومناهج تعليمية مفروضة)(24). وقد يكون فصل الدين عن الدولة بأشكال أخرى منها تسطيح الفهم للإسلام عند المسلمين ومنها تفتيت العروبة بالنزوع إلى انتماءات ضيّقة قطرية أو إقليمية. وتبقى كل هذه الدعوات في حيز قليل التأثير طالما بقيت باستخداماتها السياسية لكنها حينما تتعدى ذلك إلى الفكر تصبح السلاح الأخطر لأنها ستكون معممة، لذلك نرى أن أخطر من حارب الإسلام والعروبة هم أولئك الدارسين الذين قطعوا حلقات التاريخ عن بعضها وجزءوا الوطن وفتّتوه، واستلبوا الإنسان العربي حتى صنّفوه بخانات وتصنيفات لا يلتقي في نسب وانتماء مع أخيه. فقسموا العرب كما قلنا إلى ثلاثة أقسام (عاربة- ومستعربة- وبائدة)، وإلى انتماءين (السامية والحامية). وقد جاء من يرى أيضاً أنّ الحضارات التي قامت في بلاد الشام والرافدين ومصر الفرعونية كلها لا تمت إلى العروبة بصلة فهي مضافة إلى شعوبها التي حملت أسماء فرعية جعلوا منها انتماءات رئيسية، وجعلوا لنا شركاء في حضارتنا، ورأوا في الفتح العربي الإسلامي غزواً لبلاد الشام، والأصقاع الأخرى. وقد رأينا في موضع سابق كيف درس المستشرقون لغة أوغاريت وجعلوا لها مدلولات غير التي تعني ومن ثم جعلونا نسير وراء هذا الانتحال التفريقي فصدرت دراسات ليس لها هدف إلا هذا التمزيق المتعمد للأمة. فهذا ميشال عيساوي في كتابه "مشكلاتنا القومية" يقول: (إن العرب هم الذين خرجوا من الجزيرة العربية في الجيش الإسلامي، وإن نسبتهم بالنسبة لعدد السكان الأصليين يساوي ثلاثين ألفاً على أربعة ملايين عدد سكان بلاد الشام في ذلك الوقت. وفي مقالة له بعنوان مساهمة العرب في الحضارة الإسلامية يقول: (إن هناك عدداً من المؤرخين يتحدثون عن الطب العربي، والعلم العربي، والفن المعماري العربي غير أنّه في السنوات الأخيرة واجهت هذه النظرية رد فعل عنيف لفت نظر العلماء إلى أن عدداً كبيراً من أساطين العلم، والفلسفة لم ينتسبوا إلى أصل عربي، بل أصل سوري، أو تركي، أو فارسي في معظم الأحوال. ويتابع د. عيساوي فيقول: إنه نظراً لهذا التضارب بالآراء حاولنا في هذا المقال أن نقدر مساهمة العرب في تكوين الحضارة العربية الإسلامية وأما الطريقة التي اتبعناها فهي: 1-دوّنا أسماء بعض الأعاجم الذين اشتهروا في جميع ميادين الثقافة فألفينا عدداً غفيراً من الكواكب الساطعة ثم أتينا بقائمة أسماء العرب الذين اشتهروا في هذه الميادين. 2-المترجمون من اليونانية إلى العربية مسيحيون نساطرة من أهل سورية والعراق وبعض اليهود وبعض الوثنيين (كثابت الحراني) أما النصوص الفارسية فقد ترجمها الفرس كابن المقفع وكان معظم الفلاسفة من الأعاجم ونذكر على سبيل المثال الفارابي وابن سينا ومسكويه والغزالي ولم يشتهر من العرب إلا الكندي. وكذلك العلوم الدينية، والكيمياء، والرياضيات، وعلم الفلك، والتاريخ والجغرافيا، والنحو)(25). ثم يخلص الأستاذ عيساوي إلى القول بأن العرب لم يسهموا بأي من الفنون عدا الموسيقى لأنها على اتصال وثيق بالشعر ثم يعتذر عيساوي من الترك لأنهم غمطوا حقهم للخلط بين كلمة فرس وعجم حيث كلمة عجم شاملة. وعندما أراد أن يدافع عن العرب ضربهم الضربة القاضية فقال يعزي قلة عدد العلماء العرب إلى قلة عدد العرب المحتلين الذين دخلوا إلى سورية ومصر ولضآلة عددهم بالنسبة للأنباط والفرس والترك. فمن هم العرب إذاً برأيه؟. وقد قلت إنها كانت القاضية لأن الكاتب لم يعترف إلا بأولئك العرب الذين جاؤوا من الجزيرة العربية أيام الفتح الإسلامي، ولأنه اعتبرهم محتلين لسوريا ومصر والعراق ونسيجاً آخر غير الأنباط فكيف استطاع هذا الكاتب أن يفصل بين العرب والعرب؟. وهكذا نرى أنه عندما تضيق الانتماءات وتسفّ الأهداف ينطلق الخلاف من هذه الرؤى الضيقة التي تصبح عند الإصرار عليها عدائية تخدم النزعات الشعوبية والإقليمية المفرقة، وتدعو إلى نزع الهوية العربية حتى عن أولئك العلماء الذين برزوا في الدولة العربية الإسلامية في أوج عطائها، وليؤيد بعضهم ما ذهب إليه يمكن أن يختلقوا أحاديث نبوية تؤيد أقوالهم، ويستندوا إلى أخبار متناثرة أكبر الظن أنهم اختلقوها اختلاقاً، أو أنهم حمّلوا النص فوق ما يحتمل، وأعني على سبيل المثال رأياً منسوباً لابن خلدون يقول: "إن العرب بدو هادمون للحضارة" ونحن نعتقد أن ابن خلدون إذا كان قد طرح مثل هذه المقولة فإنه كان يقصد بلفظ العرب الأعراب البداة وهي حالة عيش، وليست جنساً غير أن من جاء بعده بنى مدماكه على اللفظ وصاروا يفصلون بين العالم وانتمائه. وقد ناقش هذا الرأي كثير من الدارسين فمثلاً: - كازانوفا يقول: "من الصعب أن نحدّد هوية علماء الدولة الإسلامية لاختلاط الأجناس بالمصاهرة والموالاة". - مستشرق روسي اسمه بارتولد قال: "إن أكثر علماء اللغة، والفقه من العرب". أمّا عبد الوهاب عزام فقد ناقش رأي ابن خلدون بنقطتين أساسيتين قال: أ-وضع ابن خلدون العرب في مقابل غيرهم من الأمم فجعل أمة واحدة إزاء أمم كثيرة فظهر له بغير المثبت أن نصيب العرب في العلوم الإسلامية قليل. ب-نظر ابن خلدون إلى البيئة حين أراد أن يجعل العرب فرساً فقال عن علماء العرب الذين عاشوا في بلاد العرب عجماً(26). وقد رأيت أنّ من ناقش ابن خلدون فيما قدمناه ناقشه من الباب نفسه، وأعني باب التفرقة بين جنس وآخر. ولم أر أجمل من كلام الأستاذ محمد كرد علي في كتابه الحضارة الإسلامية: "إن من يقسم العلماء بالجنس فقد فاته أن من دخل في الإسلام من الفرس والروم وغيرهم درس في مدارس العرب وأخذ لغتهم وثقافتهم، ودينهم وعاداتهم فالكل عرب بالتربية والثقافة فالإنسان ابن بيئته وابن تربيته"(27). ونحن إذ نؤيد ما جاء عند كرد علي نقول: إن كرد علي من القلائل الذين وصلوا إلى هذه الحقيقة. وإن العداء سواء جاء من النزعة الإقليمية أو القومية أو الشعوبية أو حتى الإسلامية التي لم تلحظ عملية التفاعل الحاصل بين العروبة والإسلام فإنها تصبّ كلها في خانة العداء للأمة المكوّنة بعد الإسلام بكل مفاصلها. وعندما لا نفهم هذه العلاقة بين الدين بهويته الوطنية، ومقدساته. عندها يكون الدين عاملاً مفرقاً لا عاملاً توحيدياً. وبخلاصة القول يمكن أن نزعم أننا رددنا على الطروحات التي جاءت من هنا وهناك غير أننا لو نظرنا عبر مؤامرات التاريخ البعيدة، والقريبة لرأينا التكالب على هذه الأمة من كل حدب وصوب. فإذا كان المشروع الإسلامي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين قد نبّه الاستعمار إلى يقظة الأمة العربية، وخطورة هذه اليقظة على مصالحه فتنادت كافة الدول الأوربية لتقويضه باتفاقية سايكس بيكو، أو وعد بلفور، أو بمناقشة السبل إلى قطع الأمة عن هويتها. حيث برز ذلك بتدارس مجلس العموم البريطاني فصل العرب عن قرآنهم. وفيما بعد، وبالحقد نفسه تنادت الدوائر الاستعمارية أيضاً لتقويض المشروع القومي الناهض الذي بدأ غيوراً، وألهب المشاعر العاطفية لكنه انتكس انتكاسات كبيرة منها ما كانت أسبابها داخلية، ومنها ما كانت خارجية بحيث وقفت عازلاً متيناً بين المشروعين النهضويين، وأعني الإسلامي التنويري في نهاية القرن التاسع عشر، والقومي الفتيّ في النصف الأول من القرن العشرين، وبدل أن تكون كلّ خطوة باتجاه تحقيق المشروع القومي العربي هي بالضرورة خطوة في سبيل إكمال بناء مشروع الأمة التي نهضت معتمدةً على عمق استراتيجي إسلامي أرادت القوى المعادية أن تكون كل خطوة في بناء المشروع القومي العربي تقويضاً للمشروع الإسلامي وعلى حسابه. من هنا نرى أنّ محاولات تدمير المشروع القومي العربي غذيت استعمارياً بالإقليمية والقطرية والطائفية، وحتى الأممية بمفهوميها اليساري والإسلاموي، وبدت كمشاريع جاهزة لتشتيت الإنسان العربي المسلم، وضياعه في خضم تزاحم الانتماءات الضيقة التي أصبحت في كثير من الأحيان فوق الانتماء إلى الأمة بالإضافة إلى خلق حالة من الفردية في القرار، واستبعاد المشاركة في المسؤولية، وهذه الحالة يمكن أن نفسّرها بما سمّي باستقلال القرار الفلسطيني الذي أخرج المسلمين، ومن بعدهم العرب من دائرة الصراع، وقزَّم القضية الكبرى لتصبح على مقياس شخص واحد. فجرّ علينا كل الاتفاقيات الممسوخة التي شهدناها خلال العقد الأخير من القرن العشرين. ومن هذا التشتت استطاعت القوى الاستعمارية أن توظف الإنسان العربي المسلم ضد مصلحته، وتستهلك في الوقت ذاته مشروعه القومي الناهض، والذي كان كما قلنا سبباً في استنفار دوائر الدراسات الاستراتيجية الإمبريالية لاعتباره القوة الثالثة المؤهلة التي يجب تحطيمها. فهذا كيسنجر في كتابه استخدامات القوة يقول: (إن الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية داخلها شعور بالانتصار، والتحوّل إلى دولة عظمى مطلقة القوة فأخذت تحسب للقوى الأخرى حساباً مستقبلياً لتدميرها قبل أن تتشكل وقد تبين بعد عرض مجموعة من الاختيارات أنّ المنطقة العربية هي المنطقة الوحيدة المؤهلة لتكون القوة الثالثة لأن عناصر القوة موجودة فيها كأيديولوجيات حضارية واقتصادية وغير ذلك)(28). وهذا يعني أن الدوائر الاستعمارية لم تضعنا في أولوياتها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي كما تريد بعض الدراسات أن توضح. وإنما هذه المنطقة لم تخرج من أولويات حسابات تلك الدوائر. ومن كل ما تقدّم يمكن أن ندرك الحاجة إلى اتحاد المشروعين النهضويين الإسلامي والقومي، وأن ندرك أيضاً مقدار الهجمة على هذه الأمة إذا ما اتحد المشروعان، وعملا على إعادة بناء الأمة على أساسها المتين الراسخ. بقي أن نرد على فكرة صغيرة، وهي ما وقع بها كثير من الدارسين، وأعني عالمية الدعوة ومحدودية العروبة، وقد رأينا أن عالمية الدعوة انطلقت من هويتها العربية المفتوحة: "فالأمة المحمدية" هي الأمة المكوّنة بعد تزاوج رسالة السماء مع العروبة أمة ناهضة واعية أخلاقية تسير بالإنسان إلى شاطئ الأمان، ولولا أن هذا المصطلح وأعني (الأمة المحمدية) كان قد بدأ استشراقياً، ولا أريد للقارئ أن يتخذ موقفاً مسبقاً من هذه التسمية فإنني لا أتحرج من إطلاقه على الأمة التي تكوّنت من العروبة والإسلام. لأنني مدرك أن العروبة والإسلام جزآن لعين واحدة مبصرة، وإن أي انفصال لهما هو أشبه بالانفصال الشبكي فهو وإن أبقى على التسميات إلا أنه يؤدّي إلى العمى. غير أننا وبعد هذه الدراسة لا بد لنا أن نوضّح من هو المسلم الذي نخاطب من حيث موطنه وهويته والدولة التي يعيش تحت لوائها، وما هو واجبه وحقه حتى تبقى هذه العين مبصرة. وحتى نكون منصفين في طرحنا يجب علينا أن نفرّق بين المسلم الذي يعيش في العالم الإسلامي والمسلم الذي يعيش في العالم غير الإسلامي. فالمسلم الذي يعيش في العالم الإسلامي مسلم يعيش عالمه، وهذا له حق على المسلمين وعليه واجب تجاههم، وأمّا المسلم الذي ينتمي إلى دولة خارج العالم الإسلامي، ويعيش فيها فهذا له حق على المسلمين، وليس عليه واجب تجاههم فهو مواطن في البلد الذي يعيش فيه، تحكمه وتسري عليه قوانين تلك البلدان وعليه أن يحترمها بما لا يتعارض مع دينه وخلقه. وهذا يدخلنا دائرتي الحق والواجب، ومن خلال تعريفهما حيث الحق: نصيب واجب التأدية، والواجب: هو الفعل الذي في تركه ضرر على المجموع(29). فالعربي الذي يدين بأي دين عبادي غير الإسلام عليه واجب قومي وطني اجتماعي أخلاقي تجاه أمته المكوّنة بعد الإسلام، والتي شارك في بناء حضارتها وأعلنت للإنسانية منهجاً مساهماً فعالاً في بناء الحضارة الإنسانية. وعلى المسلم العربي الذي دخل العروبة ديناً ولغة وانتماء واجب قومي ووطني واجتماعي وأخلاقي حيث قوم المرء أهله وأهله الذين ارتبط معهم منهجاً ومصيراً وعملاً. ومن المفهوم نفسه جاء خطاب ربنا جل جلاله إلى نوح عندما دعا ربه لإنقاذ ابنه من الغرق بقوله: (ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين* قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح((45-46) هود. فالقرابة الحقيقية إذاً ليست قرابة الدم، وإنما وحدة المنهج. وعندما يرتبط الواجب بالدين ويتحول فرضاً عبادياً جهادياً لازماً، والواجب فرض عند الإمام الشافعي، ويعاقب على تركه وبهذا يكون للعربي المسلم، والمسلم العربي الحقوق نفسها، وعليهما الواجب نفسه في الدولة العربية الإسلامية، والتساوي في الحق والواجب يعني الوحدة في الانتماء. المراجع (1) العودة إلى الذات الدكتور علي شريعتي (2) لسان العرب- مادة عرب ابن منظور (3) تاريخ الإسلام السياسي الدكتور حسن إبراهيم حسن (4) عروبة الإسلام وإسلام العروبة محمد خالد عمر (5) (اللغة العبرية- ربحي كمال) – (إبراهيم أبو الأنبياء- عباس العقاد) - تاريخ العرب قبل الإسلام- جواد علي. (6) اللغات السامية إسرائيل ولفنسون (7) حضارة الحكمة والحكماء سعيد ملاعب (8) العرب من هم وما قيل عنهم محمد رضا كحالة (9) تاريخ الطبري محمد بن جرير الطبري (10) العرب واليهود الدكتور أحمد سوسة (11) أسطورة بعل وعناة الباحث حميدو حمادة (12) آراء ومواقف فايز إسماعيل (13) عروبة الإسلام وإسلام العروبة محمد خالد عمر (14) مشكلاتنا القومية الدكتور ميشال عيساوي (15) القومية العربية والإسلام (الندوة) مؤسسة دراسات الوحدة (16) المسيحيون العرب: (ندوة) مؤسسة الأبحاث العربية ط/1/1986 (17) العودة إلى الذات- مصدر سابق د. علي شريعتي (18) فكرة كومنولث إسلامي مالك بن نبي (19) لسان العرب- عن الأنساب لابن الكلبي ابن منظور (20) العودة إلى الذات- مصدر سابق د. علي شريعتي (21) المسيحيون والعروبة- دار الريس ط /2/1991 رياض نجيب الريس (22) المسيحيون العرب- مصدر سابق ندوة (23) المسيحيون العرب- مصدر سابق ندوة (24) مشكلاتنا القومية- مصدر سابق د. ميشال عيساوي (25) العرب من هم وما قيل عنهم- مصدر سابق محمد رضا كحالة (26) تاريخ الحضارة العربية ج1 محمد كرد علي (27) استخدامات القوة هنري كيسنجر (28) مقدمة الفقه المنهجي /رأي منسوب للإمام الشافعي/ |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |